* تُنشر هذه المادة ضمن ملف “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

يكتسح فيروس كورونا شاشات الأخبار ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي  وكأنه يغزوها فيصيبها في مقتل، يتجاوز الشاشات ليحضر بقوة بين الناس، في البيوت وفي الغرف الضيقة وفي المطابخ والمدارس ومراكز العمل وصولاً للأسواق والأمكنة العامة والطرقات والمشافي.

في المصعد تتردد الأصابع بالضغط على رقم الطابق المراد الوصول إليه، الجميع يحتاج لمغامر يُبادر لضغط زر الإقلاع. يتردد السوريون بخجل في إعلان عدم رغبتهم بالتقبيل ولا حتى بالمصافحة. البعض يُحيي ملوحاً بيديه من بعيد والبعض الآخر يرمي قبلات طائرة في الهواء، والبعض يحافظ على عاداته بالحضن والتقبيل المبالغ به في حالة نكران معلنة.

في البداية تعامل غالبية السوريين مع الخبر بالسخرية أو باللامبالاة، قالوا إنهم موتى منذ سنين تسع، ولن يزيد فيروس سخيف من مآسيهم المتعددة والتي تبدو مستمرة دونما توقف أو تباطؤ. لكن الوضع تغير بعد القرار الرسمي بتعطيل المدارس والجامعات وبتقليص ساعات دوام العاملين في القطاع العام والخاص وفي البنوك والشركات والمؤسسات المالية، وذلك اعتباراً من الخامس عشر من آذار وحتى الثاني من نيسان. أوقف هذا القرار كل النشاطات الجماعية من مباريات رياضية أو رحلات المسير أو الندوات والمحاضرات والاجتماعات العامة، حتى أن القرار أُلحق بتأكيد على وقف الصلوات الجماعية في المساجد والكنائس، واستكمل رجال الدين التعليمات بحيث دعوا إلى التقليل قدر الإمكان من المشاركة بالجنازات وبالتعازي. كما  دعا الأطباء والمسؤولون الصحيون الى التقليل من عدد مرافقي المرضى، لدرجة وصل الأمر بالبعض إلى الدعوة إلى حملة عنوانها “خليك بالبيت”  حفاظاً على السلامة وتجنباً للعدوى. تلاها حملة عنوانها “نحنا قدها” تقدم النصائح والتوعية والخدمات الممكنة للناس الذين اختاروا عزلاً طوعياً أو أن سنهم المتقدم أو إصابتهم بأمراض مزمنة دعتهم لتجنب أي اختلاط وامتنعوا عن مغادرة بيوتهم حرصاً على سلامتهم وأملاً بالتخفيف من أية إصابة محتملة ولو برشح عادي قد تتضاعف آثارها وتجعل من إصابتهم فرصة محتملة تهددهم بالخطر بسبب ما يعانون منه من أمراض تجعلهم عرضة للإصابة المباشرة أو الأكيدة بفيروس الكورونا  ومضاعفاته التي قد تكون مميتة لهم.

وعلى الرغم من أن الجائحات الخطرة عادة ما تترافق بحالات هلع شديدة تدفع الأفراد للتخزين المبالغ به وخاصة للأدوية والمواد الغذائية والمعقمات ومواد التنظيف، إلا أن الحركة التسوقية في دمشق كانت باردة بشكل عام، ماعدا بعض المناطق المزدحمة مثل مساكن برزة وجرمانا، اللتين شهدتا مبالغة في زحف الأفراد وخاصة إلى المخزنين الكبيرين فيهما (مول قاسيون ومول جرمانا ). وتقول سيدة (لا تريد الإفصاح عن اسمها) تسكن في جرمانا بأن مول جرمانا شهد ازدحاماً مرعباً يوم السبت، فرغت بعده الرفوف من المواد الأساسية، وتقول إنها رأت بعينها فواتير البعض التي وصلت إلى ما فوق المائة ألف ليرة، وهو مبلغ كبير في سورية تعجز الغالبية عن أن تملكه، وإن توفر لها، لا يمكنها إنفاقه دفعة واحدة لحاجتها لمبالغ كبيرة لإنفاقها في مناح حياتية متعددة.

نقلت سيدة أخرى على صفحتها على الفيس بوك معاناة سائقي التكسي الذين يعانون من قلة الطلب على خدماتهم، بسبب قرار الغالبية بالجلوس بالبيت، أو بسبب نقص السيولة الذي يعتبر سمة عامة للسوريين، وقد قال أحد السائقين والذي قرر ارتداء الكمامة للوقاية قدر الإمكان من الاختلاط بالركاب بأن الراغبين باستقلال سيارة أجرة كانوا يعدلون عن الطلب إليه للتوقف لنقلهم إلى وجهتم فور رؤية الكمامة، توجساً من إصابته بالكورونا أو من وساوسه حسب توصيفهم في ظل ترد شبه عام للوعي الصحي وفي ظل ثقافة شعبوية تعوّم مفاهيم التوكل والقدرية والتردد والعزوف عن تنفيذ أية تعليمات وقائية كائناً من كان مصدرها، إضافة لفقدان الثقة بكافة الإجراءات الرسمية. كما أشار إلى شكوى سائق آخر من روائح الكحول والمعقم الذي يسكبه الركاب على أيديهم وأجسادهم للوقاية، مما يسبب له الاختناق نظراً لإصابته بالتحسس المزمن. ويضع بعض سائقي الحافلات العامة الكمامات على وجوههم ومن لا يحتمل بقاءها على وجهه يترك المقعد الملاصق له مطوي الظهر وفارغاً كي يخفف قدر الإمكان من التقارب الشديد مع راكب قد يكون مصاباً.

وقال لي أحد المعارف مُعلقاً على حال السوريين بعد قرارات التعطيل واتساع انتشار فيروس كورونا وتوصيفه كجائحة عالمية، بأن لا شيء تغير في أحوال السوريين سوى أنهم انتقلوا من خطاب “الله يفرّج” لخطاب “الله يتلطف”!! مشيراً إلى أن البؤس وضيق ذات اليد وتعثر النمو الاقتصادي والأمان النسبي بقي على حاله لكن الخطاب يتبدل لمراعاة الظروف المستجدة.

اللافت في تعامل السوريين مع جائحة فيروس كورونا هو الازدحام الخانق على الأفران العامة والخاصة، حتى خبز السندويش شهد طلباً زائداً عليه، وكذلك الكعك الحلو والمالح والتوست وكافة أنواع المعجنات. ويسعى السوريون بشكل دائم لتخزين الخبز، لأنه ملحهم وقوتهم اليومي ولأن الفوز به يتطلب وقوفاً طويل الأمد في طوابير لشرائه، حتى أفران خبز السكري شهدت تزايداً بعدد طالبي الخبز وبازدياد الكميات المطلوبة وخاصة أن مرضى السكري يرغبون بتخزين الخبز في ثلاجاتهم ومن ثم الاستسلام للحجر الطوعي بعد أن اطمأنوا إلى توفر الخبز القابل للعيش فترة طويلة والصالح للمشاركة مع أي مادة غذائية أخرى لتتحول المادتان إلى وجبة كافية.

ولابد من الإشارة إلى نفاذ مادة الكحول الايتيلي من الأسواق والتي تم التوجيه بأنها المادة الأكثر توفيراً للوقاية وللأمن الصحي. وقد شهدت الصيدليات ازدحاماً خانقاً أيضا للحصول على الكحول وعلى المعقمات الشخصية وعلى الأدوية للأمراض المزمنة وأدوية التهابات الأطفال وخافضات الحرارة والكمامات. وقد وصل سعر الكمامة الواحدة إلى ثلاثمائة وخمسين ليرة بعد أن كانت تباع بخمسين ليرة فقط، هذا بالإضافة إلى ارتفاع فجائي وسريع بأسعار الخضراوات والفواكه وخاصة الليمون والحمضيات والبطاطا لزيادة الطلب عليها، خاصة لما أشيع عن فوائدها الطبية وعن إمكانية تخزينها.

وإن استقبل السوريون أخبار فيروس الكورونا بالسخرية وبترويج الفكاهات والنكات وبتحويل كلمات الأغاني الشعبية مثل الدلعونا إلى كلمات تناسب وتعاصر انتشار فيروس كورونا، إلا أن السخرية المُرة أيضاً طفت على السطح وانتشرت بخيبة وبمرارة، خاصة حيال إجراءات الحماية المطلوبة والضرورية في خضم حاجات يومية لا يمكن للسوريين تلبيتها دونما الانتظام في طوابير لا تؤمن السلامة لأحد، لابل تهدد السلامة الشخصية بشكل مباشر، مثل الوقوف في طوابير للحصول على مخصصات الرز والسكر والمواد التموينية المخفضة والتي تباع حصراً في المؤسسات العامة الاستهلاكية وكذلك الوقوف في طوابير لاستلام الرواتب الشهرية من الصراف الآلي. هذا عدا عن الازدحام في المشافي العامة، رغم أن حالات عديدة لجأت للمشافي بدافع الهلع فحسب ومع مرافقة عددية كبيرة من الأهل أو الأصدقاء أو الجيران، مما فاقم من حالات الازدحام ومن تعثر تأمين سرعة الفحص والتشخيص وتقديم الإسعافات أو المساعدات الطبية اللازمة.

أما الأطفال فقد تعاملوا مع قرار العطلة وكأنه مكافأة لهم، لدرجة أن طالباً قال لمديرة مدرسته الجديدة: (أنت أحلى مديرة بالعالم ع وجهك إجت كل العطل!). أما ذوو الطلاب فقد شعروا بمسؤولية مضاعفة، تفرض عليهم البقاء في المنزل مع أطفالهم وإن اضطروا لأخذ إجازات طويلة من العمل ومحاولة تعويض ما سيترتب من نقص علمي لأن الدراسة توقفت وبالتالي فإن إعطاء المنهاج كاملاً خرج عن دائرة التحقق.

وقد أخبرتني إحدى الأمهات أنها فكرت بالسفر إلى قريتها لأن الجو أنظف وبيت القرية أوسع، لكنها خافت من الانتقال بالحافلة الضيقة والتي لا يراعي فيها أحد شروط السلامة العامة، عدا عن أن أجرة التنقل باتت مكلفة ومرهقة جداً والبيوت في القرية خالية من التدفئة والمونة.

هذا وقد سعى بعض الأساتذة لدعم طلابهم بدروس عبر الانترنت. أما أهالي طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية فقد نظموا زيارات الأساتذة الخصوصيون لأبنائهم لتقديم الدعم اللازم والمراجعة الشاملة والواجبة للمنهاج متضمناً كل الدروس التي لم تُعطى لهم، في محاولة لتعويض كل ما خسروه في الصفوف بسبب قرار العطلة قبل وقت الانقطاع الطبيعي.

ينتظر السوريون\ات بلهفة وقلق انحسار جائحة فيروس كورونا، ليعودوا إلى أعمالهم التي توقفت لتتوقف أرزاقهم معها، وليخففوا من الأعباء المالية الطارئة لتأمين السلامة الشخصية وشراء الأدوية والكحول والمعقمات، وليشعروا أن عبئاً جديداً قد انزاح عن صدورهم المثقلة بالخوف والحرمان والنقص شبه الدائم والمتفاقم لأساسيات حياتهم اليومية في كافة مناحيها. مازال البعض متأملاً بقدرة خارقة تُنقذهم، متجاهلاً فرضية الانتشار والخطورة الفائقة للوباء المرعب، بينما تتصاعد مخاوف المختصين وخاصة الجسم الطبي والعقلاء من لحظة انفلات للفيروس لن يقدر حينها أحد ولا بأية مقدرة من القضاء عليه أو لجمه. أما مجمل السوريين\ات فيتأملون بحل خارق أو بضربة حظ تُنقذهم من وباء الكورونا.