مقدمة

تركت الحرب بصمتها على كل شيء في سوريا بما فيه الآداب والفنون، وكانت القصة القصيرة أحد الأنواع الأدبية التي عايشت الحرب وعبّرت عنها بطرق مختلفة، فهناك كتاب استلهموا شخصيات وأحداث قصصهم منها، وآخرون قاربوها بشكل غير مباشر وثمة من أعاد خلقها في جو آخر تعاني فيه الشخصيات أو تتحدث وتهمس مولدة الدفء والأمل وسط تقوض الحلم، وثمة من جرّبوا فنياً ووصلوا لنتائج وآخرون كرروا النماذج التقليدية لكن يبقى وسط كل هذا ما هو غير قابل للمساومة، أي البناء الفني للقصة، والذي هو المعيار، فالأحداث تأتي وتذهب، وليس المهم أن يعكس الكاتب الحدث أو يصوره بل المهم هو إعادة خلقه من منظور جديد، وهكذا فإن القصة تصمد لا لأنها تتحدث عن الحرب بل لأن الحرب تتحدث من خلالها وتتكشف وتتعرى فيما تنفتح نوافذ أخرى للأمل خارج صور الدمار واليأس. فالأدب لا يرتبط في النهاية إلا بأدبيته، وما يعرّف النص الفني ليس حديثه عن حرب أو تشبعه بتفاصيلها وإنما عمق أسلوبه الفني وعمق نظرته إلى الواقع وعمق ابتكاره لواقع فني، حيث كما هو معروف في الأدب يبتكر كل كاتب عالمه الخيالي الخاص كي يقول كلمته أو يوحي بفكرته فيما يهدف إلى إغناء حساسية القارئ وتطوير ذائقته ومساعدته على مقاربة الواقع من منظور جديد.

إن الأدب الحقيقي يساعدنا على قراءة الأحداث بطريقة مختلفة عن القراءات المدبرة، ويعمّق وعينا بالمأساة، ويفتح لنا أبواب ما هو غير معبر عنه، وهو يهدف أيضاً إلى تعرية طبقات السرد التي صادرت خطاب الحرب وقدمته مغلفاً برؤى محدودة، لا تتغلغل إلى العمق الإنساني، إلى حيث يمكن أن نرى الأمور خارج المسبقات والتحيزات والتحزبات، حيث يعنينا مصير الإنسان في مواجهة الأحداث الكبرى التي تهدد وجوده، والحرب إحداها، وحيث من الجوهري أن نطرح أسئلتنا حول ما يجري وإلى أين تقودنا الأحداث.

وعلى مستوى آخر تشهد القصة القصيرة السورية تراجعاً ملحوظاً على مستوى النشر والتوزيع وتكاد تختفي مع الشعر عن قائمة اهتمام الناشرين رغم أهميتها، وكونها أكثر تكثيفاً وتنجو من السرد الأفقي والحشو الذي لا لزوم له، غير أن كتاب القصة في سوريا لم تفتر همتهم وواصلوا طريقهم إلى درجة أن كثيرين منهم ينشرون أعمالهم على حسابهم ويهدونها لأصدقائهم ودائرة المقربين منهم مما غبن هذه التجربة وحرمها من الوصول إلى شريحة واسعة من القراء، أضف إلى ذلك تراجع القراء، وأجواء عدم الاستقرار التي زلزلت المنطقة.

ضمن هذا السياق يقوم موقع صالون سوريا بنشر ملف بعنوان “نماذج من القصة القصيرة السورية” يعده أسامة إسبر، وهذه النماذج تمثل توجهات مختلفة في الكتابة ولأجيال مختلفة، حيث سيجد القارئ أن لكل كاتب طريقته الخاصة في كتابة القصة، وهذه الخصوصية هي ما نركز عليه، فالاختلاف والفرادة هو الأساس وهو ما يغني الأدب، وهذا ما يطمح إليه منبر صالون سوريا، وهو أن يفرد مساحة لإظهار تنوع وغنى المشهد القصصي في سوريا.

سننشر القصص التي تردنا تباعاً ونفعّل روابطها:

خطّـــــــة القُبَـــــل
زينة حموي

الناي الأميرة
جمال سعيد

شتاء الرسائل الجميلة
مصطفى تاج الدين الموسى

في قاعِ النهر
معاذ اللحام

صياح الديك
ناظم مهنا

مُخرِب الأحلام
فدوى محمود العبود

الهدية