* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

مهرجان موسيقى الجاز، مهرجان الموسيقى الصوفية والموسيقى الشرقية، فعاليات قلعة دمشق، مهرجان آلة العود والبزق، يوم الموسيقى العالمي، موسيقى على الطريق، المهرجانات المتعلقة بالموسيقى الكلاسيكية وغيرها الكثير والكثير من الفعاليات الموسيقية التي كانت دمشق وغيرها من المحافظات تحتفي بها، قبيل الحرب، بشكل دوري، لتستقطب العديد من الفرق الموسيقية المتنوعة من بلدان عربية وعالمية مختلفة. وكان لتلك الفعاليات أثر إيجابي كبير على موسيقيي سورية آنذاك، إذ كانت تمنحهم فرصة المشاركة فيها كعازفين، وتبقيهم على اطلاعٍ دائمٍ ومكثّفٍ على تجارب الثقافات والحضارات الموسيقية المختلفة، التي تغني ذائقتهم وتجربتهم وخيالهم الإبداعي. وإلى جانب ذلك كانت أبواب السفر متاحة أمام جميع الموسيقيين،  خاصة طلاب المعهد العالي، ليسافروا بشكل دائم  لإحياء الحفلات في أصقاع البلاد مع الفرق المختلفة، السورية وغير السورية، ضمن العديد من المهرجانات العربية والعالمية، التي جعلتهم على احتكاكٍ وتفاعلٍ دائم، مع الموسيقا المعاصرة، وعلى صلة وثيقة بالمسرح، على اختلاف أنماطه وتوجهاته، وما ينتج عنها من تراكمٍ في الخبرات والمهارات.

 تلك المرحلة الذهبية لم تعد اليوم متاحة أمام الموسيقيين الشباب الذين امتهنوا الموسيقى خلال الحرب، إذ لم يشهدوا سوى تدهور واقع الفن والثقافة في البلاد، وحرموا من ممارسة أي دورٍ فاعلٍ في حركة الموسيقى في سورية التي لم يغادروها إلا نادراً، فيما لم تقدم لهم مسارحها خلال السنوات الماضية سوى بضع حفلات متفرقة لبعض الفرق الرسمية والمحلية التي تكرر الأعمال الموسيقية ذاتها وتضم العازفين ذاتهم، الذين يتنقلون فيما بينها، بعد أن خسرت خيرة عازفيها الذين غادروا البلاد. أما الفرق غير السورية فلم يكن لها سوى حضور خجول جداً ضمن بعض الحفلات البسيطة التي لا تكاد تذكر.

وبينما كان المعهد العالي للموسيقى، قبل الحرب، ينعم على طلابه  بخيرة الكوادر التدريسية والخبراء الأكاديمين في مختلف الاختصاصات، إلى جانب إخضاعهم للكثير من ورشات العمل مع خبراتٍ موسيقية مختلفة الجنسيات، بات اليوم يبخل عليهم  حتى بتوفير مدرسين للآلات، بعد أن خسر أغلب خبرائه، كالخبراء الروس: فيكتور بابينكو  وسيرغي خودييف وفلاديمير زاريتسكي، والخبير الأذربيجاني عسكر علي أكبر، وغيرهم الكثير. هذا إلى جانب خسارته لعدد كبير من الكوادر والخبرات التدريسية- التي خرَّجت أجيالاً من الموسيقيين المحترفيين- كمدرس آلة العود وقائد  فرقة الموسيقى العربية عصام رافع، ومدرسة الغناء الأوبرالي ورئيسة قسم الغناء الشرقي لوبانا القنطار وغيرهم .

 كل ذلك ترك آثاره السلبية على الموسيقيين الصاعدين، الذين لم يحصلوا على الخبرة والكفاءة اللازمة ولم يدخلوا عالم الموسيقى من بابه الأمثل والناجع، وكان عليهم أن يعتمدوا على ذاتهم وقدراتهم الخاصة وأن يثقفوا أنفسهم بأنفسهم ويشقوا طريقهم الفني بعناءٍ وتعبٍ كبيرين ليتحدوا جميع ظروف الحرب التي دمرت أحلامهم، علَّهم يبتكرون بصمتهم وهويتهم الإبداعية الخاصة.

لا منابر تحتضن الموسيقيين  

  قصر العظم ، خان أسعد باشا، مكتب عنبر، المركز الثقافي الروسي، الفرنسي والإسباني، البيوت الدمشقية العريقة، الغليريهات وصالات الفنون، حديقة القشلة والسبكي والفورسيزن وغيرهم من الحدائق، العديد من الساحات والشوارع التي كانت تحتضن فعاليات موسيقى على الطريق. تلك بعضٌ من المنابر  الكثيرة التي كانت متاحة  أمام جميع الموسيقيين، بمن فيهم الهواة، ليقدِموا موسيقاهم ويعرِّفوا الناس بولادة فرقهم الواعدة. لكن أغلب تلك المنابر أغلقت أبوابها في وجههم خلال الحرب، ولم  يتبق  سوى بضعة أماكن تستقطب فئة محددة من الموسيقيين دون سواهم، تحكمها الشللية والمحسوبيات والاعتبارات السياسية.

وبعد جائحة كورونا انعدمت الآفاق أكثر، فحتى البارات والمقاهي التي كانت خلال الحرب ملاذاً للبعض ضاقت هي الأخرى في وجههم، فيما أدت الجائحة لحرمانهم من السفر لإقامة حفلاتٍ في الخارج، بل ومن التنقل بين المحافظات السورية، وهو ما أدى لشلل نشاطهم الموسيقي بشكل كبير. وقد أدت العوامل السابقة لتغييب صوت الشباب ونتاجهم الإبداعي عن المشهد الموسيقي السوري، في ظل تراجع وجود البيئات الحاضنة لهم وغياب أي محفزات تدفعهم ليلتقوا ويتفاعلوا فيما بينهم. فبينما كانت البلاد قبل الحرب تكتظ بعشرات الفرق الموسيقية الشابة كفرقة جين، حرارة عالية، إطار شمع، ارتجال، وجوه وغيرها، نلاحظ اليوم تراجعاً كبيراً في حجم ولادة  الفرق الشبابية الجديدة، التي لم تسجل خلال السنوات الماضية سوى حضور خجول لم يخلق أي بصمةٍ فنية أو علامةٍ فارقة تُذكر.

وعن تجربته مع أزمة كورونا يحدثنا عازف الغيتار سومر (35 عام) قائلاً : “قبل كورونا كنت وأصدقائي نعزف في بارين ومقهى، بمعدل ثلاث حفلاتٍ أسبوعياً،  ونتيجة قرارت الإغلاق وقواعد التباعد الاجتماعي، التي فرضتها الأزمة، إلى جانب ما خلَّفته من آثارٍ اقتصادية، تراجع عملنا بشكل كبير ليقتصر على حفلاتٍ شبه شهرية لا تكاد تذكر، وذلك نتيجة ضعف إقبال الناس، بعد تردي واقعهم المعيشي، على المقاهي والبارات وعجز أصحابها عن دفع أجور العازفين”. ويضيف ” كنت أسافر بشكل شبه دوري إلى لبنان والأردن ودول أخرى في حفلات متفرقة بصحبة مطربين وفرق موسيقية مختلفة، لكن منذ نحو عام لم أغادر دمشق أبداً، وأصبحت أكتفي بعزف الموسيقى في منزلي الذي أصبح مسرحاً وحيداً، لا جمهور فيه سوى بعض الأصدقاء”.

العقبات الاقتصادية تحاصر حلم الموسيقي

في ظل أزمة التضخم وتردي الواقع الاقتصادي وانعدام القدرة الشرائية بات شراء آلة موسيقية احترافية حلماً يصعب تحقيقه عند معظم الموسيقيين الصاعدين. وعن ذلك يحدثنا عازف العود عمران (24 عام): ” قبل أزمة كورونا كنت أدخر المال، من عملي في تدريس الأطفال والعزف في المقاهي، لكي أجمع مبلغ 200 ألف ليرة لشراء عودٍ جيدٍ، ثم جاءت الأزمة وما نتج عنها لتدمر ما سعيت إليه، حيث تجاوز اليوم سعر ذلك العود المليون ليرة، وهو مبلغ بات يستحيل عليَّ جمعه في ظل تراجع عملنا كموسيقيين وتدني مستوى دخلنا بشكل يثير الشفقة”.

لم تستطع يارا (20 عام) أن تقتني آلة البيانو التي حلمت بها فاكتفت باقتناء  كيبورد (أورغ) مستعمل، لا تشعر معه بأي نوع من الشغف أو المتعة في العزف، ولا يطور مهاراتها وقدراتها المهنية، ولا يلبي رغباتها وطموحاتها الموسيقية، ولكنه كان خيارها الوحيد بعد أن أصبح حلمها  يحتاج لملايين الليرات.

وبينما يعجز الكثيرون عن شراء آلة موسيقية، يُجبر آخرون- نتيجة للظروف الاقتصادية ذاتها-  على بيع آلاتهم كحال عازف الدرامز حازم (26 عام)، الذي باع آلته مكتفياً بصناعة درامز تدريبي يُبقيه على تواصلٍ ما مع الموسيقى، على أمل أن يقتني آلة احترافية بعد سفره الذي يسعى إليه.

الواقع ذاته أجبر عازف الكمان حسام ( 34 عام) على ترك مشروعه الموسيقي، حيث يقول :” كنت أفرِّغ يومياً نحو أربع ساعات من وقتي لكي أتدرب وأفكر في مشروعي الموسيقي الذي أسعى لتأليفه، لكن تدهور الواقع المعيشي وتراجع مستوى دخلي من التدريس في المعاهد الخاصة أجبرني على زيادة ساعات العمل  والتوجه للعمل في المقاهي والمطاعم لكي أتمكن من تأمين متطلبات حياتي ودعم عائلتي، وهو ما سرق مني كل وقتي فأدى إلى ابتعادي عن تحقيق حلمي”.

العقبات الاقتصادية تقف أيضاً في وجه من يحاول إنتاج الأعمال الموسيقية، كحال الملحن وعازف الغيتار ضياء (37 عام) الذي لحَّنَ عدداً من الأغاني ووزَّعها، لكنه لم يتمكن من تسجيلها، وعن ذلك يقول: “يستحيل علي اليوم أن أتدبر نفقات التسجيل الذي بات يحتاج إلى ملايين الليرات بعد ارتفاع أجور الموسيقيين وأجور استديوهات التسجيل وما يتبعه من عمليات المونتاج والمكساج والنسخ والطباعة وغير ذلك”. ويضيف: “حاولت اللجوء إلى حلول أخرى فقمت بتسجيل أغنيتين في منزلي، بواسطة برنامج تسجيلٍ على الكومبيوتر، مستعيناً فقط بغيتاري وبصوت فتاةٍ هاوية،  لكن النتيجة التي حصلت عليها لم تكن مرضية فعزفت عن ذلك الأمر”.

ضغوط الحياة اليومية تقتل الإبداع

يحتاج الموسيقي إلى راحة نفسية وجسدية وحالة من الإسترخاء والصفاء الذهني ليتمكن من تطوير قدراته المهنية وتفجير طاقاته الإبداعية، لكن ضغوط الحياة اليومية والمزاج النفسي العام يمنعه من ذلك. وتلخص عازفة البيانو ياسمين (29 عام) ذلك الواقع بقولها: ” كيف يمكننا أن نبدع وخيالنا محاصر ونعيش حالة دائمة من القلق والتوتر وانعدام الأفق والخوف من المستقبل؟. كيف سنوجِّه طاقاتنا نحو الموسيقى ونحن غارقون في آلاف التفاصيل اليومية المؤلمة، التي تشتت تركيزنا، كانتشار الفقر وارتفاع الأسعار الجنوني، مشاهد الفقراء والمتسولين الذين يملؤون الشوارع ويبحثون في حاويات القمامة عن طعام، الانشغال  بتأمين الغاز والمازوت والخبز، وانتظار قدوم الكهرباء والماء… الخ؟”. وتضيف بيأس وقهر” لقد أصبح قصارى حلمنا فقط أن نجد فرصة سفرٍ تنقذنا من هذا الواقع، فكل شيءٍ حولنا يرهقنا ويؤذي مزاجنا ويقتل شغفنا وحماسنا ليحرمنا من تحقيق حلمنا الموسيقي”.

 معاناة مشابهة يعيشها عازف العود علاء (27 عام) الذي يسكن في قبوٍ تملؤه الرطوبة، حيث يقول: “البرد يخترق جسدي ويجمِّد أصابعي- في ظل انعدام أي وسيلة للتدفئة-  فأشعر أنني مقيد الحركة وأصابعي مشلولة لا تقوى على العزف. انشغالي بتدريس الموسيقى لساعات طويلة، من أجل تأمين لقمة العيش، يُشعرني بالتعب والإجهاد ويؤثر على طاقتي ومزاجي الإبداعي. صوت مولدات الكهرباء التي تزعق طوال النهار في حارتي تؤذي أذنيَّ وتشتت تركيزي وتجتاح عالمي الخاص. وفي الليل تُشعرني الإنارة الخافتة في ظل انقطاع الكهرباء- بالاكتئاب وتمنعني من قراءة كثير من الكتب والمراجع والنوتات الموسيقية، فيما ينفذ شحن اللابتوب الذي أستخدمه لتدوين بعض الجمل الموسيقية التي تحضر إلى رأسي، كل ذلك يعرقل ما أسعى لتحقيقه”.

 وخلال أزمة كورونا وفي ظل غياب الحفلات الموسيقية لجأ ويلجأ اليوم بعض الموسيقيين إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت وسيلتهم الوحيدة لإيصال صوتهم الإبداعي ونشر ما يعزفونه على الجمهور، لكن تلك الوسيلة لم تخلُ أيضاً من العقبات، إذ يصعب على بعضهم تحميل مقاطع الفيديو التي يسجلونها نتيجة ضعف سرعة الانترنت وانقطاعه الدائم إلى جانب انقطاع الكهرباء الطويل وما يخلفه من آثار سلبية تسهم في زيادة تلك العقبات.

” لا أمل لأي إبداع هنا” هي مقولة بات يتبناها الكثير من الموسيقيين الصاعديين الذين يؤجلون مشاريعهم وأحلامهم الموسيقية إلى ما بعد السفر، ليحذوا بذلك حذو من سبقوهم من أقرانهم، الذين فجروا طاقاتهم الإبداعية في أوروبا وغيرها من بلاد الاغتراب.