انتقلتْ أسماء الأسد من موظفة في مصرف جي بي مورغان في لندن إلى سيدة القصر الجمهوري في دمشق، وكان الجسر الذي عبرتْ عليه هو زواجها من رجلٍ ورثَ سلطة على بلاد بأكملها جاءتْهُ على طبق من ذهب، فقد كان طالبَ طبٍ، لم يمتلك ميولاً سياسية أو عسكرية. وربما لم يفكر بالرئاسة، لكن خللاً أحدثه القدر في ترتيبات أبيه الرئيس حافظ الأسد، غيّر مسار حياته من طبيب عيون إلى طبيب سياسي فشل في مداواة الجسد السوري وزاد من أمراضه. وكان هذا خطأ ارتكبه هو بقبولهِ للمنصب، بقدر ما ارتكبه من ورّثوه رئاسة سوريا، وكل من لعب دوراً في حدوث ذلك، ذلك أن سوريا ما تزال تدفع ثمن هذا القرار الذي اتخذتْه حلقةٌ ضيقة من الرجال من خلال تمثيلية في برلمان لا وجود له بالمعنى الديمقراطي الحقيقي، ويتسم بعض أعضائه بالجعجعة والتظاهر بمحاربة الفساد وبادعاء العلمانية عبر تصنيع عداوة مسرحية مع وزارة الأوقاف. وظنّ الذين مهّدوا للتوريث أنهم فعلوا الصواب أملاً في إبقاء الوضع في البلاد كما كان في عهد الأب، دون أن يفتحوا أعينهم جيداً ويفكروا باحتمالات أخرى قد يقود إليها الأمر. ولم يعرفوا أن يستثمروا بذكاء قوتهم الضاربة وتحالفاتهم الدولية والإقليمية وعلاقاتهم، ويلعبوا لعبة من ألاعيب عصر الديمقراطية، بل قرروا وضع صمْغ على مؤخراتهم والجلوس على الكرسي والالتصاق بها إلى الأبد، دون اكتراث بانحسار الثروة النفطية، وزحف التصحر والجفاف وشح المياه والأخطار الأخرى الناجمة عن التغير المناخي، ودون معالجة لتصاعد البطالة وللشرخ الطبقي الذي ازداد اتساعاً وللفساد الإداري الذي استشرى، وهيمنة الفاسدين على سلك القضاء، وكل الأزمات الأخرى المتراكمة التي أدت إلى الانتفاضة، وإلى الصراع الذي لم يُحْسم بعد. ولم يكن وضع الصمغ على المؤخرات الأبدية إلا ترجمة لشعارات كان السوريون صغاراً وكباراً يرددونها بقرف حين يُساقون إلى مسيرات التأييد المصطنعة، من الجامعات والمدارس ومن دوائر القطاع العام والخاص، شعارات مسختْ حزب البعث العربي الاشتراكي إلى ببغاء في قفص السلطة. وكانت النتيجة انتفاضة مدنية ملحمية في بداياتها تطورت إلى حرب طاحنة ما تزال احتمالات استمرارها قائمة.

وطفتْ على شاشة الحدث قصةُ صراعٍ جديد على مال شعب السوري دخلت أسماء الأسد كطرف رئيسي فيه، ولم يكن هذا الدخول مفاجئاً ذلك أن أسماء، وبحسب معطيات كثيرة، كانت قد بدأت بترتيباتها الخاصة، وحاولت قنوات إعلامية سورية ودولية تحويلها إلى أيقونة تمثل الوجه الحضاري الناعم للسلطة في سوريا، وقدمتها كمحبة للفنون وللمواهب وللخبرات، والتي تَتوَّجَ حب زوجها الرئيس لها في الآونة الأخيرة بهدية ثمينة، وهي لوحة فنية للفنان العالمي ديفد هوكني اشتُريت من مزاد بريطاني بسعر قارب ٣٠ مليون دولار على ذمة مواقع إعلامية روسية، في وقت يعاني فيه معظم أبناء الشعب السوري من فقر مدقع بعد حرب طويلة مدمرة. وربما كانت الفتاة أسماء تحلم بحياة من نوع مختلف إلا أن “القسمة والنصيب”، كما يقول السوريون، قاداها إلى زواج أخرجها من سياق حياتها العادية ووضعها في سياق آخر يختلط فيه المعشوق بالكرسي، وأحياناً ينحسر الحب ويتحول إلى حب للكرسي. وبدأت أسماء تمارس أدوارها الاجتماعية والاقتصادية والخيرية في ظهوراتها التلفزيونية الكثيرة وانبرت إلى القيام بدور راعية الشباب ومنظِّمتهم ومهندسة المواطن الفاعل، والباحثة عن الموهوبين والمتفوقين، والأهم من ذلك كله دور مصادرة الألم وامتلاكه كما لو أن ألم سوريا هو ألمها، هذا الألم السوري، نتاج الأضاحي الكثيرة لحماية الكرسي. وهذا موضوع أشارت إليه بتعمق الباحثة الأميركية ليزا ودين في كتابها الصادر مؤخراً عن مطبعة جامعة شيكاغو بعنوان”استيعابات سلطوية، الإيديولوجيا والحكم والحداد في سوريا“. وبدأت أسماء عملها كي تصبح ”أم الكل“، عقيلة ”سيد الكل“، إذا ما استعرنا عنوان فيلم دعائي ظهرت فيه أثناء الحرب، والذي أجلست فيه أمامها أمهات الشهداء كي تحدثهم عن معاني الوطنية وتغيير وجه التاريخ، أمهات الشبان الصغار الذين قضَوا على جبهات أعلن السيد الرئيس أثناء زياراته المتقطعة لها أنها جبهات لمعركة كونية، معركة السيطرة على العالم، ضد قوى الشر والاستكبار العالمي، إذا ما استعرنا من قاموس البلاغة الإيرانية. ولكن ينبغي أن نشير هنا، توخياً للدقة والموضوعية، أن تلك الجبهات لم تكن جبهات بريئة، فقد كان هناك ميلشيات ممولة ومدعومة بالمال النفطي ومال الاستخبارات الأردوغانية والسعودية والقطرية والأمريكية والأدوات الأصولية السلفية والجهادية العابرة للحدود. ولم يكن هناك ثوار حالمون، ذلك أن الجيل المدني للثورة السورية تلقى ضربات متواصلة على يد النظام والتيارات الجهادية فقد سُجن من سُجن وقُتل من قُتل وهُجِّر من هُجِّر وهاجر من هاجر وارتد من ارتد، واحتل جبهات القتال مقاتلون منضوون في تنظيمات متشددة ومريبة مرتبطة بقوى أخرى، بل صار بعضهم بنادق قابلة للتأجير خارج سوريا. وحيث يهيمن لوردات الحرب والميلشيات المسلحة والممولة يخمد الحس المدني والنَفس الثوري، ويتحول إلى أصوات مختنقة ومشتتة في الإعلام الاجتماعي، ويُصادَر الخطاب ويُشوَّه. وحين يُصاب المثقفون باليأس يفقدون البوصلة، أو يراهنون حتى على الشياطين، وهذا ما حصل لكثير من المثقفين السوريين المؤيدين للانتفاضة حين وضعوا زعيم جبهة النصرة ابن تنظيم القاعدة الشيخ أبو محمد الجولاني وتشي غيفارا في خانة واحدة، وحجَّ كثيرون منهم إلى البلاط الملكي السعودي وغيره من البلاطات الأوربية والأميركية كي يسترزقوا باسم الثورة وأجّرتْ كثير من الأقلام نفسها لإعداد جرعات السم الطائفية وتوزيعها.

وكما فعلت سوزان مبارك وغيرها من عقيلات القصور الجمهورية سابقاً، بدأت أسماء الأسد برعاية المهرجانات الثقافية والعلمية والطبية وبالتحدث عن دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة دون أن يكون هناك تمويل حقيقي للعناية بهم ومتابعة فعلية لهم تتعدى الظهور الإعلامي، ودون أن يكون هناك عدل في استقبال الحالات الكثيرة منهم في المراكز النادرة في سوريا. وغالب الظن أن موضوعهم بات طي النسيان في سنوات الحرب. وقبل ذلك كانت أسماء الأسد تحاول أن تبني شبكات في أوساط الشباب الموهوبين والمجتهدين، وأن تشكل جيلاً جديداً يعكس وجهاً آخر للابن القائد، الذي لم يحصل بعد على لقب الأب القائد، كما لو أنه فشل في امتحان الحصول على لقب البطريرك حتى بين الموالين له. وكما حدث تحول من أسماء الأخرس إلى أسماء الأسد، حدث تحول آخر بدأ يشغل الإعلام العربي والعالمي، وهو التحول من القوة الناعمة إلى القوة الخشنة، ذلك أن وضعيات النعومة والظهورات التلفزيونية المدروسة والمدبرة لا تساعد كثيراً في ترتيب بيت السلطة إذا لم يُرتَّب الوضع المالي، وترتيب الوضع المالي يقتضي وضع اليد على الشركات التي كان رامي مخلوف “مؤْتَمَناً” عليها. هكذا صار لأسماء مخالب أمام باب بيت المال، وبدأت هذه المخالب تخدش وتمزّق. وأسماء ”امرأة تحب السيطرة“، كما وصفها رجل الأعمال السوري فراس طلاس في مقابلة أجرتْها معه قناة الحرة مؤخراً، مضيفاً أنها بدأت تستغل ضعف خصومها وتعيّن موظفين أوفياء لها في مناصب حساسة وتسرّح من لا يُصْغي إلى كلمتها واضعة نصب عينيها هدف السيطرة على الثروة التي يديرها رامي مخلوف لا لكي تعيدها إلى أصحابها وإنما كي تؤمن مستقبل أولادها، عبر لعبة تنقل فيها الإشراف على سيرياتيل وراماك والشركات التابعة إلى الأمانة السورية للتنمية، أو تُلْحقها بوزارة الاتصالات مما يفسح المجال لتقديم زوجها في صورة محارب الفساد، حتى ولو كان الفاسدون من عائلته. ولم يفت فراس طلاس أن يشير بذكاء يميزه عن كثيرين من المتحدثين في الشأن السوري إلى وجود طائفتين في سوريا، الأولى هي الطائفة العلوية التي حاول رامي مخلوف أن يشدها إلى صفه في كلمتيه المصورتين، وطائفة الرئيس، وهي الشبكات التي تشمل أطرافاً من الطوائف كلها في سوريا، تسيطر على المال والقرار، وهذا يحيل إلى موضوع الشبكات الاقتصادية التي شكلها النظام، والتي ضمت مسؤولين وأبناء مسؤولين ورجال أعمال سنة ومن طوائف أخرى، وقد درسها بشكل مستفيض ومتعمق الباحث الأميركي من أصل لبناني بسام حداد في كتابه الموسوم ”شبكات الأعمال في سوريا: الاقتصاد السياسي للمرونة الاستبدادية“، وهو كتاب تساعد قراءته في فهم الصراع الدائر في سوريا من منظور تاريخي يضع في حسبانه السياقات التي توجد فيها سوريا والأطراف المعادية المتربصة بها.

ولا نعرف إن كان رامي مخلوف سيتمكن من الظهور في فيديو آخر كي ينذر بعقابه الإلهي، ذلك أن طلاس توقع في الحوار نفسه أن يغادر رامي المشهد بهدوء بعد أن يعتذر ويتنازل عن الشركات التي لا تشكل إلا ١٠٪ من الثروة، وأن يتم التنازل عن الأموال التي في الخارج عبر ترتيب أو اتفاق معين. وفي أحدث تصريح له في الإعلام الاجتماعي في وقت كتابة هذه السطور قال رامي مخلوف بالحرف الواحد متبنياً لغة دينية باطنية مدروسة: ”بعدما توجهتُ إلى عبادكَ لتبليغ مرادكَ لرفع الظلم عن عبادكَ فلم يعينني أحد… فعدتُ واستجرتُ بالواحد الأحد“، وهذا يؤكد أنه لم ولن يحصل على أية مساعدة من الرئيس، وأن الأمور ستأخذ مجراها في تجريده من الأموال والأملاك. وينطوي لجوء رامي إلى لغة دينية كهذه مدروسة وحمالة أوجه على احتمالات نجهل طبيعتها وعلينا أن ننتظر تطور الأحداث. ولا نعرف إن كان ما يجري نوعاً من ترتيب شبكة جديدة تجمع بين رموز سنية وعلوية لإرضاء الأطراف المغذية للصراع وللوصول إلى حل يخرج سوريا من مأزقها الحالي، إذ لا نمتلك معلومات أو إحصاءات دقيقة حول أي شيء في سوريا، إذا لم يكن مسرباً، ولا أحد يستطيع الوصول إلى أية معلومة، داخل القبضة الأمنية الساهرة على حراسة الأخطاء المتراكمة والمكدسة والتي تحولت إلى طبقات جيولوجية فوق خط زلازل السياسة في منطقة حساسة تشهد صراعاً إقليمياً وعالمياً للسيطرة عليها. ولن يكون هناك دور لأعضاء الحكومة الآخرين أو للمستشارين أو المقربين لأن أسماء وزوجها لا يستشيران إلا نفسيهما، ولا يصغيان إلا إلى ما يقولانه (بالطبع، باستثناء القنوات الأمنية). وروى مرة أحد الأدباء العرب في جلسة شخصية أن الرئيس بشار الأسد وجه دعوة من خلال مسؤولة الثقافة في سوريا السيدة نجاح العطار لعدد كبير من المفكرين العرب لمناقشة قضايا الأمن القومي والأخطار التي تهدد المنطقة. وكان من المتوقع أن يصغي الرئيس إلى المفكرين المدعوين كي يتنوَّر بآرائهم، لكنه قرر بدلاً من ذلك أن ينظّر عليهم كعادته، وحاضر بهم فترة طويلة ثم صرفهم دون أن يصغي إلى أي منهم. ولماذا يصغي؟ ومتى أصغى الدكتاتور العربي إلى مثقف أو مفكر؟ هذا طبيعي جداً في الدكتاتوريات. وأُشيعَ أيضاً أن الرئيس وزوجته لا يجالسان إلا الشخصيات الدرامية ولا يحترمان من المثقفين إلا الممثلين والمخرجين وبعض الرسامين والنحاتين المشهورين، ربما لأنه من السهل إعادة توجيه الممثل أو المخرج ودفعه إلى الاشتغال على موضوعات تخدم توجه السياسي، وهذا يفسّر محاولة بعض الممثلين والمخرجين احتلال دور المثقف المنظّر أو النزول إلى الشوارع لتهدئة المتظاهرين سواء في بدايات الانتفاضة أو بعد تفشي وباء كوفيد ١٩، رغم أن موضوع الدراما، وخاصة الكوميديا، معقد، ويمكن أن تكون الكوميديا أداة للسلطة وتنطوي على تمرد عليها في آن واحد معاً كما تبين الباحثة الأميركية ليزا ودين في كتابها ”استيعابات سلطوية، الإيديولوجيا والحكم والحداد في سوريا“، وهو كتاب يخلو من الآراء المسبقة ومسلح بالأدوات المعرفية والمنهجية الدقيقة، وقائم على بحث ميداني إثنوغرافي دقيق. ومن خلال أدوات معرفية وعبر مناهجية يقرأ الكتاب الحدث السوري بعيداً عن الاصطفافات والولاءات من أجل الإسهام في جدل حول الإيديولوجيا واشتغالاتها على الساحة السورية، مما يلغي الفارق بين باحث من ثقافة أخرى وباحث محلي، لأن الصراع ضد السلطة والهيمنة هو صراع عالمي نظراً لتشابكات السلطة العابرة للحدود القومية وقد تنفع فيه دراسة مكتوبة بلغة أخرى أكثر من دراسة مكتوبة بلغة البلد خاصة إذا كانت تخلو من الموضوعية، مما يقود إلى ضرورة إلغاء النظرة القائمة على الشبهة إلى الباحثين الغرببين الجادين الموروثة من النظرة إلى المستشرقين الذين كانوا موظفين في المشروع الكولونيالي. وتكفي الإشارة هنا إلى أن ليزا ودين فُصلت لمدة عام من جامعة بيركلي لأنها انتقدت الممارسات القمعية والاستيطانية الصهيونية. ويفرد كتابها فصلاً كاملاً للكوميديا السورية بعنوان ”الفكاهة في الأزمنة المظلمة“. وفي الفصل الأول الذي جاء بعنوان ”أوتوقراطية نيوليبرالية وتقويضها“، توضح ودين أنه من خلال تسويق دعائي مدروس حاولت أسماء الأسد أن تجسد الفعالية النيوليبرالية، وتقدم نفسها على أنها الاستعارة السائرة والمتحدثة للنظام الأخلاقي النيوليبرالي، على أساس أن مشاريعها مختلفة عن آليات النظام الاستبدادي في السيطرة الاجتماعية سعياً إلى “المواطن الفاعل“. ذلك أن أسماء التي سماها الإعلام السوري سيدة الياسمين وسمّتْها مجلة فوغ وردة الصحراء، والتي تدير مكتبها، بحسب أحد كتاب هذه المجلة الذي تستشهد به ودين، كما لو أنه مشروع أعمال تجارية، عملت، على أن تُظهر نفسها كوجه من وجوه الثراء الليبرالي الجديد، وبُذلت جهود إعلامية في هذا الإطار لتصنيع صورة نيوليبرالية عن رفاه مزعوم لجذب السوريين إلى مزيد من القبول والإذعان للنظام القائم يختلف عما كان يحدث في العهد السابق. وفي خضم التغطية الإعلامية السائدة للخلاف المزعوم بين رامي وأسماء تُختزل القضية السورية الآن إلى صراع على النفوذ والمال بين أطراف إما تعمل على البقاء في السلطة أو تعمل على أن تجدد السلطة وتمنحها وجهاً جديداً، دون إحداث تغيير جوهري في بنيتها، لإرضاء أطراف معينة قبل أن تبدأ وليمة إعادة الإعمار.

وفي هذه الأثناء يحتدم الصراع على بيت مال السلطة، وتنبري له الخبيرة المصرفية السابقة، التي لم يحدث أن وقفت (لا هي ولا غيرها من المسؤولين) مرة في طابور كي تستلم جرة غاز، ولم تركض لاهثة تحت جسْر عمها الرئيس للحاق بميكرو صغير كي تذهب إلى غرفتها المستأجرة في الضواحي أو في العشوائيات، والتي لم تنتظر أمام فرن في ركن الدين أو القدم أو قدسيا أو التضامن أو دف الشوك أو ال ٨٦ وغيرها من الأحياء الأخرى كي تحظى بربطة خبز تسد بها رمق أولادها. غير أن أسماء الأسد أو رامي أو الرئيس ورجال أعمال المرحلة وأصحاب القرار الآخرين في سوريا يستخرجون ثرواتهم من هذا التهميش والتفقير لسواد الشعب السوري، الذي قرف من التكنوقراط ورجال الأعمال والمقاولين وشركاء البزنس والسياسيين الذين عمَّتْ فضائح صفقاتهم حتى فاحت روائحها الفاسدة.
يختزل الإعلام القضية السورية إلى رواية أبطالها رامي وأسماء وبشار وماهر ومهند لكن القضية أكبر من ذلك، والمشكلة أعقد. وإذا كان النزاع قائماً على ثروات وشركات ستوسّع أموالهم وتمتّن أمنهم، وتساعدهم في التضييق على منافسيهم، وتمول أدوات قمعهم فإن كارثة انهيار المجتمع والدولة، وتمزق الجسد الاجتماعي، والجراح العميقة التي لم تندمل، والتي سيمضي وقت طويل قبل أن تشفى أو تُنسى، لن يفعل لها هذا الصراع على المال شيئا سوى مفاقمتها. ولن تستطيع وردة الصحراء ولا موظفوها ولا الذي كان رامياً بسهام غيره، ولا من قرر أن يتبعه، ولا من اختار الحل الأمني الدموي ولم يُصْغ لنصائح العقلاء في نظامه، أن يفعلوا شيئاً. ربما سيسكنون في فيلات محاطة بالحراس والدشم والرشاشات الثقيلة، ويحلق فوقهم طيران الحليف الروسي، ولكن إلى متى؟
يختزل الخطاب الإعلامي المشكلة السورية إلى صراع مالي داخل المجموعة الحاكمة، ويجيّش “خبراء” النظام والطائفة العلوية وخبراء الداخل ورجال الأعمال السابقين الذين بدأ بعضهم يوزع شهادات الذكاء والغباء من مختبراتهم الإعلامية الطائفية كي يطرحوا مقارباتهم القائمة على التكهنات وتصفية الحسابات، لكن وفي سط كل هذا الضباب الإعلامي تبزغ حقيقة جلية، وهي أن من يضع يده على المال، سواء كان أسماء أم غيرها، قد لا يكون طرفاً في الحل، وإذا ما حالفه الحظ وصار طرفاً فيه فإنه سيرضخ لشروط مفروضة عليه ويلعب دوره المطلوب، ألا وهو ترتيب المصالح الأميركية في نفط شمال شرقي سورية، والمصالح الروسية في طرطوس وتدمر والبادية وكافة البقاع السورية الأخرى، وترتيب المصالح الإسرائيلية تحت مظلة روسية، ناهيك عن المصالح الإيرانية والتركية، ويبقى الخاسر الأكبر في المعادلة هو الشعب السوري.
قذفت الحرب السورية أحجارها على أحد القصور البلورية للنيوليبرالية وهشمته فخرجت منه أسماء الأسد في قناعها النيوليبرالي الجديد ورامي في قناعه الديني كما لو أنه سيعتكف في قبة في قرية بستان الباشا على الساحل السوري، أو سيتم تسفيره إلى بلد آخر كي يسلم المفاتيح، ذلك أن الظلم الذي تعرض له قد فاق طاقته كما يقول في تصريحه الفيسبوكي، وبما أنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال ذلك ربما كان الانصراف إلى العبادة حلاً إلى حين. ويبدو أن أسماء الأسد ارتدت ثياب عمل جديدة، ثياب الموظفة المصرفية السابقة وخبيرة الحسابات في جي بي مورغان وشرعت في ترتيب بيت مال الدكتاتورية من جديد كي يرثه أبناؤها وكي تبني قصراً جديداً، تتمظهر فيه النيوليبرالية في أشكال مختلفة إذا ما حالفها الحظ، ويتشكّل أداؤها الآن في دور جديد من أجل فرض ”الكونترول“ على هذا المال (إذا استعرنا الكلمة التي استخدمها فراس طلاس في مقابلته مع الحرة)، وهي تلعب بالنار مع أصابع كثيرة متشابكة مع أصابعها أو منافسة لها، ولا نعرف أية أصابع منها ستحترق، كما لا نعرف في ضوء السرية والغموض اللذين يكتنفان الدكتاتوريات العسكرية ما الذي ستتمخض عنه الأمور.

مراجع معتمدة

1- Wedeen, Lisa. Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgement and Mourning in Syria. Chicago: Chicago University Press, 2019.

2- Haddad, Bassam. Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian

Resilience. Stanford: Stanford University Press, 2012.

 

3- https://www.youtube.com/watch?v=5asF-rCK44s

 

4-https://www.youtube.com/watch?v=rCI0hZxSkGw

 

5-https://salonsyria.com/راميمخلوفالقصةالكاملةغيرمكتملة/#.XrjJEy-ZPdc.

 

6-https://salonsyria.com/تطوراتقضيةراميمخلوف/#.XrjJLS-ZPdc

 

7-https://www.facebook.com/watch/?v=1374894359200246

 

8-https://www.jesrpress.com/2020/04/17/بشارالأسديشتريلزوجتهلوحةبقيمة٣%D9%A0-م/