لم ينعم الصومال بالاستقرار منذ فترة طويلة، فهذا البلد يخرج من حرب ليدخل أخرى، واعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية دخل الصومال نفقاً سياسياً وعسكرياً مظلماً، بدأ مع الوصاية البريطانية ومن ثم الوصاية الايطالية، واعتباراً من عام 1960 وهي سنة الاستقلال دخلت البلاد فوراً في صراع عشائري-مناطقي بين قبائل محلية، وصولاً إلى الحرب الأهلية في الثمانينات وصدور القوانين الجديدة التي تمنع التجمع لأكثر من أربعة أفراد وإلا اعتبر التجمع حدثاً تخريبياً يستدعي التدخل. وزاد الأمور سوءاً التدهور البيئي ومعاناة البلد من عامي جفاف أديا لتدهور المعيشة مطلع العقد الفائت. وبعيد المجاعة الأخيرة حدثت موجات هجرة جماعية من ساكني الصومال إلى خارجها.  في ظل كل هذه المعطيات قد يبدو أنّ عاقلاً لن يفكر في الهجرة إلى بلد أهله يهجرونه، إلا أنّ الحاجة أثبتت أن البحث النظري في الأمر يصطدم بالعائق العملي الذي يجعل من البلد الفقير موضع اهتمام للشريحة الطبية في سوريا.

تحتاج مرحلة ما بعد الحرب المباشرة في سوريا إعادة النظر في مستقبل البلاد، سيما ما يتعلق بافتقادها لخبرات وكوادر يعول عليها في المرحلة الراهنة، تحديداً الهجرة الطبية نحو الصومال، والبحث عن الدوافع رغم أنّها تبدو جلية، إلّا أن الهدف من النظر هو إيجاد الحلول، فالسوري وصل مرحلةً بات معها يفضل العمل في الصومال على البقاء والعمل في سوريا.

تنامت ظاهرة هجرة الأطباء إلى الصومال في السنوات الماضية، الهجرة التي يبحث الطبيب معها عن دخل أفضل، فبين بلدي الحرب، يبقى الفاصل في القرار هو الأجر العالي.

يقول الخبير في علم الاجتماع حمود العبدالله أنّ هذه الهجرات متوقعة نظراً للظروف الاقتصادية القاسية التي ألمت بواقع الحياة موضحاً أن “السوري شهد أقسى وأشرس الحروب على مستوى الدول في سوريا، لذا، لا يأخذ بعين الاعتبار مخاطر الإقدام على تجربة مشابهة، هو يبحث عن دخلٍ يؤمن له الحياة التي يريدها، ومما لا شك فيه أن الصومال ستكون محض محطة لجني الأموال، ولن تكون بلداً للاستقرار النهائي”.

طريق الهجرة

يقول الطبيب المخبري أحمد. د الذي هاجر إلى الصومال أنّ طريق سفره لم يكن صعباً على الإطلاق: “توجهت إلى بيروت، ومن هناك لم يكن يوجد رحلة مباشرة إلى مقديشو، فحجزت (ترانزيت) بيروت – دبي – مقديشو، الناس لديها فكرة سيئة ومبالغ فيها عن الوضع في الصومال، حقيقة الوضع لا بأس به وهو مقبول أمنياً إلى حد ما”.

يعتقد أحمد بحسب مشاهداته أن الواقع ليس بالمخيف والسيء إلى الدرجة التي تتناولها وسائل الإعلام في تصدير مشهد مليء بالدماء من البلد الإفريقي، وبالمقارنة بين البلدين يرى أحمد وجود فروق هائلة على مستوى البنى التحتية والخدمات وأسس الرعاية الصحية من كوادر ومنشآت لصالح سوريا: “لا مجال للمقارنة بين البلدين في هذا الإطار، ولكن فرصة العمل هنا لا تفوت، فأنا هنا يمكنني أن أجني ما يفوق عشرة وربما عشرين ضعفاً مما كنت سأجنيه في سوريا”.

ماجد. م طبيب جراح آخر صار في الصومال، يقول في حديثه معنا أنّ الرواتب بين البلدين لا تقارن، فرواتب الصومال للقطاع الطبي تبدأ بحدود ألفي دولار شهرياً وصعوداً، وهو ما يكاد يكون جنيه في سوريا مستحيلاً في ظل الظروف القائمة، ويضيف: “بدأت العمل بمرتب ألفين ومئة دولار شهرياً وهو رقم بالتأكيد قابل للزيادة مع الوقت، المعيشة هنا رخيصة للغاية وهذا ما لعب دوراً أساسياً في اختياري العمل في الصومال”.

الصومال لا تطلب شهادات خبرة وسنين طويلة من ممارسة العمل، وفي ظل الإغلاق العالمي المتعلق بشروط كورونا، وصعوبة الحصول على فيز إلى أوروبا، كلها أسباب دفعت الأطباء للهجرة إلى الصومال واختيارها للعمل الطبي والكسب المادي.

وصول الطبيب السوري إلى الصومال يكون مقترناً باتفاقه بشكل مسبق على عقد طبي عن طريق كفيله في البلد هناك، إذ يوقع عقداً مع المستشفى او المركز الطبي، وتكون هذه العقود بصيغتها القانونية محمية من قبل الوزارة المعنية ويكفلها القانون بصورة شرعية، وهو ما لعب دوراً كبيراً في تشجيع الأطباء على الهجرة في ظل الظروف المتعلقة بشرعية الإقامة والعمل بعيداً عن المطبات السياسية والاقتصادية.

تسهيلات واعترافات

صدرت مجموعة قرارات مؤخراً تهدف بصورة غير مباشرة للحد من هجرة الأطباء وخسارة سوريا لكوادرها، وذلك عبر السماح للأطباء بفتح عيادات أثناء تأديتهم خدمة العلم بعد انتهاء دوامهم الإداري، وكذلك سمحت القرارات للأطباء باختيار مكان خدمتهم العسكرية في المنطقة المقيمين بها أو أقرب نقطة إليها.

إضافة إلى تصريحات نقابة الأطباء حول تقديم كل التحسينات والتسهيلات لعودة الأطباء الذين هاجروا والحفـاظ على الذين يتواجدون داخل البلاد.

وكان نقيب الأطباء السوري “كمال عامر” قد قال مؤخراً: “إن الحصار والعقوبات أثرا على الوضع الاقتصادي والصحي في البلد، كذلك على الواقع المادي للأطباء”، متحدثاً عن سفر كثير من الأطباء السوريين إلى الصومال “بسبب ارتفاع الرواتب هناك”.