لم ينج الصراف عامر الخشان من محاولة اختطافه أثناء توجهه لمنزله في مدينة سلقين أواخر تشرين الثاني 2020، وبعد مضي أكثر من شهر على اختطافه ومفاوضات عدة مع الخاطفين أطلق سراحه مقابل مبلغ خمسين ألف دولار أمريكي.

ازدادت جرائم الخطف في شمال غرب سوريا من قبل عصابات امتهنت الخطف مقابل فدية مادية وسط فشل الأجهزة الأمنية التابعة للمعارضة بمكافحة هذه العمليات التي يرتكبها مسلحون ملثمون بهدف الابتزاز المالي وإبدال المختطف بمبالغ ضخمة غالباً لا يستطيع ذوو المختطف دفعها فتنتهي العملية بقتل المختطف والتمثيل بجثته.

يروي الخشان تجربته المريرة مع الخطف قائلاً: “كنتُ في طريقي من مدينة إدلب إلى سلقين حين استوقفتني سيارة نوع فان نزل منها أكثر من خمسة أشخاص مسلحين ومقنعين سرعان ما قبضوا علي واضعين كيساً في رأسي وراحوا يوجهون لي اللكمات.” ويتابع بأسى: “هناك في مكان مظلم وبارد بدأ الخاطفون بتعذيبي جسدياً وممارسة الضغوط النفسية علي، وهددوني بأنني سأكون نسياً منسياً إن لم يتم الاستجابة لطلباتهم من قبل أهلي ودفع الفدية، وهوما دفعني للتحدث مع أقربائي مكالمة فيديو بغية تأمين المبلغ والإسراع في دفعه لتخليصي مما أنا فيه”.

وبالفعل نجا الخشان بعد دفع المبلغ وهو ما اضطره للسفر إلى تركيا فور خروجه خوفاً من إعادة المحاولة وتعرضه لحادثة مشابهة.

تنقطع أخبار الكثير من الأشخاص فجأة أثناء انتقالهم من مكان لآخر ليُكتشف في وقت لاحق أنهم إما خطفوا من أجل فدية أو قتلوا؛ في حين يبقى مصير عدد كبير منهم مجهولاً؛ الأمر الذي بات يجعل السوريين يعيشون وسط خوف وانعدام أمن مستمرّين.

تعرض علاء الحسون الخمسيني (موظف بإحدى منظمات المجتمع المدني) للخطف أثناء توجهه من مكان عمله في مدينة كللي إلى منزله الكائن في إسقاط، لم يشفع له كبر سنه عن إمكانية تعذيبه، وإنما تعرض لبتر إصبعين من يده على يد الخاطفين في فيديو مصور أرسل لذويه للضغط عليهم من أجل دفع فدية وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار.

عاش الحسون بغرفة مظلمة أكثر من عشرين يوماً ريثما تمكن أهله من تأمين المبلغ ودفعه للخاطفين مقابل إطلاق سراحه.

يقول الحسون: “كانت لحظات صعبة شعرتُ معها أني ميت لا محالة وخاصة وأن أهلي لا يملكون المبلغ المطلوب لدفعه للخاطفين الذين هم عبارة عن أشخاص جردوا من إنسانيتهم ووحوش بهيئة بشر مستعدين لارتكاب أفظع الجرائم مقابل حفنة من المال. حين تم دفع المبلغ وإطلاق سراحي شعرت أني ولدتُ من جديد”.

يرى الحسون أن مسألة الخطف ليست جديدة على المنطقة وأنها ازدادت بشكل كبير مؤخراً نتيجة وجود ميليشيات تستغل الانفلات الأمني والمسافات بين المدن والبلدات وقطع الطرقات فيتعرض المسافر للسلب والنهب والخطف بقوة السلاح؛ موضحاً أن نسب الخطف تختلف بين منطقة وأخرى وهي الأعلى في إدلب وريفها، والمهجرين عرضة للخطف بنسب أكبر من أهالي المنطقة ذاتها لجهلهم بالمناطق التي يتم اقتيادهم إليها.

في بعض الأحيان لا يعني دفع الفدية نجاة المختطف من يد خاطفيه. ففي أواخر 2020 قتلت عصابات ناشطاً إغاثياً خطف من طريق حربنوش، رغم أنها حصلت من عائلته على أربعين ألف دولار أمريكي كفدية. وما زالت عصابات تحتفظ بمختطفين بسبب عجز أهاليهم عن دفع المبالغ التي يطلبونها رغم المفاوضات التي يتم من خلالها تخفيض المبالغ.

وبات الوضع الأمني يمنع الأهالي من الخروج من منازلهم ليلاً، وكثير من العائلات منعت أبناءها من ارتياد المدارس والجامعات. وعائلات أخرى أرسلتهم إلى تركيا ودول الجوار خوفاً عليهم من الخطف.

المحامي مصطفى الموسى قال إن: “الفصائل وعلى رأسها هيئة تحرير الشام فشلت في مكافحة العصابات وتوفير الأمان لملايين المواطنين في معقل المعارضة الأخيرة شمال سوريا”. وأكد المحامي  أن هناك خلايا موجودة في إدلب وما حولها تتبع للنظام السوري وتنظيم الدولة الإسلامية وهدفها زعزعة استقرار المنطقة من خلال التفجيرات والعبوات الناسفة وعمليات الخطف.

ووفقاً لإحصائيات صادرة عن مجالس محلية فقد جرى إحصاء نحو 93 حالة اختطاف و300 محاولة اغتيال استهدفت مدنيين وناشطين وقادة عسكريين تابعين للمعارضة المسلحة في الشمال السوري خلال النصف الأول من عام 2020 فقط.

ولم تقتصر عمليات الخطف على الذكور وإنما أيضاً طالت فتيات ونساء وأطفالاً؛ ففي 31 أغسطس /آب 2020 أفادت مصادر محلية في مدينة الدانا شمال إدلب عن فقدان فتاتين على طريق دير حسان الحدودي دون ورود أي معلومات عن سبب الخطف حتى اللحظة.

وتقف خلف عمليات الخطف عصابات منظمة مجهولة هدفها جمع المال لكن الاتهامات بالمسؤولية تشير إلى فصائل عسكرية معينة بسبب سيطرتها على المناطق التي تتم فيها عمليات الخطف واستحالة خروج الخاطفين من تلك المناطق وانتشار الحواجز الأمنية التابعة لهذه الفصائل في محيطها.

ويتهم الناشط المدني لؤي دياب الفصائل العسكرية بعمليات الخطف ويقول في حديث خاص إنه إلى “فترة معينة كنا نظن أن قطاع الطرق واللصوص وعصابات الخطف هم من يقفون خلف عملية الخطف في إدلب، ولكن تبين لاحقاً أن هناك مجموعات محسوبة على الفصائل العسكرية اتخذت من عمليات الخطف باب رزق في ظل هدوء الجبهات وتراجع الدعم المقدم لها”. ويؤكد دياب أن التسعيرة باتت معروفة وهي تبدأ من 120 ألف دولار كفدية لطبيب كما حصل مع طبيب النسائية في إدلب ومدير صحة الساحل خليل آغا وتنتهي ب 25 ألف دولار فدية للمواطن العادي، ويشير إلى أن الجهة التي اختطفت الطبيب خليل آغا تمت معرفتها وهي مجموعة تنتسب لهيئة تحرير الشام وقد قدمت مديرية صحة الساحل شكوى للهيئة ووعدت الأخيرة بمتابعة الأمر دون جدوى حتى اللحظة.

 وكان فريق منسقي استجابة سوريا أدان في وقت سابق أعمال الاختطاف والتغييب القسري التي تمارسها الفصائل العسكرية في الشمال السوري تحت حجج واهية وغير مقنعة للعاملين في المجال الإنساني مؤكداً أن ممارسة الضغوط على المختطفين للإقرار بأعمال لم يقوموا بها تصنف ضمن جرائم ضد الإنسانية، وأن الأفعال التي تقوم بها تلك الجهات العسكرية تندرج ضمن بنود عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المدنيين وحمايتهم وتوفير الرعاية لهم. ودعا فريق منسقي استجابة سوريا كافة الفصائل العسكرية إلى احترام القانون العسكري وتجنيب المدنيين والعمال الإنسانيين عمليات الاستهداف التي كان منها اعتقال مدير مكتب منظمة عطاء في منطقة أطمة الحدودية صدام المجد من قبل إحدى الفصائل العسكرية المسيطرة على المنطقة وأيضاً اختطاف مدير منظمة رؤية في مدينة إدلب رامي عبد الحق والمسعف في منظمة سيريا ريليف علاء عليوي وغيرهم الكثيرين.

عبر نشطاء كثر على صفحات التواصل الاجتماعي عن المسؤولية المباشرة لهيئة تحرير الشام عن عمليات الخطف التي تحدث “فمن يستطيع الوصول لمعارضيه ومنتقديه وينتقم منهم لا يصعب عليهم الوصول لمجرمين يختطفون أطباء ونشطاء ومدنيين إن أرادوا ذلك” وفقاً لتعبير أحد النشطاء.