تحتضن نيران عيد “النوروز” فرحة المحتفلين الأكراد بقدومه في 21 آذار من كل عام، فتمتزج حلاوة استقباله بشغفِ آلامِ شعبٍ واكبَ القدرُ أزماته، فشهرآذار كما تقول “هيوا جميل” مدرسة اللغة الكردية: “لايمرّ مرور الكرام على الأكراد إلا ويجرّ خلفه مجزرةً، ويمضي بعد أن يأخذ  حصته من قرابين احتفائه،  لكن يبقى نوروز العيد الذي يتوج الفرح على بروج قلوبنا، ففي النوروز تمتزج الكرديات مع الطبيعة بزيهن الفلكلوري الذي يسحر بريقه ولمعانه وألوانه الزاهية الناظرين إليه، فأنا حين أرتدي زيي الشعبي أشعر أنني أصبحت ملكة، فألوانه وتصاميمه تشعرني بالماضي النابض في حاضري ومستقبلي.”

يُعتبر عيد النوروز من الأعياد القديمة والعريقة للأكراد فهم يحتفلون به منذ آلاف السنين، وهو يعتبر عيد ميلاد للطبيعة وعيد الحركة والنشاط والنمو والازدهار وتفجر الطاقات، وكما تضيف هيوا: “يصادف التحول الطبيعي في المناخ والدخول في فصل الربيع الذي هو فصل الخصوبة والنماء، وتجدد الحياة، فهو يحمل بعدًا قومياً عند الكرد، وصفةً خاصة مرتبطة بقضية التحرر من الظلم”.

صورة رقم 1: تظهر جزء من احتفالات عيد “النوروز”

 شعلة كاوا الحداد

في ليلة العشرين من آذار (مارس) تضرم شعلة “كاوا الحداد” في كل المناطق الكردية إعلاناً عن قدوم عيد رأس السنة الجديدة عندهم.

بحسب الباحث والكاتب الإيزيدي “سالم الرشيداني” فإن عيد نوروز الربيعي يعني عند الأكراد ذكرى قومية ليوم تحررهم من الظلم والعبودية، حتى وإن كان ذلك من خلال ملحمة رمزية شعبية (كاوا الحداد) فالأسطورة الكردية تقول باختصار “إنّ ملكاً آشورياً شريراً اسمه (ضحاك أو زوهاك)، وفي مصادر أخرى كان ملكاً فارسياً، وبسبب شروره الكبيرة، كذبحه لأطفال الكرد، تغيب الشمس وترفض أن تشرق ثانية، وحتماً غيابها أدى إلى موت الحياة النباتية وجوع البشر. وبعد حزمةٍ من الأحداث المأساوية يبزغ نجم بطل قومي كردي اسمه (كاوا الحداد)، الذي يوقد النار في قلعة الضحاك ويقتله. عندئذٍ تشرق الشمس ثانيةً حسب الأسطورة، وتعود للأرض خصوبتها ورونقها واخضرارها، وبهذا تصبح نار قلعة الضحاك رمزاً لعيد النوروز الكردي.”

صورة رقم 2: الكاتب سالم الرشيداني

وللتأكيد على رمزية كاوا كبطل قومي في الحكايات الشعبية المتداولة بين الكرد، يزعم الباحث الرشيداني أنّ اندلاع ثورة (كاوا) قد تزامن مع  “نوروز السنة الإيزيدية التي أرجئت الاحتفالات بها وإشعال النيران المقدسة خلالها بسبب وقوع الشعب الإيزيدي الكردي تحت اضطهاد حكم الضحاك الجائر. وعند قيام البطل كاوا الحداد بقتله أشعل النيران الاحتفالية علامةً للانتصارالمقدس للنور على الظلمة لأن شمس الحرية للكورد عادت من جديد. فلا غرابة من الجزم بأنّ عيد النوروز عيد كردي، لكن لا بد من الإشارة إلى اليوم الذي كان يحتفل به قديماً والذي يصادف يوم “سري سالي الإيزيدية” (أي رأس السنة الإيزيدية)”.

صورة رقم 3: دبكة جماعية بمناسبة عيد “النوروز”

نوروز (اليوم الجديد)

يشير ابن مدينة كوباني الشاعر (جان إبراهيم) إلى أن نوروز كلمة مركبة، فشقها الأول هو نو Nû ويعني الجديد، والشق الثاني إلى روج (ro j) وتعني اليوم، وبذلك تكون تسمية نوروز أصلها نوروج Nûroj وتعني اليوم الجديد في السنة الجديدة، أي رأس السنة الذي يعتبر أيضاً رأس السنة لدى شعوب آسيا الوسطى وغربي آسيا وبلاد القوقاز، وبعض شعوب الشرق الأوسط كالمصريين الذين مازالوا يحتفلون به باسم “عيد شم النسيم،” والإسماعيليين، وعند الأمازيغ يسمى عيد «ثافسوث».

ويتابع جان إبراهيم حديثه موضحاً بأن الزرادشتيين يعتقدون أنّ الإنسان قد خلق في الحادي والعشرين من آذار، وأنّ الملك ضحاك في الرواية الفارسية الذي انتصر عليه كاوا الحداد هونفسه الملك “جمشيد،” وأنّ النوروز هو ثورة على الظلم والطغيان والخلاص من الاستعباد والقتل.

وبحسب رواية الباحث المصري”عبد الكريم شاهين “كان ذاك الملك يقوم بقتل خيرة الشباب الكرد وبشكل يومي واستخدام مخاخهم كدواء للداء الذي ألم به، ولكنه قتل على يد الثائر كاوا الحداد وبذلك تحقق النصر على الطغيان، وأشعلت النيران في كل مكان احتفالاً بالنصر العظيم، وأقيمت الدبكات والاحتفالات وحلقات الرقص على أنغام الموسيقا الشجية”.

صورة رقم 4: الشاعر جان إبراهيم

طقوس الاحتفالات

تُشير “عزيزة فرحو” مسؤولة منظمة الدفاع عن حقوق المرأة الكردية في سورية ورئيسة تحرير مجلة بيلا سابقاً إلى أنّ الكرد يحتفون بعيد نوروزفي أحضان الطبيعة بارتداء زيهم الفلكلوري الزاهي وبأغانيهم الشعبية الحماسية. أما اليوم فقد باتت هذه الاحتفالات أكثر ثراءً بطابعها الخطابي والمسرحي والفني من حيث العروض الفنية الفلكلورية، أما بقية شعوب بلاد فارس فقد كانوا قديماً يحيون طقوسها باختيار ملكٍ مغلوبٍ من العامة يركبونه الحمار بالمقلوب تعبيراً عن إذلال الملك الطاغية، ويجوبون به ساحات المدينة والمحتفلون يرافقونه ساخرين منه.”

صورة رقم 5: نساء كرديات بأزياء ذات تصاميم مختلفة

الزي الكُردي… فلكلور توارثته الأجيال

اللباس الكردي جزء هام من ثقافته، ومُعبّر عن هويته رغم اختلاف بعض تصاميمه من منطقة كردية إلى أخرى. فالزي يعبر عن شعبه وحضارته وجذوره، والزي الكردي كما نوهت عزيزة فرحو :”جميلٌ بكل تفاصيله لكنّه لا يناسب الحياة العملية اليومية، ولذلك يبقى عند الكرد الزي الخاص للاحتفالات والأعياد، والمناسبات الرسمية فقط. فتصاميم الحداثة لم تنل من الزي الكردي بل أبقته محافظاً على لمساته الفلكلورية وألوانه المتشعبة والمتناسقة فيما بينها، وهذا ما يجعل المرأة الكردية محط إعجاب ناظريها. فزي المرأة الكردية مُكون من دشداشة طويلة تغطي في الغالب أخمص القدمين، وذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين، ومنها ماتسمى بالكراس والخفتان. أما عند الرجال فتسمى بالشال والشابك والمؤلف من قطعتين، قميص وسروال.”

“نوهات الأحمدي” كغيرها من النساء الكرد تواظب على ارتداء هذا الزي في الأعياد والمناسبات السعيدة والأعراس، وتقول: “أفتخر بارتداء الزي الكردي الذي يميزني كامرأة كردية عن غيري من نساء القوميات الأخرى، فهو إرثنا الشعبي الذي ورثناه عن أجدادنا، زينا التقليدي له جمالية ينفرد به عن الأزياء الأخرى، والتغييرات البسيطة على التي طرأت عليه قد زادت من جماليته.”

صورة رقم 6: أسر كردية تحتفل بالنيروز

مآسي الكرد وثوراتهم في شهر نوروز

يعتبر قدوم النوروز مع بداية الربيع رمزاً يحمل في طياته كل معاني الخير والحب والجمال وسحر الطبيعة والسلام والحرية والخلاص من الظلم والاستعباد، لكنّ جعبته حملت بين طياتها الكثير من الألم والحروب التاريخية والإبادات وهم من قادوا أكثر من 40 ثورة منذ عهد السلطان العثماني (مراد الأول) سنة /1574/ إلى اليوم.

 الكاتب الكردي ” شيرزاد شيخاني”  يرفع الستار عن مآسي “آذار والأكراد” فيقول: ” في السادس من آذار من عام 1975 وقّع صدام حسين مع شاه إيران محمد رضا بهلوي معاهدةً في قمة الجزائر للدول المصدرة للنفط أوبك بوساطة من الرئيس الجزائري هواري بومدين عرفت في الأدبيات السياسية الكردية باتفاقية الجزائر المشؤومة التي أدت إلى انهيار الثورة التحررية الكردية، حيث قدّم صدام حسين الذي كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة حينذاك وهو أعلى سلطة تشريعية في البلاد تنازلاتٍ مشينةٍ عن مساحات واسعة من الحدود البرية والبحرية للعراق مقابل إيقاف الشاه دعمه للحركة الكردية بقيادة الزعيم الراحل الملا مصطفى البارزاني الذي بدأ ثورته في عام 1961. وقدّرت بعض المصادر عدد أفراد الجيش الذين زجهم النظام في حربه العنصرية منتصف شهر آذار من عام 1975 بأكثر من 200 ألف جندي وضابط معززين بألفي دبابة ومدرعة ومدافع ثقيلة ومتوسطة و70 طائرة عسكرية من مختلف الأنواع خصوصاً السوخوي والميغ الروسيتين والباجر الهندية الصنع من طرازات حديثة، يقابلهم في جبهة المواجهة المقاتلون البيشمركة ببنادق خفيفة من نوع البرنو وعدد صغير من الرشاشات المتوسطة ولكن بعزيمة قوية استطاعوا بها أن يصدوا الكثير من هجمات قوات النظام الدكتاتوري على جبهات القتال.”

كما شهد يوم 8 آذار 1921 قيام ثورة نوري ديرسمي، وفي 3 آذار من عام 1937 قيام ثورة ديرسم بقيادة سيد رضا، وفي 31 آذار 1947 أعدم القائد قاضي محمد وبعض من رفاقه بعد انهيار جمهورية مهاباد في إيران. وفي 16 و17و18 آذار 1988 قصفت حلبجة وخورمال والدجيلة بالسلاح الكيمياوي، والتي راح ضحيتها 5000 كردي من قبل نظام صدام حسين.  وفي 6 آذار 1991 اندلعت انتفاضة كردستان العراق، وفي 12 آذار 2004 حدثت انتفاضة القامشلي. ومؤخراً في 18 آذار 2018 احتل الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المسلحة مدينة عفرين السورية وحطموا تمثال كاوا الحداد رمز مقاومة الظلم والطغيان.

صورة رقم 7: أسرة كردية من موقع الاحتفالات

نوروز يوم دولي

أُدرج عيد النوروز لأهميته الكبرى في قائمة اليونسكو التمثيلية للتراث الثقافي في 2009 بوصفه يمثل قيمة عالمية للإنسانية. وأعلنت الجمعية العامة، بموجب قرارها 64/253، يوم 21 آذار/مارس يوما دولياً للنوروز، بناءً على مبادرةٍ قدمتها في عام 2010 عدة بلدان منها (أذربيجان وأفغانستان وألبانيا وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة وطاجكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والهند) بغرض مشاركة هذا العيد مع بلدان العالم وشعوبها.