ما أن تذكر حرفة الفخار في ضواحي مدينة القامشلي وريفها، حتى تقفز في ذاكرة أهلها عائلة “الفاخوري” الأرمني العم ميساك انترانيك بيدروسيان، التي امتهنتها لسنوات طويلة. اذ تنتج عائلة ميسان (88 عاماً) أجود أنواع الفخاريات، وتعتبرها مصدر رزق رغم العوائق التي تعترضها في تصريف منتجاتها في الأسواق.
حافظ الجد انتراتيك، على إرث العائلة الثمين في تشكيل تحف وخزفيات فخارية زاهية تبهر الناظرين إليها، فهي شاهدة على براعة ما ورثه من آبائه وأجداده منذ ما يقارب 400 عام. وجابت عائلة بيدروسيان، معظم بلاد الشام قبل الحرب العالمية الثانية في رحلة للبحث عن قوت عيشهم، وانتهى بهم المطاف في مدن سورية عدة قبل محطة ترحالهم الأخيرة إلى مدينة القامشلي قبل 88 عاماً ليلد بيسان بموهبة فريدة امتزجت بشغف الفن وحب الحياة فكانت أسرتها الأخيرة التي لا زالت تواظب على ممارسة المهنة.

شغف المهنة
يقول العم “ميساك” لـ “صالون سوريا” بأن عائلته هي الوحيدة والمنفردة في صناعة الفخار، والتي حافظ على مزاولتها في المدينة منذ السنوات العشر الماضية ومقاومة انقراضها، حيث يقضي المسن الماهر برفقة ابنه انتون ساعات طويلة لا تعرف الكلل والملل داخل فاخورته الطينية البدائية، والتي توقن من يدخلها لأول مرة ٖبأن الزمن توقف لمئات السنين بين زوايا وجدران تلك الرقعة الصغيرة المجسدة للوحة طفولة “انتراتيك” وشبابه وخريف عمره مثابراً على اعتلاء منصة الدولاب الدائري ،متحكماً بالعجينة لتصبح طيعة بين راحتيه المجهدتين وهو يديرها كيفما شاء وسط عملية سيطرة مذهلة للفه لها بأطراف أصابعه في كل اتجاه ٖ مستمداً حنكته في هذا الفن منذ طفولته.

تجهيز الفخار*
يوضح “الفواخيري” المراحل التي تتدرجها العجينة الفخارية قبل انتهائها بشكلها الأخير قائلاً :”علينا الحرص في انتقاء نوعية الطين وغربلتها جيداً بالغرابيل الناعمة، ثم نقع الطينة في أحواض خاصة بها لثلاثة أو أربعة أيام، وبعدها نعجنها بأقدامنا لنحصل على العجينة المناسبة، وتقطيعها وتكويرها باليدين، فتسطيحها على سطح آلة المرجل وتدويرها بالرجل لنتمكن بعد ترطيبها بالمياه التحكم بأشكالها وتحويلها لصحون أو كؤوس أو جرار وغيرها من الفخاريات وأخيرا شوائها وتلوينها”.
تحتاج هذه المهنة لروح إبداعية في العمل ورغبة في التشكيل والرسم والتزيين، كاحتياجها أيضاً لأدوات أساسية يصفها “الفواخيري”، بالعديدة لـ “مهة فنية جميلة ومنهكة”، يحصيها الخزاف المسن بوجود “حوضين: واحد لوضع التراب أما الثاني، لتصفيته من الشوائب. القاعدة، الميل والقرص المعدني ودولاب خشبي لتدوير العجينة ليتم تقطيعها بلأرجل والخيط وفق الشكل المطلوب. ايضا، أكياس من الخيش لتنشيف الطين. دلو غميق وأباريق للقياس ووعاء بلاستيكي يملأ بالماء أثناء العمل على الدولاب ،قطع عدة من الإسفنج مختلفة الأحجام”.
هناك ايضاً، قطعة بلاستيكية ملساء وصغيرة الحجم لقطع زوائد العجين الزائدة والمتساقطة من الدولاب. إبر أو دبابيس للزخرفة، قطع معدنية للتلميس، أسلاكا قاطعة لنزع القدور عن الدولاب وفي النهاية الفرن أو الكور.

مهنة تقاوم الزوال
يحز في قلب العم “ميساك” ذهاب هذه الحرفة وغيرها إلى الزوال ودعا إلى التمسك بتراث الأجداد،فعائلته باتت الوحيدة الممتهنة لها والرافضة لزوالها. يتحدث عن صنعه لأنواع مختلفة من الفخار فمنها البورسلان ومنها الخزف الحجري المتسم بصلابته وألوانه البنية ،الحمراء،الرمادية،اليضاء والسوداء. ويعلل الفواخيري المسن أسباب ظهور صناعة الفخار في الماضي إلى افتقار الناس قديماً للأدوات المنزلية الضرورية. ويقول: ” فسدّت هذه المهنة حاجتهم الماسة في حفظ الطعام وطهيه وتخزين المياه والزيوت والعسل ،فصنعت الفخاريات لحفظ أدوية الطبابة الشعبية آنذاك ،ناهيك عن فوائدها الصحية”.
يتهافت زبائن ورشة “ميساك” لشراء تلك الأدوات الجميلة ذات الأشكال التراثية رغبة منهم في استحضار شيء من الماضي الجميل تعبق أسواقه برائحة مهنة تغنى بها الأجداد. ولا زالت مدينة القامشلي تزخر بالعديد من المهن التراثية والحرف الشعبية. وتعتبر صناعة الفخار أقدمها وأكثرها شهرة رغم تطور الأدوات والآلات المصنعة للفخار، إلا أن الطرق القديمة المقاومة للاندثار تبقى أجودها حتى يومنا هذا.