لم يكن لكارثة بيروت وقع عادي على السوريين، أهل سوريا الخارجون تتالياً من حرب المدن الرئيسة، الداخلون في حرب الاقتصاد المباشرة، وبالضرورة انغلاق معيشتهم على أنفسهم في ظل ترد واضح في سبل تأمين الحياة، أي حياة، وإن كانت في أدنى سلم الكرامة، المهم هو العيش، بأي طريقة. الناس جائعون، يريدون طعاماً، وعدلاً، وإنصافاً، يريدون بلادهم كما كانت قبل عشرة أعوام، يريدون البلاد، أي بلاد، على ألا يكون فيها سيف وحرب لا تنتهي.

انطلاقاً من الأثر النفسي لكل ما عاشه السوريون خلال أعوام الحرب الطويلة، فمن السهل تفسير مدى التعاطف غير المسبوق مع بيروت مقارنة بشبه انعدامه حيال أي مصيبة ألمت في شعب أو جماعة حول العالم. ولهذا تفسيرات كثيرة، فليست كل مدينة بيروت، فمن ذاق طعم الحرب، وشهد سقوط ضحاياها، وعاين سياراتها المفخخة، وانفجاراتها المتتالية، لا شك صار خبيراً بالألم، الألم الذي يخلفه فقدان الأحبة، هذا من جهة، ومن ثانية فإن لكل سوري في لبنان حبيباً. وقد يكون هذا الحبيب شعباً بأكمله، بنصفه، بفرد فيه، بتراب، بماض، بحاضر، بإيمان سوري مطلق أن بيروت أخت الشام، وكلاهما لبعضهما خل يرافق الآخر في حزنه ومصابه، لا بفرحه، فقدر هذه الأوطان ألا تذوق الفرح.

بمواليهم ومعارضيهم تضامن السوريون مع بيروت أيما تضامن، جمعت كارثة المرفأ القاسية بين الاثنين حزناً على بلد يرى فيه السوريون انعكاساً حضارياً لخاصرة كانت حتى القرن الماضي جزءاً وركيزة في تحقيق فوائد الامتداد الجغرافي لجغرافيتين متلاصقتين عرضاً، ومتتاليتين طولاً من لواء اسكندرونة وحتى آخر فلسطين على المتوسط، مروراً بقلب هذا الامتداد، لبنان الحالي.

لا يرتبط الأمر مباشرة بكليشيه “شعب واحد في وطنين”، ولا بقضية حاضر ومستقبل واحدٍ، فاللبنانيون أنفسهم منقلبون على بعضهم، ومنقلبون تبعاً لحزبيتهم حول السوريين أنفسهم في لبنان، إلا أن الأمر بجله مرتبط بطيبة السوريين، قد يكون الخروج السوري من لبنان أسهم في تعزيز المناطقية والحزبية داخل لبنان، في معسكرين متناطحين، إلا أن السوري اليوم لا يجد نفسه معنياً بتبعات هذا الخروج، كل ما يعنيه أن مدينةً أحب فيها زنبقها الأبيض، ذاته الذي صار أحمر بعيد الكارثة بلحظات، في الحالتين رائحة الألم وصلت حتى باب توما وجالت في شوارع الشام العتيقة لتجتاح البلاد دفعةً واحدة.

لا شيء يحدث في دمشق إلا وتراه في مرآة بيروت، بيروت الجريحة، التي فقدت من جملة ضحاياها، 43 سورياً قضوا في الانفجار، وكأن الموت يأبى إلا أن يرافق هذا الشعب في حله وترحاله. وبمطلق الحال وقبل أن يتضح أن سوريين قضوا في التفجير، كان هاشتاغ “من قلبي سلام لبيروت”، يجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا، لا أحد يجبر الناس على الكذب في المحبة، كان الصدق يقطر من منشورات هؤلاء الناس الذين راح قسم منهم يغير صورة حسابه على موقع فيسبوك إلى اللون الأسود، وقد اتهمهم البعض بالمغالاة، وإن كانوا هؤلاء القلة التي رفعت الصوت لعدم التضامن مع بيروت، تحت ذريعة أن لبنان وأهله لم يتضامنوا يوماً مع ضحايا بلادهم، لتشهد الساحة جدلاً وصراعاً لا زال مستمراً وإن كان بوتيرة منخفضة عن الأيام الأولى لما بعد الانفجار. هذا الخلاف مفهوم، وقد يكون ضرورياً، فمن المستحيل أن تتحقق نسبة مئوية تامةً يتحد فيها الجميع دون استثناء حيال قضية ما، لا بد دائماً من صوت مخالف، هذا الصوت خفت تحت وطأة صدق المتضامنين، مع العاصمة الأخيرة، كما سماها البعض في تدويناته.

“ما شفناهم ولا مرة تضامنوا معنا وسمعونا صوتهم بمصايبنا ونحن صرلنا 10 سنين عم نموت”، يقول مراد مكملاً: “القضية ما دخلها بالحس الإنساني من عدمه، القضية هي تسجيل موقف لشعب ما رضي يسجل موقف معنا”. يجيبه شادي: “بيروت مو يعني سمير جعجع ولا نبيه بري ولا فلان أو علان، بيروت يعني وجع ناس لسا أولادها تحت الركام”، وكذا تتالت السجالات قبل أن تحسم لصالح الأكثرية الحزينة، والأكثرية العاطفية في بلادنا هي انتصار الإنسان على السياسة، في بلد دائماً ما تكون أكثريته الحزبية-السياسية-الاقتصادية مجتمعة على تدمير المجتمع بصورة عامة، والفرد بصورة خاصة، على قاعدة أن التدمير من النواة أكثر نجاعة، وأشد تأثيراً، تمهيداً لمجتمع جائع لا تقوم فيه قائمة لمفكر أو منظر.

التعاطي السوري كان قائماً على النوع الاجتماعي-الانساني على قاعدة “شفنا الموت، وما بدنا حدا يشوفوا”، وبالقياس فإن كل مأساة محلية صارت مفرغةً من الاهتمام على اعتبار أن التكرار يؤدلج المشهد ويجعله على سوية واحدة من الأهمية، وتالياً، فإن ازدياد الضحايا المطرد في أمر مستمر يجعل من البقية تعداداً، حسب المقولة الشائعة: “موت فرد هو مأساة، أما موت الملايين فهو مجرد إحصائية”.

لذا، وجد الشاميون أنفسهم هذه المرة أمام اختبار حقيقي لإنسانيتهم وقدرتهم على الحزن مجدداً بل وإبداء التعاطف، والأمر مرده في علم النفس يقوم على حزن أشخاص لمشاهدة مجزرة مكررة ألمت بهم، فيتمنون ألا يلحق ببلد يحبونه ذات السيناريو من المجازر.

لبيروت: السوريون معك، وإن كانوا حملوا منك يوماً نكراناً أو أذية، ولكن في ملمات الأحبة: الناس لبعضها.