“في زمن الحرب، ليس كل شيء مباحاً” عبارة عبر بها المقاتل عمران الشعراوي (32عاماً) عن استيائه، فهو لم يحتمل أن يرى فصيله الذي انتسب إليه بغية إسقاط النظام الحاكم، يتبع أساليب ملتوية أهمها قتاله لفصيل ثوري آخر، وهو ما دفعه للانشقاق عنه على الفور واعتزال العمل العسكري الذي “انحرف عن مساره الصحيح” على حد تعبيره.

مع مرور ما يزيد عن ثمانية أعوام على الثورة السورية، سُجلت العديد من الانتهاكات التي قام بها مقاتلون تضمنت إعدامات ميدانية وسرقة وخطفاً وتهديداً واغتيالات واستهدافاً للمدنيين، وهو ما دفع مجموعة من الشباب الناشطين لإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تهدف إلى نشر الوعي بين المقاتلين. أطلق على الحملة اسم ” مقاتل لا قاتل” وهي عبارة عن رسالة موجهة لجميع المقاتلين دون استثناء سواءً الموالين منهم للنظام السوري أو المعارضين له.

يوضح عمران دوافع اعتزاله لفصيله: “حين انتسبتُ للثورة المسلحة وضعت أمامي هدفاً واحد وهو التخلص من نظام استبد بحكم البلاد وظلم العباد على مدى عقود، غير أن محاربة فصيلي لفصيل آخر يحمل ذات الأهداف التي خرجنا من أجلها كان بالنسبة لي تقاعساً عن أداء الواجب والأمانة وانحرافاً عن مسار الثورة المحقة. وهو ما دفعني لاعتزال العمل العسكري، لأنني لا أريد أن أتحول من مقاتل إلى قاتل.” ويؤكد عمران  أنه يجب على المقاتل أن يتمتع بالأخلاق والالتزام بقواعد حقوق الإنسان، وبذل كل جهد ممكن للحفاظ على مسار الثورة بما يحقق أهدافها في نيل الحرية والكرامة والانتقال إلى دولة مدنية تحترم جميع مواطنيها دون أي تمييز.

تعتبر حملة ” مقاتل لا قاتل” جزءاً من مشاريع منظمة نداء جنيف وهي منظمة إنسانية غير حكومية، تتميز بحيادها وعدم تحيزها، مكرسة للجهات الفاعلة المسلحة غير الدولية لحثها على الامتثال لقواعد القانون الإنساني وشرعة حقوق الإنسان. وتركز المنظمة على الجهات المسلحة كالمنظمات المسلحة التي تدير عملياتها خارج سيطرة الدولة الفعلية، الأمر الذي ينطبق على الحالة السورية.

وحول نشاطات الحملة يحدثنا وائل الحسن (26عاماً) أحد نشطاء الحملة بأنها عبارة عن سلسلة من الأفلام القصيرة التي تبلغ مدتها حوالي النصف دقيقة، تعتمد على المزج بين صوت الراوي والمشهد الذي ترسمه يد تعبر عن محتوى الحلقة التي حملت عدة عناوين ومنها: “لا تستهدف أو تهاجم ممتلكات مدنية أو مبانٍ عامة؛ لا تستهدف ولا تهاجم المدنيين؛ عامل جميع الناس الذين تحت سيطرتك بإنسانية؛ احترم عناصر الخدمات الطبية وأمن الحماية لهم؛ لا تستخدم أسلحة ممنوعة ولا تنخرط في أساليب حرب غير قانونية ولا تجند الأطفال ولا تستغلهم في القتال أو الأعمال العدائية.” ويشير الحسن إلى أن الوضع الإنساني في سوريا يواصل تدهوره، فالمرافق الطبية تُستهدف بانتظام، ويتم استهداف السكان المدنيين “دون رحمة وينتشر التعذيب في المعتقلات، والملايين من الأشخاص أجبروا على مغادرة بيوتهم بسبب القتال المتواصل، ولذا فإن الحملة تهدف إلى رفع مستوى وعي المقاتلين من كل الأطراف وتذكيرهم بواجباتهم في حماية السكان المدنيين.” ويضيف الحسن إلى أنه يتوجب على كل مقاتل سواءً كان جندياً أو مسؤولاً أو ضابطاً اتخاذ تدابير وإجراءات وقائية، سواءً قبل اندلاع العمليات العسكرية أو أثنائها وحتى بعد انتهائها. والهدف من هذه التدابير هو محاولة الإسهام في حماية الأشخاص غير المشتركين بالعمليات العسكرية ومحاولة الحفاظ على المواد التي لاغنى عنها لبقاء السكان المدنيين. وهذا الواجب يدخل في إطار مايعرف بمعادلة التناسب التي تعرف بتحقيق التوازن بين قاعدة الضرورة العسكرية ومبدأ الإنسانية، وتحقيق هذا التناسب والتوازن من قبل المقاتلين يتطلب منهم الوعي الكافي حول وضع مخطط يتناول فيه كل الجوانب التي تساعد في الوصول إلى الهدف، مع مراعاة حماية المدنيين من أي خطر عسكري. ومن هنا تظهر أهمية الحملة التي  تهدف إلى تشجيع المجتمع المدني على الترويج لهذه المعايير والقيم  وفق ما أكد الحسن.

لم يقتصر ترويج الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما كان هنالك تدريبات من قبل بعض المنظمات للمقاتلين على الجبهات وتوعيتهم في مجال قواعد القانون الدولي الإنساني والدعم النفسي والتخطيط الاستراتيجي. ومن تلك المنظمات كانت أكاديمية آفاق للتطوير والتغيير التي أنشأت ستة تدريبات في هذا المجال تم من خلالها توزيع كتيبات “مقاتل لا قاتل” على كل المتدربين وقد أعطي القادة عدداً أكبر من الكتيبات بغية توزيعها على العناصر التي تقاتل معهم.

وعن التدريب وأهدافه يُبين المرشد النفسي محمد السيد (30عاماً) بأن التدريب لا يقدم برنامجاً نفسياً للمشاركين وإنما آليات للدفاع عن أنفسهم والحفاظ على توازنهم النفسي في حال تعرضهم لصدمات خلال القتال، ومهارات إدارة الضغوط للوصول إلى درجة عزل بين نفسية المقاتل وبين الحدث للتصرف بطريقة أسلم في حال الأزمات. وينوه السيد إلى أن الكتيب الذي قدمته الأكاديمية للمشاركين يحوي نصائح قانونية للمقاتلين عن كيفية التصرف أثناء النزاعات بأسلوب سهل وطريقة محببة تعتمد على الصورة أكثر منها من الكلمة، ناهيك عن حجمه الصغير الذي يجعل من السهل حمله في كل مكان.

وأثنى علاء النجار (40عاماً، أحد القادة الميدانيين الذين حضروا التدريب) على الحملة ووصفها بالإيجابية قائلاً: “لقد استفدنا من التدريب بصقل خبراتنا حول كيفية تحديد الأهداف وامكانية استهدافها من عدمه في حال كان استهدافها يوقع أضراراً أكبر من الفوائد العسكرية المرجوة، وكيفية اتخاذ قرار عسكري ضمن إطار القانون الدولي الإنساني.” وأضاف بأن الحملة أبرزت للمقاتلين العديد من الأخطاء التي يقعون فيها عادةً مما يرتب عليهم مسؤولية قانونية في المستقبل، ما يدفعهم لتلافيها. كما وبين النجار بأن الحملة والتدريب قدما لهم الكثير من المعلومات الهامة والتي من شأنها أن تساعدهم في معالجة أغلب الإشكاليات التي تواجههم وأهمها قضية الأسرى واستهداف المقرات العسكرية المتواجدة بين المدنيين وغير ذلك.

لم تنتشر حملة مقاتل لا قاتل فقط في سوريا، وإنما عملت منظمة نداء جينيف سابقاً على نشرها في دول أخرى متأثرة بالنزاع المسلح كالعراق في عام 2015، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2016، حيث تمت مشاهدتها من قبل ملايين الأشخاص ويُعتقد أنه كان لها أثر لا يستهان به في حث المقاتلين على التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية والعمل على حماية المدنيين وخاصة النساء والأطفال.