مع نهاية عام ٢٠١٨ شهد الشمال السوري بعض التطورات السياسية والعسكرية المؤثرة، بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتغريدة على حسابه الخاص على التويتر أعلن فيها ”قرار انسحاب كامل وسريعفي ديسمبر/ كانون الأول قال فيها بعد انتصارات تاريخية ضد داعش، حان الوقت لإعادة شبابنا إلى الوطنمعللاً ذلك بهزيمة داعش في العراق وسوريا، وهو الأساس لوجود القوات الأمريكية هناك بحسب قوله، وشكلت هذه التغريدة الدافع الأساسي لتحريك وتيرة المفاوضات بين مسؤولين أكراد مع النظام السوري.

فالقوات الكردية وُضعت أمام خيار المفاوضة مع النظام السوري أو مواجهة غير متكافئة وحيدة مع الجيش التركي وحلفائه من فصائل المعارضة السورية في سيناريو مكرر لما حصل في مدينة عفرين سابقاً.

علما أن جلسات التفاوض المتعددة بينهما لم تصل لأية نتائج ملموسة حتى اللحظة.

وفي يناير/ كانون الثاني ٢٠١٩م دخلت هيئة تحرير الشام منطقة ريف حلب الغربي لتبسط سيطرتها عليها بشكل كامل بعد انسحاب عناصر حركة نور الدين الزنكيمن منطقة نفوذهم الأساسية باتجاه مدينة عفرين، جاء هذا مع اشتباكات متقطعة كانت قد بدأت منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٨ لمناطق ريف حماة الشمالي، مع قصف زادت كثافته باتجاه وسط وجنوب محافظة إدلب، مما أطلق الكثير من الأسئلة والشكوك حول مصير المحافظة ومصير الاتفاق الروسي التركي الخاص بها والذي نتج عن قمة طهران الأخيرة.

فما هي مصالح اللاعبين الأساسيين في الشمال السوري وأوراق اللعب القوية بيد كل منهم؟.

موسكو كانت تدفع باتجاه استعادة سيطرة الجيش السوري على محافظة إدلب ومحيطها قبل نهاية ٢٠١٨، إلا أن قمة طهران أوقفت العملية العسكرية على محافظة إدلب (انظر مقال بعنوان: مصالح اللاعبين في الشمال السوري)، و حوّلت الأنظار باتجاه منطقة شرق الفرات وذلك بضغط من الجانب التركي ومساندة إيرانية، إذ ترى الأخيرة في بقاء القوات الأمريكية شرق الفرات تهديداً لنقاط عبورها ومصالحها.

ولضمان الأمن القومي التركي (أسوة بما حصل في الجنوب السوري، حين أعادت روسيا إحياء اتفاقية فض الإشتباك في الجولان المحتل بين سوريا وإسرائيل) أعاد الرئيسان الروسي والتركي إحياء إتفاقية أضنةالأمنية المُوقّعة بين الجانبين السوري والتركي عام ١٩٩٨، وعن هذه الاتفاقية قال الرئيس بوتين لا تزال قائمة، وبإمكانها مساعدة تركيا على حماية حدودها الجنوبية مع سوريا“.

وما تزال الحكومة التركية ترى في الإبقاء على وضع محافظة إدلب الحالي سبيلاً وحيداً لضمان أمنها القومي المهدد من شرق الفرات، رغم إظهارها نوعاً من المرونة فيما يخص محافظة إدلب أمام الجانب الروسي. ومن مصلحة تركيا أن يُعيد الجيش السوري سيطرته على شرق الفرات، وأن تُدار المؤسسات والمديريات العامة هناك من طرف الحكومة السورية بحسب رؤية النظام السوري لا رغبة الإدارة الذاتية، عندها فقط يكون لإعادة العمل باتفاقية أضنة معنى حقيقي وضامن للأمن القومي التركي، لأن خيارها البديل سيكون الدخول بجيشها إلى تلك المناطق، كما حصل في عمليتي درع الفراتو غصن الزيتون، وهذا مكلف جداً على الصعيد المادي والبشري.

والأهم بالنسبة لها هو ألا يقوم النظام السوري بإعادة تفعيل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD المعروف بارتباطه المباشر مع حزب العمال الكردستاني PKK (كلاهما مُدرَجان على لوائح الإرهاب في تركيا) وإعادة الوضع إلى ما قبل اتفاق أضنة عام ١٩٩٨م مما يضر بتركيا وبأمنها الداخلي.

وبالتالي لن تتنازل الحكومة التركية عن تمسّكها بمحافظة إدلب ودعمها لفصائل المعارضة السورية الموجودة فيها طالما بقي للقوات الكردية أو لحزب الاتحاد الديمقراطي أثر شرق الفرات، لذلك يبقى مصير محافظة إدلب مرهوناً بما يتم إنجازه شرق الفرات.

من جهتها، تدرك الولايات المتحدة الأمريكية بأن بقاء قواتها شمال شرق سوريا يعني خلط أوراق اللاعبين من جديد، وتعطيل الحل الذي تدفع إليه باقي الأطراف، وبالتالي تُبقي خياراتها مفتوحة.

وقد نقل بعض المسؤولين الأكراد بأنها دفعت نحو التوصل إلى حل بين المسؤولين الأكراد مع النظام السوري، وفي الوقت نفسه تبدو محاولاتها للتودد مع تركيا عبر وعود إقامة منطقة آمنة بعمق ١٥٢٠ ميل داخل الأراضي السورية، بحسب ما ذكره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اتصال هاتفي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

على صعيد متصل، بدا في الآونة الأخيرة رصد واهتمام إسرائيلي في مناطق الشمال السوري، وهذا ما كشفت عنه الغارة الإسرائيلية على محيط مطار حلب الدولي ومنطقة الشيخ نجار في المنطقة الصناعية بتاريخ ٢٧ مارس/آذار ٢٠١٩م لمواقع مستودعات ذخيرة تابعة للقوات الإيرانية والميليشيا الموالية لها بحسب الرواية الإسرائيلية.

وبهذا بدأت تتصدر فكرة أمن إسرائيلخطاب واهتمام الساسة الأمريكيين، وذلك عن طريق مراقبة تدفق الأسلحة و الميليشيا الإيرانية عبر الحدود السورية العراقية، لذلك بحسب ما كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمزتم تعديل الخطة الأمريكية للانسحاب الكلي من شرق الفرات إلى انسحاب تدريجي وبطيء سيتوقف عند حاجز الـ ٤٠٠ جندي، حيث يتولّى قسم من الجنود المتبقين محاربة النفوذ الإيراني من تمركزهم في في قاعدة التنفجنوب شرق سوريا، وينضوي مثلهم ضمن قوّة مشتركة في شمال شرق البلاد مع حلفائهم من قوات سوريا الديمقراطيةبحسب الصحيفة ذاتها.

إن قراراً أمريكياً كهذا، سوف يعرقل بشكل واضح مخطط روسيا للحل في سوريا، وسيفرض حلولاً جانبية بين واشنطن وأنقرة لتفعيل فكرة منطقة آمنة داخل الحدود السورية كما اقترح الرئيس ترامب، ولكن هذا في المقابل سوف يعطّل العمل باتفاقية أضنة التي تم تفعيلها مؤخراً بحضور الرئيسين الروسي والتركي، وسوف يضع مصالح الروس والأتراك في سوريا في مواجهة شديدة قد تبدأ من محافظة إدلب ومحيطها، وربما تصل حتى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، ناهيك عن تعطيل مسار أستانة وغيره بين روسيا وتركيا منذ بداية تحالفهما داخل سوريا. كذلك سينسحب هذا على الموقف الإيراني الذي يرى في الترتيب الأمريكي الجديد تهديداً كبيراً لتمركزه في الشمال السوري، أو عبور سلاحه الذي أصبح مرصوداً من قبل القوات الأمريكية ومُهدَّداً بغارات إسرائيلية.

ومن المنطقي أيضاً أن ذلك سوف ينسف حوار المسؤولين الأكراد مع النظام السوري، وبالتالي ستتعطل فكرة إعادة سيطرة النظام السوري على مناطق شرق الفرات، مما يعني بقاء وضع شرق الفرات على ما هو عليه.

كل ذلك قد يحصل في حال قبلت تركيا بالوعود الأمريكية، لتنتقل من لاعب مؤثر وفاعل (عسكرياً وسياسياً) إلى لاعب تابع للمصالح الأمريكية المرهونة بِتغريدة للرئيس ترامب.

في النهاية نجد أن تلك الدول تملك من أوراق تعطيل الحل ما يجعل الوضع السوري مجمّداً، وتضع مصالحها كأولوية على مصالح سوريا والسوريين، وعندما تتعارض مصالح تلك الدول مع بعضها البعض داخل سوريا، فهي لن تُحرّك جيوشها لتتواجه وتتشابك بشكل مباشر، بل سيكون الفاعل هم سوريون بأسلحة غير سورية وأجندة غير وطنية مهما تقاربت مصالح بعض هؤلاء السوريين من مصالح تلك الدول.

وربما سيكون الموقف التركي بمثابة بيضة القبان لترجيح الحل الروسي أو الوعد الأمريكي في الشمال السوري، ذلك إن استثنينا تصوراً يفيد بأن هناك تنسيقاً روسياً أمريكياً على طول خط الأزمة السورية، يتلاقى كثيراً ويتعارض أحياناً ولكنه لم يخرّب الحل الروسي حتى الآن.

تملك روسيا الصِّلات المناسبة مع جميع اللاعبين والمؤثرين في الداخل السوري، وهي تدير الدفة حتى الآن بنجاح لتحقيق (مرادها)، مع أنها تحمل العبء الأكبر لإرضاء جميع الأطراف، لكنها بنفس الوقت تتجاهل سبب الأزمة الحقيقي في سوريا، وتتغاضى عن مطالب الشعب السوري لأجل العيش بحرية وكرامة.