يوميّات إلا قليلاً!

حمص 2011

من مكان يعيش فيه الأحياء كالأموات

من مكان قطعوا عنه كل شيء يضج بالحياة

باب السباع تلك البقعة التي يستخدم أبناؤها قلوبهم لإنارة الطرق

تلك البقعة التي أصبحت حقل تجارب لكل أنواع الأسلحة،

تلك هي حارتي التي تبكيني كل موت وأبكيها كل مساء،

من هنا نشأت وبدأت حكايتي مع الحرب والدمار

صباح الجمعة 2011

أصوات الطلق الناري تعلو.. لم يكن الصوت مألوفاً،

الحي يسوده التوتر لا أحد يمشي في الشارع الكل يركض باتجاه بيته.

لم يسأل أحد من أين أتت أصوات الرصاص وكأن الجميع يعلمون أنها بداية الحربفي ذلك اليوم لم أنم. كان مشهد الجثث التي تم سحبها في الشارع الذي يقبع تحت منزلي كفيلة بإصابتي بالأرق

الحرب تتصاعد مع تصاعد الأرواح والشهقات الأخيرةعيوننا أنا وعائلتي مسمرة على التلفاز وكأننا ننتظر إصدار الحكم علينا!

جميع الإذاعات تتكلم عنا.. نحن القابعين هنا بين أصوات المدافع والرشاشات.

لبيتنا رائحة الكبريتجميع أفراد عائلتي في حالة ترقب وتوتر.

أبي طريح الفراش فقد كان يعاني من الديسك والتهاب في الفقراتمنعه الأطباء من الحركة على إثرها.

الأيام تمضي والحرب تشتد، قرار منع التجول يزيد حذف ساعات أكثر كنا نستطيع الخروج بها.

وصل قرار منع التجول للساعة الثانية عشرة ظهراً.

لا كهرباءجميع خطوط الكهرباء تعطلت إثر الاشتباكات العالقة بين المعارضة والموالاة.

أذكر أننا أمضينا حوالي ال 20 يوم متواصلة دون كهرباء ولا هواتف لا أحد يعلم عنا شيئاً حتى جيراننا لم نستطع التواصل معهم.

كنا نقبع داخل منزلنا في الكوريدور المؤدي إلى المطبخ لأنه المكان الوحيد الذي ليس له إطلالة على الشارع.

مددنا فراشاً لأبي على الارض وجلسنا اصطفافاً في مساحة طولها 3 أمتار وعرضها متران

عشرون يوما كانت كفيلة أن نستهلك كل ما لدينا مونة الطعام.

باب السباع نهاية 2012

ذات مساء في يوم روتيني يعج بالدم

كنت وعائلتي نمارس حياتنا الاعتيادية

أنا أرسم وإخواتي يشاهدون التلفاز، أبي ممدد على فراشه وأمي تطبخ،

فجأة حدثت الكارثة صوت دوي قوي في بيتنا،

اهتزت لوحاتي ووقعت اختفى صوت الموسيقا التي كنت أسمعهاهرولت مسرعة باتجاه إخوتي الجميع على الأرض

أبي دفع بنفسه ونزل تحت السرير،

الجميع بخير؟ تصاعدت صيحاتي

نعم كان الجميع بخير.. لكننا فقدنا جزءا من بيتناالدوي كان دوي قذائف ضربت بيتنا والبيت المقابل لنا.

في اليوم التالي وضبنا أغراضنا الشخصية وبدأنا بالبحث عن مكان ننتقل إليه.

الغريب في الأمر أننا في كل مرة كنا نسأل فيها مكتباً عقارياً عن منزل شاغر.. كنا نتعرض لبعض الأسئلة:

من أين أنتم؟

ما عملكم؟

ما الذي أخرجكم من بيتكم؟

والسؤال الأكثر غرابة كان:

ما هي ديانتكم؟

بعد يومين وجدنا منزلاً صغيراً بالقرب من بيتنا لكن في حي آمن، أذكر أن أجار المنزل كان مرتفعاً جداً يوازي خسارتنا

دمشق 2013

عدت إلى متابعة الدراسة في كلية الفنون الجميلة بدمشق، الحرب تمتد إلى دمشق وتتبعني، وكأن الهرب في هذه البلاد دون جدوى

لم أستطع أن أرسم بشغف، كان الرسم في الماضي يشغل تفكيري وقلبي، لكن الحرب كانت تمنعني في كل مرة أحاول بها الحياة بسلام

لم اهتم بالجامعة وبدأت العمل في إغاثة العائلات النازحة مع عدد من أصدقائي المختلفين في الطوائف والانتماءات، بدأت بتوسيع شبكة علاقاتي والتعرف على أشخاص مختلفين.

فمنذ صغري وأنا أحمل تربية كنسية لم تسمح لي بتقبّل الاختلاف.

كنت أخاف المسلمين وكل من كانوا لا يحملون ديانتي، أثناء عملي في الاغاثة اكتشفت أن المختلفين ليسوا بأشخاص سيئين، بل هم من يشاركونني قيمي الانسانية ووحدة الألم والوطن

دمشق نهاية 2013

خسرت الكثير من أصدقائي الذين يتعصبون للدين المسيحي ففي نظرهم أنا أتعاطف مع عائلات الإرهابيينالذين يريدون قتل مسيحيي سوريا والتنكيل بهم!

كانت الغالبية العظمى من أصدقائي المسيحيين يقفون مع النظام السوريوينتمون لأحزاب تنطوي تحت موقف النظام كالحزب السوري القومي والحزب الشيوعي التابع لخالد بكداش

دمشق 2014

تابعت دراستي في كلية الفنون الجميلة، سكنت في حي باب شرقي وهو أحد أحياء دمشق القديمة، قمت بعمل العديد من ورشات الرسم المجانية لهم والقيام بعدة نشاطات صغيرة للدعم النفسي عن طريق الألعاب والرسومات

كانت مشاهد الأطفال وهم يرسمون كفيلة بأن أقوم كل يوم جمعة بالقيام بنشاطات كهذه دون التفكير في مخاطرها الأمنية والشخصية خاصة أن المكان الذي استخدمته غير مرخص“!

مع مرور الوقت اعتدت الحرب واعتدت كيفية التعامل معها، لم أعد أتحدث بالسياسة والدين. كنت أكتفي بخلق عالم كامل من اللوحات التي تعبر عما رأيته وعشته في هذه السنوات.

رسمت عدة لوحات تعبر عن المجازر وأخرى تطالب بحقوق الطفل والمرأة، استسلمت للصمت اللفظي كسائر الناس من حولي لكنني كلما رسمت أكثر كبر الألم الدفين داخلي

دمشق 2015

بدأت رحلتي مع الاكتئاب.

أصبحت أيامي تمضي أمامي وأنا كالمشاهد العجوز لا أقوى على تغيير ولو حتى أصغر تفصيل في حياتي، أدمنت الكحول كنت أريد أن أنفصل عن واقعي السيء بأي طريقة.

لم تعد تهم كمية الأصدقاء من حوليالجميع في نظري أصدقاء مرحليونخاصة بعد خسارتي لعدد منهم أغلبهم توفي في الجيش وآخرون في الاشتباكات، خسرت العديد على اختلاف آرائهم وانتماءاتهم السياسية والدينية.

تعلمت أن الحرب لا تميز الاختلاف الجميع لديها على حد سواء، الكل مشاريع لضحايا جدد حتى أنا في كثير من اللحظات.

دمشق نهاية 2015

تخلصت من إدمان الكحول وكانت تلك الفترة فترة تمرد على كل شيء سيء. بدأت فترة الإصلاح، بدأت من نفسي وقمت بإعادة الاهتمام بالجامعة، عملت مع الكثير من المنظمات الإنسانية التي تعنى بحقوق المرأة والطفل.

قمت بعدة نشاطات ومعارض تمكين اقتصادي للنازحات، كنت أعلمهم العمل بالصوف والإكسسوار كمحاولة صغيرة مني للتغيير في وضعهم الثقافي والمادي، خاصة أن المرأة باتت هي المعيل الوحيد لعائلتها في ظل غياب الرجل! وقد حققت عدة من القصص الناجحة لنساء نازحات استطعن البدء بمشاريعهن الصغيرة وكسب المال منها.

دمشق 2016

كان علي أن أعمل لمشروع تخرجي من الجامعة، رسمت العديد من اللوحات في فترة قياسية لم تعد تؤذيني أصوات الطيران والمدفعية، كان علي أن أعيش بالرغم من أن كل شيء من حولي يمنعني من ذلك

قمت بعرض مشروع تخرجي في الشهر التاسع من السنة وقوبلت بالكثير من النقد بسبب استخدامي للألوان الباهتة والرماديات.

كان مشروعي عن المرأة البدينة وعن ارتباطها بأنوثتها بالرغم من شكلها البدين، حقق المشروع نجاحاً مقبولاًوبعد انتهائي منه عدت لفترة العمل الإنساني وتابعت العمل مع منظمات المجتمع المدني حيث قمنا أنا وبعض الأصدقاء بالعمل في تجمع يعنى بالفن التصويري وإقامة عدد من العروض السنيمائية ومناقشتها مع الشباب.

دمشق 2017

بدأت معركتي مع الفشل! بعد مرور عدد كاف من سنوات الحرب لم أعد باستطاعتي العمل بنفس القوة

الأوضاع المادية سيئة مع القليل من العمل، الخوف من الغد أمسى كابوساً يومياً، ذهبت إلى أخصائي نفسي بعد أن انتكست من جديد.

ووصف لي بعضاً من الأدوية المضادة للاكتئاب، والتي كان تأثيرها سلبياً علي بعد أن رافقتني بسببها حالة من الهلوسة كنت سأنتحر بسببها.

أوقفت الدواء وأنا الآن أعيش مثل أي مواطن سوري، أعاني هشاشة في القلب وفي الحياة، أتمسك ببعض من بقايا أحلام كنت قد رسمتها منذ زمن ليس ببعيد

لم أعد أرسم كثيراً، انشغالي بأمور الحياة ومتطلباتها منعني من المضي قدما في الفن.

لم أكتب عن تجربتي إلا لأنني أملك قناعة بأن أحدا ما سيقرؤها وسيشعر بنموذج من الكثير من النماذج السورية ها هنا في الداخل.

لعلني سأتابع الكتابة عن هذه التجربة وأزيدها بكل يوم غزارة علني أصل إلى صفحة بيضاء أستطيع البدء بها من جديد.