“لا تعيدوني إلى وطني” يقول ملايين اللاجئين السوريين، ممن يرفضون العودة إلى بلدهم، أو يخافون إجبارهم عليها، وخاصة مع إصرار موسكو وسعيها لإقامة ما تسميه “بمراكز إيواء النازحين واللاجئين”، يترافق ذلك مع إحراز النظام السوري تقدما عسكريا كبيرا، واليأس من التوصل إلى أي حل سياسي. طرحت روسيا-في محاولة لتثبيت انتصارها وحلفائها في سوريا ورقة العودة خلال قمة “هلسنكي” الثنائية التي جمعت ولأول مرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب.

واستمرت المحاولات بعد “هلسنكي”، فموسكو تبذل كل ما بوسعها لحث الدول المستضيفة للاجئين على إعادتهم إلى سوريا، مما بات مصدر قلق للكثير من السوريين، خصوصاً مع تجاوب لبنان والأردن، وعزم كل من موسكو وباريس وبرلين وأنقرة على تشكيل تحالف جديد يضع نقاش إعادة اللاجئين السوريين كأولوية انطلاقه.

ورغم أن سوريا ترأست هذا العام قائمة الدول الأخطر في العالم وفق مؤشر السلام العالمي، إلا أن روسيا مازالت تكرر تصريحات الأمن والأمان المنتشرين في سوريا، وفق رؤيتها. فإلى أي وطن يطلبون من الناس العودة؟

المُهّجرون السوريون يكتبون قصائد الشوق والحنين لمدنهم وبلداتهم، مستذكرين أجمل ذكرياتهم فيها ولكن هل يكون السوري شاعرياً لهذه الدرجة ويخاطر بمستقبله لأجل حنينه؟

الناشطة مي الحمصي التي تعيش حالياً في ولاية غازي عينتاب على الحدود السورية التركية تقول: “أشتاق جداً لمدينتي حمص وأتمنى العودة لها، ولكن طالما النظام موجود، فالأمر مستحيل، لأن ذلك يخالف مبادئي الثورية، لماذا أعود لحكم الديكتاتور وأنا التي خرجت في المظاهرات ضده، مشينا خطوة كبيرة للأمام ولا نستطيع العودة؟” وتضيف الحمصي “النظام عزز الانقسام بين أبناء الشعب السوري، لا أعتقد أني أستطيع العيش أو التعامل مع أشخاص مؤيدين للنظام.”

وتوافقها بالرأي الصحفية السورية زينة إبراهيم التي تعيش أيضاً في تركيا، تقول إبراهيم “التجاوزات الحاصلة في سوريا عززت موضوع رفض العودة لدى الكثيرين وخاصة في ظل التغيير الديموغرافي الذي دخل باللعبة، فسكان المناطق الأصلية نزحوا وتم توطين أناس جدد.”

وتؤكد ابراهيم “لا أفكر بالعودة على الإطلاق، قبل أن يتم التوصل إلى حل نهائي للحرب السورية، في الوقت الحالي الأمان الجسدي غير موجود فمن الممكن أن يتم تهديد المواطن بالاعتقال أو القتل، كذلك الأمان المادي غير موجود بسبب انهيار الليرة السورية ما أثر بشكل سلبي على المعيشة، فضلاً عن ندرة فرص العمل.”

اختلفت الأولويات اليوم بالنسبة للاجئين، فبينما كان أغلبهم يحلم بالعودة، خلال السنوات الأولى من انطلاقة الثورة، غيّر الكثيرون رأيهم اليوم، ساهم بهذا الانتظار الطويل، والدمار والتعقيدات التي جعلت الحياة الطبيعية في سوريا شبه مستحيلة، فتحول حلم العودة في أذهان الكثيرين لكابوس.

مفتاح المنزل الذي نقله كثيرون في رحلة لجوئهم الصعبة مع أثمن ممتلكاتهم، بات رمزاً ليس إلا، يعلقه العديدون اليوم على أبواب خيبتهم، وخاصة بعدما شاهد معظمهم ركام بيوتهم، وتأكدوا بأم أعينهم عبر الفيديوهات المنتشرة على اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي، أن لا باب لهم هناك ولا بيت.

إذا أين سيقيم العائد إلى الوطن؟ غرفة مستأجرة قد تكلفه أكثر من مائة ألف ليرة سورية، فيما تبلغ قيمة راتبه الشهري ثلاثين ألف ليرة سورية، فإلى ماذا يعود؟

تعاني البلاد اليوم من أوضاع معيشية متدهورة، تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية من كهرباء وماء، بالإضافة إلى غلاء الأسعار وتدني متوسط دخل الفرد لحوالي ستين دولار شهرياً فقط، وذلك حسب تقارير عالمية أشارت أيضاً إلى أن القدرة الشرائية في سوريا شهدت انهياراً كارثياً، حيث وصلت العام الماضي إلى ١٤ بالمئة فقط.

حسام زكية الذي يعمل حالياً كمترجم في برلين قال إنّ موضوع العودة إلى سوريا غير مطروح ضمن خياراته في الوقت الحالي، لاسيما أنه قام بتأسيس شبكة تقوم بأعمال الترجمة من اللغة العربية إلى الألمانية، وهو مندمج بالمجتمع الجديد، أما إذا عاد إلى سوريا، في ظل استمرار النظام، فإنه مُعرّض للبطالة، والخطر في ظل عدم استقرار الأوضاع أمنياً، هذا فضلاً عن أن بيته الذي كان يقع في حي التضامن في دمشق، تعرّض للقصف، ونزح أغلب سكان الحي من المنطقة.

وأدى استمرار السطوة الأمنية على سوريا، لجعل التفكير في زيارتها حتى أمراً خطيراً على الكثير من الراغبين بذلك، فقوائم المطلوبين للفروع الأمنية والتي تُسرب للإنترنت تضم مئات الآلاف من الأسماء عدا عن قوائم المطلوبين لأداء الخدمة العسكرية.

أيمن مسلم الذي يعمل في مجال الإعلام في هولندا يقول إن “العودة أمر غير وارد حالياً بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة، والأهم من ذلك لا يوجد ضامن حقيقي يؤكد عدم التعرّض للاعتقال حين العودة، خاصة مع تواجدي في أوروبا كصحفي منذ ما يزيد عن أربع سنوات، النظام لن يغض الطرف عن هذا الموضوع واحتمالية الاعتقال ستكون كبيرة.”

المعتقلة السابقة أميرة طيار والتي تعيش حالياً في ولاية قيصري التركية، تقول أيضاً أنها لا تفكر بالرجوع إلى سوريا “أبدا”، مضيفة “لم يتبق أحد من عائلتي، ابني شهيد تحت التعذيب، وزوجي كذلك الأمر، هل سأعود لوطن لم يتبق لي أحد به؟  كما أن النظام حاقد على جميع المعتقلين السابقين الذين يعارضونه الرأي، ولن يوفر الفرصة لاعتقالهم من جديد.”

يوافقها وائل المصري الذي يعمل في مجال الاتصالات خارج سوريا بقوله “الكل يعلم بأن نظام الأسد لا عهد له ولا ميثاق، وقد شهدنا حملات الاعتقالات التي شنّها على المناطق التي استعادها مستهدفاً الشبان الذين تم تسوية أوضاعهم وزجهم في المعتقلات.”

وأضاف المصري “إذن القبضة الأمنية ماتزال مستمرة، ولايزال النظام يهين الناس ويذلهم، فأي عاقل سيعود إلى بلد مدمر ومُنته اقتصاديًا وخدميًا؟ ومهما حاول النظام فبركة أن سوريا بخير فهذا غير حقيقي، وحتى الأن الأمم المتحدة لم تعلن أن سوريا منطقة آمنة.”

في هذا الوقت، تتصدر قصص نجاح السوريين في أوروبا اليوم عناوين أبرز وسائل الإعلام العالمية، ممن بدؤوا من الصفر وأسسوا مشاريعهم الخاصة بأرباح تعود عليهم بآلاف الدولارات، وتحولت بلدان اللجوء لأوطان بديلة.