لا يليق باللاذقية التي تُسمى عروس الساحل أن تتعرض لكل تلك الإنتهاكات والتشويه، فلا يزال سكان اللاذقية (وغيرها من المدن) مُروعين بجريمة تبليط البحر وإزالة أجمل المقاهي البحرية بحجة توسيع المرفأ. لقد أصبحت اللاذقية مدينة ميته تماماً، فلا مسرح راقي حقيقي ولا سينما. وأريد أن أعرض واقع دور السينما في اللاذقية.

بداية أريد أن أحكي عن مرحلة في الستينيات والسبعينيات كانت فيها عدة دور سينما في اللاذقية تعرض أهم الأفلام، ولا أنسى يوم كنت لا أزال في بداية مراهقتي وكنت في مدرسة الكرمليت الخاصة التي تشرف عليها الراهبات كيف اصطحبونا (نحن المراهقات) إلى السينما لنحضر فيلم (رجل وامرأة). وأثناء دراستي للطب البشري من عام 1977 إلى 1984 في اللاذقية كنا نتفق أصدقائي وأنا بعد تقديم كل امتحان أن نحضر فيلماً سينمائياً، وفعلاً حضرنا أروع وأجمل الأفلام في صالات سينما اللاذقية وأشهرها: سينما الكندي، وسينما الأهرام، وسينما أوغاريت.

ولا أنسى كم تأثرت بفيلم (الفراشة) لداستن هوفمان لدرجة أنني حضرته مرة ثانية. وكان أخي مولعاً بأفلام الكاوبوي وحضر عشرات الأفلام، أما سينما أوغاريت الأكبر والأجمل والمؤلفة من طابقين، فقد اشتهرت بعرض الأفلام الهندية وكم ذرفنا من دموع ونحن نحضر هذه الأفلام. وكانت صالة سينما أوغاريت فخمة ونظيفة وجميلة وقد قدمت فيها المطربة المشهورة جين مانسون حفلة حضرها معظم شباب وشابات اللاذقية بكثير من الاستمتاع. كنتُ أكتب على دفتر صغير اسم كل فيلم أحضره وبضعة أسطر عنه. وتجاوز عدد الأفلام التي حضرتها في صالات السينما في اللاذقية المئتي فيلم.

كان الأجمل والأروع أن المسؤولين (في تلك الحقبة من السبعينات وبدااية الثمانينات) سمحوا للشباب والشابات ومعظمهم جامعيون\ات أو أنهوا دراستهم الجامعية أن يُحضروا أفلاماً مهمة أو حديثة قيمة في سينما الأهرام حيث كانت  تُقام بعد كل فيلم جلسة حوار لمناقشته. أذكر أنني كنت لا أزال طالبة في كلية الطب حين كنت أحضر كل خميس أروع الأفلام في سينما الكندي وسط جو فني وثقافي رائع، وبعد انتهاء الفيلم كان الصديقان الشاعر الصديق منذر مصري (والذي كان يملك مكتبة فكر وفن التي كانت علامة حضارية في اللاذقية) والصديق مصطفى عنتابلي يقفان على المنصة في سينما الكندي ويبدآن بالتحدث عن الفيلم وكل الحضور يشارك في الحوار. كم كانت هذه الحوارات مفيدة وغنية. ولا أذكر التاريخ الدقيق لانهيار أهم منبر ثقافي وفني في اللاذقية أي صالات السينما، إذ كنت قد انتقلت إلى دمشق للاختصاص في طب العيون عام 1986 وماتت السينما تماماً في اللاذقية، ولم يتم عرض أية أفلام إلا فيما ندر وتحديداً في سينما الكندي لأن سينما الأهرام وسينما أوغاريت تحولتا إلى خراب، وتكومت هضاب الزبالة في مدخلهما.أما سينما الكندي فكانت تعرض بشكل شبه حصري أفلام عبد اللطيف عبد الحميد، ولم تتم أيه صيانه لسينما الكندي إذ كانت مقاعدها مهترئة والصوت فيها مشوش. وأحب أن أذكر تلك الحادثة حين كان عمر ابنتي خمس سنوات، وأردت أن تعرف معنى السينما وأن تحضر فيلماً سينمائياً، وللعجب كانت سينما الكندي تعرض فيلماً لعمر الشريف هو المواطن مصري، وكنت أعرف أن الموضوع لا يناسب طفلة لكنني اصطحبت ابنتي إلى السينما، وكانت القاعة خالية تماماً! كنتُ وحدي مع طفلتي التي لم تكمل الخمس سنوات وصعب علي إقناعها بالجلوس فكانت تتسلى بصعود الدرج في صالة السينما والنزول، ولأنني كنت أعرف قاطع التذاكر في سينما الكندي فوجئت أنه أحضر لي طاولة صغيرة وضعها بجانبي وفنجان قهوة وبسكويت، وشعرتُ أنني في مقهى وأظنه كان ضجراً لحد الانفجار فأخذ يتحدث إلي متنقلاً من موضوع إلى موضوع فيما الصوت الرديء للفيلم مستمر ولم أعد أركز على أحداث الفيلم إذ أحسست أنني في مقهى أرشف القهوة وأتابع ابنتي تلهو في صالة السينما بصعود الدرج ونزوله. وخرجتُ بعدها بخيبة أمل كبيرة وغصة ولم أجرؤ أن أسأل طفلتي إن كانت السينما قد أعجبتها!

وفي بداية 2011 أصبح وضع صالات السينما كارثياً بدرجة أكبر مما ذكرته سابقاً؛ حيث تحولت سينما أوغاريت إلى ثكنه عسكرية وشُيد مقابلها بناء يضم عناصر من الجيش السوري، وتم إنشاء سور عريض يحيط بمساحة واسعة حول سينما أوغاريت . كان هذا السور مكوناً من دواليب الشاحنات السوداء العملاقة والتي يزداد إرتفاعها كل مدة، حتى أن بعض الجنود وضعوا أصص نباتات في قلب دواليب الشاحنات (أي سور ساحة سينما أوغاريت)، وبعضهم وضع بوطاً عسكرياً ضخماً في داخله تختنق وردة حمراء، ولأن سينما أوغاريت تحولت إلى ثكنة عسكرية وسجن أيضاً فمن وقت لآخر كان المواطنون السوريون في اللاذقية يشاهدون العديد من الجثث يُخرجونها من السينما، ولصق مدخل السينما امتدت بسطات تبيع أرخص وأردأ أنواع المكياج وملاقط الشعر الملونة والمقصات والأهم حبال من شحاطات النايلون. وكنتُ أشعر أن فن السينما الراقي تحول إلى شحاطة في اللاذقية، كنتُ أتعجب من هذا الكم الهائل من الشحاحيط حول سينما أوغاريت، وتعفنت اللافته التي تحمل اسم سينما أوغاريت وصار المشهد كله كما لو أننا في مسرح اللامعقول أو مسرح تمجيد القبح والرداءة واغتيال فن السينما. وإنتعشت محلات بيع الأفلام المُقرصنة، وكان حلاً لا بد منه بل رائعاً أن يحضر الشباب المحرومون من السينما أفلام الأوسكارات وأحدث الأفلام العالمية لكن جماليات شاشة السينما وصوت الديجيتال والجلوس باحترام في صالة السينما وذلك الشعور بالألفة مع الحاضرين حُرمنا منه في اللاذقية. واضطررنا لشراء الأفلام المُقرصنة، وتفجرت فضيحة سينما الأهرام التي يملكها ثري مسيحي عجوز ولا وريث له، وسطا عليها أحد كبار الشبيحة، وصارت ملك الشبيح، لكن مالك سينما الأهرام وبدعم من أصدقائه ومن كل الوطنيين من كل الطوائف لجأ إلى أشهر محامي في اللاذقية لتعود ملكية سينما الأهرام له. وحاول المحامي جهده وتمكن بعد جهود جبارة ووساطات عالية أن يُعيد سينما الأهرام لصاحبها لكنه نصحه أن يتبرع بها للكنيسة الأرثوذوكسية لأن احتمال أن ينقض عليها شبيح آخر ويسلبها من مالكها وارد جداً خاصة أن مالكها رجل عجوز وأعزب ولا وريث له. وفعلاً تم التبرع بسينما الأهرام إلى طائفة الروم الأورثوذكس في اللاذقية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم تُجدد صالات السينما في اللاذقية؟ ولماذا أغلقت وتحولت إلى ثكنه عسكرية كسينما أوغاريت أو خرابة تزينها القمامة كسينما الكندي أو شبح سينما صغيرة هي سينما دمشق التي حضر فيها كل أهالي اللاذقية فيلم الفهد؟ لماذا تُصرف الملايين لتشويه أجمل شاطىء في اللاذقية ويُلون الفنار الحجري للكورنيش الجنوبي في اللاذقية بألوان فاقعة قبيحة كما لو أنها تتهافت لدخول موسوعة غينيس في القبح!! لماذا تُهدر الملايين مثلًاً في تبديل الأبواب الخشبية العالية في المشفى الوطني واستبدالها بأبواب من الخشب الرخيص الأشبه بالورق المُقوى! ومن سرق أجود أنواع الخشب (الأبواب في المشفى الوطني). وما معنى الملايين التي هُدرت لسد كل نوافذ غرف المرضى في المشفى الوطني بشبك معدني، بحجة أن المرضى يسرقون أغطية السرير بطريقة رميه من النافذة، لذا فحين يضعون شبكاً معدنياً على النوافذ لن يتمكن المريض من سرقة الغطاء الصوفي الرديء ورميه من النافذة.

تُهدر الملايين من أجل الفساد وتشويه المدينة بينما يقولون: لا توجد ميزانية لتجديد صالات السينما. ومنذ ثلاث سنوات تم تجديد سينما الكندي لكنها بقيت لسنتين دون أن يُعرض فيها أي فيلم! حتى أتحفونا منذ أشهر بفيلم لنجدت أنزور قد يبقى سنوات. وكي أقدم شهادة حق كانت وزارة الثقافة ترعى كل سنة أسبوعاً تعرض فيه الأفلام ذاتها في سينما الكندي وهي: رسائل شفهية لعبد اللطيف عبد الحميد؛ بيت الأرواح لإيزابيل إيلندي؛ وبضعة أفلام أخرى لا تسعفني ذاكرتي بتذكرها. المهزلة وقمة الاحتقار لسكان اللاذقية أنه على مدار أكثر من سبع سنوات كانت تُعرض الأفلام ذاتها في سينما الكندي تحت شعار: أسبوع الأفلام السينمائية. كم هو مُحزن ما يُمارس في حق مدينة جميلة كاللاذقية التي مسحوا فيها عن وجه الأرض أجمل سلسلة مقاهي بحرية كانت متنفساً لأهلها وتحول البحر إلى بحر واسع من الإسمنت، وماتت فيها كل صالات السينما وتحولت إلى ثكنات عسكرية أو خرابة تتراكم الزبالة حولها وتتقافز الجرذان فيها، ولا يجد جيل الشباب المسكين أي بديل أو معين لهم لصرف طاقات الشباب سوى في هدر الوقت في مقاهي الأركيلة المتكاثرة والتي تنافس محلات البالة، فعنوان الحياة في اللاذقية (وفي سوريا عامة) الأركيلة والبالة. أما الفن فلا وجود له، فالمحاضرات الثقافية كلها مختصرة لمواضيع حول الغزو والتطبيع ومعاداة أميركا. المحزن بالنسبة لي أن مدينة بدون سينما هي مدينة بلا روح. ولا زلت أحتفظ بالدفتر الصغير الذي شحبت أوراقه وقد سجلت فيه أسماء حوالي مئتي فيلم حضرتهم لما كانت اللاذقية حقاً عروس الساحل بمقاهيها البحرية ساحرة الجمال وصالات السينما فيها وجرائدها، أما الآن فاللاذقية شاحبة حزينة.