ًمسامرة الموتى: أن نعيش الفاجعة، مجددا

By |2021-05-01T16:15:17-04:001 April 2021|Article, Culture, العربية|

«أتجنّبُ جلسات تحضير الأرواح، لأنّها تُقلِقني، وأفضِّل أن يتحدّث الموتى إليّ عبر صفحات مطبوعة». كذا كان رأي هارلد بلوم عام 2002، إلا أنّه لم يُبدِ القلق ذاته حين اقترب موعد رحيله عام 2019. لا أظنُّ أنّه بات أقلّ تشكُّكًا، بقدر ما بات أكثر غرقًا في الحنين، في الذكريات، في ترقُّب لحظة الموت، في محاولة تجربة اللقاء قبل اللقاء، في مسامرة الموتى قبل أن نصبح نحن موتى كيلا نتعثّر في ارتباكنا حين نلقاهم. يلفتني الآن أنّ أكثر ما يؤلمني عند قراءة بلوم تناولُه للموت، أكان تجربةً شخصيّة أم تجربة قراءة. وكأنّنا سنخفّف وقع الموت حين نشرِّحه، سنفهمه أكثر حين نناقشه. أعترف أنّي أخفق دومًا في فهم هذا الدرس الأخير. أنا تلميذ ميؤوس منه في كلّ ما يتعلّق بالموت وبالفجائع. أتلقّى الفاجعة كلَّ مرة كما لو كنتُ لن أتلقّى غيرها، وأُجفِل من تلقّي نبأ الموت كما لو كان ذلك الميت الذي عرفتُه آخرَ سكّان الأرض. لستُ من البكّائين عمومًا، وإنْ كنتُ أتمنّى لو كنتُ منهم. أو ربّما كنتُ أتحايل على البكاء في محاولات عبثيّة لقراءة الفاجعة بعينٍ هادئةٍ ترى الموت دائرةً لانهائيّة، هاويةً لا قرار لها، دوّامةً تمزج ضحاياها بحيث تصبح الفجائع الإغريقيّة سومريّةً، والسوريّة مصريّةً أو صينيّة. أقرأ الموت لأنّي لا أتقن شيئًا آخر غير القراءة. أتماهى في دور التّلميذ أمام أساتذة كثيرين لم يعرفني أحدهم يومًا، مع أنّهم أفضل أساتذتي لأنّهم صنعوا ذاكرتي. ولعلّي أتلقّى الفاجعة كما لو كانت فاجعة شخصيّة، لأنّها شخصيّة حقًا: أتفجّع على ما فقدتُ من ذاكرتي. هذا هو الأمر ببساطة. ببساطة؟ نعم، ببساطة، كما هي بساطة إدراك أنّ الفواجع عَوْدٌ أبديٌّ لا سبيل إلى الفرار منه. ولكنّنا ننسى، فنُفجَع من جديد.

حين قرأتُ عبارة بلوم، ابتسمتُ لأنّي أنا أيضًا أفضِّل ترك مسافة بيني وبين الموتى، بل حتّى بيني وبين الأحياء. ابتسمتُ لأنّ عزلتي كانت مُؤثَّثةً بالذاكرة، ذاكرة أساتذة أحياء كثيرين وموتى أقل. ابتسمتُ لأنّ بلوم كان في الثانية والسبعين حين نطقها، إذ من «الطبيعيّ» أن تقتصر المسامرات على الصفحات المطبوعة، من «الطبيعيّ» أن تكون الذاكرة ذاكرة موتى فقط. غير أنّ تلك العبارة باتت تطعنني أكثر فأكثر حين بتُّ أدرك أنّ ذاكرتي أنا أيضًا أوشكت على أن تستحيل ذاكرة موتى. فرغت جعبة ذاكرة المراهقة والصبا تقريبًا، مع أنّ المُفترَض (مُفترَض؟) أن توشك على النّفاد بعد عقدين مثلًا على الأقل. لم أدرك إلا متأخّرًا أنّ الفواجع باتت أكثر من معدّلها المُفترَض (المُفترَض مرة أخرى!) الذي يُتيح للبشر التقاط أنفاسهم ولملمة ذاكرتهم قبل الفاجعة اللاحقة، فاستعدتُ العبارة ليصبح بلوم مرةً أخرى دليلي إلى قراءة فواجعي اللاحقة. كان هارلد بلوم صوتًا وبات صدى، كان نبيل فاروق آخر مرساة تربطني بمراهقتي وبات زعيقَ صافرة الباخرة التي مضت، كان حاتم علي حارس ذاكرة صباي، فأمسى هو أيضًا ذاكرةً بلا حارس. لم أكن محتاجًا إلى العبارات الصادحة التي كانت تشدِّد على أنّ حاتم رحل باكرًا كي أدرك أنّه قد رحل باكرًا حقًا. أدركَتْها ذاكرتي مباشرةً، لأنّها انكشفت أمام الصقيع. لم يكن حاتم علي أستاذًا من أساتذتي بقدر ما كان آخر أسوار الحياة التي كنتُ فيها، وباتت الآن حُطامًا كحطام البلاد التي كنّا نظنّ بسذاجة مؤلمة أنّها لنا، فأيقظنا رحيل حاتم على الحقيقة. لم يعد لدينا حتّى أطلال نبكي عليها، ولذا ربّما كانت الناس تبكي حاتم علي الذي كان آخر أطلال البلاد التي كانت. أحسد (وأحقد على) من تناول موته بحياديّة، بل وتذكَّرَ وجوب الموضوعيّة فأشهرَ مشرط النّقد ليُشرِّح أعماله، غير مدرك أنّه كان يُشرِّح جراحنا وذاكرتنا وبلادنا وأحلامنا. لم ينتظر «نقّاد الغفلة» أن يجفّ ترابه، أو أن يلامس جسده التراب حتّى، بل سارعوا إلى تنبيه غفلتنا المُخجِلة بأنّ تلك الجراح لم تكن مضبوطةً بدقّة، بأنّ همس ذاكرتنا لم يكن مدوزنًا، بأنّ صراخ لوعة الفقد لم يكن متقنًا، ولا بدّ من إعادة إخراج المشهد الذي كان ينزف ألمًا على مخرجه. فلنقرأ معنى تلك الجراح أولًا، ولنتأمّل سبب تحوّل فاجعة عموميّة إلى فاجعة شخصيّة، ولكنْ إنْ كان لا بدّ من القراءة الموضوعيّة، فلنحاول!

بحرٌ من السَّواد لا ألوان فيه إلا أزرق الكمامات. كمامات تكبح الموت، أو هذا ما يُفترَض بها أن تفعل. أزرق يكسر ظلمة الموت، أو هذا ما يُفترَض به أن يفعل. نعشٌ يرقص على الأكفّ. لا يرقص النّعش في الجنازات السوريّة إلا إذا كان الميت عريسًا أو يوشك على الزّفاف، أو شهيدًا قضى في معركة من المعارك. لم تعد هذه البلاد بلاد أعراس، إلا أنّها باتت مُتخَمةً بالشّهداء وبالمعارك. لم يكن الميت عريسًا أو شهيدًا، إنْ التزمنا بصرامة التّعريفات. لمَ جنازة الزّفاف هذه إذن؟ لا ينقصها إلا نثر حبّات الأرزّ، ولكنّه الآن شحيحٌ في بلاد البطاقة الذكيّة لذا استُبدِل بالدّموع. زغاريد كما في جنازة أيّ عريس أو شهيد، ولكنْ لا رصاص أيضًا مع أنّه أكثر سلعة متوافرة في بلاد الموت. شُيِّع حاتم علي في نعشٍ لا يحمل إلا آيات منقوشة. لا رايات تخنقه، ولا بزّات عسكر وأشباه عسكر يحصون الأنفاس. مات، كما عاش، خفيًا، حاضرًا، بسيطًا، مُركَّبًا، يشبه الجميع، ولا يشبهه أحد. ثمّة صرخة تنادي: «يكتّر خيرك يا حاتم!» ما الخير الذي فعله هذا الرجل كي ينال جنازة أنبياء في زمن لا أنبياء فيه؟ لا تفسير ربّما إلا بأنّه يشبه صورة عتيقةً منسيّةً لهذه البلاد، وكان موتُه الكفَّ التي نفضتْ الغبار عنها. كان حاتم علي مولعًا بمزج الحقيقة والخيال، بمزج المُتخيَّل بالوثائقيّ. أشهر مثالين هما مشهدا التّهجير في «التّغريبة الفلسطينيّة»، ومشهد المظاهرة في «العرّاب»، حين مزج زمنين، وصوتين، وعالمين. غير أنّه ما عاد بحاجة إلى ذلك الدمج والمزج في مشهده الأخير حين انتفضَ المُتخيَّلُ ونسفَ الواقعيّ تمامًا. ما كان لأحدٍ أن يحلم بجنازةٍ كهذه بعد سنوات الصمت. جنازة تشبه المظاهرة في كل شيء ما عدا كونها مظاهرة. لا نجد شريطًا كاملًا للجنازة، بل مقاطع متفرّقة صوَّرَتْها كاميرات متفاوتة الجودة، معظمها مهتزّ ككاميرا مسلسل «أحلام كبيرة» التي كانت تبدو مثل فردٍ آخر من أفراد العائلة يوثّق تفاصيلها اليوميّة الصغيرة. مقاطع متفرّقة شبه مسرَّبة في ظل غياب الإعلام وانحيازاته. وكان كلُّ ما علينا إعادةُ لصق تلك المشاهد كي نحاول – عبثًا – تأمُّل الجنازة وملاحقتها بأكملها. ندرك لاحقًا أنّ الأمر مستحيل، فالمونتاج غائب هنا لأنّ هذه الجنازة محكومة بالنّقصان، أو لعلّها محكومة بالحلم، حلم أن يكملها كلُّ مَنْ حضرها ومن لم يحضرها على هواه. كان المشهدُ الختاميّ في «أحلام كبيرة» مُفجِعًا إذ أكَّدَ لنا ما لم نكن نجرؤ على تأكيده: دم الإخوة قد يصبح ماءً، أو ما هو أسوأ؛ إلا أنّ جنازة مخرج ذلك المشهد أعادت المصطلحات التي كنّا نظنّها قد انقرضت في عشر السّنوات السوريّة العجاف. بات الجميع (حسنًا، معظمهم) إخوة وهو يشيّعون حلمهم الذي اختُطِفَ بغتةً. لا نعرف أهل الميت لأنّ الجميع كانوا أهله. كان كلُّ مَنْ في الجنازة، ومَنْ راقبها من الأرصفة، ومَنْ شاهدها مُقطَّعةً، أخًا أو ابنًا أو صديقًا أو تلميذًا لهذا الراحل الذي لا يعرف معظمنا. وكانت كلُّ امرأةٍ أمًا أو أختًا لهذه الشّريد الذي مات وحيدًا في محطّة ترانزيت بين منفى البلاد وبلاد المنفى.

ما الذي فعله هذا الرجل بنا؟ لكلٍّ منّا إجاباته وذكرياته، ولكنْ أظنّ أنّ إجابتي: التقط لنا هذا الرجل صورةً قبل الانهيار، وثَّق أحلامنا قبل الحريق، خلق لنا ذاكرةً موازيةً قبل زعيق الحرب والموت. أميل شخصيًا إلى مسلسلاته الاجتماعيّة المعاصرة أكثر من مسلسلاته التاريخيّة، غير أنّي انتبهتُ بعد موته إلى أنّه كان يلتقط دومًا مشهدًا أوحد أيًا يكن زمنه، وإنْ بقيتُ ميّالًا إلى مسلسلاته المعاصرة، وإلى «أحلام كبيرة» تحديدًا. كان حاتم علي يعدّ نفسه محظوظًا لأنّه تعاوَنَ مع كتّاب سيناريو جيّدين، وكنتُ أتساءل دومًا عن سرّ رفضه كتابة سيناريو يخصّه بدلًا من الاعتماد على الآخرين. لم يكن غريبًا عن مشهد الكتابة، إذ تذكّرْتُه قبل فترة حين كتبتُ عن كتّاب القصة القصيرة السوريّين، وقد كان يُبشِّر أن يكون من أهمّهم إلا أنّه هَجَر القصة إلى التلفزيون. أدركتُ لاحقًا أنّه كان يدوِّن أفكاره داخل سيناريوهات الآخرين حين يضبط الكاميرا على الالتقاطة التي يظنُّ (أو ربّما ما أظنّه أنا) محور العمل كلّه. لا أعني الإشارة إلى ضعف، أو إلى تفاوت، أو إلى هنات إخراجيّة، بل أعني التآمر مع كاميرته كي تُدوِّن ما لم يُدوِّنه بنفسه، ومخاتلة الكاتب من دون نسف أفكاره. في مسلسل «الفصول الأربعة» كان السيناريو مقسومًا بالتّساوي تقريبًا بين العائلات الخمس، إلا أنّ الكاميرا كانت أحنَّ حين تنتقل إلى بيت الأب/الجد كريم وإلى بين الصّهر نجيب. ليس لي أن أُنكر أنّ سِحر كلٍّ من خالد تاجا وبسّام كوسا يسرق محور أيّ مشهد يكونان فيه، إلا أنّ الأمر أكبر من براعة ممثّل. ثمّة كاميرا تحنُّ إلى مَنْ يشبهها أكثر. لسنا مثل مالك بك الجوربار، ولن نصبح يومًا أثرياء مثله ربّما، ولسنا (أو ربّما لم نكن) مثل برهوم البائس حياةً وشِعرًا. كنّا مثل نجيب، أو لعلّ الأدقّ أنّه كان مثلنا في حربه اليوميّة للبقاء في برزخ الطبقة الوسطى التي لن تتقن الصعود إلى طبقات أعلى، ولكنّها تحاول في الوقت ذاته تحاشي الانزلاق إلى جحيم الطبقات الأفقر. ترك حاتم علي لغيره من المخرجين تصوير العشوائيّات التي ستلتهم المدينة، واكتفى بالإيماء إليها، وواصلَ بذكاء توثيق هموم الطبقة الوسطى وأحلامها قبل الانهيار الكبير. كان يسعى، أو ربّما يتوق لو تحوَّل نجيب إلى كريم بعد عقدين مثلًا، إلا أنّه أدركَ أنّ هذا الزمن سيرحل برحيل أبنائه ليبدأ زمنٌ آخر أقسى سيدمّر آخر صور العائلة في «أحلام كبيرة»، الذي عُرِضَ بعد عدة سنوات، وكان البطلُ – للمفارقة – بسّام كوسا نفسه، غير أنّ الشّروخ التي كانت كاميرا «الفصول الأربعة» قد استشعرتْ ظهورَها قبل انفجارها باتت الآن واضحة تمام الوضوح، حيث تفكَّكَتْ العائلة تمامًا بالرغم من وجود الصّخرتين الدائمتين: الأب والأم، حيث يبرع حاتم علي في تصوير علاقتهما المُركَّبة دومًا، أكان هذا في «الفصول الأربعة» أم «أحلام كبيرة» أم «التغريبة الفلسطينيّة».

لعلّ قائلًا يقول إنّ هذه رؤية مشتركة بين الكاتب والمخرج، أو ربّما لم يكن المخرج إلا مُنفِّذًا ببّغائيًا لسيناريو جاهز. طيب، ماذا عن «صلاح الدين» أو «الزير سالم»؟ ترك حاتم علي لوليد سيف حريّةً شبه مطلقة في تصوير صلاح الدين كما يشاء، ولكنّه واصلَ لعبته الأثيرة في تهريب لقطاته. لستُ أوَّلَ من يشير إلى جمال المشاهد التي تجمع الخليفة العاضد (تيم حسن) وصلاح الدين (جمال سليمان) التي كانت مناقضةً، أو متباينةً على الأقل، مع صورة صلاح الدين السائدة في المسلسل وفي التاريخ على السواء. كان وليد سيف يسعى إلى تبيان صورة البطل الذي سيحقّق أحلام الأمّة في تحرير بيت المقدس: البطل العصاميّ الذي يشبُّ ليحطّم جميع الحواجز التي تفصل بينه وبين حلمه، بيد أنّ كاميرا المخرج كانت تلتقط الصورة الخفيّة للبطل، الصورة الأخرى التي يتخلّى فيها البطل عن ثياب الراهب والجنديّ والقائد ليصبح سميرًا ذكيًا للخليفة الداهية الذي ضاعفتْ براعة تيم حسن من دهائه ونظرات عينيه الثاقبة. كانت جلسات الحوار ولعب الشطرنج أجمل مشاهد المسلسل، ولم يُخفِ حاتم علي ولعه بالمواقف الفاصلة التي تكشف الشّروخ، فوضع بطليه أمام امتحان مؤلم: الصداقة أم المصلحة العامة؟ هل أتخلّى عن الصديق أم عن أحلام الأمة؟ ما الذي سيؤثّر على الأمة لو تأخَّر الفتح المُنتَظر عدة أيام أو أسابيع قبل أن يموت الخليفة المريض. لم تكتفِ الكاميرا بتوثيق ما يحدث أمامها بل سعى حاتم علي بذكائه اللمّاح إلى تصوير بواطن البطلين. ليس الاختيار بين الصديق وبين الأمة المحور الوحيد لهذا الامتحان القاسي، بل ثمّة صراع داخليّ أقسى التقطته الكاميرا في الأعين: ثمّة صديق يترقَّب، بل يتعجَّل، موت صديقه كي يتحرّر من عبء التخلّي ومن عبء الضّغوط التي يُمطره بها القادة المحاربون الذين لا يكترثون لهذه السّفاسف الصغيرة. البلاد أهمّ من العلاقات الصغيرة النّافلة، ولكنّ الأعين لها حساباتها المُفجِعة. عاودَ حاتم علي تركيزه الشّغوف بمصائر العائلة، وإنْ كانت مقتصرةً هنا على صديقين. على أنّه كان قد قدَّمها بوضوح أشدّ في «الزير سالم»، حين بدا المسلسل مسلسلين. سيناريو ممدوح عدوان منشغلٌ بمسألة السُّلطة والمعارضة والطغيان والثأر، فيما كاميرا حاتم علي مشغولة بتوثيق الشّروخ التي ستحطّم بيت همّام بن مرّة الذي كان الساحة الفعليّة لحرب البسوس. العائلة مرةً أخرى، الأعين مرةً أخرى: عينا ضباع (نجاح العبد الله) المشظّاة بين رثاء الأخ الذي قُتِل وبين رثاء الأخ الذي يبتغي الثأر وبين رثاء الزوج الذي لا بدّ أن يكون في الطرف الآخر؛ وعينا همّام المنقسم بين العائلة وبين الصديق. ألمحَ عدوان بسرعة إلى جلسات السَّمر بين مهلهل وهمّام التي كانت تؤرّخ لآخر لحظات الصداقة التي ستتفتّت مع شروق الشّمس، إلا أنّ الكاميرا لاحقتْ تلك الشّروخ إلى نهاياتها. كان مشهد مقتل كليب قاسيًا، ومشهد تفجُّع الحارث بن عباد الذي أُرغِم على الدخول في حربٍ ينفر منها مؤلمًا، إلا أنّ الفاجعة الفعليّة كانت في عيني ضباع في جميع المشاهد التي تبعت حادثة القتل الأولى. كان الشَّرخُ الذي أبعد الأخت عن أخاها والصديق عن صديقه بدايةَ الفاجعة التي ستُفتِّت العائلة كليًا حين ينحاز كلُّ ابنٍ من ابنَيْ ضباع وهمّام إلى الجيش الذي يراه الأحقَّ بالنُّصرة. كان انقسام ذلك البيت التاريخيّ البعيد، وتقاتل الأخوين، إلماحًا أول للانقسام الذي سيمزّق عائلة أخرى بعد قرون، عائلة الأب والعمّ في «أحلام كبيرة»، ويواصل تمزيقه لعائلة الجيل الثاني من الإخوة الأعداء.

يرى كثيرون أنّ حاتم علي أفضل مخرج سوريّ على الإطلاق، ولكنّي أظنّ أنّه حُكمٌ لم يكن حاتم نفسه سيقبل به، وكان سيشير إلى هيثم حقّي، بالرغم من أنّ حقّي اعتزل الإخراج تقريبًا بعد هجرته. كان حاتم أذكى تلاميذ هيثم حقّي، ولم يُخفِ تأثّره به. جميع السّمات التي تُميِّز حاتم علي ورثها عن المعلّم الكبير: ذكاء الكاميرا، المغامرة في منح وجوه جديدة أدوارًا مهمّة، والعمل بدأب على مشروع واضح يكون بصمةً للمخرج أيًا يكن كاتب السيناريو. لا يتّسع المجال إلى مقارنةٍ تفصيليّة بينهما، ولكنْ لعلّ بوسعنا القول إنّ حاتم علي أكملَ مشروع هيثم حقّي، محافظًا على بصمةٍ خاصة به. لم يكن حقّي منبع التأثير الوحيد في مسيرة حاتم علي، إذ سبقه الراحل علاء الدين كوكش الذي رحل عن دنيانا قبل فترة وجيزة، من دون أن ننتبه إلى أنّ الموت بدأ يختطف حرّاس ذاكرتنا تباعًا. رحل كوكش وحيدًا في مأوى للعجزة، ورحل حاتم علي وحيدًا في غرفة فندق بعد أن كان قد قرَّر الهجرة إلى بلاد تحترم حقوق مواطنيها وتمنح حياةً مريحةً في الشيخوخة. هرب كوكش من الدنيا وأمضى سنوات في عزلة شيخوخته، فيما كان علي يمنّي النّفس بشيخوخة رغيدة بعد عقدين أو ثلاثة، غير أنّ الأقدار لها حساباتها المُفجِعة. ربّما كان العقدان اللذان بخلت بهما الأيام على حاتم علي سيشهدان ولادة عملٍ يُصوِّر التغريبة السوريّة التي كان علي يرى محقًا أنّ الوقت ما يزال مبكّرًا على تنفيذها. قد ينفّذها مخرج آخر، وقد تبقى أسيرة الأحلام الكبيرة التي باتت الجعبة الوحيدة لناس هذه البلاد الذين تلاشت حياتهم وذكرياتهم ولم يبق لهم إلا الأحلام. على الأرجح أنّ مشهد جنازة علي سيكون أحد مشاهد تلك التّغريبة؛ رحيل مُدوِّن الأحلام، وحارس الذاكرة، ومُوثِّق الشّروخ التي قصمت ظهر هذه البلاد التي تلفظ أبناءها تباعًا.

مشهد أخير (1)

في أحد مشاهد مسلسل «ذكريات الزمن القادم»، نرى خالدة (ضحى الدبس) وهي تركض في شوارع الشام المزدحمة بحثًا عن أمّها المصابة بالزهايمر. كانت الأم (ثناء دبسي) قد خرجت من البيت بحثًا عن أطياف الماضي التي لم تكن تتعامل معها كأطياف بل بوصفها واقعًا، فيما كانت الابنة تُمشِّط الشوارع بلهفة وجنون بحثًا عن الأم التي كانت حارسة الحاضر والمستقبل، بينما الكاميرا ترصد صرخات خالدة الملتاعة من أعلى كعين إله محايد، وتُورِّط الناس في الشوارع، على غفلة منهم، في البحث عن أطياف الماضي والحاضر والمستقبل. المسلسل من إخراج هيثم حقّي.

مشهد أخير (2)

في إحدى صور جنازة حاتم علي، نرى منى واصف مذهولةً متفجّعةً، مثل أمٍّ أضاعت أطياف الماضي والحاضر والمستقبل، وهرعت إلى شوارع المدينة بحثًا عنها. الكاميرا تواجه العينين اللتين تبدوان مرآةً مُفجِعةً لخواء المدينة التي تبدَّدت جميع أطيافها، بينما منى واصف مثل هيكابي التي فقدت زوجها وأبناءها وبناتها وأحفادها في حرب طروادة، وثمّة دخان لامرئيّ يومئ إلى الحرائق التي نهشت البلاد. هذا المشهد بلا مُخرِج.

المشهد الأول مرآة معاكسة للمشهد الثاني، وكلاهما يخلوان من حضور حاتم علي. حاتم علي الغائب الأكبر في جنازته. هو يبتسم الآن. لعلّه هو الوحيد الذي يعرف مكان تلك الأطياف، ويزجي وقته في مسامرتهم بعد أن نجح في تصوير مشهده الأخير.

About the Author:

يزن الحاج كاتب ومترجم سوريّ