الوطن كلمة سهلة اللفظ والترجمة، لكن بالرغم من هذه السهولة ووضوحها في كل اللغات، إلا أنها عصية المعنى والفهم على من لم يفتقدها، أو من لم يجرب أن يختبئ أو يغيرها بأوطان أخرى تحت ظروف الهجرة أو اللجوء أو غيرها من الأسباب.

تغيير الوطنأو كما يسميه البعض تغيير المكان، هو التآلف القسري مع ظروف وعناصر جديدة، وليست بالضرورة مختلفة هي فقط جديدةبالمعنى المجرّد ونحن نراها كذلك (مختلفة) لأنّنا بداية نقع تحت وطأة الدهشة واكتشاف المكان واللغة، وإذا لم يكن لدينا القدرة ولا نمتلك المرونة والوعي الكافيين من البداية لنتعامل معها على أنها جديدة وقعنا بشرك الوطن المفقود للأبد، لأننا بذلك نخسر الوطن الأصلي، ولا نستطيع أن ننتمي للمكان الجديد، فالتّعامل مع الأشياء من منطلق الاختلاف المطلق يعرقل فهمها، وعليه نسأل كيف ننتمي إلى هذا الوطن أو غيره؟ هل بإمكاني أن ألبي حاجة الانتماء إلى مكان آخر؟  وأسئلة كثيرة ممكن أن تطرح ضمن هذه الفكرة.

ولكن الجدير بالملاحظة هو أنّ المعاني المختلفة لكلمة وطن في اللغات الأخرى لم تأت فقط من اختلاف في اللفظ أو المعنى، بقدر ما هي فهم وترجمة الانتماء لهذا المكان أو ذاك، فمن أجمل الترجمات لكلمة وطن هي باللغة الانكليزية التي تعبّر عنه بـ Home أي المنزل أو البيت في المعنى الحرفي للكلمة لكن في المعنى الواسع هو الوطن أو الأرض Home land، تجذبني الكلمة لأن اعتبار الأرض التي ولدت فيها صدفة وبدون أي خيار هي المنزل الكبير المطلق الذي يكمل وجودنا وجوده! فهذا ارتباط وثيق وشاعري جدا ودليل انتماء قوي وحقيقي للمكان، وهذه الكلمة لديها القدرة أن تعطيك الفهم لماذا بعض الشعوب تسبق غيرها في الحضارة والتراكم المعماري والفكري والسياسي وغيره، وعلى هذه العناصر وهذا المفهوم ممكن أن نقيّم انتماءاتنا إلى هذا المكان أو غيره، سواء كان انتماء قومياً سياسياً أو هو مجرّد حب ورغبة في المكان.

الزمكان – Time Space

  إنّ المفهوم الفيزيائي الذي أطلقه آينشتاين في النظرية النسبيّة العامة عام  1915 يقول: إن الزمن هو قياس للتغيّر الذي يحصل داخل المكان، بأربع أبعاد هي ثلاثة و رابعها الزمان، فسلسلة التغيرات التي تكوّن حياتك تحصل خلال وقت ما وفي مكان ما، هي المعنى الدقيق لـالزمكان؛ عبارة عن دمج للمفهومين معاً ضمن استمرارية معينة“: الأبعاد المكانية الثلاث، بالإضافة إلى البعد الرابع الزمن، في الوقت الذي نمتلك فيه القدرة على التحكم بالأبعاد الثلاث الأولى (الارتفاع، العرض والعمق)، يبدو أننا لا نستطيع التحكم، أو التنقل عبر الزمن.

 طبعا هذا بنظري ليس مجرّد قانون فيزيائي بل هذه هي الثغرة أو الرابط العجيب الذي صنّفه البشر على أنّه قانون هو تفسير مقنع للحظة بتعلّقنا في هذا المكان أو غيره، الأحداث والتفاصيل اليوميّة التي تجعل الوقت يمشي للأمام بشكل يصنع: ذاكرتنامزاجناأحجامنا ضمن هذا الفضاء الذي بدوره يتكوّن ويأخذ شكله وطاقته  من عوامل أخرى أهمّها العمارة، من منّا لم ينتابه شعور غريب عندما يدخل مدينة ما لأوّل مرة؟ من منّا لم يكوّن انطباع لمكان ما يتكرّر كل ما ارتاده.

وهكذا يحصل بعلاقتنا بالمدن الشعور الذي يشبه النشوة عندما تزور مدينة تحبها أو تشعر فيها بالراحة، لذلك نرى في الفن أنّ من أعرق وأصعب الأفلام السينمائيّة هي الأفلام التي تتكلّم عن المدن وتستطيع عبر الشاشة أن تنقل لنا هذا الشعور الذي ينتابنا حيال الأمكنة.

  إنّ أحد أهم العوامل التي تؤثر بشكل المكان هي العمارة من أشكال البيوت إلى أشكال الأحياء إلى شكل المكان بالكامل، إن البيوت تطبع أصحابها فغالبا نظن العكس أنّ الإنسان يؤثر في المكان، ربمّا في مرحلة من مراحل الحياة كانت العلاقة متوازنة بين الإنسان والمكان، لكن اليوم هو العكس تماما، إنّ المدن التي عمارتها تكون حجريّة غالبا ما يكون أصحابها لا يملكون المرونة في التعامل، و كذلك أيضا في المدن التي تسكن قرب السواحل.. والأمثلة كثيرة.

إذاً، هوّة المشاعر التي نقع بها حيال مكان أو آخر هي لحظات صغيرة تمر بخفة الغبار، تصنع لنا تفاصيل و أحداثاً ضمن ذاكرة بصريّة للدماغ يلتقطها دون فعل إرادي من الإنسان ضمن هذا الفضاء الذي اكتشف سرّه آينشتاين، فتجد نفسك ترغب في الأمكنة كما ترغب في حبيب أو شريك.

الوطن.. المواطن.. المواطنة..

  في اللغة العربية هذه المفاهيم يكاد فهمها أكثر تعقيداً، ولا سيما بعد الحرب السوريّة في السنوات السبع الماضية، فعدنا لطرح الأسئلة البديهيّة: هل أنا مواطن؟ كيف أمارس حقوقي وواجباتي؟ ما هي المواطنة؟

خلال نقاشي مع بعض الأصدقاء من جنسيات مختلفة تبيّن أنّ فهمهم للمواطنة هو أن تكون مواطن لديك بطاقة وطنية (الهوية) وجواز سفر وجنسيّة البلد الذي تعيش فيه بهذه الشروط تكون استكملت شروط المواطنة، فكان من الصعب أن أشرح لهم كيف كنّا مواطنين بلا مواطنة في عرين الأسدو عائلته، ففي طيّات ملفات الفساد و سجون التعذيب والترهيب والعنف الذي يبدأ من الأسرة مروراً في المدرسة انتهاءً في الجامعة، يصعب أن نشعر بأننّا ننتمي لهذا المكان الذي يشبهنا للحظة و يخالفنا للحظات، فبين فكّي الكمّاشة نجد أنفسنا في غُربة، في أماكن بديلة يمكن أن تكون لنا مشاريع  أوطان أخرى و ربّما لا، ونتذكّر رغبتنا في المكان المعذّب الذي جئنا منه والذي في نفس الوقتكنّا نعاني منه كآبةً وغربة ونحن فيه.

خليط المشاعر هذا هو نتيجة لما ذكرته سابقاً وهو انصهار ذواتنا في المكان، لكن مع دمشق الحالة أعقد، وهي انصهار الذات في المكان المعذب، فلا أنت لديك القدرة لمغادرته أو لديك القدرة للاستمرار فيه.

ماذا عن الذاكرة؟

  الآن في الأماكن البديلة للوطن، أنت مطالب أن تخلع عنك ذاكرتك لضمان الاستمرار، شخصياً، لا أستطيع أن أتخيّل تقاطع ساحة الأمويين المميتو أنا في القطار الجميل الذي سيأخذني إلى مكان مرتّب وجميل، لكن في المقابل أنا لا أستطيع تخيّل أن يكون هناك مكان جميل وحميمي بجمال حي القنواتفي دمشق، ولكن لضمان الاستمرار في هذا الوطن الجديد قررت أن أنشئ علاقة تلوح بداياتها في النجاح، وهذا لا يعني تبديد ذكرى بذكرى، بل بناء علاقة حميمة مع المكان الذي سيصبح مع الوقت ليس جديد ويراكم ذكريات أيضاً.

ذواكرنا حاضرةوهنا تكمن المشكلة، لو لم يكن هناك بيانات رقميّة نستطيع من خلالها في أي لحظة رؤية الحي الذي كبرنا فيه أو المدرسة أو المكان الذي كان لنا فيه أوّل موعد غرامي في كبسة زر فقط!

سمعت أحد الأصدقاء يقول مرّة إنه من غير المنصف أن أحوّل شيء من روح وحياة وبشر إلى بضعة ميغات صغيرةإلى هذا الحد ذاكرتنا رخيصة؟فأجبته بالعكس هذه الميغاتتحفظها لك من الزوال النهائي مع الدقة المطلوبة، وبعد تفكير في ما قاله، أرى أنّ لديه الحق، ربّما، هو قصد الإحساس والناس والذاكرة والتفاصيل التي من الصعب أن تترجمها صورة أو ملايين الصور، نترجمها فقط بحضورنا الملموس مع اللحظات، الضجيج بين المباني العشوائية تحت الشمس الحارقة بين عربات الخضار العشوائية، بمعنى أنّ هذه التّراتبيّة الغير مقصودة لا تكتمل كذكرى أو كشهوة إلا بالحضور الشخصي لأصحاب المكان أو سكّانه، لذلك نحن نقع بشهوة الأمكنة عن بعد.

بالنهاية الأوطان والانتماءات والذكريات والجغرافيا لا تحتمل المزاودة بالمشاعر من أحد، ولا أحد يستطيع أن يقيّم الشيء إلا فاقده، وفاقد الشيء لا يعطيه: ينتظر.