في الحروب، يحصي المتقاتلون عدد القتلى وكأنه الإنجاز الأهم لهم، ويتبادل الصحفيون أرقام الضحايا في جداول تحتل الأهمية الأولى على شاشات الأخبار. أما السياسيون وموظفو المنظمات، فيركزون على مشاهد الدمار والدم، في ظن منهم بأنهم بذلك يدقون ناقوس الخطر.
في الحرب، وما بعدها، وحين يتوقف موسم القتل المباشر بكل صنوف الأسلحة، تبدو الصورة الواضحة للخراب. خلال استعراض هذه الصورة يكون النقص سمة عامة، الغالبية تركز على الأطفال كضحايا، وينفرد الصحفيون الاستقصائيون بذكر عدد الضحايا من النساء على حدة ومن الرجال على حدة، ويصوبون الأنظار إلى فداحة موت الأطفال والأمهات، وكأن كل الرجال مقاتلون! الضحية ضحية، مهما حاولت وسائل الإعلام التمييز بين صريع أو صريعة، بين طفل أو كهل، كل الدراسات الاقتصادية والاجتماعية ترتدي هنا ثوب الإنكار لمعنى موت الأشخاص، أي شخص كان، رجلا، أم امرأة أم طفل، المعنى هنا مجرد رقم.
اللافت في الرؤية العامة للمشهد هو غياب سمة الاستمرارية والمتابعة، المشاريع آنية التخطيط ومتكررة الأهداف، والاستدامة لا تعني البناء على ما تم عمله، بل تعني استمرار التمويل واستمرار النزيف، حتى لو تكررت نفس العناوين بنفس الأساليب ولنفس الأشخاص، لا خبرات متراكمة لمشاريع طويلة الأمد وتشغيلية، تولد من لدنها فرصا متجددة تستقطب أفواجا متتالية من المستفيدين/ات من برامجها وجدواها.
تبدو المقدمة طويلة وتغص بالتفاصيل قبل الوصول للفكرة الرئيسية، لماذا وكيف تُرك كبار السن وحيدين ووحيدات؟ لماذا تضخمت مشاكلهن/م حتى شكلت مشهدا مربكا وخانقا وعاجزا؟ لماذا عجزت كل البرامج عن إدماجهم/ن في الخطط الوطنية والإنمائية بل والتكافلية؟ والمبررات هنا ضحلة وسطحية، ليسوا بذات أهمية؟ أحوالهم / ليست إسعافية، إذن هم خارج الأولويات.
يبدو أن أحدا لم يخطط مشروعا من أجلهم في الأساس، ُتركوا للعناية الإلهية أو للرعاية العائلية الهشة، أو للنسيان والتجاهل، نعم إن توصيف ما جرى ويجري هو تجاهل تام واستنكاف جمعي ومؤسساتي عن تقديم الخدمات المطلوبة لهذه الفئة من السكان.
قد يقول البعض: “الأطفال في المرتبة الأولى من الأهمية لأنهم مستقبل البلاد!” وقد يقول البعض الآخر: “إن عملية التنمية لا تتطلب إدماجهم وتتجاوزهم نحو فئات شابة أكثر حاجة للعمل وللخدمات ولمشاريع التأهيل، وأكثر انتاجا وإبداعا وأقل تكلفة”.
يتعرض كبار السن للإهمال والتهميش، وتصبح حيواتهم ثقيلة يتمنون الموت بدلا عنها، وتبقى أحوالهم أسيرة الكتمان وكأنه هروب إلى الأمام من حقيقة ساطعة وموجعة، وتتحمل النساء العبء الأكبر، مع أن بعض الرجال يقوم بخدمة نفسه وحيدا، وأحيانا يقوم على خدمة زوجته أيضا في آن معا، لغياب الداعمين والمساعدين، بل قد يضطر الرجال للعمل في مهن لا تناسب أعمارهم وأجسادهم المتعبة كشطف الأدراج أو البيع على بسطات بائسة أو التسول، عدا عن غياب الضمان الصحي الذي يؤمن الاستشفاء الكريم للمتقدمين في السن وهو حق وضرورة.
سارة سيدة سبعينية غير متزوجة وبلا عائلة، فقدت كل مدخراتها خلال عشر سنوات من الحرب المكلفة والمرعبة، منحت بيتها لإحدى الجمعيات وهو يساوي الكثير مقابل أن تنتقل إلى دار عجزة عائد لهذه الجمعية، حيث يتم الاعتناء بها و “تطبيبها” وتقديم وجبات الطعام لها، هي الآن مصابة بكسر في عنق الفخذ، لم يجروا لها عملية جراحية تحت ذريعة أن وضعها الصحي لا يحتمل إجراءها، تشعر بالغبن والندم، لا شيء يعود للوراء، بيتها صار ملك للجمعية وهي تنتظر موتها بين ساعة وأخرى، وقلبها وعقلها في مكان مختلف.
طالما تقدمت بعض المنخرطات في قضايا المرأة مقترحات عديدة لبعض الجهات الرسمية أو الأهلية أو المانحة، لتأسيس مأوى للعجزة في بعض المدن، ملجأ للنساء الهاربات من العنف والتهديد بالقتل أو من الإجبار أو الاضطرار على العودة إلى بيئات غير آمنة عائليا ومجتمعيا، مأوى للنساء الوحيدات بلا عائلة أو أقارب، أو ممن سافر أبناؤهن وتركن وحيدات أو تحت اشراف الأقارب، أو المساعدات المرافقات غير الخبيرات، أو النساء المعوزات اللاتي فقدن بيوتهن أو تم طردهن من بيوت العائلة بعد إشغالها من طوابير المهجرين وفاقدي القدرة على شراء بيوت جديدة أو استئجارها، النساء المكتئبات أو فاقدات القدرة على خدمة أنفسهن وإدارة تصاريف حيواتهن اليومية.
تعمل حلا كمرافقة صباحية لسيدة وحيدة، يتكفل ابنها باجر حلا وتتكفل ابنتها بأجر مرافقة أخرى للفترة المسائية. لا مشكلة مادية في حياة السيدة مريم، يصر ولداها على تزويد والدتهما بكل شيء أساسي وكمالي، يدللان المرافقتين ويرسلان الهدايا لهما، كل أدوية الأم مرسلة من كندا حيث يقيم الولدان، لكن السيدة مريم لم تعد قادرة على تحمل وجود أيا من المرافقتين معها، تصرخ بهما، ترفض مساعدتهما، لا تسمح لهما بالأكل ، وقد تعرضتا للطرد من قبلها عدة مرات، شخص الطبيب النفسي إصابة السيدة مريم باكتئاب حاد وحاجة ماسة لمتابعة علاجها في مركز متخصص يضم أقرانا للسيدة مريم، شركاء وشريكات بنشاطات مختبرة وضرورية، باتت السيدة مريم مصدر خطر على نفسها وعلى المرافقتين، مما استدعى قدوم ابنتها من كندا وإغلاق بيت العائلة وإيداع والدتها في مركز غير مؤهل للعلاج والدعم النفسي، تعالج السيدة مريم بالإبر المهدئة والأدوية التي تكبح نشاطها البدني وردود أفعالها الطبيعية، بدلا من النشاطات المعاوضة والدائمة ، علاج متخلف وقاس، ولا يلبي إنسانية العلاج، لكن ما باليد حيلة ، هكذا تقول ابنتها وهي تبكي لأن والدتها لم تتعرف حتى إلى ابنتها.
وماذا عن كبار السن فاقدي الملكية والذين يضطر بعضهم للنوم في الحدائق أو في زوايا الأرصفة أو مداخل الأبنية؟ ماذا عن كبيرات السن اللواتي لم يفكر أحد ذات يوم بدمجهم في نشاط اقتصادي مدر للدخل، ليتم بعده تسويق ما صنعته أيديهم، فيؤمن لهم دخل داعم وإحساس بجدوى العمل وجدوى الحياة.
تعيش سامية وكأن حياتها كلها برنامج من المناوبات الليلية، كل يومين في بيت اخت لها، فقدت بيتها ولا تملك مالا لدفعه بدلا للإيجار، اجتمعت الأخوات الأربع وقررن أن تنام في بيوتهن بالدور، تحاول قضاء يومها في الطرقات أو في الأسواق الشعبية أو في الحدائق الحزينة والمكتظة بالغرباء مثلها، لتخفف من ثقل وجودها، تنسى في أي بيت تركت معطفها البني أو خفها المنزلي المريح، لا تفتح الثلاجة في أي بيت تنام فيه، وثيابها المتسخة يتعذر غسلها حسب الحاجة، عليها انتظار شقيقاتها ليسألنها عما ترغب بغسله. خارج الفهم الحقيقي لعملية التنمية، وتراكما لقاعدة تمييزية تخرج كبار السن من دائرة الأحقية بالرعاية، وبأن هذه الرعاية هي تنمية مجتمعية ترفع مستوى الحياة بشكل عام وتؤسس لتعاقد مجتمعي تشاركي ومؤسساتي، تغدو الحيلة ثقيلة، مرعبة وغادرة، وثقل الحياة غير قابل للتليين أو التخفيف، لأنه يحرم فئة واسعة ومهمة من حقوقها الإنسانية الأساسية.
تكاد أن تخلو البلاد من فئاتها الشابة أثناء الحروب وبعدها، وتبقى فئة المتقدمين/ات بالسن فئة واسعة العدد وخارج المشاركة، وقد يكسبها المجتمع لو استثمرت طاقاتها الحية ولو وظفت خبراتها المتراكمة في إحداث تواصل معرفي ووجداني منتج، لابد من تخفيف وطأة الحياة الثقيلة ودعم كبار السن، ليس من أجل حياة أكثر عدلا وإنسانية، بل من أجل مساواة مواطنية، حقيقية وبناءة.
وإن كانت الحروب هدامة، فالمساواة وحدها الكفيلة بالبناء، التنمية عملية متواصلة وتعنى بالجميع، أطفالا وشبابا وكهولا.

دمشق في 30 أيلول 2021

 الصورة: محمد تاج الدين، دمشق