طيلة أكثر من خمس سنوات مضت والعجوز السبعينية “أم. ش” لم تفقد الأمل بالعودة إلى منزلها في “مخيم اليرموك” للاجئين الفلسطينيين، لكن أصوات الانفجارات العنيفة المستمرة الناجمة عن حملة النظام ضد تنظيمي “داعش” و”هيئة تحرير الشام”، في منطقة جنوب دمشق أطاحت بأملها وجعلته مجرد حلم.

العجوز الفلسطينية التي فضلت البقاء في بيتها بعد خروج المخيم عن سيطرة النظام، أجبرت على النزوح إلى بلدات ريف دمشق الجنوبي الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، إثر  سيطرة تنظيم داعش عليه، وتراقب حاليا باستمرار من على أحد أسطح الأبنية الغارات والصواريخ التي تستهدف المخيم.

وبلهجة فلسطينية مترافقة مع توتر كبير تقول العجوز: “راح .. راح.. خيّا ما بقي شي (لم يبق شيء).. ما بقي لا بيوت ولا شوارع.. راح المخيم…”، وتضيف “وين (أين) ترجع الناس.. وين (أين) تقعد خيّا على الردم…!”

وفي التاسع عشر من ابريل (نيسان) الجاري، وفي إطار مساع لتأمين دمشق ومحيطها، بدأ النظام وحلفاؤه حملة عسكرية لاستعادة المناطق الخارجة عن سيطرته في جنوب دمشق، واستهدفت مسلحي تنظيمي «داعش» و«هيئة تحرير الشام» في منطلق سيطرتهما، وذلك بعد إغلاق ملف وجود المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية لدمشق.

وتعتبر مناطق جنوب دمشق الخارجة عن سيطرة النظام مع منطقة القلمون الشرقي التي باتت مراحل تنفيذ اتفاقات التهجير لمقاتلي المعارضة في نهاياتها  آخر معقلين تسيطر عليهما المعارضة المسلحة و”داعش” و”تحرير الشام” في محيط العاصمة دمشق، بعد استعادة النظام وحلفائه السيطرة على معظم مدن وبلدات الريف الدمشقي وتهجير مقاتليها وأعداد كبيرة من سكانها.

وتشكل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في جنوب دمشق كتلة من البلدات والأحياء  متجاورة فيما بينها، منها ما يتبع إدرايا لمحافظة دمشق، ومنها لمحافظة ريف دمشق، وتسيطر على بعضها فصائل معارضة مسلحة، على حين يسيطر  تنظيمي “داعش”  و”تحرير الشام” على القسم الآخر منها.

ويسيطر “داعش” على كامل ناحية “الحجر الأسود” التابعة لمحافظة ريف دمشق وعلى أجزاء واسعة من “مخيم اليرموك” التابع لمحافظة دمشق ويعتبر المدخل الجنوبي للمدينة وعلى القسمين الجنوبي من حي “التضامن” والشرقي من حي “القدم”، بينما تسيطر فصائل المعارضة على منطقة بلدات “يلد” و”ببيل” و”بيت سحم”، التابعة إدارياً لريف العاصمة، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من العاصمة.

ومضات أمل

النازحون من تلك المناطق إلى أحياء سيطرة النظام في وسط العاصمة وأطرافها وإلى بلدات ريف دمشق الجنوبي الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، انتعش الأمل لديهم بالعودة إلى منازلهم  مع توقعات للنظام وحلفائه قبيل الحملة، أفصحت عنها قيادات في فصائل فلسطينية تقاتل إلى جانبه،  ومفادها أن المعركة هناك “لن تكون صعبة وستستغرق أياما معدودة فقط”، وأن ما سيحصل هو سيناريو مشابه لما حصل في مدن وبلدات وقرى الغوطة الشرقية من اتفاقات أفضت إلى تهجير مقاتلي المعارضة وعوائلهم إلى شمال البلاد، بعد أيام قليلة من بدء الحملة العسكرية هناك.                     

لكن مهلة 48 ساعة منحت ل”داعش” للخروج انتهت وبدأ النظام وحلفاؤه في التاسع عشر من ابريل (نيسان) الجاري قصفاً جوياً وصاروخياً ومدفعياً عنيفاً لتلك المناطق وهو مستمر حتى اليوم وينجم عنه بشكل يومي انفجارات عنيفة يسمع صوتها بوضوح في الأحياء المجاورة لمناطق سيطرة “داعش” و”تحرير الشام” من الجهة الجنوبية.

(س.م) من أبناء المخيم، وخلال تبادل للحديث مع أشخاص يقفون أمامه وإلى جانبيه، يركز بصره إلى أجواء المنطقة الجنوبية، ويشير إلى سحب الدخان والغبار الكثيفة التي تغطيها والمنبعثة من المباني في المخيم و”الحجر الأسود” من جراء استهدافها، ويقول بحسرة “لم يبق حجر على حجر”، لكن أحد من يتبادل الحديث معهم وفي محاولة للتعالى على جسامة ما يجري، يقول: “متل (كما) عمرناه في السابق بنرجع نعمروا.”

ذكريات

ويعتبر “مخيم اليرموك” من أبرز مناطق جنوب العاصمة الخارجة عن سيطرة النظام ويتبع إدارياً محافظة دمشق ويشكل بوابة العاصمة من الجهة الجنوبية، ويقع على بعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق، وتصل مساحته إلى نحو كيلومترين مربعين. ويحده من الجهة الجنوبية “الحجر الأسود”، ومن الجهة الغربية حي “القدم” ومن الشرق حي “لتضامن” ومن الشمال منطقة “الزاهرة”.

وأنشئ “مخيم اليرموك” عام 1957 على بقعة زراعية صغيرة، ومع مرور الزمن تحول إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في سوريا ودول الجوار، وراح اللاجئون يحسّنون مساكنهم ويشيدون الأبنية الطابقية لتتسع للعائلات الكبيرة والمتنامية، وبات كمنطقة حيوية تستقطب السوريين من الريف للعيش فيها، لقربها من دمشق، ووصل عدد اللاجئين الفلسطينيين فيه قبل الحرب الى ما يقارب 200 ألف لاجئ من أصل نحو 450 الف لاجئ في عموم سورية علما بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيما تتوزع على ست مدن.  حتى لُقّب ب”عاصمة الشتات الفلسطيني”.

وإلى جانب اللاجئين الفلسطينيين كان يعيش في “مخيم اليرموك” نحو 400 ألف سوري من محافظات عدة.

وتسارع التطور العمراني في المخيم في بدايات القرن العشرين وتحسنت الخدمات بشكل ملحوظ فيه، وتم افتتاح العديد من المراكز والمؤسسات الحكومية والأسواق التجارية لدرجة بات منطقة حيوية جدا أكثر من أحياء وسط العاصمة التي استقطب تجارها لفتح فروع لمحالهم التجارية فيه للاستفادة من الكثافة السكانية وجني أكبر قدر ممكن من الأرباح في أسواق باتت الأكبر والأكثر حيوية في العاصمة السورية.

وكان سوق شارع اليرموك الرئيسي للألبسة والأحذية والصاغة والمفروشات والمأكولات الجاهزة من أهم أسواق المخيم، حيث كانت العديد من محاله تفتح على مدار اليوم، بينما يعتبر سوقا شارع لوبية وصفد من أهم أسواق الألبسة الجاهزة، على حين كان سوق الخضار في شارع فلسطين من أكبر أسواق العاصمة ويؤمه الدمشقيون من معظم أحياء العاصمة.

وبمجرد الوصول إلى “مخيم اليرموك”، والدخول في شارع اليرموك الرئيسي  من مدخله الشمالي كان المرء يواجه سيلاً بشرياً تتزاحم أقدامه على الأرصفة لإيجاد مكان لها وتتقدم ببطئ كالسلحفاة، في وقت لا يختلف المشهد في سوقي لوبية وصفد حيث يبدو الشارعان والمحلات أكثر اكتظاظا، لدرجة أن الكثيرين كانوا يصفون المشهد هناك بـ”يوم الحشر”.

وإن كان سر الإقبال على أسواق “مخيم اليرموك” من قبل الباعة، هو استثمار الاكتظاظ السكاني الكبير فيها، بطرح البضائع بأسعار أقل مما هي عليه في أسواق أخرى وفق أسلوب “ربح أقل وبيع أكثر”، فإن إقبال  المواطنين عليها من كل حدب وصوب كان سببه تنوع المعروضات  وأناقة المحال والعاملين فيها والأهم من كل ذلك تدني الأسعار عما هي عليه في أسواق وسط العاصمة.

“اليرموك” الذي يحمل رمزية لحق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هجروا منها عام 1948،  حلت النكبة به عندما أطلقت طائرات النظام  ثلاثة صواريخ عليه في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2012 حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه، وذلك عقب سيطرة فصائل “الجيش الحر” عليه.

وانتهى المطاف بالمخيم بسيطرة “داعش” على الجزء الأكبر منه في أبريل (نيسان) عام 2016 إثر هجوم عنيف على “تحرير الشام” في أماكن وجودها هناك ومحاصرتها في جيب صغير في غربه، بعد أن كانت الأخيرة انتهت بالتعاون مع “داعش” من وجود فصائل “الجيش الحر”.

ومع سيطرة “داعش” الذي يصل عدد مسلحيه في مناطق سيطرته بجنوب دمشق الى نحو 2000 مسلح على “اليرموك” نزح كثير من المدنيين من المخيم إلى مناطق سيطرة “الجيش الحر” في “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، ولا يتجاوز عدد الباقين فيه 4 آلاف مدني.

العديد من أهالي المخيم والتجار الذين كانوا فيه يستبعدون عودة الوضع إلى المخيم إلى ما كان عليه قبل الحرب، بعد كل هذا القصف والمعارك الجارية هناك، ويقول أحد التجار “الأمور تغيرت كليا… قد تمسح المنطقة بشكل كامل ويعاد بناؤها. الماضي بات ذكرى ليس إلا!”

معقل الدواعش 

وإن كان “مخيم اليرموك” من أهم المناطق في جنوب العاصمة التي يسيطر على أجزاء كبيرة منها تنظيم داعش، فإن  ناحية “الحجر الأسود” التابعة إداريا لمحافظة ريف دمشق، وتقع جنوب العاصمة، وتبعد عن مركز المدينة نحو 7 كيلومترات، تعتبر المعقل الرئيس له ذلك أنه يسيطر عليها بالكامل.

ويتركز حاليا قصف النظام وحلفاؤه على الناحية كونها تحتوي مراكز قيادات التنظيم ومقر إقامة معظم مسلحيه وغرف عملياته ومستودعات الذخيرة والمواد الغذائية.

وتحاذي الناحية من الجهة الشمالية القسم الجنوبي من “مخيم اليرموك”، ويحدها من الجنوب بلدة سبينة، ومن الغرب حي “القدم” الدمشقي، ومن الشرق بلدة “يلدا”، ووصل عدد سكانها قبل الحرب الى نحو 60 ألفاً، أغلبهم من نازحي هضبة الجولان التي نزحوا منها عام 1967، إضافة إلى خليط من كثير من سكان المحافظات السورية ومن اللاجئين الفلسطينيين.

وفي بداية الثورة، تم الإعلان عن تشكل فصائل مسلحة في “الحجر الأسود” تتبع لـ”الجيش الحر”، منها “لواء الحجر الأسود” و”صقور الجولان” وتكونت في غالبيتها من نازحي الجولان، ليطغى بعد ذلك حضور فصائل متشددة على حساب “الجيش الحر” الذي انتهى وجوده بتفكك مجموعاته أو الاندماج مع تنظيم “داعش”  أو “جبهة النصرة” (هيئة تحرير الشام لاحقا).

وبسبب الصراع على النفوذ بين “النصرة” و”داعش” تمكن الأخير من طرد “النصرة” إلى “مخيم اليرموك”، وسيطر بمفرده على “الحجر الأسود” الذي بات معقله الرئيس في جنوب العاصمة.

جزءان من حيين

كما يسيطر “داعش” على العديد من الجادات في القسم الجنوبي من حي “التضامن” الدمشقي الذي يحاذيه “مخيم اليرموك” من الغرب وبلدة “يلدا” من الشرق والجنوب، بينما تحده من الشمال  منطقة “حي الزهور»”.

وسيطر “الجيش الحر” في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، على هذا الجزء من الحي  مما أدى إلى نزوح غالبية سكانه، على حين بقي الجزء الشمالي منه تحت سيطرة جيش النظام وميليشياته وشكل منطلقا للهجمات ضد الفصائل المعارضة في الجادات الجنوبية.

وكانت أعداد قاطنيه قبل بداية الحرب نحو 200 ألف ومعظهم من نازحي هضبة الجولان ومن محافظات أخرى.

وشكل المنحدرون من محافظات درعا ودير الزور وإدلب اللذين يتجمعون في الجادات الجنوبية من الحي ، نواة الحراك السلمي في عامه الأول. وعمد النظام إلى تدمير منازل الأهالي بشكل شبه كامل في حي زليخة التابع إداريا لبلدة “يلدا” ويحاذي الجادات الجنوبية من الحي من الجهة الشرقية.

وبعد سيطرة تنظيم داعش على القسم الأكبر من مخيم اليرموك أبريل عام 2016، قام أيضا بالسيطرة على الجادات الجنوبية من حي «التضامن»، بينما تراجعت الفصائل التي كانت توجد فيها إلى بلدات “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، حيث تسيطر فصائل إسلامية وأخرى من “الجيش الحر”.

إضافة إلى ذلك يسيطر تنظيم “داعش” على الجزء الشرقي هي حي “القدم” وهو من الأحياء الدمشقية العريقة، ويقع إلى الجنوب من العاصمة، ويحده شمالا حي “الميدان” وجنوبا بلدة “سبينه”، وغربا مدينة “درايا” وشرقا “الحجر الأسود”، بينما يسيطر النظام على القسم الغربي منه.

ويفصل بين القسمين طريق دمشق – درعا الدولي القديم، وسيطر “الجيش الحر” على معظم القسمين في بداية الثورة، إلا أن النظام تمكن لاحقا من استعادة السيطرة على القسم الغربي.

وسيطر التنظيم على القسم الشرقي من الحي في مارس (آذار) الماضي ، إثر هجوم شنه على قوات النظام بعد محاولاته السيطرة عليه  في أعقاب اتفاق «تسوية» مع الفصائل تم بموجبه تهجير المقاتلين وعوائلهم من الحي إلى شمال البلاد.

ومن ضمن مناطق الجنوب الدمشقي الخارجة عن سيطرة النظام منطقة بلدات “يلدا” و”ببيلا” و”بيت سحم”، التابعة إدارياً لريف العاصمة، وتقع في الجهة الجنوبية الشرقية من العاصمة، ويحدها من الشمال «مخيم اليرموك» و”حي التضامن”، ومن الجنوب منطقة “السيدة زينب” التي تسيطر عليها ميليشيات إيرانية، ومن الشرق غوطة دمشق الشرقية، ومن الغرب ناحية “الحجر الأسود”.

وتسيطر على هذه المنطقة التي تصل مساحتها إلى نحو أربعة كيلومترات مربعة، فصائل إسلامية وأخرى من “الجيش الحر”، ويتوقع أن تشهد احتمالاً مشابهاً لما حصل في كثير من المناطق من تهجير قسري للمقاتلين وعوائلهم.