* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

تنهار بنية الحكاية، لم تعد دمشق مروية قابلة للسرد، فقدت المدينة روحها ومعالمها، خمد تدفق تفاصيل العيش، تحولت للوحات معتمة في معرض يعتمد على غياب الضوء، معرض للندوب، للجروح، للكلام الفاقد للغة وللمعنى، أوسع من العبث وأعقد من أن تفسره كلمات أو تتفهمه القلوب.

لوحة 1

في دمشق، أكياس خبز السندويش متروكة بدعة وأمان على عتبات المحال المغلقة. منذ الصباح الباكر تمر سيارات توزيع الخبز السياحي والصمون تضع حمولتها حسب طلب أصحاب المحال وتمضي، أزمة الرغيف باتت معضلة حقيقية، لكن لا أحد يفكر بأن يأخذ ربطة خبز أو حتى سندويشة صمون واحدة، رغم غياب الرقيب، في دمشق ينام الخبز على الحجر في أمان ووفرة، وأمعاء السوريين تترجى زيارته لها.

يكتسب الخبز قداسة كبيرة في وجدان السوريين، يطلبونه علناً ولكن لا يسرقونه، تشتكي سيدة من أن عدد أرغفة الخبز ناقصة في الربطة، يصرخ الجميع: كل شيء إلا الخبز! مع أن السوريين قد تخلوا عن طلب رغيف أو قطعة منه أو مجرد لقمة ممن عانى من ساعات الانتظار في الطوابير ليفوز بربطة أو أكثر، أو تمكن من شراء ربطة بسعر تجاوز الألف ليرة. تحول الخبز من لغة مشتركة إلى خط أحمر لا يمكن تجاوزه ولا النطق باسمه. بات مخجلاً ومربكاً جداً أن تطلب رغيفاً وتمضي. الرغيف يعني وجبة لشخص، زوادة لطالب أو لعامل، يعني وقتاً طويلاً ومهدوراً، يعني برداً وقهراً ووجع في الظهر وفي كامل الجسد، حتى رائحة الخبز المنعشة تحولت لانقباضات في المعدة ومثيرة لغصة في القلب.

لم تشهد أية مادة غذائية تبدلاً جذرياً ومأساوياً في آلية التعامل معها كما رغيف الخبز. كان خيطاً من التواصل المحبب والسخي والمألوف وانقطع بصورة دراماتيكية، جذرية وعنيفة غير قابلة حتى للاستفهام.

لوحة 2

تغرق دمشق في الظلام، وأنا أعبر الحارة الفرعية أحاول أن أهتدي بمصباح الهاتف النقال، ألمح ظل يد غريبة تحاول الوصول إلى هاتفي، يتضخم الرعب في داخلي، عتمة الطريق وعتمة الخوف، أصرخ وأقطع الطريق راكضة، يبتعد الشاب، يغرق في الظلام ويحتمي به. بات طبيعياً جداً أن ينتزع أحدهم جوالك من بين يديك، محفظتك، المبلغ المالي النقدي البسيط الذي بحوزتك، ما تبقى من نقود أعادها لك السائق أو بائع البسطة او البقال أو الفرّان؛ حتى مرتبك الشهري الهزيل قد يُسحب من يدك أو من جيبك وأنت واقف على آلة الصراف الآلي.

 أصل إلى الشارع العام المحروم من الإضاءة أيضاً، وحدها أضواء السيارات  العابرة تبدد قليلاً من وحشة العتمة، دراجات نارية بلا أضواء تعرفها من جعير أصواتها فتبتعد مذعوراً لتصطدم بأحدهم فيصرخ قائلاً بلهجة حانقة ومرتعشة: “كنت روحتني”. سيارات بلا مصابيح تحاذيك وتشاركك طريقك لدرجة التلامس المباشر بينكما، أبدل في وضعية الجوال، أقلبه ليسقط ضوء المصباح على الأرض، أعرف أن الحفر تلتهم الرصيف، وأن ما كان درجاً بين الرصيف العالي والمعبر المؤدي للجهة الأخرى قد تآكل وتحول إلى مجرد تلة صخرية منحدرة بشدة. عشرات الأشخاص يسيرون بغير هدى، أمهات يمسكن بأيدي أطفالهن، يتعثر طفل ويبكي آخر، يطلب طفل من أمه أن تحمله،هو مثقل بالنعاس وبالخوف، والأم تبدو وكأنها لا تسمعه؛ فجأة تصرخ حاثة أطفالها على الهرولة فقد توقفت إحدى الحافلات بالقرب منهم: “عجلوا، عجلوا)، وتركض قبلهم لتحجز مكاناً لها ولهم؛ وهم كالصيصان المذعورة يبكون ويركضون. تمتلئ الحافلة بالركاب وبعتب الأطفال على أمهم حيث ظنوا أنها حين سبقتهم لحجز المكان كانت ستتخلى عنهم وحيدين متسربلين بالخوف في وسط العتمة.

لوحة 3        

أربعة فتيان يحدقون في صورة شاب معلقة على الجدران، هي ليست صورة بالمعنى الحرفي، بل إعلان عن فقدان شاب ودعوة لمن يعرفه أو يعرف مكان تواجده للاتصال برقم هاتف موضوع في أسفل الإعلان، يتضمن الإعلان صورتين للشاب المفقود، أولهما وهو يفترش الرصيف بمنامة متسخة وحالة من الانكسار المهين، وثانيتهما صورة له بكامل يفاعته وجماله وأناقته وابتسامته العريضة والمشرقة. يقول أحد الفتية مشيراً إلى مكان محدد قائلاً: “كان ينام هنا”. أما أنا فأتساءل عن سر دمج الصورتين معاً في إعلان واحد رغم التناقض الحاد بين الحالتين، هل يقصدون استدرار تعاطفنا! أم إبراز الحاجة الملحة للتعاطف أو لفعل شيء ما وعلى وجه السرعة؛ بحيث نبدو وكأننا نقول: “يا حرام كيف كان وكيف صار”، ونردف بكل ما في قلوبنا من رجاء: “يا رب يلاقوه بسرعة”.

حين يعتاد البشر الفقد والتشرد والتهجير والشتات، لا تكفي صورة واحدة لدب الحمية في النفوس من أجل المساعدة، بات المطلوب إضافة عناصر تشويقية تصل حد الذروة، تخيلوا التشويق في حده الأقصى من أجل تلبية الرجاء بالمساعدة، وبماذا؟ البحث عن ابن أو أخ أو زوج أو أب، كيف كان في عز راحته وجماله وكيف صارت أحواله، مرمياً على قارعة الطريق، وحيداً وضعيفاً. باتت المبالغة بإثارة المشاعر حتى حدودها القصوى ضرورية لإضفاء تفضيل أكبر للحالة، تثقيل عاطفي وأخلاقي لطلب الدعم، لو وضعوا صورته وهو في عز انكساره لقلنا كلنا: “أكيد أنه قد مات من الجوع أو من البرد”، أما تلاصق الصورتين في إعلان واحد فهو حالة إعلان حرب عاطفية حاشدة في مواجهة سطوة التعود على التغييب والفقدان والشتات، أن نكسو الحب والواجب بالدراما التشويقية المبالغ بإظهارها لغوياً وعاطفياً وحتى بالصور، لعمري هو وجه آخر من وجوه الحرب.

لوحة 4

في دمشق القديمة، شاب ينقي الحمص، تبدو الصورة مشرقة جداً، الحصى والتراب في كيس منفصل، الحبات الخضراء الصغيرة وأنصاف الحبات في وعاء خاص، والحبات الصالحة للسلق تتربع لامعة وفخورة بنفسها في قدر منفرد، يقول الشاب: “نحن لا نغش زبائننا، ومن اعتاد على نكهة الحمص الحقيقية في وجباتنا لن يعود أبدا لعندنا إن تنازلنا عن عادات الجودة المتأصلة”. يسمح لي بالتصوير ويريني حبات الحمص الناضجة والشهية. على الرصيف الضيق المقابل فتاتان تقطعان الخبز الجاف لإعداد الفتة لزبائن المحل، حضور النساء وخاصة الفتيات جلي وواضح في سوق العمل حتى في مطاعم الفول والحمص والفطائر، يقول المعلّم للفتاة : “صغري شقف الخبز، هيك بيغص الزبون”. تلمع في عينها دمعة وتقول: “لم نأكل الفتة منذ وفاة والدي الذي كان يعدها لنا شخصياً، حتى أمي لا تعرف إعداد الفتة!”

تترك شابة طاولتها الثابتة على الرصيف بعد أن أنهت وجبتها من الفول، يتبعها طفلان صغيران، يطلبان بعض المال، يلح الأصغر مقترباً منها أكثر تقول لهما: “مصاري ما في، سأشتري لكما فطاير”. يرفضان بشدة ويطلب الأكبر منها سيجارة، تنذهل الشابة، أصرخ بهما: “سيجارة!” يؤكد الطفلان على طلب سيجارة ويصرّ الأصغر على الطلب بعبارة: “خرمانين ع سيكارة وما معنا مصاري”.

بعد أمتار قليلة ثلاثة من طلاب المدارس الهاربين يلاحقون شابتين، يقولون لهما بنبرة مائعة وبصوت واحد: “يا حلو يا حلو”، تغضب إحدى الشابتين وتضحك الأخرى. يصرخ بهم رجل عابر قائلاً: “هدول متل أخواتكن”. يصرخ الثلاثة في صوت واحد : “أخواتنا ممنوع يطلعوا من البيت!”

يسألهم الرجل عن اسم مدرستهم، ينكرون أنهم طلاب، يعترف أحدهم بأنهم هربوا من المدرسة وأودعوا حقائبهم المدرسية شبه الفارغة مع أحد أقرانهم الذي يعمل في جمع قمامة وتنظيف الأراجيل في مقهى شعبي قريب.

تتزاحم اللوحات على جدران آيلة للسقوط وفي ترتيب عجائبي ينتمي لسريالية مغرقة في العدم، تتناسخ الشخصيات المعلقة وكأنها مجرد مجسمات صممت لمعرض يزعمون أن شخوصه من لحم ودم ولهم رائحة بشر ناطقين بكافة اللغات.

تترصد دمشق شخوصها، تتنكر لهم، تتركهم معلقين ما بين الهاوية والسماء، تتسلل من بينهم لابسة طاقية الإخفاء، لم تعد قادرة على سماع أنينهم ولا رؤية جراحهم النازفة، من قال إن التجاهل العمدي ليس واحداً من أشكال الحب تحت ضغط الحزن وفقدان الحيلة!

من فرط التعب أسلمتكم للعبث، علّه يجعل الموت لعبة استغناء ساخرة، أو ربما يفيض العبث بجذوة للعيش تخرج من بطن العتمة وتصرخ: “لقد أكل الغول أولادي! فأعينوني على نفخ الروح فيهم”.