لا يجمع بين أفراد الطبقة الوسطى في دمشق مستوى الدخل الشهري ولا أنماط الحياة العامة واليومية فقط، بل يتعدى الأمر إلى تشابه فعلي بنوع المواد المستهلكة وبأسمائها، لابل وبأسماء المحال التجارية والمخازن والمتاجر التي يشترون حاجياتهم منها، وأحيانا تتشابك المصالح ويحتدم التشابه لتتقاسم بعض العائلات مساعدة منزلية واحدة تقسم أيام عملها ما بين تلك العائلات أو سائق خدمة واحد يقود سيارة العائلة أثناء غياب الزوج أو مرضه.

منذ شهور خلت ومن منتصف شهر آب لعام 2019 قررت أميمة التوقف عن شراء القهوة من ماركة خلدون الشهيرة، والتي تعرف بأنها الماركة صاحبة السعر الأعلى للقهوة في دمشق، وتدرجت الأسعار من سبعة آلاف إلى تسعة، لتصل إلى أحد عشر ألفاً في شهر آب، فقررت أميمة التوقف عن شرائها. ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة فقد أخفت هذا الخبر عن صديقاتها اللواتي اكتشفن تبدل نوع القهوة في بيت أميمة، إلى أن تجرأت وفي شهر تشرين الأول على إعلان خبر هذا التبدل ولكن بعد أن سبقتها إلى إعلانه صديقات مقربات لم يترددن أبداً بالتوقف عن الشراء وبالإعلان عن ذلك أيضاً. سعر كيلة القهوة من ماركة خلدون اليوم بخمسة عشر ألفاً، لم يعد الموضوع طرفة للتندر ولا مناسبة للتذمر من الغلاء المستفحل، بل بات كل تفصيل يومي مدعاة لتأكيد العجز المتحصل من ضعف قيمة الدخل الشرائية وارتفاع قيمة المشتريات والمواد الأساسية.

في بيت هند مشكلة أخرى، أخيراً قررت اللجوء إلى مستوصف المواساة الخيري لمتابعة العلاج الدائم لوالدتها المصابة بالقدم السكرية والتي تحتاج عناية ومتابعة لصيقتين، لم تعد العائلة قادرة على دفع قيمتها لدى الطبيب المختص في عيادته الخاصة لارتفاع قيمة المعاينة وأدوات الجراحة الصغرى التي يجريها لأصابع والدتها بشكل شبه دوري، عدا عن كلفة العناية المنزلية المرتفعة من شاش ومراهم ومحاليل خاصة بالمغاطس الطبية اللازمة.

والحقيقة أن مستوصف المواساة يقدم خدماته مأجورة ولكن بهامش رمزي، عدا عن تخفيضات تشمل كل تفاصيل العلاج من تصوير شعاعي وتحاليل ومداخلات جراحية صغرى ومتابعة دورية مثل قياس الضغط وزرق الحقن والتبديل على الجروح ومعالجة الكسور والرضوض وسواها.

هند أستاذة جامعية، وقد افتتحت منذ عشرة أعوام معهداً للتدريب والتأهيل ولمساعدة الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم، مضطرة لخسارة وقتها في المعهد لمرافقة أمها المريضة لمستوصف الجمعية، لأن الانتظار طويل لكثافة عدد المرضى المحتاجين للمراجعة، هذا عدا عن عجزها عن تأمين ممرض إسعاف من المركز القريب لارتفاع كلفة نفقات العلاج فيه، رغم ارتفاع واردها الشهري من التدريس بالجامعة ومن وارد المعهد الخاص بها، تقول هند الحال ضاقت جداً وبات كل تدبير ولو كان حبة دواء إضافية فوق طاقتنا على تحمله.

كل شيء قد تبدل، حتى حجم كيس الخضار، كل مادة  تشترى حسب الحاجة المحددة لها، البصل بالكيلو والفليفلة بالوقية والخبيزة بالجرزة وكذلك الشمندر واللفت أو البطاطا. أما الفواكه فهي إن توفرت وبكميات أقل من المعتاد، لكنها تقبع بعيداً عن أعين الزوار، حبات قليلة لأفراد العائلة فقط، تؤكل بالتناوب اليومي لكل نوع. التفاح بستمائة ليرة والبرتقال بثلاثمائة ليرة والكريفون كذلك والبوملي بثلاثمائة وخمسون والبندورة تتراوح أسعارها ما بين الخمسمائة والستمائة ليرة. أما الموز وخاصة البلدي والذي انخفض سعره نسبياً وصل فيها إلى ستمائة وخمسون ليرة، فقد بات يشترى أسبوعياً ولمرة واحدة بواقع كيلو غرام واحد لا أكثر، بينما كان حاضراً يومياً على مائدة العائلة وعلى مرمى نظر الجميع بمن فيهم الضيوف.

رنا مهندسة وزوجة طبيب، اختصرت حجم مشترياتها من اللحوم بعد وصول سعر كيلو لحم العجل إلى عشرة آلاف ليرة، عائلتها مكونة من ستة أفراد، ولديها ولدان شابان بعمر العشرين، وهو عمر يستهلك الشباب فيه ويرغبون بتناول اللحوم ويفضلونها على كافة أنواع الطعام خاصة الطبخ التقليدي، لكنها الآن استبدلت وجبات اللحوم الحمراء بوجبة واحدة أسبوعياً ومن لحم الدجاج. كما أنها طلبت من ابنها التوقف بصورة نهائية عن تناول الطن مرتين أسبوعياً بعد التدريب الرياضي حسب نصيحة المدرب، لأن علبة الطن الواحدة تضاعف ثمنها إلى ما يقارب الضعف ونصف والضعفين لبعض الأنواع المخزنة بالماء بدلاً من الزيت والتي توصف للرياضيين أو للذين يتبعون برامج حمية خاصة.

بالأمس صادفت جارتي في السرفيس!! لم أتردد في سؤالها عن سبب وجودها فيه، فأجابت: “مشواري قريب ولا داعٍ لتشغيل السيارة وهدر البنزين”، ودخلت وأدخلتني معها في زحمة الشكوى من عدم كفاية البنزين على السعر الرسمي واستحالة توفر سيولة لتغطية كلفة البنزين الحر وعن الارتفاع المهول لأسعار قطع التبديل وكلفة التصليحات والرسوم والضرائب. شعرتُ وكأنها تزيح عن صدرها جبلاً هائل الحجم فقط لتجيب عن سؤال صغير جداً وطبيعي جداً، لكن يبدو أن الأحوال غير طبيعية وأن القهر يتفاقم ويحتاج مجرد سؤال ليسيل كقيح تخزن في كتلة صغيرة على طرف الخد، لكنها خدرت كامل الوجه والرأس وسرى الخدر  بالأطراف وصولاً إلى الأعصاب والعقل.

يمكن القول أن الطبقة الوسطى هي الأسر التي لها أكثر من دخلين شهريين ثابتين وأحد هذه المداخيل حكماً هو لدخل خارج وظائف الدولة، هو إما عمل خاص مثل عيادة أو ترجمة أو لوحات فنية أو معمل صغير أو ورشة موزاييك أو فضة أو ورشة إصلاح سيارات أو دكتور جامعة ويعطي دروساً إضافية أو خاصة أو لصيدلانية أو لخياط ماهر أو صاحب محل لبيع الملابس أو لبيع أو تصليح المشغولات اليدوية. الطبقة الوسطى التي تحتاج اليوم وبصورة وسطية لمبلغ يفوق الستمائة الف ليرة لتعيش في حدودها الدنيا، وليس كما كانت تعيش منذ فترة قريبة جداً لا تتجاوز الشهور الستة. هذا عدا عن كلفة السيارات وأقساط الجامعات وبالتحديد الخاصة منها وكلفة المداواة والعلاج وكلفة المسؤوليات العائلية تجاه الأهل. وهذا طبعاً لا يعني تشغيل الشوفاجات التي بات وجودها في البيوت مجرد ديكور يوحي بالصقيع ويستجلب الحسرة والشعور بالعجز لعدم إمكانية تشغيلها ولو بربع طاقتها التي كانت سابقاً، خاصة مع وصول سعر ليتر المازوت الحر إلى أربعمائة ليرة عدا عن حالات الغش الكثيرة التي يتناقلها السوريون يومياً. مع الإشارة إلى أن كمية الوقود الذي تحتاجه عملية التدفئة بواسطة الشوفاج ضمن البيوت السكنية هي أربعة ليترات في الساعة، أي بكلفة ألف وستمائة ليرة للساعة الواحدة قيمة المازوت فقط .

تراجع نمط إنفاق الطبقة المتوسطة ليتعدى الإنفاق الغذائي ليصل إلى المظهر المجتمعي، فقد تقلصت الدعوات العائلية على الغداء أو العشاء أيام العطل والأعياد وإن تمت وبقيت على تواترها القديم لكن مكونات الدعوة تقلصت وتضاءلت جداً أنواع الوجبات وعددها وقلت مكوناتها من اللحوم والفواكه والحلويات، كما خفت درجة التزاور بدرجة كبيرة جداً ولم تعد الزيارات الأسبوعية طقساً تفصيلياً من حياة أفراد الطبقة المتوسطة. ويبدو من اللافت ذكره هو الاستنكاف الطوعي في مظهره العام تعذراً بضيق الوقت أو سوء الأحوال العامة والقسري في مضمونه الفعلي عن قضاء العطل في الأماكن السياحية مثل البحر والقرى الجبلية، لارتفاع كلفتها وارتفاع كلفة النقل للوصول إليها وغياب أي واقع ادخاري يسمح بإنفاق السيولة الموجودة للضرورة كما يعلنون، والذي يتحول كل إنفاق خارج نطاق الضرورة إلى هدر يهدد بالعجز، لأنه يتجاوز فعلاً القدرة الحقيقة للأفراد بسبب غياب السيولة وضغط الحاجات اليومية الملّحة.

وكما هي التراتبية مثبتة واقعياً لأسماء المحال والمخازن التي تتوافق مع كل طبقة وكأنها جزء من كينونتها، يتخلى أفراد الطبقة الوسطى مكرهين عن خياراتهم الأم، نحو خيارات كانوا ينعتونها بالشعبية، كأن يلجؤوا لشراء القهوة ذات الآلاف التسعة للكيلو الواحد أو يوسعوا مروحة التخفيضات فتصير قهوتهم المفضلة هي المشتراة من سوق الحميدية أو من البزورية أو من الأحياء الشعبية مثل العمارة وسوق العتيق والمزة جبل. وفي عبارات مهدئة يعلنون: كم كانوا مبذرين عندما اعتادوا على قهوة فلان باهظة الثمن، بينما حان الوقت لاكتشاف أن النكهة والجودة ليستا حكرا على اسم الماركة أو المحل أو مخزن البيع، وكمن يُداري خيبته بالنكران.

عصف الغلاء بحيوات السوريين وبمقدرات عيشهم، وتهاوت الطبقات أو ربما هوت بفعل فاعل ليأخذ مكانها أشخاص جدد يتعثرون في اكتساب صفات الطبقة الوسطى ودرجات أفرادها العلمية العالية وأنماط سلوكهم الحضارية. أفراد اغتنوا بغمضة عين وامتلكوا ما كانوا لا يتخيلون امتلاكه، فأثروا على حساب الجميع وبدأوا بإزاحة الجميع عن طريق سطوتهم وتسلطهم وتفردهم بالمال وبالسوق وبالقانون وبالمجتمع، ركبوا الحرب كسفينة تجميع لغلال لم يجمعوها ولم يتعبوا بصنعها أصلاُ، ولكن الحقيقة أن الحيتان ليسوا وحدهم المسؤولين عن انحسار الطبقة الوسطى، بل تحضر عوامل إضافية بنيوية واقتصادية وإدارية ترتبط بنمو مضطرد للفساد وبعجز مضطرد عن إدارة الأزمة المستفحلة الناتجة عن هشاشة اقتصادية بالغة وعن انسحاب إجرائي عن بذل أية جهود ترمم ما يمكن ترميمه وتحافظ على ما زال الحفاظ عليه ممكناُ.

كل شيء بات عرضة للاهتراء. كل شيء ضاق حتى ضاع.