كنت أرمي كيس قمامة في إحدى الحاويات، ففاجئني طفل ظهر منها وكان ينبش في قمامتها. يغوص فيها لدرجة أنني لم أنتبه لوجوده، وكاد الكيس يرتطم برأسه. ذلك الطفل هو واحد من آلاف الفقراء والمعدمين الذين باتت الحاويات مصدر رزقهم الوحيد. فمن النادر اليوم أن ترى حاوية لا يوجد حولها أو في داخلها من ينبش في قمامتها بحثاً عما يمكن بيعه أو استخدامه أو حتى تناوله من بقايا الأطعمة، وقد أصبحت تلك الظاهرة مهنة شائعة غزت الشوارع ومجمعات القمامة بشكل كبير.

الأطفال أكبر ضحايا تلك المهنة
مع ساعات الصباح الأولى تنشط حركة الأطفال عند الحاويات بشكل كبير، وبالقرب من إحداها التقينا بالطفل حسن (15 عاماً) وأخويه الصغيرين وهم يزاولون عملهم اليومي. “نخرج من البيت عند الساعة الخامسة صباحاً لننبش في القمامة وننتقي منها بعض المواد التي يمكن بيعها (بلاستيك، كرتون، زجاج، معدن، نايلون، خشب وغير ذلك)، ثم نقوم بفرز كل نوعٍ منها ونضعه في كيسٍ خاص به”، يقول لنا حسن مضيفاً: “عند الساعة السابعة يعود أخوي إلى البيت ليستعدان للذهاب إلى المدرسة، فيما أتابع عملي حتى يأتي تاجر بسيارته ليشتري ما جمعناه من مواد، بعد أن يزنها “. ولا يقتصر عمل الأخوة الثلاثة على فترة الصباح بل يخرجون في الخامسة مساء، وأحيانا ترافقهم أمهم وأختهم الصغيرة، ليعملوا حتى التاسعة أو العاشرة ليلاً.
في أحد شوارع مدينة جرمانا استوقفني مشهد درامي مؤلم لطفل بعمر السادسة يقف داخل حاوية طافحة ويقوم برمي ما تحمله يداه الصغيرتان إلى الأرض ليفرز أخاه الأكبر ما يصلح منها للبيع. عند الاقتراب منهما يُسمع صراخ الأخ الأكبر الذي يحثُّ الأصغر على العمل بهمة ونشاط أكبر ويوبّخه لأنه يرمي بمواد لا حاجة لها. وعند سؤاله عن سبب اعتماده على الطفل في عمل كهذا يجيب: “هو خفيف الحركة ويستطيع القفز إلى داخل الحاوية بسهولة”. مضيفاً: “ليس هناك من يساعدني سواه فأبي مُقعَد لا يقوى على الحركة وأخويَّ يعملان في أحد المعامل لمدة عشر ساعات وأكثر، فيما تعمل أمي معظم الوقت في تنظيف البيوت”.
وفي مشهد آخر، قرب إحدى تجمعات الحاويات، أربع فتيات صغيرات ينهمكن في عمليات النبش وكأنها لعبة للأطفال، اللعبة الوحيدة التي يملكنها. الفتاتان الأكبر في الثانية عشر من العمر تقريباً ترتديان لثاماً لتخفيان وجهيهما خجلاً من المارة الذين اعتادوا وجودهن شبه الدائم في الشوارع، ورغم ذلك لم يخفِ اللثام تعابير عيونهن الطافحة بالقهر والوجع.
تمر الفتيات على عدة حاويات في أوقات متفرقة من النهار، مُحمَّلات بما جمعنه من أكياس، قد تفوقهن حجماً، يتنقلن بها لمسافات طويلة، حالهن كحال آلاف الأطفال الذين باتوا جزءاً من تفاصيل الشوارع التي تحاصرهم بنظرات الشفقة والدونية، وهم يعبرونها بأكياس بالية محمولة على الظهور أو بواسطة عربة مصنوعة من الخردة، كيفما اتفق وفي أحسن الأحوال، بواسطة دراجة. إلا أن الدراجة قد تُشَكِّل خطراً كبيراً على من يقودها كونها تُحمَّل عادة بأوزان ثقيلة وأحجام ضخمة من أكياس القمامة المعلَّقة على يمينها ويسارها، وهو ما يجعلها عرضة للسقوط بأي لحظة أو عرضة لأن تعرقل المارة أو تصدمها السيارات التي تعبر بجوارها.

مهنة عائلية
وبدل أن تخرج العائلات في سيران أو رحلة أو حتى زيارة ما، كما اعتادت فيما مضى، أصبح بعضها يخرج اليوم ليعبر أمام حاويات القمامة في محاولة بائسة لتأمين لقمة العيش المريرة. عائلة أبو أحمد مثلاً تعمل بشكل شبه يومي في أماكن مختلفة بتناغم كبير. الأولاد الثلاثة يغوصون في قلب الحاوية يُخرجون منها بعض المواد والأكياس الممتلئة مختلفة الأحجام وأبو أحمد ينتقي منها ما يصلح للبيع، يمزِّق الكراتين إلى أحجام صغيرة كي يسهل نقلها، يدوس العلب المعدنية والبلاستيكية بقدمه لكي يضغطها، ويكسِّر القطع الخشبية والبلاستيكية الكبيرة إلى أجزاء، فيما تقوم أم أحمد بلملمة تلك المواد وفرزها في أكياس وصناديق خاصة. وعند امتلائها يحملونها جميعهم إلى سيارة شخص معتمد يتعامل مع عدد من نابشي القمامة.
وعند سؤال أبو أحمد عن حجم الدخل الذي تجنيه العائلة من تلك المهنة يقول: ” نزاول المهنة منذ خمس سنوات، وقد تراجعت في العامين الأخيرين نتيجة فقر الناس، فالحاويات تعكس الواقع المعيشي المتردي الذي يعيشونه”. ويضيف: “نجني يومياً ما بين 15 إلى20 ألف ليرة (5 أو 6 دولارت) حيث نجمع بشكل تقريبي نحو 15 كيلو كرتون (سعر الكيلو 300 ليرة) و15 كيلو بلاستيك (الكيلو 500 ليرة) وحوالي أربعة أو خمسة كيلو من المعدن ( الكيلو بين 700 و1200 ليرة) بالإضافة لبعض المواد الأخرى”.
وتبقى عائلة أبو ضياء أفضل حالاً من عائلة أبو أحمد كونها تملك سيارة صغيرة بثلاث عجلات (طرطيرة)، تُمكّنها هي التي تعمل في الصباح وفي المساء من نقل ما تجمعه من مواد صالحة للبيع إلى بعض معامل البلاستيك والكرتون والزجاج في منطقتي صحنايا وسبينة.
إلى جانب ذلك، ومع قدوم الشتاء وغياب جميع وسائل التدفئة، تجمع العائلة في أكياس خاصة أية مواد يمكن إشعالها لتعود عليهم بالدفء كقطع الخشب والورق وأكياس الخيش والنايلون والأقمشة وغيرها.
بعد انتهاء عمل العائلة نجد السيارة طافحة بالأكياس، وقد عُلّقت على جانبيها أيضاً أكياس أخرى ذات أحجام كبيرة. تجلس أم ضياء إلى جوار زوجها، الذي يقود السيارة، وهي تحتضن طفلها الصغير، فيما يتعلق الأطفال الثلاثة الآخرين على الحواف الخلفية للسيارة بشكل بهلواني قد يعرّضهم للسقوط.

قمامة المطاعم والمقاهي كنز ثمين
بشكل يومي يذهب أبو حسان وولديه في ثلاث جولات إلى عدد من المطاعم لكي يأخذوا قمامتها مما يخفّف عن العمال عناء نقلها إلى الحاويات. يحمل الثلاثة ما يستطيعون حمله من أكياس ليضعونها عند أقرب حاوية ثم يقومون بإفراغها واستخراج ما يمكن بيعه من كرتون وبلاستيك وأكياس نايلون وفوارغ معدنية وزجاجية، بالإضافة لبقايا الخبز والسندويش والمعجنات التي يضعونها في أكياس خاصة لتباع إلى تجار الخبز اليابس. وإلى جانب ذلك يحظون أحياناً بما يمكن أكله من بقايا السندويش والوجبات. إذ لا يقتصر الأمر على ما يمكن بيعه فقمامة المطاعم باتت توفر طعاماً لعدد كبير من الفقراء. وحول هذا الموضوع يحدثنا صاحب مطعم للوجبات السريعة في منطقة الدويلعة: “كثير من الفقراء ينتظرون مواعيد نقل قمامة المطعم ليبدأوا على الفور بنبش محتوياتها وانتقاء ما يمكن تناوله، في مشهد مؤلم يُدمي القلب، ولكي نجنّبهم الإحساس بالغبن صرنا نجمع بقايا الطعام التي يتركها الزبائن داخل أكياس خاصة نقوم بوضعها أمام باب المطعم، وبمجرد أن يلمحونها يتهافتون عليها، وبذلك يحصلون على طعام نظيف قدر الإمكان”.

مهنة لا تخلو من الخلافات والمشاكل
هذه “المهنة” قد تخلق في أحيان كثيرة مشاكل وتوتّرات بين نابشي القمامة وخاصة الأطفال منهم. وقد تتطور إلى تبادل الشتائم والعراك في خلاف على تقاسم أماكن العمل وبشكل خاص في المناطق التي تسكنها الطبقة الثرية أو التي تكثر فيها المطاعم والمقاهي.
قبل أيام، وأثناء مساعدتي لصديقي في إعادة ترتيب منزله ونقل بعض الأشياء التي استغنى عنها إلى الحاوية، صادفنا أربعة أطفال يزاولون عملهم وحين رأوا ما نحمله (كتب تالفة، أوراق، كراتين والكثير من العبوات البلاستيكية والزجاجية وغير ذلك) تهافتوا علينا وكأننا نحمل كنزاً ثميناً فتشاجروا على تقاسمه، ما دفعنا لتوزيع تلك الأشياء بالتساوي عليهم.
الطفلان عمر (16 عاماً) وأخوه الذي يصغره بعامين وجدا حلاً مناسباً لتجنّب المشاكل التي قد تحدث مع مزاولي تلك المهنة فاختارا أن يسهرا حتى الفجر بشكل يومي بجانب إحدى تجمعات حاويات القمامة. يروي لنا عمر: “خلال الليل من النادر أن يمر نابشو القمامة على الحاويات وبالتالي ليس هناك من ينافسنا، لذا نغتنم فرصة النبش طوال الليل قبل أن تنشط حركتهم عند الفجر، وبذلك نجمع كميات جيدة من المواد الصالحة للبيع، حيث تكثر في الليل حركة رمي قمامة المنازل والمطاعم والمقاهي القريبة”.
وخلال جلوسهما الطويل، يلتحف الطفلان ببطانية صوفية بالية ويشعلان الخشب والكرتون ليحصلا على بعض الدفء، فيما يتسولان من المارة وسائقي السيارات ما تيسر من نقود أو طعام أو سجائر.
كثيرة هي الأضرار والمخاطر الصحية التي تسبّبها هذه “المهنة” نتيجة الاحتكاك الدائم مع بيئة غنية بالجراثيم قد تجعل أي جرحٍ يصيب نابش القمامة جرحاً مهدّداً للحياة، هذا إلى جانب الكثير من الأمراض الجلدية والهضمية أو التنفسية الناتجة عن استنشاق الروائح المتخمرة. لكن معظم مزاولي تلك المهنة لا يعيرون أي أهتمام لما ذكر رغم آلاف التحذيرات الطبية، بعد أن انعدمت لديهم كل مقومات الحياة، وبات الخوف من الموت جوعاً يطغى على الخوف من الموت مرضاً.