بناء جديد يُشَيَّد، غبار ورياح متربة وعويل شاحنات تنقل الصخر والرمل، أزيز آلات الحفر يصمُّ الآذان والرؤوس متعبة حتى حدود الإنهاك. تبدو المنطقة حديثة البناء جميلة من بعيد، أضواؤها تشع ملونة وساطعة، والأبنية العالية تشرف على عدة طرق، يكتشف الساكن عبر الشرفات المنيفة طرقات تحرّض على الاستكشاف أو على الخوض في مجاهلها.

لكن للحقيقة وجهاً آخر، الوحدة تعشش عميقاً في البيوت المغلقة على سكان وحيدين، متقدمين في العمر، أو مصابين بداء الرحيل أو النسيان.

بالأمس عاكس الحظ رمزية، المرأة السبعينية، الأرملة دونما التي بلا أطفال. أولاد. ولم يجب العاملون في البقالية على اتصالها، ليحضروا لها بطاريات  من القياس الصغير لجهاز قياس الضغط، تحاملت على ثقل حركتها، بخفها الصيفي الخفيف عبرت درج البناء نحو البقالية القريبة جداً، ليفاجئها تركس صغير ينقل الرمل، صرخت مذعورة، كادت أن تتعثر، تجمد الدم في عروقها وتيبست قدماها في موقع الحادث.

نزل السائق بعد توقف مفاجئ وصوت الفرامل قد هز أركان المكان وطيف شجاعة هاربة مرتسم على وجهه: “حمداً على سلامتك يا خالة”. لم تجب! بانزعاج قالت له :شو مو شايف قدامك!؟”، حان دوره ليلعب لعبة الصمت، حاول اقتيادها نحو الرصيف، سألته عن معلمه لتشكوه إليه، واصل صمته، ليحاول بعض الحاضرين التخفيف من تعقيد المشهد بتهنئة السيدة رمزية بالسلامة أو بتقديم تقرير فني مقتضب وسريع يشرح الحالة الفنية للتركس البطيء وثقيل الحركة وغير المهدد لسلامتها أصلاً. لكنها واصلت صراخها والرعب يدب بأوصالها، مكررة عبارة: “أنا وحيدة! وحيدة وليس لدي من يسقيني حبة دواء.”

 فجأة حضر المهندس المشرف، هنأ رمزية على سلامتها باستخفاف إداري متأصل، فزجرته قائلة: “سأشتكي عليك وعليه معاً!” تدخل ناطور البناء، وقال لرمزية :”السائق درويش ومعلّم  لن يؤذي أحداً مهما حدث”، ونطق العبارة السحرية”: إنه ابن حارتك، من الشاغور!”

ضحكت وتبدلت ملامح وجهها وهدأ اضطراب قلبها، تبدلت لهجتها وشاب كلامها حنان نادر وعميق  نسيته من زمن بعيد، وقالت للسائق بود فائق: “الله يسامحك يا خالتي كنت روحتني!”

لمجرد ذكر الشاغور اسم حارتها، فاض الشوق وسال حتى امتصه الطريق والشرفات وتحول المشهد من قاس واتهامي إلى جلسة تعارف تفصيلية. أسئلة متكررة من رمزية، عن أسماء أشخاص، أماكن، نكهات، تواريخ، قصص، ألوان، والسائق عاجز عن الرد بسبب تلاحق الأسئلة وبسبب  تقلص الزمن الفارق ما بين فرصته في الإجابة والرد وما بين أسئلة رمزية، بالكاد يهم بالرد لتلاحقه بسؤال جديد.

بقرار حاسم قطعت السيدة رمزية سيل أسئلتها وطلبت من فتى البقالية الذي كان حاضراً في حلقة التعارف الغنية إحضار البطاريات إلى بيتها الذي سبقته إليه. عاد الفتى  من بيت رمزية وبيده إبريق شاي ثقيل ومحلى وعدد من الكؤوس الزجاجية وسلمها للسائق قائلاً له: “السيدة رمزية أرسلت لك إبريق الشاي حلوان سلامتها.”

بشوق للنكهة المعتقة وبترحاب عائلي يخفف من وطأة الحادث، شرب السائق وزملاء العمل وفتى البقالية الشاي، وأصر السائق على إعادة الإبريق لرمزية بنفسه، مبادرة أسعدتها جدا، ولما عرفت أنه مازال يعيش في بيت أهله القديم في حي الشاغور مسقط رأسها، سألته عن فرن الخبز وعن محل بيع الفول والمسبحة. أعلمها بأن كل شيء مازال على حاله، إلا باختلاف بسيط وهو أن الأبناء استلموا مكان الآباء الذين ماتوا أو توقفوا عن العمل بسبب المرض.

في الصباح التالي وقبل مباشرته لعمله، رن السائق جرس باب بيت رمزية، وأعطاها الخبز والمسبحة التي طلبت منه إحضارها من حارتها الحبيبة.

تحول السائق إلى ساعي بريد ما بين رمزية وحارتها، كيلو طحينة من المعمل المشهور، علبة من الراحة الطرية والممسكة، شال من الصوف هدية من رمزية لزوجة السائق، ثم كنزة صوفية لابنة قريبة لها، إلى أن قررت رمزية زيارة حارتها وبمرافقة السائق، خاصة وأنها لا تقوى على الزيارة بمفردها. إضافة إلى أن رمزية قد تتوه في تفاصيل التغيرات الطارئة على المدينة من حواجز ومن تغيير أو تحويلات للطرق وخاصة الفرعية منها و في مداخل الحارات الصغيرة.

زيارة أعادت ربط رمزية بالحياة، طافت بحارتها مشياً على قدميها وهي العاجزة عن السير لأمتار قليلة، جالت على كل الدكاكين وسألت أصحابها عن أهلهم، توقفت طويلاً عند باب بيت أهلها القديم والمباع  منذ سنين طوال، بكت الغائبين والراحلين والهاجرين والمُهجرين واللاجئين والمتناسين لرمزية أو المتعالين على الروابط العائلية، نادت ونادت وتمنت الدخول، ولم تدخل، حتى أنها لم تقرع الباب أبداً.

تشتت تفاصيل وحدة رمزية الملازمة لها سنين طوال، والسائق يزورها كل صباح محضراً لها ما تطلبه منه في اليوم السابق، زارتها زوجته وأخته، وعندما رافقه ابنه الصغير في أول يوم بالعطلة المدرسية تناول الأب والابن طعام الغداء في منزل رمزية.

التوت مفاصل الغربة وانتعشت ذاكرة الحاضر اليومية بتفاصيل التحضير الاحتفالي لحضور طاغ، فرح ووفي. وتغير مزاج رمزية وازدادت طلباتها اليومية، لم تعد تطلب شيئاً من البقالية القريبة في حيها الموحش حيث تسكن، كررت مراراً عبارة من يعرف طريق النبع لا يذهب إلى الساقية.

من على شرفة منزلها تعرفت رمزية إلى حمولة الشاحنات، آلاف من أكياس الاسمنت وجبالة ضخمة وخزانات ماء معدنية تستقر على الرصيف المقابل، لقد انتهت أعمال الحفر إذن! لم تنم يومها، في الصباح سألت السائق وهو يعطيها مرطبان مخلل الفليفلة البلدية الذي حضرته قريبة رمزية لها: “ألا تعرف قيادة جبالة؟” ضحك، وبدا مضطراً لإعلامها بأن عمله سينتهي بعد يومين وعليه مباشرة العمل في ورشة أخرى وفي مكان آخر بعيد جداً عن بيت رمزية. صمتت، أغلقت الباب، وفي الداخل بكت بحرقة وكأنها تتعرف إلى وحدتها من جديد.

كانت تؤمل نفسها بأن يستلم السائق عملاً جديداًعلى الجبالة، فتبقى على تواصل معه، ومع الحارة القديمة العائدة إليها من خلف أسوار النسيان، مع رائحة الأهل وحكايات كل يوم لكن لأسماء جديدة وبتفاصيل أحدث وأكثر غنى وألفة، لكن عبثاً، هو سائق تركس موظف ولا شيء بوسعه  فعله أو تغييره ليبقى هنا. يومان كاملان والسائق يسأل رمزية عن قائمة حاجيات الغد، وهي تكتفي بعبارة: “لا شيء، شكراً.”

في اليوم الأخير لعمله في الحي الموحش حيث تسكن السيدة رمزية، رنّ السائق جرس باب البيت ليودع رمزية، لم تجب، عاود رن الجرس مراراً وتكراراً، ضرب بيده على الباب الخشبي، دونما أي رد. كان قلقاً جداً، واعتراه خوفٌ مبهمٌ، نادى الناطور، وكان لديه الجواب، رمزية في دار المسنين منذ مساء الأمس…