* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

أدت عوامل عديدة (كغلاء أسعار الأعلاف وخسائر متكررة ونشاط تهريب الأبقار والأغنام) إلى تكبد سورية خسارة ملحوظة من حجم ثروتها الحيوانية خلال السنوات الماضية. وأدى ما سبق إلى عزوف العديد من مربي الأغنام والأبقار في سوريا إلى ترك هذه المهنة بسبب خسائرهم المتكررة ما ينذر بحصول كارثة في قطاع تربية الحيوانات في سوريا في المستقبل القريب.

وأدت الأزمة السابقة إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار اللحوم بأنواعها خصوصاً مع ارتفاع تكاليف التربية التي يتحملها المربي، ووصل سعر كيلو لحم الخروف إلى ما يقارب 20 ألف ليرة سورية، بينما سعر كيلو لحم العجل إلى قرابة 7000 ليرة سورية، أما سعر كيلو الفروج فوصل إلى قرابة 5000 ليرة سورية.

ومن خلال التواصل مع عدد من المربين في شمال سوريا، يبدو أن الأسباب كثيرة وراء أزمة الثروة الحيوانية التي لحقت أعمالهم وأهمها غلاء أسعار العلف وقلة الأرباح الناجمة عن بيع الماشية خصوصاً مع نشاط عمليات التهريب.

التهريب بين الأسباب

في كانون الثاني (يناير) الفائت، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطعاً مصوراً، يظهر فيه حرس الحدود التركي أثناء ضبط سيارة قادمة من سوريا كانت تهرب عدداً من الأغنام مخبأة داخل صندوق السيارة.

وليست هذه الحالة الأولى من نوعها، حيث تم تهريب آلاف الرؤوس من المواشي بأنواعها إلى تركيا خصوصاً أن بيعها على الأراضي التركية يدر على أصحابها أموالاً أكثر.

وعلى مدار السنوات الماضية، كشفت عدة تقارير محلية، منذ أيام، أن تهريب المواشي من سوريا يحصل باتجاه كل من العراق والأردن ولبنان لأسباب من بينها فارق السعر في تلك الدول وضعف القوة الشرائية في سوريا مع ارتفاع أسعار اللحوم بأنواعها.

ويبدو مما سبق أن تهريب المواشي من سوريا كان من بين الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تدهور الثروة الحيوانية في البلاد، ففي أواخر كانون الثاني الماضي، قال وزير الاقتصاد في النظام السوري، حسان قطنا، إن “سوريا فقدت 50% من ثروتها الحيوانية عبر تهريبها ونفوقها بسبب الإرهاب إما بالقتل أو الذبح بسبب الجوع” وفق ما نقلته وكالة سبوتنيك.

تكاليف التربية والأسعار

من بين الأسباب أيضاً التي أدت إلى تدهور تربية المواشي في سوريا هو ارتفاع أسعار الأعلاف، ففي إدلب على سبيل المثال وصل سعر طن الشعير إلى 255 دولاراً أمريكياً.

ويقول أبو عبد الله (وهو أحد المربين الذين تواصلنا معهم شمال سوريا) أنه كان يملك أكثر من 300 رأس من المواشي ولكن اليوم أصبح عددها قرابة 130 رأساً معيداً السبب إلى اضطراره لبيع المواشي بسبب الأوضاع المعيشية السيئة التي يعاني منها.

ويضيف أن تكاليف شراء العلف من بين الأسباب وهو ما جعله يضطر الآن إلى الرعي بالمواشي في بعض المساحات التي تحتوي على بعض أغصان الأشجار كما أن ارتفاع أسعار الأدوية الخاصة بالمواشي من بين أسباب تدهور عمله.

واضطر البعض من الرعاة إلى ترك هذه المهنة خاصة بعد ارتفاع تكاليف التربية من جهة وقلة أسواق التسويق لما يملكونه من جهة أخرى.

وأثر ارتفاع التكاليف على أسعار المواشي بشكل عام، حيث وصل سعر الكيلو للخاروف غير المذبوح بين 8500 و8600 ليرة وسعر الكيلو للجدي بين 7200 و7800 ليرة وسعر الكيلو للعجل بين 6300 و6950 ليرة سورية، وفق الأسعار المعروضة في سوق الرحيبة للمواشي في القلمون الشرقي بريف دمشق.

النزوح والحرب لهما دور

اضطر العديد من رعاة الأغنام إلى النزوح بسبب القصف والمعارك التي حصلت بالقرب من مناطق استقرارهم، حيث أجبر البعض منهم على السير لمئات الكيلومترات بقصد الاستقرار في مناطق تناسب أعمالهم في تربية المواشي.

وأدى ذلك إلى نقصان أعداد رؤوس الماشية لدى غالبية المربين بسبب ظروف عدم الاستقرار التي شهدوا عليها خلال السنوات الماضية والمتمثلة بطرق تأمين الأعلاف وتباين الأسعار والأدوية الخاصة بالمواشي واختلاف الأسعار بالإضافة للظروف المعيشية المتعلقة بالمربين وعائلاتهم، فيما نفقت آلاف الرؤوس من الماشية إثر المعارك والقصف في مناطق متفرقة من سوريا.

وخلال بحثنا، رصدنا العديد من المقاطع المصورة لرعاة مواشي كانوا قد خسروا مصدر رزقهم جراء تعرض أماكن تربية المواشي لديهم للقصف الجوي.

آثار اقتصادية سلبية

خلال إعداد التقرير، تواصلنا مع الباحث الاقتصادي، نعيم اللومان، للاطلاع أكثر على أبرز الآثار الاقتصادية السلبية التي سببتها العوامل السابقة الذكر مثل ارتفاع تكاليف الأعلاف وعدم الاستقرار وتهريب المواشي وغيرها.

وقال اللومان خلال الحديث: “شهد سوق المواشي خلال السنوات الثلاث الماضية موجتين متعاكستين أثرتا سلباً الأولى انخفاض أسعار اللحوم وقلة أرباح المربين والثانية كانت نشاط معابر لتهريب المواشي حيث اندفع مربو المواشي إليها لتعويض خسائرهم وتحقيق الأرباح”.

وأضاف أن ما سبق أدى لانخفاض كمية المواشي وبالأخص الأغنام بشكل مهول حتى لم تعد تكفي لتسد الحاجة، وما زاد من الأزمة هو ارتفاع أسعار الأعلاف مثل الحنطة والشعير بشكل كبير هذه السنة بالإضافة لعزوف الكثير من السوريين عن شراء اللحوم فسعر الكيلو وسطياً وصل إلى 5,5 دولار أمريكي.

وأثر انخفاض الليرة السورية بالتزامن مع استمرار بيع المواشي بذات العملة إلى تؤثر المربين بشكل عام، فالمبلغ الذي كان يدفعه المربي ثمناً لخمسين رأس من الأغنام لا يشتري له اليوم سوى 20 رأساً، وفق اللومان.

ويبدو أن أزمة الثروة الحيوانية في طريقها إلى مزيد من الاتساع في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي ومحدودية الحلول المتوفرة سواء بما يخص توفير الأعلاف أو تهريب المواشي في أنحاء البلاد.