مدينة الرقة السورية: من المدنية إلى مستقبل مجهول

By |2017-09-21T10:30:29-04:0010 July 2015|Article|

منازل الدنيا أربعة (دمشق والرقّة والري وسمرقند)، هذا ما قاله الخليفة العباسي هارون الرشيد، أما الرقّة فهي محافظة في شمال شرق سورية تقع على ضفاف نهر الفرات، وفيها يلتقي رافده نهر البليخ، وفي اللغة العربية يعني اسمها الأرض الملساء التي يغمرها الماء ثم ينحسر عنها. أصبحت الرقة محافظة مستقلة عن دير الزور في ستينيات القرن الماضي، وحظيت باهتمام الحكومة السورية في السبعينيات بإقامة مشروعات حيوية مثل سدي الفرات والبعث إلا أنها تحولت خلال العقود القليلة الماضية إلى إحدى المدن المنسية، وسقطت من خطط الحكومة التنموية باستثناء محاولات متواضعة لتغيير واقعها في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ولم يُكتب لها الاستمرار.

الواقع الحالي

خرجت محافظة الرقة عن سيطرة الدولة السورية في بداية شهر آذار عام 2013، منذ ذلك الوقت والمدينة تصارع من أجل البقاء، آلاف المسلحين اقتحموا المدينة من جهاتها الأربع، يقول المواطن محمد الصالح: «يُقدر عدد الكتائب المسلحة التي دخلت مدينة الرشيد بأكثر من مئة كتيبة، ذات انتماءات مختلفة، منها مُبايع لتنظيم «القاعدة» مثل «جبهة النصرة»، ومنها يتبع لما يُسمى بـ«الجيش الحر»، وأخرى لا تتبع لأي جهة وهي عبارة عن مجموعة مارقين من أرباب السوابق، وسجناء بجنايات وجرائم مختلفة أطلق سراحهم من السجن المركزي إبان سقوط الرقة».

تحولت المدينة الأكثر هدوءاً في سورية منذ عقود إلى ساحة معركة مفتوحة بين تلك الكتائب، خلافات أحدثها تقاسم الغنائم والمسروقات، واختلاف الرؤى والمنهج الذي تتبعه كل واحدة، إلى أن أعُلن عن تشكيل تنظيم «الدولة الإسلامية» في المدينة من قبل بعض المنشقين عن «جبهة النصرة» بعد شهر من سقوط المدينة، وبعد تسعة أشهر من الصراع بدأت الكتائب بتصفية بعضها، وانتصر تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على جميع الكتائب ليُعلن رسمياً نشوء «ولاية الرقة» أولى ولاياته في الشام، ويتخذها عاصمة للتنظيم.

يوثق أحد الصحفيين ما جرى هناك، ورغم اعتزاله الصحافة خشية الموت إلا أنه يراقب ما يجري بصمت ويدونه في يوميات المدينة التي يكتبها، فيقول: «ما زال الناس في مدينة الرقة يحاولون إيجاد سبل للبقاء على قيد الحياة، وأنت تسير في شوارع المدينة تسمع لغات مختلفة، أصبح أهالي المدينة حتى الأميين منهم يميزون اللغات العالمية، الفرنسية هي الأكثر انتشاراً فعدد العائلات الفرنسية كبير».

تحولت ساحات المدينة العامة إلى منصات لتنفيذ أحكام الإعدام، والتمثيل بالجثث وتقطيع الرؤوس والأيدي والأرجل، يطغى على المدينة جو من الخوف والحذر، إلا أن سكانها اعتادوا مع مرور الوقت رؤية جثة معلقة على أحد أسوار الحدائق، أو رمي شخص من بناء شاهق، أو رجم امرأة بالحجارة حتى الموت، ويُعتبر جلد شخص وسط السوق مشهداً مألوفاً في مدينة يحكمها تنظيم الدولة.

يعيش عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» مع أسرهم وأطفالهم في بيوت من هاجروا من أهالي الرقة، ومن صودرت أملاكهم بتهمة تأييدهم للنظام «النصيري الكافر»، مقاتلون من جنسيات مختلفة تتجاوز سبعين جنسية بما فيها العربية يعيشون مع عائلاتهم في الرقة، لهم فيها الحكم المطلق، وأصدرت «الدولة الإسلامية في العراق والشام» قراراً فرضت بموجبه الحجاب والعباءة على الفتيات من عمر 11 سنة فما فوق، ومنعت لبس البنطلون للفتيات والتبرج والعطر الصارخ، كما مُنع سماع الأغاني، وإقامة حفلات الزفاف، ومُنع الشبان من ارتداء القلائد، وأُعلن أن عقوبة كل من يشرب الخمر أو لا يصوم شهر رمضان الجلد. وسبق أن أصدرت «الدولة الإسلامية» قراراً منعت بموجبه «الأراكيل» في المقاهي. بعد ساعة من صدور القرار اختفت «الأراكيل» من المدينة. ومنعت النساء من السفر خارج حدود «الولاية» إلا في حالات المرض المثبتة بتقرير طبي ممهور بخاتم أمير الطبية في «الولاية».

«ليست غاية تنظيم الدولة الذي تنتشر دورياته في أحياء المدينة وأسواقها، فرض العقوبات على مواطنيها، بل نشر تعاليم الدين الإسلامي كما جاء في فكر التنظيم، ونبذ البدع والعادات التي انتشرت بين الناس نتيجة جهلهم بالتعاليم الحقيقية للدين»، حسب ما يقوله أبو دجانة، أحد عناصر التنظيم.

تدين المدينة اليوم بالدين الإسلامي، ويدفع مسيحيوها جزية سنوية فُرضت عليهم لـ«بيت مال المسلمين» التابع للتنظيم، ولا يُجبرون على اعتناق الإسلام لكنهم يخضعون لتعاليم الدين الإسلامي شأنهم شأن المسلمين.

تُغلق المحال التجارية أبوابها قبيل كل صلاة، وتخلو المدينة من جميع سكانها، يُعتقل كل من يتأخر عن أداء فريضة الصلاة، يخضع لمحاضرة دينية في مقر «الحسبة» التابع للتنظيم من قبل شيوخ دين غير سوريين.

يدفع أهالي الرقة من أصحاب المنشآت والمحال التجارية زكاة أموالهم حسب ما يقدرها مكتب الزكاة بعد زيارة ميدانية لتلك المنشآت، كما أنهم يشرفون بشكل مباشر على عميات حصاد القمح وجني المحاصيل الزراعية ويأخذون نسبة منها كزكاة تُدفع لـ«بيت مال المسلمين».

تتميز فترة حكم تنظيم «الدولة الإسلامية» التي بدأت قبل عام ونصف بالأمان الذي فرضته بحد السيف، وهذا ما لم يجده المواطنون خلال فترة حكم كتائب «الجيش الحر»، وهذا يجعلهم يشعرون بالرضى إلى حد ما رغم السخط على بعض القوانين التي لم يألفوها بعد. 

الرقة جغرافياً

تمتد الرقة بين خطـي عرض (35.15 – 36.45 ْ م) وبين خطي طول (38.00 – 39.35 ْم) وتبلغ مساحتها 19622كم،2 حيث تشكل 10.6% من مساحة سورية. تشكل الرقة نقطة وصل بين المحافظات الشرقية ومحافظات القطر الشمالية والوسطى، يحدها من الشمال تركيا وتبلغ الحدود المشتركة معها نحو (78,5)كم، ومن الجنوب محافظتي حمص وحماة، ومن الغرب محافظة حلب، ومن الشرق محافظتي الحسكة ودير الزور، وتبعد مدينة الرقة عن مدينة حلب (200)كم، وعن مدينة دير الزور نحو (135)كم، وعن مدينة حماة (260)كم، وعن حمص نحو (265)كم، وعن الحسكة نحو (230)كم.

تمتاز محافظة الرقة بتنوعها المناخي، ومقوماتها الطبيعية والسياحية، إضافة لتوفر المواقع الأثرية الموغلة في القدم كسور الرافقة الأثري، وباب بغداد والجامع العتيق (جامع المنصور)، وقلعة جعبر، ومدينة الرصافة، وسورا، وهرقلة، وزالبا، وحصن مسلمة، وتل الخويرة، وعشرات من التلال الأثرية المتوضعة على ضفاف نهري الفرات والبليخ، ومن أهمها تل المريبط المغمور تحت مياه بحيرة الأسد، والذي شهد أول استيطان بشري في العالم، ويعود إلى الألف التاسع قبل الميلاد، وتل أبو هريرة، وعناب السفينة والشيخ حسن وغيرها.

كما كانت تشكل مقامات الصحابة عمار بن ياسر، ووابصة بن معبد الأسدي، وأبي بن قيس النخعي، والتابعي أويس القرني الموجودة في مدينة الرقة أحد أهم المواقع التي تنضوي تحت لواء السياحة الدينية إضافة إلى مقام النبي إبراهيم الخليل في منطقة عين العروس. إلا أن المواقع الدينية آنفة الذكر، تم تدميرها بشكل كامل من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وتفجيرها بحيث لم يبقَ لها أي أثر.

يتجاوز عدد سكان المحافظة مليون نسمة، ويتوزع النشاط البشري فيها بين الزراعة وتربية الحيوانات، وعدد من الصناعات الخفيفية كصناعة السكر، وزيت الزيتون، والمجبول الزفتي، والمركبات العلفية، وحلج القطن، والأقنية البيتونية.

يتوفر في محافظة الرقة المخزون المائي الأوفر في القطر العربي السوري، إذ يجري نهر الفرات في أراضيها قاطعاً مسافة تتجاوز (180)كم، ويشكل سد الفرات بحيرة الأسد البالغة مساحتها (674)كم2 ومخزونها المائي (14)مليون متر مكعب، وبحيرة سد البعث بمساحة قدرها (27)كم2. إضافة إلى نهري البليخ والجلاب، وبحيرة العلي باجلية القريبة من مدينة تل أبيض، والدلحة شرق مدينة الرقة. 

الرقة تاريخياً

يرقى تاريخ مدينة الرقة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وسميت في البداية كالينيكوس، نسبة إلى سلوقس الأول، مؤسس المدينة، الذي كان يعرف أيضاً بهذا الاسم (ويقول البعض أن الاسم يعود إلى الفيلسوف اليوناني كالينيكوس الذي يعتقد أنّه توفي في الرقة).

ولموقع الرقة أهمية كبيرة حيث كانت في العصر البيزنطي مركزاً اقتصادياً وعسكرياً، لوقوعها على ضفاف نهر الفرات ووجود السهول الزراعية الخصبة فيها. فقد كانت مركزاً لتجمع البشر منذ العصور الحجرية القديمة، وموطناً لتقدم الحضارة، ومركزاً لتبادل السلع وتجميع الحاصلات والمؤن وتصديرها إلى بلاد كثيرة عبر الطريق المائي (الفرات) والذي كان صالحاً للملاحة حيث استخدمه الحيثيون ونقلوا فيه سلعهم إلى بابل والخليج العربي وإلى الهند، واستخدمه من جاء بعدهم من الشعوب.

في العصر الآرامي كانت الرقة عبارة عن إمارة آرامية تدعى (بيت آدين) وكانت عاصمتها تل برسيب وذلك في القرن الحادي عشر والعاشر والتاسع قبل الميلاد.

أما في العهد الإغريقي فقد عُرفت الرقة باسم (نيكفوريوم) حيث بناها الاسكندر الكبير حين اجتاز الفرات قبل أربيل. وسُميت (قالينيقوس) باسم سلوقس الثاني قالينيقوس الذي أسس مدينة جديدة أو جدد المدينة القديمة في سنة 244-242 ق.م.

وفي العهد الروماني سميت الرقة (كالينيكيوم) نسبة إلى الإمبراطور غلينوس المتوفي سنة 266 بعد الميلاد. وتقع المدينة الرومانية شرقي باب بغداد القائم حالياً في الرقة، ولم يبق لها أثر.

خربتها هزة أرضية فجددها الإمبراطور ليون الثاني الذي حكم الشرق في سنة 474م وسماها باسمه (ليونتوبوليس).

في العهد الأموي، اهتم الأمويون بالرقة واتصل تاريخهم بها كل مدة عهدهم فقد كانت محطتهم الى أرمينية، وكانت محطتهم إلى غزو حدود الروم وتمون جيوش الأمويين الى أرمينية وحدود الروم، وكانت تشرف على القبائل العربية في الجزيرة الفراتية. اهتم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بالرقة فوصلها بمجموعة من الحصون والقصور لتوطيد الأمن ولتكون محطة لراحته وراحة حاشيته بين الشام والجزيرة والحدود البيزنطية التي كان يغزوها بنفسه، وعني بزراعة الرقة وبري أراضيها، بما فجر من الترع من نهر الفرات لسقي الأراضي. ومن أشهر الآثار الأموية في الرقة رصافة هشام التي أضحت في عهد الأمويين منتجعاً صيفياً بعد أن أضاف إلى عمرانها وطورها هشام بن عبد الملك، وكان له الفضل في أن تكون جنة في وسط سورية في زمانها، أسهم في عمرانها وازدهارها بتشييد قصرين اكتُشف أحدهما في إثر التنقيب عن آثارها، فعُرفت آنذاك باسم: (رصافة هشام). بعد نهاية حكم الأمويين في سورية، تابعت (الرصافة) ازدهارها حتى بداية القرن العاشر الميلادي. واشتُهرت بتعايش المسيحيين والمسلمين بدليل اكتشاف وجود عدة كنائس فيها، ومسجد له محرابان باتجاه الجنوب وشارع مستطيل محاط بأعمدة رائعة، وقد هُدمت إبان غزوات التتار كلياً. 

حاضرة الخلافة

ازدهرت الرقة في عهد الخلافة العباسية على مختلف الصعد، وقد حظيت باهتمام كبير فأصبحت أهم المدن العباسية في بلاد الشام، ويذكرالمؤرخون أن المنصور هو الذي أمر ببناء الرقة العربية على طراز خطة بغداد، بعد أن ولي عليها لفترة حيث أعجبه موقعها وطيب هوائها وعذوبة مائها. وبعد استلامه الخلافة أرسل ابنه المهدي ولي عهده إلى الرقة سنة (155هـ/722م)، وأمره بأن يبني الرافقة على طراز بناء بغداد الى جانب الرقة البيزنطية كما أضاف الخليفة هارون الرشيد الذي سكن الرقة طويلاً، العديد من القصور والمواقع الهامة.

يقول الباحث التاريخي محمد العزو: «عندما هاجرت القبائل العربية (ربيعة، بكر، مضر) إلى الجزيرة الفراتية سكنت ربيعة بشكل رئيسي في منطقة الموصل الحالية، وبكر في آمد (ديار بكر، حالياً في الأراضي التركية)، واتخذت قبيلة مضر من الرقة عاصمة لها».

ويضيف الباحث: «كانت الرقة تحمل اسمين الأول نيكفوريوم نسبة إلى مؤسسها سلوقس الأول والثاني كالينيكوس. وتشير بعض المصادر إلى أن مدينتي كالينيكوس ونيكفوريوم متجاورتان، وقد أطلق العرب المهاجرون على كالينيكوس اسم الرقة البيضاء».

وحملتا معاً فيما بعد اسم “الرقتان”، وأغلب الظن أن لفظ الرقتين المتجاورتين في العصور الإسلامية يشير إلى الرَّقَّة البيضاء، والرَّقَّة السوداء، وقد تكون كالينيكوس أو كالينيكوم هي حي المشلب حالياً ونيقفوريوم هي الرقة السمرة حالياً».

قبيل فتح الرقة كان سكانها عرباً من مضر يعتنقون الديانة المسيحية، شأنهم في ذلك شان سكان مدن أخرى عامرة هي حران واديسا (الرها -أورفا).

ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، «إن الفتح الإسلامي للرقة تم صلحاً في سنة (17هـ/ 638م)، بقيادة عياض بن غنم وسهيل بن عدي وهما من قادة جيش أبي عبيدة بن عامر الجراح، واتخذ عياض من الرقة قاعدة لفتوحاته في الجزيرة الفراتية، حيث فتح سنة (19هـ) اديسا (الرها) وحران وسميساط ومن الرها الى منبج ورأس العين، وبعد أن سيطر على ذلك الجزء من المنطقة أخذ قرقيسيا الواقعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات، وبذلك أمن الضفتين، ورجع إلى الرقة ومنها سار إلى حمص، والياً عليها وعلى الجزيرة(الرقة)، (التي غالباً ما كانت العرب في قرون الإسلام الأولى تعبر عن الرقة بهذا الإسم لأنها أقرب المواقع الهامة بالقياس إلى من يعبر الفرات)، وذلك بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، ومات فيها سنة (20هـ).

وفي نفس العام أي 20هـ/641 م قسم الخليفة عمر بن الخطاب البلاد إلى سبعة ولايات وهي : المدينة، البحرين، البصرة، الكوفة، الشام، الجزيرة ومصر.

بعد وفاة عياض بن غنم، تولى الرقة سعيد بن عامر بن خديم، فبنى في الرقة وحران جامعين، حيث بنى جامع الرقة من الآجر واستعمل في بنائه أنقاض الرخام من المدينة القديمة (البيضاء)، وهو أول جامع يُبنى في الرقة، ومن الجوامع الأولى في العالم الإسلامي، لكن للأسف اندثرت آثارجامع سعيد بن عامر، وأغلب الظن أنها تحت أبنية حي المشلب في موقع الجامع الأموي ( المنيطير) التي كانت مئذنته موجودة حتى بدايات القرن العشرين وبُنيت فوقه مدرسة زكي الأرسوزي الابتدائية.

يؤكد الباحث محمد العزو: «إن أهل الرقة استطاعوا خلال فترة الخلافة الراشدية المحافظة على معتقداتهم وكنائسهم القائمة. وبقيت الرقة تمارس حياتها الاعتيادية مستفيدة من خصوبة أرضها ووفرة مياهها وموقعها الجغرافي المميز بين الجزيرة والشام مما أعطاها أهميتها التجارية والعسكرية».

ويُضيف العزو: «بدأ الخليفة العباسي المنصور في عام (772)م، ببناء عاصمة صيفية للدولة العباسية بالقرب من الرقة، سميت الرافقة. بُنيت المدينة الجديدة بشكل حدوة فرس على الطراز المعماري لبغداد، وسرعان ما اندمجت مع الرقة. بين عامي (796 و808)م، استعمل الخليفة العباسي هارون الرشيد الرقة عاصمة له أيضاً، وأصبحت المدينة مركزاً علمياً وثقافياً هاماً».

وفي الرقة عاش وتعلم الفلكي العربي الشهير البتاني (858-929)م. في عام 1258 دمر المغول الرقة كما فعلوا ببغداد، ولم تعمر بعد حرقها إلا بمرور خمسة قرون.

إعادة الإعمار

زار أبو الفداء محافظة الرقة بعد زمن طويل من خرابها، وقد ذكرها في تقويمه حيث يقول: «الرقة في زماننا مدينة خراب ليس فيها أنيس»، وبعد أكثر من قرنين وربع من زيارة أبي الفداء لمدينة الرقة لم يُعرف عن أخبارها شيئاً يذكر، حتى جاء عام (1574)م حين زارها الطبيب الرحالة الهولندي (ليونهارت راوولف)، حيث يَذكرُ في تقرير له وصفاً لقصر في المدينة و(1200) جندي من جنود السلطان التركي، وكانت المباني والأسوار بحالة يرثى لها، يبدو أنَّه بعد التدمير الذي لحق بالمدينة إثر الغزو المغولي لها، قد بنيت بعض مبانيها، وأنه حدث استيطان جديد ربما وقع مع إنشاء المراكز التركية، وكنقطة ومحطة هامة لطرق الاتصال بين سورية والعراق ولم تكن حينها ذات أهمية تذكر، وحسب رأي الرحالة ليونهارت فإنَّ التجار فضلوا أنْ يستعملوا الطرق التجارية ذات المسار الشمالي، المارة بالبيرة (براجيك) حيث تجتاز الفرات وتتابع طريقها إلى أورفه (أديسا).

في(1650)م قام الرحالة التركي أولياء جلبي بزيارة إلى الرقة، وقد أكد في كتابه (سياحة ناما) أنَّ الرقة كان فيها سكان ثابتون، ويذكر أيضاً أنَّ التركمان قد دمروا المدينة وعلى أثرها أصبحت الرقة تابعة لأورفا (أديسا)، وحسب النظرية الشعاعية التي يقول بها علماء الآثار والتاريخ، فإنَّ الرقة كانت مكاناً للّقاء الشتوي للعرب والتركمان، بينما هي في شهر تموز خالية على الإطلاق من السكان، وكانت في تلك الفترة وحتى في الفترات اللاحقة، مكاناً قصياً لذلك نجد أنَّ الرحالة الأوربيين المتأخرين، الذين كانوا يأتون عبر براجيك وأورفه والمنطقة، لم يذكروا الرقة رغم وجودها، ومن جهة أخرى نجد أنَّ بعض الرحالة الذين زاروا المنطقة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، قد رسموا الرقة على خرائطهم، مثل الرحالة ريتشارد بوكوك وج.م كيناير، وهذا يعني أنَّ المدينة لازالت حية رغم خلوها من السكان. إنَّ الانقلاب الجديد في حياة مدينة الرقة قد حدث في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأ الاستيطان الجديد لمجمل وادي الفرات والجزيرة السورية، إذ كانت البداية متواضعة ومع مرور الزمن تكونت مجموعة من المدن من بينها الرقة.

زار الرقة الرحالة الشهير زاخاو عام (1879)م، حيث أشار في كتابه (رحلة إلى سورية وبلاد الرافدين) أنه كان هناك مجموعة من السكان يقطنون في دور سكنية في مختلف مناطق المدينة القديمة، وأن عددهم يقارب مئة شخص ويقول: «أعتقد أنَّ التجار هاجروا إليها من مدينة حلب»، أماَّ الرحالة الليدي آن بلينت التي مرت في الرقة عام (1878) م أكدت أنها، «لم ترَ سكاناً داخل أسوار المدينة القديمة»، وهي محقة لأنها مرت في المدينة أثناء فترة الصيف، والسكان في هذه الفترة هم خارج المدينة، فبعضٌ منهم يمارس زراعة الخضار على ضفاف النهر (القبيات) ويسكنون في بيوت مشيدة من مادة القصب والسوس (سيباط)، والبعض الأخر من السكان يكونون قد رحلوا مع قطعان ماشيتهم إلى منطقة الشمال، وراء مساقط الغيث ومواضع العشب والكلأ، وفي نهاية فصل الصيف يعودون أدراجهم إلى المدينة، أما انطباع عالم الآثار أرنست هرتسفلد الذي زار الرقة في عام (1907)م فقد أكد، «إنها مدينة حديثة جداً، وأنها كانت تضم مركز بريد وبرق، وأن سكان المدينة كانوا يعيشون من التجارة مع العرب المحيطين بالمدينة من صناعة قصب السكر ومن حفريات اللقى الأثرية».

بعد خمس سنوات من زيارة هرتسفيلد للرقة، وتحديداً في شهر أيار من عام (1912)م قدم إلى الرقة الرحالة التشيكي لويس موزيل، وقد أكد أنه، «وجد فيها سكاناً عددهم (300)عائلة»، ولكن هذا الرقم قد يكون نتيجة لتقديرات غير مؤكدة والسبب في ذلك عدم وجود استقرار سكاني في المدينة في تلك الفترة الزمنية ليشكل مساحة أفقية واسعة، أما الاستيطان المبكر في محيط المدينة القديمة، فقد حدث أن عشائر (الأبي شعبان) استوطنت منطقة الرقة منذ عام (1650)م، وكانت منازلهم على شواطئ الفرات امتداداً من الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، مع دير الزور شرقاً، إلى منطقة شمس الدين غرباً، ويشكل هذا الاستيطان الهجرة الأولى لمنطقة الرقة بعد تدميرها من قبل الغزو المغولي في عام (1259)م.

الرقة اقتصادياً

تعتبر محافظة الرقة زراعية بامتياز، وشهد قطاع الزراعة تطوراً كبيراً بعد إنشاء سد الفرات الذي نظم مجرى النهر، وساهم في استصلاح مساحات واسعة من الأراضي، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية المروية نحو (220) ألف هكتار، منها نحو (110) آلاف هكتار مستصلحة وهي مشاريع ري حكومية، والبقية ضفاف بحيرة الأسد، وسقي نهري الفرات والبليخ، والأراضي التي ترويها الآبار الارتوازية، وتبلغ مساحة الأراضي المروية بعلاً نحو (450) ألف هكتار تزرع بعضها بالقمح في منطقة الاستقرار الثانية، إضافة للكمون، وبالشعير في المناطق الأخرى.

وحسب إحصائيات وزارة الزراعة في سورية، تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القمح بعد محافظة الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقمح في موسم عام (2011) نحو (136) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (550) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (142) ألف هكتار، وبلغ إنتاجها نحو (518) ألف طن، علماً أنه تم زيادة المساحة المقرر زراعتها بالقمح بناء على توجيهات الحكومة السورية وتوصيات اللجنة الزراعية العليا لزيادة الإنتاج، وتأمين الاكتفاء الذاتي وصولاً لتحقيق الأمن الغذائي.

كما تحتل الرقة المرتبة الثانية في إنتاج القطن بعد الحسكة، وبلغت المساحة المزروعة بالقطن في موسم عام (2011) نحو (46) ألف هكتار، وبلغ الإنتاج المسوق نحو (167) ألف طن، فيما تم زراعة نحو (46650) هكتار في موسم عام (2012)، والإنتاج (165) ألف طن.

أما بالنسبة لمحصول الذرة الصفراء فتحتل الرقة المرتبة الأولى على مستوى القطر في إنتاج الذرة الصفراء، منذ عام (1988) حتى عام (2012)، وتنتج نحو 60% من إنتاج القطر في السنوات السابقة، ففي موسم عام (2011) تم زراعة نحو (22) ألف هكتار بمحصول الذرة الصفراء، وبلغت الكميات المسوقة نحو (145) ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة لموسم عام (2012) نحو (26) ألف هكتار، والإنتاج نحو (128) ألف طن.

وتعتبر محافظة الرقة من المحافظات الأولى في زراعة الشوندر، حيث بلغت المساحة المزروعة بهذا المحصول لموسم عام (2011) نحو (5500) هكتار، والإنتاج المسوق (330) ألف طن وهي من السنوات المتميزة بكمية الإنتاج، فيما بلغت المساحة المزروعة في موسم عام (2012) نحو (4077) هكتار، والإنتاج نحو (190) ألف طن.

ويبلغ عدد أشجار الزيتون في محافظة الرقة أكثر من خمسة ملايين شجرة، معظمها مزروع على ضفاف بحيرة الأسد، والمثمر منها أكثر من 60% من العدد الكلي للأشجار، فيما تقدر كميات الإنتاج بنحو (50) ألف طن من الزيتون الحب، وفي الرقة أربع معاصر خاصة لإنتاج زيت الزيتون، ووسطي إنتاج الزيت يقدر بنحو 20كغ للمئة كيلو من الزيتون الحب.

أما الثروة الحيوانية المسجلة في الرقة فتبلغ نحو (2.2888) مليون رأس من الأغنام والماعز و(2656) رأساً من الأبقار، و(6521) رأساً من الإبل و(159) رأساً من الجاموس و(359) رأساً من الخيول. 

آفاق المستقبل

تغير نفوس الناس في محافظة الرقة يتناسب طرداً مع تغير الظروف، فقد خلفت الحرب ما خلفته من انقسام في الرؤى والآراء، تفرق الأخ عن أخيه والابن عن أبيه، هاجر العديد من أهالي المحافظة إلى مدن أخرى أكثر هدوءاً كحماة واللاذقية وطرطوس ودمشق.

هجر معظم الفلاحين أراضيهم، وغادر الأبناء إلى لبنان وتركيا والعراق مؤخراً (بعد سيطرة التنظيم على مناطق واسعة منه)، بحثاً عن فرص عمل تساعدهم على شقاء الحياة بعد أن شحت الموارد وارتفعت الأسعار، أما من بقي في المدينة فيسعى جاهداً لتأمين مصدر رزق ثابت يعينه مع أفراد أسرته، بعد أن خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة بسبب توقف مياه الري الحكومية بعد سرقة معدات المضخات من قبل مسلحي «الجيش الحر»، إبان سيطرتهم عل الرقة.

تُعد تجارة السيارات هي الرائجة بعد تجارة النفط، وقد انتشرت مكاتب بيعها في معظم أرجاء المدينة. وتُباع سيارات بلا ضريبة للرفاهية كانت تأخذها الحكومة سابقاً عن السيارات السياحية، وفيما عادت المدينة الصناعية إلى العمل ونشطت فيها الحركة على نحو ملحوظ بسبب ازدياد عدد السيارات، يستورد التجار بضائعهم من تركيا، إلا أن الأسعار مرتفعة جداً.

أما الفقراء، فقد اختاروا سبلاً للحياة مستقاة من بساطتهم، فاشترى بعضهم صنارة صيد أو شباكاً، حسب قدرته المادية، وقصد نهر الفرات وامتهن صيد الأسماك. وتحول سوق الهواتف الخلوية في شارع الوادي وسط المدينة إلى سوق للأوراق المالية وتصريف العملات، وخصوصا أن انقطاع شبكة الاتصالات عن المدينة قد يستمر أسابيع في بعض الأحيان. واستورد بعضهم أجهزة للاتصال الفضائي لضمان تواصل المغتربين من أبناء الرقة مع أهاليهم بأسعار مرتفعة للدقيقة الواحدة.

مضى عام ونصف العام على حكم تنظيم «داعش»، يكاد أهل الرقة يعتادون على قوانين التنظيم، أو يتعايشون معها إلى حد ما، وقد أنشأ التنظيم هيئات ومكاتب تابعة له مهمتها تسيير شؤون المسلمين وتأمين الخدمات الضرورية لهم، ومنها:

الدواوين:وهي المعنية بتنظيم الأمور الإدارية، فيما تنتشر مكاتبها في جميع مدن وقرى الولاية.

العلاقات العامة والعشائر: وهو مكتب لإصلاح ذات البين، والإصلاح بين عشائر الولاية وحل المشاكل إن وجدت.

الخدمات: مكتب مسؤول عن الأمور الخدمية في عامة الولاية، حيث يعمل على إيصال المياه إلى منازل المسلمين، وإصلاح شبكات الكهرباء، بالإضافة إلى قيامه برصف وتزيين شوارع وطرقات الولاية.

الزكاة: وهو مكتب لجبي الزكاة من محاصيل زراعية ومحال تجارية ومواشي، وتوزيعها على مستحقيها.

الشرطة: يقوم مكتب الشرطة ببسط الأمن في أنحاء الولاية، عن طريق إنشاء نقاط تفتيش وتسيير الدوريات النهارية والليلية، التي تلاحق اللصوص وتحل النزاعات البسيطة، وتتبع له شرطة المرور التي تعمل على تنظيم حركة السير، وإجراء امتحانات للقيادة بشكل دوري

الزراعة والري: يُشرف على عمل المطاحن والأفران ويقوم بشراء محاصيل القمح من المزارعين، وتوزيع الطحين على الأفران بهدف توفير مادة الخبز.

ويُعنى أيضاً بالإشراف على عمل السدود وسواقي الري، وقد أقام عدة مشاريع للري تهدف إلى توفير المياه لأكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية.

الأمن العام: مسؤول عن تأمين المسلمين.

التعليم: وهو مكتب مسؤول عن سير العملية التعليمية في الولاية، قام بافتتاح أكثر من 15 مدرسة تُدرّس لأطفال المسلمين العلوم الدينية والدنيوية، وتتبع له عدة معاهد شرعية.  

الحسبة: وهو مكتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الولاية، فيأمر الناس بالمعروف من صلاة وزكاة وغيرها، وينهى فاعلي المنكرات من حشيش وسرقة وخمور وغيرها، ويتبع له مكتب الرقابة والتفتيش، وهو مكتب للتفتيش عن مصادر المنكرات، ومراقبة المحال من مواد تالفة وبيع للمنكرات وغش للناس وغيرها.            

  الدعوة والأوقاف والمساجد: توكل إلى جنوده مهمة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث يقيم الخيم الدعوية ويُسيِّر القافلات التي تقام فيها الدروس والمسابقات، كما توكل إليه مهمة العناية بالمساجد وإعمارها.    

 الصحة: وهو مسؤول عن إدارة المشافي التي تُقدم الخدمات الطبية للمسلمين، وتقع على عاتقه أيضاً مسؤولية مراقبة الصيدليات وما تبيعه للمسلمين من أدوية، كما أنشأ كلية للطب.       

 ديوان القضاء والمظالم: تتبع له عدة محاكم شرعية، يُفصل فيها بين الخصوم ويُقضى بالأمور المتعلقة بالجنايات، كما يستقبل القضايا المتعلقة بالمظالم وهي القضايا التي يرفعها المتظلمون من عوام المسلمين على جنود الدولة وأمرائها.

الإعلام: وهو الجبهة الخارجية للولاية، يعمل على نقل مجريات الأحداث ومواكبة التطورات العسكرية، ويُعنى بتقديم التغطية الإعلامية لأنشطة الدواوين الأخرى، وقد أنشأ خمس عشرة نقطة إعلامية تتوزع في مختلف القواطع، تعمل على سد الثغرة الإعلامية عبر عرض الإصدارات المرئية ونشر الأخبار اليومية.

يبقى مستقبل الرقة مجهولاً في ظل تمسك التنظيم بها ودفاعه المستميت عنها باعتبارها عاصمته في بلاد الشام، أما سكانها فلا حول لهم ولا قوة هم فقط يحاولون العيش بسلام يدركون أنه مؤقت في ظل الحرب الدولية التي تشهدها المنطقة.

[تُنشر هذه المقالة ضمن اتفاقية شراكة مع جدلية]
[.This article is published jointly in partnership with Jadaliyya]

About the Author:

فراس الهكار صحافي سوري مقيم في لبنان