* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “في العقد الجديد، إلى ماذا يشتاق السوريون؟

مع تقلبات حياة السوريين وتمزّق الجغرافيا السوريّة بعد عقد دام من الثورة/الحرب، بات موضوع هويّة سوريا والسوريّين واحدًا من أبرز الموضوعات المثيرة للجدل على الساحة الوطنيّة والسياسية والاجتماعيّة السورية، وهو ما دعانا إلى طرح هذا الموضوع مع عدد من النخب السياسيّة والأكاديميّة السورية المنشغلة في هذه المسألة، فكان أن استضفنا في هذه الفسحة الحواريّة كلًّا من: السياسيّة والباحثة الأكاديميّة في علوم الأنثروبولوجيا والبيئة الدكتورة سميرة مبيض، عضوة اللجنة الدستوريّة السوريّة عن كتلة المجتمع المدني، والباحث الأكاديمي السوري، بروفسور. دكتور. نجيب جورج عوض، بروفسور اللاهوت المسيحي والفكر المسيحي الشرقي، ومدير برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة والعلاقات الإسلاميّةالمسيحيّة في كليةهارتفرد للدراسات بينالدينيّةفي كونكتكت بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، والكاتب السياسي والمعارض الكردي السوري البارز صلاح بدر الدين، والكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور مضر الدبس. ووجهنا لهم الأسئلة التالية: هل كان للسوريّين هويّة جامعة قبل عشر سنوات؟ ما الذي كان يجمعهم؟ وماذا حصل لهذه السرديّات الجامعة الآن؟ ومن قبل هل كان النسيج الاجتماعي السوري متماسكاً فعلاً قبل العقد الدامي أم مجرد مظاهر سطحية للعيش المشترك؟ وأخيرًا، ما هي المآلات المستقبليّة للهويّة السورية الجامعة/المتعدّدة؟ فكان هذا الرصد لإجاباتهم..

مبيض: خلق مسار صاعد يضمن تجدّد الهويّة السوريّة

بداية حديثنا كانت مع السياسيّة والباحثة الأكاديميّة في علوم الأنثروبولوجيا والبيئة

الدكتورة سميرة مبيض، عضوة اللجنة الدستوريّة السوريّة عن كتلة المجتمع المدني، والتي قالت لنا: إنّ استمرارية نظام الحكم الشمولي تعتمد على فرض هويّة واحدة ولا يمكن تسميتها بالهويّة الجامعة، بل هي حالة تعايش مُفترضة وفق الإطار المحدّد. يعتمد تحقيقها على القوة حيناً لمنع بروز هويّات أخرى، وعلى تغيير عوامل المحيط حيناً آخر لوسمه بالهويّة المفترضة. وذلك برأيي ما كان سائداً طيلة العقود المنصرمة، وبالتالي فإنّ تماسك المجتمع بدوره كان تماسكًا قائمًا على عوامل مرتبطة بالسلطة الحاكمة وبالإطار الأيديولوجي الذي فرضته لصنع هذا التماسك، ومنه أذكر بعض النقاط فيما يلي: 

  • عوامل أيديولوجيّة كنظريّة المؤامرة والتهديد الخارجي، أي نظريّة خلق العدو وبالتالي فرض التوحّد بمقابل هذا العدو المُفترض.
  • عوامل ثقافيّة كمنع تداول اللغات السوريّة المتعدّدة، وإغفال عوامل هامة من التاريخ السوري ضمن المناهج الدراسيّة أو توحيد اللباس المدرسي باللباس العسكري. 
  • عوامل سياسيّة كمنع نشوء تيّارات حزبيّة مختلفة عن توجّه تيّار الحزب الواحد القائد، والمرتبط بدوره بشخصيّة محوريّة هي الأب القائد للمجتمع والدولة. 
  • عوامل تسخير الأديان لخدمة السلطة تعتمد على النفاق الاجتماعي الظاهري والذي يقابله نشر الفتنة الداخلي غير المعلن بين هذه الأطياف والفئات.

تضيف صاحبة «الشهيدة السوريّة الأولى.. (تاريخ عائلة مسيحيّة تحت اضطهاد حكم الأسد، إنّ التراكم السلبي لهذه العوامل هي ما انفجر كشروخ عميقة بين السوريّين خلال عقد الثورة المنصرم. لا يعني ذلك أنّ الهويّة السوريّة الجامعة غير موجودة لكنّها لم تتبدَ خلال العقود المنصرمة لأنّ ظروف المحيط منعت ظهورها وحاربت كلّ ما يخرج عن الأطر المفروضة على المجتمع، فالهويّة بحدِّ ذاتها ليست مفهومًا ثابتًا بل هي مجموعة عوامل متداخلة وديناميكيّة تنتظم بتراتبيّة تُحَدّدها الظروف المحيطة والعوامل المؤثّرة، والعوامل الجامعة للسوريّين في هويّة مشتركة هي عوامل موجودة وقائمة وإحياؤها ممكن بشكلٍ تدريجي لغاية الوصول لتماسك مجتمعي مبني على عوامل حقيقيّة وليست زائفة أو مفترضة.

تتابع صاحبة «كيف أرى الثورة السوريّة»، قائلة: إنّ أهم هذه العوامل ترتكز برأيي على البعد المكاني والتاريخي لسوريا، وهذه العوامل تعبر بوضوح عن حالة تعدّديّة على كافّة الصعد، القوميّة، الدينيّة والثقافيّة أي أنّ الهويّة السوريّة الجامعة ليست نابذة لأيّ من مكوّناتها المجتمعيّة الطبيعيّة وتستطيع احتواءها جميعًا، في حين لا تستطيع أيّ من الهويّات القوميّة أو الدينيّة أو الثقافيّة احتواء التعدّديّة السوريّة، كذلك يمنح البعد المكاني والتاريخي الهويّة السوريّة سمة الانفتاح الإقليمي والدولي فهذه المنطقة شكّلت رافدًا هامًا لتطوّر الحضارة البشريّة على مرّ التاريخ. 

د. مبيض ترى في ختام حديثها معنا، أنه يبقى العامل الأهم لإحياء هذه الهويّة هو مواجهة التحدّي باندثارها الذي يقف أمامه السوريّون اليوم في واقع من التقهقر والتشرذم الإنساني، والذي قد يشكّل بدوره الدافع الأكبر لبناء هويّة جامعة على أسس صلبة تسمح بخلق مسار صاعد يضمن تجدّد الهويّة السوريّة واستمراريّتها. 

  • عوض: الفصل بين مسألة الهويّة ومسألة المواطنة والانتماء الدولتي

من جهته، أوضح الباحث الأكاديمي السوري، بروفسور. دكتور. نجيب جورج عوض، بروفسور اللاهوت المسيحي والفكر المسيحي الشرقي، ومدير برنامج الدكتوراه في الدراسات الإسلاميّة والعلاقات الإسلاميّةالمسيحيّة في كليةهارتفرد للدراسات بينالدينيّةفي كونكتكت بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، أنه في العقود السابقة للثورة السوريّة، لم يكن هناك هويّة جامعة ينضوي تحتها السوريّون. فالسوريّون لم يعط لهم الحرّية والحقّ بتشكيل وعيهم الذاتي بأنفسهم، بل فُرضت عليهم هويّة مسبقة الصنع جمعيّة (وليس جامعة) وشموليّة وصائيّة قرّرها لهم أصحاب السلطة والوصاية والمرجعيّة في المؤسّستين السياسيّة والدينيّة. لهذا لم يطوّر السوريّين بنيانًا متجانسًا وموحدًا في قلب تنوّعه، وعلى قاعدة هذا التنوّع ومن منطلق الاغتناء به.

يضيف صاحب «أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى: دراسات في الثقافة والدين والسياسة»، تحوّل التنوّع والتعدّد إلى عناصر مهدّدة للهويّة المؤدلجة التي اُسقطت على السوريّين من علٍ، إما وفق خطاب سياسي إيديولوجي قوموي وعروبوي، أو وفق خطاب تديني دوغمائي تطأيفي وثقافي عرقي تفريقي. ولا واحدة من تلك التوجّهات تخلق مجتمعًا متجانسًا على قاعدة التنوّع والتعدّديّة، بل تفرض تجانسًا مسبق الصنع على قاعدة الولاء والتماثل والتنميط. هذا الواقع ساد في سوريا قبل الثورة، وتعزّز وتمّ توظيفه منهجيًّا خلالها، وهو سيبقى في ساحة سوريا ما بعد الثورة أيضًا.

يتابع صاحب «ما بعد الحداثة.. ومستقبل الخطاب الديني في الغرب»، قائلًا: إنه من جهة أخرى، لا يجب للتجانس المجتمعي أن ينبني على مفهومالهويّة“. مؤكّدًا أنه لا يوجدبرأيي – “هويّة جمعية، فالهويّة خيار حرّ مرتبط بوعي الفرد لذاته وخياراته الشخصيّة الماهويّة. مضيفًا: أنّ العالم مابعدالحداثوي لم يعد يتحدّث عنهويّة جمعيّةشاملة، بل عن هويّات متعدّدة، أنا أسميهاهويّة سيروريّة متعدّدة الأوجه“. أضف لهذا، لا علاقة للنسيج الاجتماعي ووحدته وتماسكه برأيي بمسألة الوعي الذاتي (الهويّة). التماسك المجتمعي ينتج عن قرار الأفرادالواعين لذواتهمأصلًا ومسبقًا بالتعاقد المدني والدستوري مع بعضهم البعض وقرارهم الانضواء تحت مظلّة دولتيّة ودستوريّة اختاروا بحرّيتهم الانضواء تحتها والالتزام بها، لا بل وتشاركوا معًا وبشكلٍ متساوٍ ومتكافئ في صنع هذا الدستور وإدارة هذه الدولة المنبثقة عنه. هذا لم يتحقق بعد في سوريا في الماضي ولا يبدو لي أنه سيتحقق في المستقبل المنظور. علينا أن نفصل مسألة الهويّة (وعي الذات) (سواء الوعي السياسي، الثقافي، الديني، العرقي، الجندري، أو اللغوي) ومسألة المواطنة والانتماء الدولتي. فهما مختلفان عن بعضهما ولا يجب لإحداهما أن تتحكّم بحقوق الإنسان وواجباته أو أن تقرّره له فوقيًّا.

يختم صاحب «الله، الإنسان والشر»، حديثه معنا بالقول: إنّ الاجتماع المدني المواطني يقوم على تلاقي واجتماع الأفراد والجماعات الحرّ والتعايشي والتلاقحي، بمعزل عن الخيارات الهوويّة، ويقوم كذلك على قاعدة الانتماء الدستوري والدولتي والالتزام بهما. لافتًا إلى أننا لم نصل بعد لهذه المرحلة، وسوريا القادمة إما ستمر بمرحلة كارثيّة تفتيتيّة أو بمرحلة إعادة إحياء الوصائيّات والسلطات الفوقيّة والعرفيّة على الأفراد، قبل الوصول لها. 

  • بدر الدين: نحو دستور سوري جديد يضمن حرّية التعدّدية

بدوره، بيّن الكاتب السياسي والمعارض الكردي السوري البارز صلاح بدر الدين، في أنه منذ استقلال سوريا في ظلّ أوّل دستور انطلق من مفهومالأحاديّة القوميّة والثقافيّةوالسوريّون يبحثون عن هويّة وطنيّة جامعة، وبات البحث في تعريف الهويّة، وأعمدتها، وأسسها الثقافيّة، والاجتماعيّة، ومضامينها الإنسانيّة، وتجلياتها من بنى فوقيّة، الشغل الشاغل للنخب السياسيّة والثقافيّة والفكريّة، ولم يكن ذلك بمنأى عن جوهر الصراع المتواصل بين الحركة الوطنيّة الديموقراطيّة السوريّة من جهة والأنظمة والحكومات المتعاقبة على الحكم منذ أكثر من سبعة عقود وحتى الآن.

وذكر صاحب «الصراع في سوريا.. (النظامالكردالمعارضة، إنه في العقد الأخير الذي شهد اندلاع الثورة الوطنيّة من أجل التغيير الديموقراطي، ظهرت عملية البحث عن الهويّة السوريّة الجامعة بأجلى صورها، ليس في مجال تصحيح كتابة تاريخ سوريا والسوريّين حيث تمّتزييفه بدوافع عنصريّة وأيديولوجيّةبل بإعادة تعريف الشعب السوري، وتشخيص عناصره القوميّة، والثقافيّة، وحوامله الدينيّة والمذهبيّة، والاعتراف بكلِّ ذلك وجوديًّا ودستوريًّا وحقوقيًّا في إطار الهويّة السوريّة الشاملة الى جانب الاجتهاد في اختيار الهويّة السياسيّة لنظام الحكم القادم وهذا ما نلاحظه في برامج ومبادرات ومشاريع سياسيّة متعدّدة يتمّ التنافس حولها من أجل سوريا القادمة.

صاحب «الحركة القوميّة الكرديّة في سورية.. رؤية نقدية من الداخل»، أضاف: نعم كان هناك تماسك اجتماعي شكلي وملزم في ظلّ الدكتاتورية، وقد نجد البعض من أعوان نظام البعث في كلٍّ من سوريا والعراق في عهديحافظ الأسد وصدام حسينيزعمون في مجال مدح النظامين بأنهما وفرا وحدة المجتمع، ومنعا ظهور أيّ انقسام، والأصح أنهما منعا بقوة الحديد والنار والإبادة والسلاح الكيمياوي، والقمع الممنهج، ووسائل الإرهاب الدولتي، ظهور أيّ صوت مخالف، وعملا على وأد أيّ مطالب بالتغيير، وأيّ محاولة في البحث عن هويّة جديدة، وأي مساس بالحدود المرسومة من فوق.

ويؤكد صاحب «الكرد بين إرهاب الدولة القوميّة والاسلام السياسي»، على أنّ كلّ الوثائق والقرائن التي خلفتها عقود الدكتاتوريّة والظلام تشير إلى أنّ قضايا الخلاف والصراع بين غالبيّة السوريّين من جهة والنظم الحاكمة من الجهة الأخرى كانت تتركّز على إعادة النظر بالدستور، وتعريف الشعب السوري، ووجود قوميّات وثقافات متعدّدة، تُحفظ حقوقها الأساسيّة، والقوانين، وشكل النظام، ومسألة أحاديّة القوم، والمذهب، والحزب، والعائلة، وهي كلّها تدور حول بنية الهويّة الوطنيّة ومضمونها وجوهرها، الكفيلة باستيعاب كلّ السوريين طواعية تحت خيمة واحدة، على قاعدة العيش المشترك، والاتّحاد الاختياري وليس القسري.

بدر الدين شدّد في ختام حديثه معنا على أنّ الهويّة الحقيقيّة للسوريّين ليست (أمة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة) أو أنّ كلّ من يتكلم العربيّة فهو عربي. كما أنها ليست (الإسلام هو الحلّ) أو أنّ (الحلّ المواطني هو المطلوب)، بل تكمن في الاعتراف بدستور سوريا الجديدة بأنّ سوريا كدولة ليست بسيطة بل مركبة، ومجتمع متعدّد الأقوام والثقافات والديانات والمذاهب، ولا بدّ من ضمان حقوق الجميع وشراكتهم، إضافة الى حرّية التعدّدية الفكريّة والسياسيّة، وبذلك سيعتز الجميع بالهويّة المشتركة الجامعة، وسيدافعون عنها بالغالي والرخيص.

  • الدبس: مُعالجة عيوب السياسة السوريّة بالاجتماع..

أما الكاتب والباحث الأكاديمي الدكتور مضر الدبس، صاحب كتاب «في ضوء الألم.. تفكير في بنى الاجتماع السياسي السوري»، فيقول إجابة على تساؤلاتنا: إنه على الرغم من أنّ السؤال عن وجود هويّة سوريّة جامعة يتضمّن تفكيرًا في الماضي، إلّا أنه بالضرورة ينتمي إلى جملة الأسئلة التي تستهدف المستقبل، ولذلك يبدأ الجواب عنه في تقديرنا من الأمام إلى الوراء: أي انطلاقًا من التفكير في آفاق الوطنيّة السوريّة الجامعة إلى ماضيها، وليس العكس. ولذلك أميل إلى إعادة طرح السؤال بصيغةٍ أخرىهل سيكون للسوريّين هويّة وطنيّة في المستقبل؟ ويفترض هذا السؤال – بطبيعة الحال – تفاهمًا واضحًا وناجزًا على دلالةالهويّة السوريّة الجامعة، ولا أعتقد أنّ هذه الدلالة ناجزة وواضحة، بل إنّ مفهوم الهويّة قبل تخصيصه بصفةالوطنيّةلا يبدو واضحًا ولا تبدو دلالته واحدة. عند هذه النقطة أرى العائق الأكبر أمام تقديم الإجابة عن السؤال المطروح، وربما تبدأ الإجابة بالوقوف على ماهيّة العائق وتحديد أسبابه تمهيدًا لإزالته، ففي هذه النقطة، وعلى هذا العائق يعيش وهمًا يعطي نتائج كارثيّة، وهو الوهم بأنّ أدوات التفكير والاستنتاج ومن ثمّ السلوك مشتركة بين الجميع، وهي في الحقيقة ليست كذلك. هذا العائق بتقديرنا عائق سياسي محض.

يتابع صاحب «مفهوم المواطنة»، محللًا: يكفي أن يتابع المرء سياقات استخدام مفردةالهويّةومن ثمّ عباراتالهويّة الجامعة، والهويّة الوطنيّة، ليلاحظ أنها سياقاتٌ لم يمنع تطابق الكلمات المستخدمة في التعبير عن معناها من اختلاف دلالاتها وتوجّهاتها؛ فالهويّة الوطنيّة في السياق الإسلامي مثلًا، تختلف عن الهويّة الوطنيّة في السياق اليساري، بل يختلف مفهوم الهويّة بمجمله. مضيفًا: بالتأكيد، هذا النمط في التفكير طويل، وفيه الكثير من التفاصيل، ولكن في هذه العجالة، أذهب مباشرة إلى طرح مفهومين دائمًا أميل إلى مقاربتهما بوصفهما مفتاحي الوطنيّة السوريّة، الأوّل هو ابتكار فضاء عمومي سوري حقيقي، والثاني مراكمة رأس مال اجتماعي وطني سوري في هذا الفضاء.

 وأردف صاحب «عقل الجهالة وجهل العقلاء.. في المقدس والثقافة وإشكالية العلاقة بينهما»، قائلًا: إنّ ثورة الحرّية والكرامة التي بدأ بها السوريّون في آذار/ مارس عام 2011 كانت فرصة تاريخيّة، بما تحمل كلمة تاريخيّة من معنى، لبناء رأس مال اجتماعي وطني حقيقي، في فضاءٍ عمومي متقدم ومتطوّر، بدأ بصنعه السوريّين بصورة تعاون، وتنظيم، وتنسيق العمل الميداني، وحوارات سياسيّة علنية ومفتوحة. ومن دلالات هذه الروح التي سادت في بداية الثورة، أن الوعي بأهميةالوطنيّة السوريّةكان بالضرورة حاضرًا قبلها، وهذا الوعي – في الأقل – هو الذي يمكن أن نراه حقيقة علمية واضحة. وبقدر ما كانت الثورة – في إحدى أكثر صورها أهميةً – تجلياً لهذا الوعي على المستوى الاجتماعي، بقدر ما كانت فرصةً مُفوَّتةً على المستوى السياسي. ومن مجمل ما يدلنا إليه هذا الإخفاق السياسي الفرضية الآتيةكان للهويّة السوريّة الجامعة قواعد اجتماعيّة ووجدانية وأخلاقيّة راسخة، ظلّت حيّة قادرة على التعبير عن نفسها على الرغم من سنين القمع والتخويف والتقسيم والتفريق التي اتبعها النظام منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، ولكن لم يمتلك السوريّون سياسةً وطنيّة قادرةً على إنتاج الوعي السياسي اللازم لتعيين هذه القيم الوطنيّة والأخلاقيّة بصورة تاريخيّة ملموسة، ولتعيينها بصورة دولةٍ وطنيّة سوريّة. وبالنتيجة الأوّليّة في هذه العجالةكان الوعي السياسي بالهويّة الوطنيّة السوريّة بكُلّيّته وعيا مفوّتًا، ولو لم يكن كذلك لمّا فوّت هذه الفرصة التاريخيّة لتحقيق ما حلم به طيلة حياتهما نريد قوله إنّ المعارضة التي كانت جناح الثورة السياسي منعت تحليقها على المستوى الوطني، وذلك بسبب عيب بنيوي في هذا الجناح. وخلاصة القول، من أجل الماضي والمستقبل معًا، من الضروري أن نُعالج عيوب السياسة السوريّة بالاجتماع السوري المُتعين في فضاءٍ عمومي، وأن يكنس العمومي النخبة السياسيّة كلّها.