استوقفني في الطريق ونظر إلي نظرة تمتزج بها الدهشة بالذهول، لم يقل مرحبا بل همس: غريب لسه ما اعتقلوك! هو رجل سوري في الخمسين من عمره كان يعمل مُخلصاً جمركياً وحقق ثروة كبيرة بفضل الفساد الكبير في مرفأ اللاذقية، وكان يتباهى بثروته التي تعملقت بسبب الفساد ويُسمي سلوكه “شطارة”. ذلك أن نهب المال العام والفساد اسمه “شطارة” في سوريا. علاقتي بالرجل سطحية فهو جار لي في الحارة التي أسكنها. ورغم أنه طلب صداقتي على الفيس بوك إلا أنه لم يضع لي إطلاقاً “لايكاً واحداً”، وكنت أعذره كما أعذر الآلاف غيره الذين كانوا يوقفونني في الطريق ويقولون لي: نحب ما تكتبينه لكن لا نجرؤ أن نضع لك لايكاً.

ورغم أنني أعترف أن سقف الحرية واطئ جداً في سوريا وبأن قبضة الأمن على عنق كل سوري، وجدتُ نفسي أمام تساؤل مؤلم جداً وخاصة بعد مرور أكثر من تسع سنوات على الثورة السورية أو الجحيم السوري، حيث لم يبق بيت في سوريا إلا وخسر شباباً في عمر الورود وماتوا بتنوعات الموت في سوريا، والانهيار الإقتصادي الرهيب والفقر المدقع، وحالياً وباء كورونا حيث لا توجد أيه تجهيزات طبية في سوريا كلها يمكنها احتواء حالات كورونا التي لا نعرف عنها شيئاً لأن هناك تعتيماً إعلامياً عليها. بعد كل ما حصل يتعجب جاري السوري ابن اللاذقية كيف أنهم لم يعتقلوني بسبب كتاباتي على الفيس بوك أو مقالاتي! سؤاله هو سؤال ملايين السوريين المُروعين من الخوف من الأجهزة الأمنية، سؤاله يدل على انهيار الثقة التام بين الحكومة السورية والمواطن السوري. وأنا التي تحسب مئة حساب وأفكر بالاحتمالات الممكنه لكتابة أية فكرة أو نشر صورة على صفحتي أجدني أكتب بضمير كل سوري وكل إنسان يقف مع الحق والعدالة ضد الظلم والاستبداد، إلى أي حد يخاف السوري من قبضة الأمن! خوف مُروع، خوف تغلغل في الخريطة الوراثية لجيناته. أنا نفسي أخاف فقد استدعيت مراراً لمراجعة أجهزة الأمن في اللاذقية، ومُنعت من السفر ثلاث مرات، وكنتُ أبلغ بمنع السفر على الحدود السورية اللبنانية (العريضة)، ويتطلب إلغاء منع السفر اللجوء إلى وساطات عديدة.

 الخوف السوري يمنعنا من كرامة الحياة، لأن الخوف وحده هو عدو الحياة وليس الموت فالموت مصير كل كائن حي، لكن الحياة المجبولة بالخوف تمسخ كرامة الإنسان وإحساسه بعزة النفس وتمنعه من الفرح، فالفرح قوة. المُخزي في كتابات معظم السوريين\ات على مواقع التواصل الاجتماعي أن معظمهم يكتب مثلاً عن لبنان أو دول الخليج أو أميركا أو أوروبا ويمارسون حريتهم في النقد وإيهام أنفسهم بأنهم يمارسون حريتهم بانتقاد سياسات تلك الدول. ولا يجرؤ أي منهم على انتقاد سياسة سوريا (وطنه). لا يجرؤ معظم السوريين أن يتحدث عن معتقلي الرأي والذين ماتوا تحت التعذيب في السجون السورية. وأعرف العديد من السوريين المعارضين الذين اضطروا للجوء إلى دول أوروبية كي لا يُعتقلوا فإنهم يكتبون بحذر على صفحاتهم خوفاً على أهاليهم في الداخل، لأن أجهزة الأمن تُعاقب أهل المُعارض الذي لجأ إلى دول تحترم حق التعبير.

 إحدى صديقاتي في اللاذقية لديها رهاب من كلمة سياسة ولا تجرؤ أن تكتب عبارة تنتقد فيها حتى ذل انقطاع الكهرباء أو راتب الاحتقار الذي بالكاد يساوي 30 أو 40 دولاراً! كل صفحتها عبارة عن قوالب حلوى لمعايدة صديقاتها في أعياد ميلادهن أو أغاني عاطفية أو مناظر طبيعية، وقد استدعاها أمن الدولة لأن أختها التي تعيش في دولة خليجية مُعارضة تكتب ضد النظام السوري. وبكت في حضرة ضابط الأمن وقالت له إنها لا علاقة لها بأفكار أختها ووعدتهم أن تحظرها، وقد حظرتها بالفعل وأحست الأخت المُعارضة في دول الخليج بالذنب وتأنيب الضمير فتوقفت عن الكتابة حرصاً على أختها وأولاد أختها الذين يعيشون في اللاذقية.

المؤسف أن ثمة شرخ كبيرحصل في المجتمع السوري فلا يُمكن الاستهتانة بفئة الشبيحة والموالين والذين يخونون أي رأي آخر. وللأسف العديد منهم مثقفون وأطباء ويحملون شهادات جامعية عالية، حين نشرت صوراً لأهل أدلب ومأساتهم الإنسانية التي هي وصمة عار على جبين الإنسانية، وكانت الصورة لأطفال جياع وأمهاتهم ويعيشون على أنقاض بيوتهم، كتب لي أحد أشهر الأطباء في اللاذقية تعليقاً على الصورة: على نفسها جنت براقش! اضطررت أن أذكره أنه طبيب وعليه أن يتعاطف إنسانياً مع هؤلاء الفقراء التعساء مهما كانت جنسيتهم ومهما كان انتماؤهم السياسي! أي عار أن ينتفي الحس الإنساني بين الناس خاصة تعامل الأطباء مع فئة كبيرة من الفقراء المذلولين بعيشهم والمروعين من الخوف بحقد وتشفي وشماته، أي حقد مُخيف يختبئ وراء عبارة الطبيب إياه وهو يتأمل أهل وطنه في إدلب كم هم مذلولون تحصدهم آلات الموت كل يوم بالمئات ومعظمهم من الأطفال ويقول: على نفسها جنت براقش، حتى صار مجرد لفظ كلمة إدلب تهمة كتهمة لفظ كلمة ثورة. لا أحد ممن أعرفهم في اللاذقية تجرأ وتعاطف علناً مع أهالينا في إدلب. أعرف شاباً جامعياً من طرطوس تجمعني بأمه صداقة بدأ يكتب بجرأة خفيفة على صفحته منتقداً وزير الصحة السوري وراتب الاحتقار الخ. جن جنون أمه وعنفته أمامي وهي طائشة الصواب وقالت له: “يا حمار شو عم تكتب! أنت مجنون يعني بدك تروح مثل البولة في الحمام”. لا أنسى نظرة الألم في عيني الشاب، نظرة من أحس أن روحه تُسحق وطلبت مني أن أحكي معه وأنصحه ألا يكتب متحدياً النظام، لكن أصابني داء الخرس ولم أستطع النطق بكلمة لأنني تذكرت أيام الذعر حين كنت في باريس وقد قررت العودة إلى سوريا، حين كانت تبدأ عندي حالة من هياج القلق والأرق وأرسل العديد من الرسائل لأصدقاء كي يتحروا عن اسمي على الحدود وكي يتأكدوا أنني غير مطلوبة لفرع أمني (كما حصل معي سابقاً). أكتب للعديد من الأصدقاء وليس لصديق واحد، أحتاج لأكثر من إثبات أنني غير متهمة بأيه تهمة فالمواطن السوري يبقى بنظر النظام مُتهماُ حتى يثبت العكس، ويظل يشعر أن عليه تقديم براءة ذمة تجاه الدولة وهو المسحوق الجائع الذليل الذي مات أولاده في الجيش السوري أو المعتقل أو غرقاً في البحر أو تبعثروا في بلاد اللجوء، ومع ذلك تظل حالة الذعر في أعلى درجاته تلازمني حين أصل إلى الأمن العام السوري على الحدود السورية اللبنانية، وأحس بتسارع دقات قلبي وبانحلال في ركبتي إذا تأخر السائق لثوان في مبنى الأمن العام.

الخوف السوري يشل الحياة ويعيق بناء وطن الحرية والكرامة، أية معنويات عالية وإحساس بالكرامة والحرية يحسها شاب موهوب بالكتابة ويحتفي بحريته في التعبير حين تقول له أمه : “اصمت وإلا مصيرك مثل البولة في الحمام”! أي وجع وخزي أن تضطر أم أن تقول هذا الكلام المهين لابنها بدل أن تحتفي بموهبته. وحين يكسر الخوف نفوس الشباب والأطفال الذين هم المستقبل فكيف سيحبون وطناً أشبه بالسجن وأي أمان يحسونه أشبه بأمان الدجاجات في قفص. أي وجع أحسه ويحسه الكثيرين غيري حين كتبت عن الشابة السورية نيسم جلال عازفة الناي المشهورة التي تعيش حالياً في باريس والتي حكت أنها أرادت أن تشعر بهويتها السورية فسافرت إلى دمشق لثلاثة أشهر فقط لتلتحق بالمعهد الموسيقي وبأن عناصر الأمن كانوا يلاحقونها في كل تحركاتها رغم أنها كانت طالبة ولا تتكلم في السياسة أبداً وبأن أمها أوصتها: “إياك والكلام في سوريا”. لم يجرؤ أحد أن يحتفي معي بالمبدعة السورية نيسم جلال لأنها قالت “أحسست أنني سوريّة لما بدأت الثورة السورية” بل العديدون اتهموها بالخيانة والعمالة.

 التوصية ذاتها أوصاني إياها أحد أقربائي الذي يحتل مركزاً هاماً قال لي: “تريدين العيش في اللاذقية يجب أن تبقي صامته وإلا غادري”. من قلب الخوف أكتب لأنني قرفتُ حالة الخوف، لأنني لا أشعر بإنسانيتي وأنا خائفة، ولأن الكتابة شرف كما يقول ألبير كامو؛ ولأن الحق يحررنا؛ ولأن دافعي في كل ما أشهد له هو الحب لشعبي السوري المُروع بالخوف من قبضة الأمن. ولا حياة ولا بناء وطن مع الخوف. الخوف الذي يحول الإنسان الحر إلى عبد بلا كرامة.