تحاصر المؤسسات الحكومية في سوريا اليوم موظفيها بجملة من القوانين والإجراءات، تقيد حقهم في طلب إجازة أو الاستقالة و حريتهم في السفر، حتى بات حصولهم على إجازة بلا أجر ومغادرتهم البلاد حلماً صعب المنال، تصحبه مجموعة من الوثائق والإجراءات المتعبة.
فإلى جانب معاملة الاستيداع (إجازة بلا أجر)، على العامل لدى الدولة الراغب بالحصول على إجازة لمغادرة سوريا، استحصال تأشيرة خروج من الوزير المختص في المديرية التي يعمل لديها، وكفالة موظف آخر في نفس القسم الذي كان يعمل فيه؛ يؤكد فيه قدرته على إنجاز المهمات الموكلة لصاحب الطلب في حال لم يعد لعمله بتاريخ انتهاء الإجازة، بالإضافة إلى بيان وضع من شعبة التجنيد للموظفين الذكور ممن هم في سن الخدمة الاحتياطية.
واجه علاء، الموظف في شركة الكهرباء حماه، كل هذه الإجراءات المعقدة أثناء قيامه بمعاملات الاستيداع وتأشيرة الخروج، من أجل السفر إلى لبنان، بهدف قضائه لمهلة أربع سنوات تسمح له بدفع البدل النقدي للخدمة العسكرية الإلزامية والعودة إلى وظيفته.

ويبلغ البدل النقدي المحدد للحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية ٨ آلاف دولار أمريكي، يشترط لدفعها أن يقضي الشاب أربع سنوات خارج سوريا.

 يقول علاء عن هذا “إجراءات تعجيزية! على الموظف تقديم طلب الإجازة للمدير العام في شركته، من ثم الانتظار ليتم رفعها إلى المؤسسة العامة للكهرباء في دمشق والتي تقوم بإرسالها إلى وزارة الكهرباء للحصول على موافقة الوزير، من ثم يعود الطلب بدورة عكسية ليصل أخيراً إلى الشركة في حماه”. ويستغرق هذا الإجراء فترة تتراوح ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، وتأتي معظم الطلبات بالرفض خاصة بالنسبة للموظفين الشباب، بحسب علاء.

أما تحصيل تأشيرة الخروج فيحتاج الموظف الحكومي لتجاوز تناقضات  طلبات الوزارات وشعبة التجنيد، يشرح علاء قائلاً “تطلب الوزارة ورقة بيان وضع من شعبة التجنيد لمنحه تأشيرة الخروج للموظف، إلا أن شعب التجنيد ترفض منحها للمؤجلين على أساس سند إقامة خارج البلاد كما في حالتي”. وبهذا يدخل صاحب الطلب في دوامة معاملات بيروقراطية جديدة؛ تتطلب منه التقدم بطلب جديد لشعبة التجنيد يشرح فيه حاجة الوزارة إلى ورقة بيان الوضع للتحقق من عدم تخلفه عن خدمة العلم، في حين أن صورة عن دفتر التجنيد كفيلة بإظهار تأجيل الموظف، حسب علاء.

ويحق للموظف استخدام إجراءات تأشيرة الخروج مرة واحدة خلال ثلاثة أشهر فقط، علما أن الموظفين الراغبين بالحصول على استيداع لمدة تصل لسنة قابلة للتجديد لمدة ٥ سنوات، يحرمون من التعويضات وزيادة الراتب وكل الامتيازات، لدورة المستندات نفسها.

رفض الإجازات والاستقالات

ترفض العديد من المديريات الحكومية طلبات الاستقالة من الوظائف الرسمية من الشبان الذين في هم سن الخدمة العسكرية، بحجة “الافتقار للعنصر الشبابي” وفقاً لما يأتي في ردود الوزارات.

كما حصل مع رامي الذي أراد الاستقالة من وظيفته في إحدى الشركات التابعة لوزارة النفط في حمص بهدف السفر، وذلك لكي يتخلص من إجراءات الاستيداع نهائياً وليتمكن من العودة لسوريا بعد ذلك دون أية عقوبات. يقول رامي “لقد رفض طلب استقالتي ثلاث مرات، بحجة أن الدولة بحاجة إلى العنصر الشبابي في المرحلة الراهنة، لذا قمت بطلب إجازة بلا راتب لمدة سنة، إلا أنه رفض أيضاً”. واحتاج رامي لوساطات عدة، ليتمكن أخيراً من الحصول على إجازة لمدة ثلاثة أشهر وتأشيرة خروج من الوزير، استغلها للسفر إلى لبنان من ثم إلى ألمانيا، حيث يعيش اليوم، دون التمكن من تجديد طلب الإجازة وزيارة سوريا ثانية.

ويقضي تعميم صدر عن رئاسة مجلس الوزراء عام ٢٠١٦ بوجوب دراسة وتقديم المقترحات اللازمة بشأن الإجازات بلا أجر، التي تزيد مدتها عن ٦ أشهر من قبل لجان مركزية مشكلة برئاسة معاون الوزير المختص ومدير الشؤون الإدارية أو الموارد البشرية ومدير الشؤون القانونية، في حين تمنح الموافقة على طلبات الاستقالة بقرار من الجهة صاحبة الحق بعد الحصول على موافقة مكتب الأمن الوطني، والتأكد من عدم حاجة الجهة العامة للعامل.

وفي اتصال مع مدير قسم في إحدى المؤسسات العامة الحكومية في دمشق، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، قال إن “الدولة السورية تواجه بشكل جدي نقصاً واضحاً في الكوادر المؤهلة كالمهندسين والأطباء والجامعيين، ونقصاً في اليد العاملة الفنية التي تحتاجها لإعادة تأهيل بعض المنشآت المتضررة جراء الحرب، وأن حالة الرفاهية وقلة ساعات العمل الفعلية التي كان يتمتع بها الموظفون في السابق تراجعت بشكل واضح”، إذ بات معظم الموظفين يشعرون بضغوطات عمل أكبر حسب تعبيره. وكشف أيضاً أن الإجراءات التي تطبق اليوم هي نفس الإجراءات التي كانت تطبّق سابقاً، إلى أنها أصبحت أكثر صرامةً مع اقبال العديد من الموظفين إلى الاستغناء عن وظائفهم.

ورغم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها سوريا بعد الحرب ما يزال راتب الموظفين الحكوميين يترواح بين ٦٠-١٠٠ دولاراً أمريكيا فقط وهو ما يضعف اقبال السوريين على الوظائف الحكومية إضافة للصعوبات الإدارية التي تواجههم فيها.

حكم المستقيل

“لم تعد تقبل طلبات الاستيداع كما في السابق” يقول علاء الذي رُفض طلب استيداعه دون ذكر السبب، مضيفاً “هنالك طلبات استيداع رفضت من المرة الأولى، وآخرون نجحوا باستحصالها لسنتين أو ثلاثة لا أكثر”، وبحسب الشاب فإنه لم يسمع بزملاء له نجحوا مؤخراً باستحصال الإجازة.

ويعطى الموظف بعد رفض طلب الإجازة أو الاستقالة، مهلة ١٥ يوماً للالتحاق بوظيفته وإلا سيصدر بحقه قرار حكم المستقيل، وما إن يصدر هذا القرار لن يكون بإمكان الموظف طلب الاستقالة. أما الموظفون الذين صدر بحقهم قرار حكم المستقيل، إضافة لكل من ترك عمله لأكثر من خمسة عشر يوماً دون إخطار الجهة المسؤولة؛ فيواجهون عُقوبة ب”الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة” وفقاً للمادة 364 مكرر.

ويخضع الموظفون المقيمون خارج سوريا لأحكام قرار حكم المستقيل في حال تم رفض طلبات الاستيداع الخاصة بهم، ولم يعودوا خلال المهلة المذكورة.يروي رامي تجربته قائلا “صدر بحقي قرار حكم المستقيل، ولا أعلم ما سيكون بانتظاري في حال عدت إلى سوريا، لأننا بتنا نسمع قصصاً متضاربة، بين أشخاص دفعوا مبالغ مالية تقدر بـ 500 ألف ليرة سورية لإسقاط دعوى حكم المستقيل، وآخرين رفضت طلبات استقالتهم لكن لم ترفع بحقهم الدعوى، كما أن هناك أشخاصاً شطبت أسماؤهم”.
ويبدو أن وضع المؤسسات الحكومية الراهن، يفرض على حكومة السورية التساهل في تطبيق هذه القوانين، إذ صدرت قرارات عدةخلال الأعوام الماضية تعفي هؤلاء الموظفين من العواقب المفروضة فور عودتهم إلى الوظيفة، ما يوحي بالحاجة والعجز الذي باتت تعاني منهما الأجهزة الحكومية مع انقطاع عشرات الآلاف من موظفيها عن مزاولة أعمالهم.

الوظيفة الحكومية: من حلم إلى كابوس

“إجازات مرفوضة، استقالات مرفوضة، حكم المستقيل، تأشيرات خروج وزارية، بيانات وضع، غرامات مالية، تكاليف جانبية، كلها أمور اختبرتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط لأنني كنت يوماً موظف قطاع عام لمدة عام واحد” يقول علاء الذي يشعر اليوم “بالندم الشديد” بحسب وصفه لأنه تقدم يوماً بطلب للعمل في دوائر الدولة السورية.

ويضيف علاء “بعد العناء الكبير الذي تكبدته وعائلتي لاستحصال الأوراق المطلوبة، وعدم قدرتي على زيارة البلد، أرى أن النتيجة النهائية مثيرة للسخرية!، فعلى سبيل المثال يساوي مجموع التكاليف التي تكبدتها وسأتكبدها حين أعود إلى سوريا، ضعفي مجموع رواتبي المقبوضة طيلة فترة عملي لعام ٍ واحد ، أي أن الدولة السورية ستتلقى مني مبالغ وغرامات وتعويضات ورسوم أكثر مما أوفتني إياه من رواتب، ولربما أمثل وزملاء كثر لي استثماراً لا بأس به، خاصة وأن معظمنا سيوفي مبلغ الثمانية آلاف دولار أمريكي كبدل نقدي عن خدمة العلم”.