لم يفاجأ أحد بخروج الناس إلى الشارع في مدينة السويداء وخصوصاً بعد الانهيار الأخير الذي أصاب الليرة السورية والارتفاع الجنوني في الأسعار، سيما وأنّ مظاهراتٍ سابقة اندلعت في شهر كانون الثاني (يناير) تحت شعار “بدنا نعيش.” لكن أحداً لم يتوقع أن تكون هذه المرة الاحتجاجات سياسية ومباشرة وبهذه الصيغة الواضحة، حيث لم توارب كما في المرات السابقة بل أشارت صراحة إلى أصل المشكلة والمتمثل بالسلطة الحاكمة مناديةً علانيةً بإسقاط النظام وتنحي الرئيس السوري عن الحكم وإنهاء الاحتلالات والتدخلات الخارجية.

المظاهرات التي انطلقت في وسط المدينة ومقابل مبنى المحافظة كانت سلمية بالمطلق ولم تتعرض لأي مضايقات من أحد كما لم ينجم عنها أي أعمال شغب أو عنف، وكانت بشعاراتها الصريحة والمفاجئة قد لفتت أنظار الجميع مع إحساسٍ عام بالريبة والحذر، وسرعان ما بدأت ردود الأفعال تجاهها من كل الأطراف سواء من الداخل أو الخارج، من دائرة السلطة أو من دائرة المعارضة، وخصوصاً بعد أن تصدرت أحداثها نشرات الأخبار.

وكالعادة تجاهلت السلطة بدايةً هذه المظاهرات ثم أعلنت تخوينها وربطها بأجندات خارجية فتهمة الأصولية والتكفير لا تنفع في السويداء، إلا أنّ اتهاماتٍ أخرى تزعم وجود ارتباطات بين المتظاهرين ووليد جنبلاط وجهاتٍ خارجية أخرى تبقى جاهزة وحاضرة لتخوين المتظاهرين. أرسلت السلطة تعزيزاتٍ أمنية مشددة للمراكز الحكومية والأمنية وهددت بقمع المظاهرات بالعنف والقوة والترهيب، ثم سيّرت مسيراتٍ مؤيدة للسلطة، باتت أشبه بمسرحيات لا تنطلي على أحد، حيث أجُبر الموظفون والحزبيون وطلاب المدارس والجامعات على الخروج في مسيرات تحت الضغط والتهديد بالفصل من العمل، بدليل ما تسرب من تسجيلات صوتية لإحدى المسؤولات في حزب البعث تهدد وتتوعد بعقوباتٍ لكل من يتخلف عن المسيرة، وانتهاء بالصدام المباشر والاعتقالات وهو ما حدث فعلاً في اليومين الماضيين وأدى إلى فض المظاهرات بالقوة واعتقال عدد من المتظاهرين أيضاً.

تطرح الاحتجاجات الأخيرة في السويداء أسئلة كثيرة حول ما يمكن أن تحمله هذه الحركات وإلى أي مدى يمكن أن تؤدي إلى نتائج واضحة؟ كيف ستستمر؟ وما هي ردود الأفعال حولها ومنها؟ وكيف يمكن أن تقرأ بشكل عام؟

بدايةً كان من المحبط ما لاقته هذه الاحتجاجات من انتقادات وردود أفعال حولها وخصوصاً من جهات المعارضة وممن لا يزالون يحسبون أنفسهم أوصياء على العمل الثوري ومتعهديه الوحيدين وخصوصاً تلك الأصوات الموجودة في الخارج والتي تباينت ردود أفعالها بين الترحيب والحماس المبالغ فيه كما لو أن المظاهرات حدث كسر محرمات الصورة النمطية عن السويداء ومجتمعات الأقليات وأنها أخيراً التحقت بـ”ثورة الحرية والكرامة” على حد تعبيرهم وأنها ستقلب الموازين على الساحة السورية وغيرها من التهليلات السطحية التي اتسم بها هؤلاء في تعاملهم مع الحدث السوري منذ 10 سنوات حتى اليوم. والمقلق في هذا التأطير، أنّه أنتج حالة من التماهي مع هذه الفكرة عند العديد من السوريين سواء من الشباب المشاركين في الاحتجاجات أو من البعض في الخارج وكأنّ السويداء مطالبة بصك غفران واعتذار لا بدّ أن تقدمه عن موقفها المحايد سابقاً من الصراع المسلح لتنال شرف المشاركة في “الثورة السورية”، بدايةً من الهتافات ورفع “علم الثورة”، الذي رُفع لمرة واحدة، وليس انتهاءاً بأغنية سميح شقير ( قامت حقا قامت).

وعلى الرغم من أنّ الاحتجاجات والشعارات تكاد تتطابق من ناحية الشكل والمضمون مع تلك التي رُفعت عام 2011 في إشارةً غير ملتبسة وصريحة لغاياتها السياسية والمطلبية، إلا أنّ الكثير من الآراء اعتبرت الحراك متأخراً وعديم النفع وقابلته بالاستهتار والتشكيك وبردود فعل شامتة ومتعصبة مثل ( يطعمكم الحج والناس راجعة، هلق لتذكرتوا وجعنا وحسيتوا فيه، هذه ثورة جوع وما بترقى لثورة الكرامة) وغيرها من العبارات التي قللّت من أهميتها وشككت بها.

المقهورون لا سند لهم ولم يجدوا سوى الشارع للتعبير عما يريدون، شارع له خصوصية واضحة وفريدة في السويداء، فما يمكن تحقيقه في وسط المدينة وقبالة المربع الأمني فيها مباشرة من وقفات واعتصامات وحتى احتجاجات سياسية لا يمكن أن يتحقق في أي حي بضاحية أي مدينة أخرى، فوجود الميلشيات المحلية من جهة والتي يمكن أن تتدخل فيما لو حدث صدام مباشر وخصوصية المجتمع في السويداء من عصبية واضحة إزاء مواقف الأزمات من جهة ثانية شكلا فرصة لانطلاق المظاهرات فيها دون أن يتم قمعها مباشرة. بالإضافة إلى ذلك فإنّ الحماس الواضح لجيل من الشباب الذي وعي وكبر في سنوات الحرب الماضية ويعاني ما يعانيه من فقدان هويته وانسداد الأفق أمامه كان طاغياً، فحضور هذه الفئة العمرية ضمن المحتجين والتي ليست لديها خبرة أو برامج واضحة ومدفوعة بحماس قد يبدو متهوراً في المشهد السوري بعد كل هذه السنوات الدامية، إلا أنه يبقى الأصدق تعبيراً عن ألم وبؤس حال جيلٍ محطمٍ ومهدور دفع وسيدفع فاتورة الحرب الكارثية.

تردّد الكثير من التبريرات السائدة اليوم بأنّ السويداء “قالت كلمتها ووقفت بشجاعة عندما تريد”، فهل يصح هذا القول فعلاً للاختباء والإفلات من سؤال وماذا بعد؟

تتجه الآراء اليوم في المدينة لانتقاد شعارات الاحتجاجات التي رفعت سقفها كثيراً وإن كانت محقة بكل ما قالته من جهة التدليل على أصل المشكلة والحل إلا أنها لم تقارب الصواب في طريقة انتشارها واستقطاب الناس لها أو في مدى تأثيرها على الأرض بشكل فعال ومباشر يؤدي إلى نتائج ويبني مواقف يمكن الاستناد إليها لاحقاً، فلو بقيت الاحتجاجات مطلبية ومعيشية واستفادت من الظروف الحالية لكانت حظيت بتأييد ومشاركة واسعة داخل السويداء وخارجها.

ما أزال أقف عند رأي بائع البسطة في الشارع الذي سمعته يقول: “بات من البديهي والواضح أن المسؤول عما نحن فيه هو النظام الحاكم والسلطة المستبدة بكل رموزها، لكن حتماً الهتاف ضدهم علانية في الشارع لن يفضي إلّا إلى العنف والعنف المضاد ولن يؤدي إلى أي نتيجة.”

قد يكون كلام البائع البسيط صحيحاً لكن لشباب الحراك المتحمس والبائس وفاقدي الأمل رأي آخر تماماً، فبحسب معتصم، أحد المتظاهرين: “لا جدوى من أي محاولة للإصلاح وإن كان الثمن هو الخراب فليأتي، فلم يعد هناك ما نخسره أكثر من ذلك على أي حال.”

يمكن تصنيف المواقف في السويداء اليوم حيال الحراك الاجتماعي إلى ثلاث فئات. الفئة الأولى تضم الراغبين بضرب الناطور فقط دون تحصيل أي شيء لقناعتهم بأنه هو من يسرق العنب، ولا يكترثون لما يمكن أن تؤدي إليه خياراتهم من احتمالاتٍ ونتائج، ودون أن يخبرونا بكيفية ضرب الناطور أو إزاحته من المشهد! وهناك فئة أخرى أكثر عقلانية تريد العنب فقط، وهي فئة أكثر براغماتية إن صح التعبير تعتبر مسك العصا من الوسط هو الحل أو ما بات يعرف في المصطلح الشعبي “قدم في البور وقدم في الفلاحة،” وفي انتظار حدوث تغييرٍ من الخارج لقناعة مترسخة بعد كل هذه السنوات بأنّ المسالة السورية خرجت من أيدي أبنائها. أما الفئة ثالثة فمغلوب على أمرها وعانت وصبرت على ما قاسته لأنها تريد النجاة فقط من حرب عبثية تدمر ماتبقى أو كما يقال “تريد سلتها بلا عنب”. ما يجمع هذه الفئات الثلاث هو عدم قدرة أي منهم على شق أي طريق أو وضع أي خطة أو برنامج يضمن الوصول لأي هدف كان. هو مشهد عصيّ على النتائج ولا ينحصر بما يحدث اليوم في السويداء فقط بل يمكن أن يُعمّم على كافة المناطق ولعله المشهد الذي بات يسم المسألة السورية برمتها منذ استعصاء الحل فيها خلال السنوات الماضية إثر التدويل والعسكرة.

قوة اللحظة والمشهد في الاحتجاجات والتي فرضتها خصوصية المدينة بدت وكأنها تلاشت بعد حادثة فض الاحتجاج بالقوة واعتقال عدد من المشاركين فيه، فالتعويل الضمني والإحساس بالحماية التي وفرته الميليشيات والتوازنات التي أقيمت في المدينة بعد اغتيال وحيد البلعوس لم تعد موجودة اليوم أو هكذا بدا الواقع، وما تشير إليه المعطيات حتى الآن، فلم تتدخل أي من الفصائل المحلية والتي رفعت فيما مضى شعارات حماية شباب المدينة من الملاحقة والاعتقال وتعهدت بالحفاظ على السلم الأهلي وحماية الجميع وعلى رأسهم رجال الكرامة. بل على العكس فالمشهد ذهب إلى أبعد من ذلك، فالبيان الذي أصدرته الهيئة الدينية في السويداء (في 12 حزيران)، والذي أثار حفيظة “شباب الحراك السلمي،” كان موارباً في مضمونه بحيث يبدو أنه إدانة للعصابات والمنفلتين من القانون والذي قد تستغله السلطة كتفويض لاعتقال المتظاهرين وربما تصفيتهم بحجة أنهم مارقون وخارج القانون ويسعون لزعزعة أمن السويداء، وهذا ما يؤكده زج أتباع السلطة من أبناء المدينة لفض الاحتجاجات والاعتداء على المتظاهرين ما يجعل المدينة ممزقة بين موقفين يحدثان شرخاً في المجتمع وهو ما يسعى إليه الحل الأمني، المجرّب سابقاً بنجاح في عدة مناطق. فلو قررت هذه الفصائل مساندة الاحتجاجات والوقوف ضد السلطة بشكل مباشر لكانت أعطت النظام الفرصة الذهبية التي ينتظرها لتصفيه هذه الميليشيات، وهو بالضبط ما يفسر صمت هذه الفصائل إزاء ما يجري وخصوصاً أن ثمن المواجهة سيكون كارثياً ودموياً على الجميع ابتداءً بالتصفيات الفردية والاقتتال الداخلي ووصولاً إلى العقاب الجماعي للمنطقة على غرار باقي المناطق السورية، وخصوصاً في هذه الأوقات الحرجة التي يتم فيها الحديث عن تسويات سياسية قادمة للمنطقة بالإضافة لتقارير جديدة تُفيد بعودة نشاط خلايا داعش في بادية السويداء القريبة ما يخلط الأوراق ويجعل المشهد أكثر تعقيداً في السويداء مما يبدو عليه.

لا أحد يمتلك الإجابة عما ستؤول إليه الأوضاع في الأيام القادمة والى أين ستصل تطورات وتداعيات هذه الاحتجاجات، لكن تبقى الترجيحات المطروحة بقوة والتي يهمس بها الجميع، بأنّ السلطة لن تقدم أي تنازلات إزاء ما يحدث حتماً وخصوصاً وأنها ستستخدم فرض عقوبات “قانون قيصر” هذه المرة أيضاً كشماعة للهروب من تقديم أي حل هي بالأساس عاجزة عن إيجاده، ولا تريد إنجازه بالأحرى كما تجلى منذ 2011، وعليه فإنّ الشباب الذي خرجوا إلى الشارع لايمتلكون خيارات كثيرة، وربما يمكن اختصارها بخيارين لا ثالث لهما، إما فهم المعادلة الداخلية وربطها بتوازنات القوى العظمى في سوريا وعليه سيكون عليهم الانسحاب من الشارع، أو تحويل الشعارات لما يخدم تحقيق نتائج مباشرة على الأرض تلامس حاجات الناس وتخفف من قسوة الواقع المفروض عليهم، أو بحسب تعبير ريّان، وهو أحد المتظاهرين: “الشعب يريد تركيب ميكرفون” في دلالة ساخرة لحلقة “الشعب يريد”، من مسلسل الخربة الشهير، الذي تدور أحداثه في إحدى قرى السويداء، حين تحولت المطالب من إقالة مدير الناحية إلى المطالبة بتركيب ميكرفون للقرية. ويؤكد ريّان على ضرورة: “العمل على جعل ما حدث رابطاً يجمع الناس بدلاً من أن يفرقهم،” فأي نتيجة إيجابية في زمن الحرب تنقذ شخصاً من الجوع والحاجة أهم بما لا يقاس من أي نتيجة أخرى… وعلى رأي أحد شيوخ الدين الذي أعلنها في أكثر من مناسبة بأننا “لا نستطيع ولا نملك إلا خياراً واحداً ألا وهو ’مسك العصا من الوسط فقط‘؛ فالسويداء ليست على قلب واحد في ما يحدث، ولا كرامة لجائع في النهاية.”

الخيار الآخر المتاح سيقود إلى مواجهة مفتوحة ولن تبقى الاحتجاجات ذات طابع سلمي وقد تجر المنطقة للعنف والدمار والمزيد من الدماء وخصوصاً وأنّ كل مقومات النزاع متوافرة على الأرض بدءاً من انتشار السلاح والاحتقان والواقع الأمني والاقتصادي المتردي في المدينة، ووصولاً إلى من ينتظر تلك الفرصة من الخارج لتحقيق حسابات كثيرة، فمن يستثمر في الدمار لابدّ وأنه سيفرح حتماً إذا ما اتسعت دائرة استثماره في منطقة جديدة.