في قلب باب شرقي، على يمين كنيسة حنانيا، يطل المقهى القديم المعروف بمقهى أبو جوزيف، في آخر حارة ضيقة بسقوف منازل قديمة تصدعت جدرانها بفعل الزمن وبعض القذائف التي سقطت على دمشق القديمة. على بعض النوافذ عُلّقت ثياب بمقاييس مختلفة لتجف بفعل الريح الخفيفة. وقبل أن تصل للمقهى، يستوقفك جدار “الحب” الذي كتب عليه مجهول “بحبك لعند الله”، تخليداً لمشاعره في مقاومة النسيان.

“ما إن وقعت عيناي على المقهى قبل عام، حتى سحرتني بساطته، وتحولت لزبون مواظب في الصباح والمساء، دون أن أصاب بالملل أو الضجر”، يقول نبيل واصفاً علاقته بالمقهى القديم الذي يلوذ إليه بحثاً عن “ألفة مفقودة و رائحة العائلة الغائبة وأنفاس المنزل المغيب قهراً جراء الحرب” بحسب وصفه.

فالمقهى يعطي لنبيل شعوراً وكأنه “بغرفة المعيشة في بيتي بحلب فهو يمنحني إحساس العائلة، ويخفف من شعوري بالوحدة ووطأة غربتهم عني، لا مكان هنا  للرسمية والتكلف، فبإمكاني مثلاً صنع قهوتي بنفسي عندما يكون العم أبو جوزيف مشغولاً، حتى أنني أحياناً أساعده في تنظيف المكان”، ويجزم نبيل أن “جميع من يزور هذا المقهى  يقصدونه من أجل إحساسهم بحنين ودفء البيت الذي يمدهم به.”

تشاطر نبال نبيل مشاعره تجاه مقهى أبو جوزيف “الاستثنائي” كما تقول وتروي “أرتاد المقهى القديم بشكل شبه يومي، فهذا المكان لا يشبه أبداً الأماكن التي زرتها، وأعود إليه دائماً مهما كانت ظروفي، فهو ملاذي في فرحي وكآبتي و خلوتي وهروبي من الضجيج”، وعن أسباب تعلقها بالمقهى تشرح نبال “ارتباطي به يمدني بشعور جميل، أعتقد أن المعاملة اللطيفة التي أتلقاها هنا هي ما يشدني إليه، فهم يستقبلوننا بكلمة أهلين حبيباتي وكأننا من أفراد العائلة، وهذا الترحيب فريد لا تجده في المقاهي الأخرى، حتى أنني أفتقدهم إذا أطلت الغياب عنهم.”

المشاعر العائلية والراحة أيضاً هي ما دفع جميلة لتختار مقهى أبو جوزف دون سواه لقضاء الوقت مع أصحابها لتمضية الوقت أو لعب طاولة النرد، تقول جميلة “أُفَضل هذا المكان لشعوري بالراحة دون أي تكلف، فأنا أحب هذا الجو الذي يشبه العائلة والزمن القديم، لا أشعر أنني غريبة، وأستطيع التصرف بعفوية دون تصنع، وما أقل الأماكن التي تمنحك الراحة والطمأنينة!”

فكيف استطاع أبو جوزيف أن يصنع من مقهاه منزلاً مألوفا ً وحميمياً للسوريين على اختلاف مشاربهم؟

عمل الياس، أبو جوزيف، كنجار موزاييك وهي مهنة ورثها عن جده وأبيه قبل أن يعتزلها مرغماً منذ أربع سنوات بفعل الحرب. يقول أبو جوزيف “أجهزت الحرب على  مهنتي التي ورثتها عن جدي وأبي، فالقسط الأكبر من مصدر رزقي كان يأتي من السائحين الأجانب الذين أفلوا منذ السنة الأولى للحرب، كما أن معظم أشغالي اليدوية التي أودعتها في مستودع بمعلولا تعرضت للسرقة والتدمير والحرق، ولم ينج إلا جزء بسيط مازلت أحتفظ به.”

غامر عندها أبو جوزيف بفتح هذا المقهى الذي يتسع لعشرين طاولة إذ لم يكن أمامه من خيار آخر لكسب عيشه. يقول أبو جوزيف ساخراً  “أن أعمل قهوجياً خير من الجلوس مكتوف اليدين، فصندوق خشبي مركون على الرفوف لن يمكنني من شراء علبة سمنة أو ربطة خبز.”

دشن أبو جوزيف مقهاه بالخدمة الذاتية، إلا أنه تعلم أصول المهنة  بمساعدة زبائنه، وعن أسلوب الخدمة غير المألوف في دمشق يقول أبو جوزيف “في البداية كانت الخدمة ذاتية، حيث يقوم الزبائن بتحضير مشروباتهم بأنفسهم، بينما كنت أقف أراقبهم كيف يفعلون هذا، كما تعلمت طريقة تحضير النارجيلة فأنا لم أجربها قبلاً ولست مدخناً حتى.”

ومع المشروبات والنرجيلة، ابتكر الياس وصفة ناجعة لجذب الزبائن، قائمة على مقادير متساوية من الكرم والألفة والابتسامة، وعن ذلك يقول “يحتاج الناس إلى من يشعرهم بالراحة والألفة واستقبالهم بوجه باسم وكلمة طيبة، فالزبون كثيراً ما يأتي إلينا لابتغاء الراحة، والترويح عن النفس المثقلة بالتعب والهموم.” يخجل أبو جوزيف أيضاً من تقاضي ثمن عبوات المياه من زبائنه، ولذا ينهض منذ الصباح الباكر لتأمين حاجته منها، وتعبئتها في قوارير فارغة ليتمكن من تقديمها لزبائنه مجاناً.

تتقاسم تيريز العمل مع الياس منذ ثلاث سنوات ونصف، حين قررت تمضية أوقات الفراغ الطويلة بمساعدة صديق الطفولة، تقول تيريز “لم أفكر يوماً بالعمل في مقهى، إلى أن قرر الياس افتتاح مقهاه، فعرضت عليه بدوري المساعدة في خدمة الزبائن، كان الأمر جديداً بالنسبة لي، وبدأت بتعلم صنع المشروبات على الإنترنت.” وطورت تيريز علاقاتها مع زبائن المقهى من الخدمة وكسب العيش لتصبح علاقة ألفة ومحبة فقدهما العديد من السوريين خلال سنوات الحرب. تروي تيريز “أنا أؤمن أن الكلمة الجميلة تدخل إلى قلب المرء، فنحن أحوج في هذه الأوقات إلى التفاهم والمحبة فيما بيننا بعد سنوات من الموت والدمار، لقد بدأت علاقة عفوية متميزة بيني وبين العديد من الزبونات، فأحياناً يسمعونني عبارات الإطراء مما يشعرني بالسعادة، ويشجعني على العمل رغم الإنهاك والتعب طوال اليوم.”

وكأي مهنة أخرى لا يخلو العمل في المقهى من المنغصات، التي يواجهها أبو جوزيف “بروح رياضية” حسب وصفه، ومن هذه المنغصات يعدد “تحمل المزاج السيئ لعاشقين متخاصمين، وأن أكون شاهداً حياً على الوعود والعهود ومحاولات الاسترضاء من قبل أحدهما  للآخر، ومحاولاتي البسيطة بترطيب الأجواء من أجل تخفيف التوتر بينهما دون التدخل بشؤونهم الخاصة.”

ولا تنتهي كل قصص العاشقين هنا بالخصام، إذ يذكر أبو جوزيف علاقة ربطت بين شاب يرتاد مقاه على الدوام مع صبية تعرف عليها فيه، فتحابا وتزوجا وأصرا في يوم زفافهما على المرور بسيارتهما من جانب المقهى، لإلقاء التحية عليه كتعبير عن حبهما للمكان الذي التقيا فيه.