ينتظر أبناء جنوب سوريا في درعا نتائج “الخريطة الروسية” على المناطق التي عرفت بـ “التسويات”، وهي عدة مدن وبلدات من شمالي وجنوب وغرب المحافظة وشرقها وافقت على تطبيق اتفاق التسوية في شهر تموز (يوليو) العام 2018 بعد تفاهمات روسية -اميركية -اردنية، تضمنت سيطرة الحكومة على المنطقة مقابل ابعاد ايران.
ووافقت روسيا حينها على بقاء السلاح الخفيف والمتوسط مع المقاتلين السابقين في المعارضة في درعا، وعاشت المنطقة بعدها حالة من الانفلات الأمني وانتشار الجريمة والقتل والاغتيال الذي استهدف شخصيات محسوبة على النظام أو المعارضة سابقاً أو قادة وعناصر مجموعات محلية انضموا بعد تسويات عام 2018 إلى الأجهزة الأمنية التابعة للنظام و “الفيلق الخامس” المدعوم من قاعدة حميميم الروسية.

بدايات
بدأت روسيا تطالب بسلاح العناصر والقادة الذي احتفظوا به وفق الاتفاق السابق، وكانت الانطلاقة من مدينة درعا البلد المدينة التي تحمل رمزية ثورية باعتبارها اولى مدن محافظة درعا التي انطلقت منها شراراه العبارات والمظاهرات المناهضة لدمشق في العام ٢٠١١، حيث طالب جنرال روسي مندوب إلى محافظة درعا لمتابعة ملف اتفاق التسوية في المنطقة من اللجنة المركزية للتفاوض الممثلة لأبناء وأهلي مدينة درعا البلد بعد اجتماع عقد بتاريخ 25 حزيران (يونيو) 2021، بتسليم السلاح الخفيف والمتوسط المتواجد في درعا البلد. رفض أبناء مدينة درعا البلد المطلب الروسي واعتبره مناقضا لما تم الاتفاق عليه في عام ٢٠١٨ الذي سمح لهم ببقاء السلاح الخفيف والمتوسط بعد تسليم السلاح الثقيل. وعقدت اجتماعات بعدها وحاولت اللجنة المركزية في درعا البلد التوصل إلى حل سلمي بدون تسليم السلاح لاسيما مع التهديد الروسي المستمر خلال جولات التفاوض باستخدام القوة العسكرية اذا لم تطبق مطالبه بتسليم السلاح الخفيف والمتوسط من درعا البلد.
ومع استمرار الاجتماعات كانت تتوافد تعزيزات عسكرية معروفه باسم “قوات الغيث”، نسبة الى العميد غياث دلا، التابعة لـ “الفرقة الرابعة” التي يقودها اللواء ماهر الأسد شقيق الرئيس بشار الاسد. واغلقت مداخل ومخارج مدينة درعا البلد وسمحت قوات دمشق، بخروج المدنيين من درعا البلد وطريق السد والمخيم من معبر طريق السرايا الفاصل بين درعا البلد ودرعا المحطة مركز مدينة درعا.
ومع استمرار رفض أبناء درعا البلد تسليم السلاح، بدأت “الفرقة الرابعة” تصعيدها العسكري على المدينة ومحاولات تقدم واقتحام للمدينة تزامنت مع قصف على أحياء درعا البلد، وكانت كل عملية تصعيد عسكرية على المدينة تترافق مع اجتماع بين الجانب الروسي واللجنة الأمنية التابعة لدمشق واللجنة المركزية للتفاوض في درعا البلد.
ومع استمرار التصعيد العسكري ومحاولات اقتحام المدينة وتطويقها وفشل محاولتين لتطبيق اتفاق التسوية وتهجير 35 شخصا من أبناء درعا البلد، واستمرار تطويق المدينة لأكثر من 50 يوما والمواجهات بين أبناء المدينة في درعا البلد وطريق السد والمخيم وقوات “الفرقة الرابعة”، طرح الجانب الروسي “خريطة طريق” جديدة للمنطقة الجنوبية ولجميع مناطق التسويات في درعا، تشمل “دخول قوة عسكرية روسية وقوة أمنية من الجيش إلى مناطق درعا واجراء تسويات جديدة تضمن إزاحة المطالب الأمنية عن المطلوبين وتسوية أوضاع الفارين والمتخلفين عن الجيش السوري، ودخول مؤسسات وخدمات الدولة السورية إلى المنطقة التي توافق على الاتفاق الجديد، مقابل تسليم السلاح الخفيف والمتوسط”.
وافقت مدينة درعا البلد بعد ذلك على تطبيق “الخريطة الروسية” واتفاق التسوية الجديد، ودخلت قوات من الشرطة العسكرية الروسية وقوة أمنية من النظام إلى درعا البلد واقامت مركز لتسوية الاوضاع وتسليم السلاح في حي الأربعين بدرعا البلد، وتم تسليم العدد المطلوب من السلاح الخفيف والمتوسط الذي حددته لجنة النظام السوري.

الريف الغربي
كانت أنظار الجانب الروسي واللجنة الأمنية تتطلع إلى ريف درعا الغربي بعد مدينة درعا البلد، وأجرت لجنة التفاوض في الريف الغربي من درعا المشكلة من قادة فصائل معارضة سابقاً ووجهاء وأعيان المنطقة مع الجانب الروسي واللجنة الأمنية اجتماعا توصلوا خلاله إلى اتفاق بتاريخ 15 ايلول (سبتمبر) يقضي بتطبيق بنود “الخريطة الروسية” في بلدات اليادودة والمزيريب ومدينة طفس أكبر مدن ريف درعا الغربي المشهورة بـ “مناهضتها للنظام السوري وتضم أعدادا كبيرة من قادة وعناصر المعارضة السابقين”.
وصرح حينها أحد أعضاء اللجنة المركزية في الريف الغربي إن “اللجنة المركزية للريف الغربي بعد تشاور مع وجهاء وأعيان المنطقة اتفقت على قبول الحلول السلمية المطروحة من الجانب الروسي، وإبعاد الحرب والآلة العسكرية عن المنطقة، وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للأهالي وللمطلوبين للنظام السوري، دون تصعيد عسكري أو تهجير ودمار”. ودخلت قوات الشرطة الروسية وقوات من الجيش وبحضور أعضاء اللجنة المركزية إلى المنطقة واقامت مراكز للتسويات وتسليم السلاح، وحددت لجنة النظام السلاح الخفيف والمتوسط المطلوب تسليمه من كل مدينة وبلدة، ولم تشهد المنطقة عمليات تصعيد عسكرية لكنها قصفت مدينة طفس قبل توقيع الاتفاق بأيام بالقذائف راح ضحيتها 3 قتلى بينهم سيدة.

حوض اليرموك
وبعد أن انتهى تطبيق “الخريطة”، في مناطق الريف الغربي القريبة من مدينة درعا، انتقلت إلى عمق مناطق الريف الغربي المعرفة باسم مناطق حوض اليرموك التي كانت قبل عام ٢٠١٨ تحت سيطرة تنظيم “داعش”، واتفقت الأطراف الممثلة بالجانب الروسي واللجنة الأمنية ووجهاء وأعيان حوض اليرموك بتاريخ 25 ايلول 2021 على تطبيق “الخريطة الروسية”، وتسليم العدد المطلوب من السلاح الخفيف والمتوسط مقابل عدم تدخل قوات “الفرقة الرابعة” في عمليات التفتيش والتسوية، وانسحابها من جميع النقاط التي انتشرت فيها مؤخراً في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي.
وقسم تنفيذ الاتفاق في منطقة الحوض إلى مراحل باعتبارها منطقة كبيرة تشمل بلدات تتوزع على مساحة جغرافية كبيرة. وكانت بداية تطبيق الاتفاق من بلدات سحم الجولان وجلين ومساكن جلين وحيط والقصر، وأحدثت مركزا لتسوية أوضاع المطلوبين المدنيين والعسكريين الفارين والمتخلفين عن الخدمة الاحتياطية والإلزامية، وتسليم السلاح الخفيف والمتوسط من هذه المناطق، وفتشت بعض المناطق والمنازل بحضور وجهاء المنطقة واللجنة المركزية والشرطة الروسية.
كما شملت التسوية الجديدة أوضاع عناصر وقادة التسويات الذين انضموا إلى الفرقة الرابعة عقب اتفاق التسوية عام 2018، وانشقوا عنها مؤخراً وطالبتهم بتسلم سلاحهم وبطاقاتهم الأمنية، ثم انتقل تطبيق “الخريطة الروسية” إلى المرحلة الثانية التي شملت بلدات الشجرة وتسيل وعابدين وجملة وعين ذكر والمزرعة وكويا ومعرية، وطبق فيها ذات البنود بإحداث مركز للتسوية وتسليم السلاح الخفيف والمتوسط، وتفتيش بعض المناطق.
وتدحرجت “الخريطة” بذات البنود والوتيرة في عملية التطبيق عبر وساطة مع وجهاء وأعيان مناطق ريف درعا الغربي والشمالي الغربي التي تمتد في المنطقة من مدينة نوى غربي درعا إلى مدينة جاسم وانخل والحارة شمالي غرب درعا وكانت تلوح اللجنة الأمنية التابعة للنظام بالخيارات العسكرية واغلاق مداخل ومخارج أي مدينة أو بلدة يرفض أبنائها تسليم السلاح المطلوب منهم، كما حدث في مدينة جاسم، وتنتهي حالة التهديد والتصعيد بتقليل كمية السلاح المطلوب تسليمها أو تسليم مبالغ مالية مساوية لقيمه السلاح المطلوب والذي يصر وجهاء المنطقة بأنه غير موجود.

التمدد شرقاً
في تشرين الاول (اكتوبر)، انتهى تطبيق “الخريطة” واتفاق التسوية في مناطق ريف درعا الغربي والشمالي كاملاً لتنتقل إلى مناطق الريف الشرقي وكانت بدايتها من المدن والبلدات القريبة من معبر نصيب الحدودي وهي بلدات نصيب وأم المياذن والطيبة، حيث افتتحت الشرطة العسكرية الروسية واللجنة الأمنية مركزاً للتسويات وتسليم السلاح في بلدة نصيب وأن يتم فيه تسوية أوضاع بلدتي أم المياذن والطيبة أيضاً في 9 تشرين الاول.
واستمر تطبيق اتفاقات التسوية في بلدات ومدن ريف درعا الشرقي والشمالي الشرقي بذات الإجراءات عبر دخول لجنة لإجراء التسويات وتسليم عدد تحدده اللجنة الامنية، من السلاح الخفيف، واختلف عدد القطع المطلوب تسليمها من منطقة إلى أخرى، وتهديد للمناطق الرافضة، وشملت التسويات إقبالاً من المطلوبين، وخاصة الفارين من الجيش السوري على أن يحصلوا على حكم قضائي بالعفو من عقوبة الفرار والالتحاق بقطعهم العسكرية في الجيش وعدم ملاحقتهم مستقبلاً، والمطلوبين المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية في الجيش.

ختام… واستثناء
وأعلنت وسائل إعلام تابعة لدمشق في 20 تشرين الاول، عن انتهاء ملف التسويات في محافظة درعا جنوب سوريا، بعد استكمال تطبيقها في كامل المحافظة، وافتتاح مركز دائم لإجراء التسويات في مدينة درعا المحطة.
وشملت “الخريطة الروسية” والتسويات الجديدة كامل مناطق درعا باستثناء منطقة بصرى الشام معقل قوات فصائل التسويات جنوب سوريا بقيادة أحمد العودة الذي حضي باهتمام الروسي باعتباره أول قيادي كان محسوب على المعارضة وافق على تطبيق اتفاق التسوية جنوب سوريا عام ٢٠١٨.
وتزامن الإعلان عن انتهاء تطبيق الخريطة الروسية والتسويات الجديدة في مناطق درعا جنوب سوريا، مع أنباء عن تغير تبعية فصائل التسويات بقيادة أحمد العودة من قوات في الفيلق الخامس المدعومة من حميميم إلى قوات تابعة لشعبة المخابرات العسكرية. كما انسحبت مجموعات «الفرقة الرابعة» من مناطق ريف درعا الغربي إلى دمشق، وشملت عملية الانسحاب حتى المجموعات المحلية من أبناء ريف درعا الغربي الذين انضموا للفرقة الرابعة، إضافة إلى انسحاب حواجز ونقاط عسكرية كانت تنتشر على الاوتوستراد الدولي دمشق – عمان، وانسحاب حواجز من أرياف درعا الشرقي والغربي وعددها 5 حواجز ونقاط عسكرية.
كان لافتا ان تمدد “الخريطة الروسية” جاء بعد زيارة العاهل الاردني الملك عبدالله الى موسكو وواشنطن وبعد سلسلة زيارات قام بها مسؤولون سوريون الى عمان وقرار تشغيل “خط الغاز العربي” من مصر الى الاردن الى لبنان مرورا بجنوب سوريا، وقرار عمان ودمشق فتح الحدود بين البلدين.