نتلقى تاريخنا في مجتمعاتنا العربية كما يحلو لحكوماتنا ورجالات الدين أن يقدموه، نتأثر به، ويُساهم في تشكيل هويتنا وشخصياتنا. يوحى لنا أنه مسلّم به وصادق أمين، ويساهم في ترسيخ ذلك ما تقوم به الحكومات السلطوية من تجهيل بمحاربة الثقافة حتى تغدو القراءة والاطلاع فعلاً ثانوياً وهامشياً لا ضرورة له، وهذا تماماً ما يُراد، التّلقي دون محاولة البحث أوالمحاكمة والتشكيك. لكن معاصرة الأحداث في السنوات الأخيرة دفعت بفئات واسعة من الناس نتيجة مشاهدتهم كيف يتم تحريف وتزوير وقائع تجري في حاضرهم،  للبحث والنبش في التاريخ والشك بمضمونه والبحث عن مدى مصداقيته، خاصة أن البعض أمعن في إيقاد الجحيم باختيار ما يحلو له من سموم التاريخ.

اعتادت السلطات الحاكمة في شرقنا العربي، كما اعتاد سلاطين الدين والطوائف، كتابة التاريخ خدمة لغاياتهم، كتبوا ما يجري في عهودهم ليحولوا أنفسهم لآلهة، ونقلوا ما مضى منه بانتقائية تحقق غاياتهم. بينما يتحفنا بعض الباحثين والكتّاب بتواريخ تُبنى على استنتاجاتهم الشخصية ترتدي غالباً ثوب تفكيرهم وهواهم. ويبقى في الظل تاريخ مُعاش لا يُدوّن ولا يُحكى ممن عاصروه وكانوا جزءاً حياً منه، فلا إمكانية لديهم لتوثيق التفاصيل، ولا أذن صاغية تسمع رواياتهم، فيفقد التأريخ الصيغة الحياتية الإنسانية المُعاشة، التي تحمل في ثناياها مضامين يتجاهلها أهل المصالح ويهمّشوها، فتدوينها يفتح باب المعرفة، والمعرفة تفتح باب الفهم والإدراك، والفهم والإدراك يحولان الإنسان من متلقي إلى فاعل يسبب الكثير من الحرج والمتاعب.

هكذا يتم استثمار الإنسان والتلاعب بعقله في ظل الحروب، تماماً كما في الوضع السوري، بتكريس مشاعر التعصب والطائفية والانقسام بين جميع مكونات الشعب، فيتحوّل الحراك الشعبي من حراك يطالب بدولة حريّات وعدالة لحراك يرى بعضه في الإسلام السني نظاماً صالحاً للحكم، ويراه البعض الآخر حراكاً مؤامراتياً على الوطن، وآخرون يطيّفوه ليبدو حرباً أهلية، وتأتي حينها من تشاء من دول هذا العالم لتستغلّ الانقسام لحسم صراعات النفوذ بينها.

احتلت الساحة في السنوات الماضية صراعات دينية وطائفية وقومية مختلفة: سنية – علوية؛ شيعية – سنية؛ درزية – سنية؛ إسلامية – مسيحية؛ عربية – كردية؛ وتم استغلالها لتقسيم السوريين حول قضايا مختلفة لا تمت بصلة لقضيتهم الأم التي بدؤوها، قضية الحرية والعدالة والديمقراطية. واختلاف القضايا يحتاج البحث عن مبررات وأسباب مختلفة للحشد حول الأهداف، وليس أفضل من النبش في تاريخ مُتاح فيه للجميع أن يجدوا ما يشاؤون.

تناسى السوريون أنهم أفراد ومجموعات، أديان وطوائف وقوميات، خضعوا لنفس الديكتاتور، وتعرضوا لنفس الانتهاكات، تم العبث بحاضرهم ومستقبلهم، بمقدراتهم وثرواتهم، بيد نفس السلطة التي أحسنت اختيار من يناسب منهم لخدمتها وحمايتها، في حين كانت تُمعن في تقسيمهم ليجهلوا بعضهم البعض، أسهل الطرق لخلق العداء فالإنسان عدو ما يجهل. والعداء السوري-السوري يصب في مصلحة السلطة الحاكمة على منطق فرّق تسُد.

لم يعبث الأسد الأب باقتصاد الدولة ولم يقم بخصخصته لصالح طائفته، بل لصالح مافيا تشاركه وتحميه، مافيا تنتمي لكل الأديان والطوائف والقوميات، قدمت له نخباً عسكرية واقتصادية وثقافية ودينية واجتماعية كانت يده اليمنى في الحكم، تبسط سلطته حيثما شاء.

دفع عامة السوريين ثمناً باهظاً وهم تحت نير الديكتاتورية، رضخوا لظروف متساوية في السوء، تزيد أو تنقص قليلاً، تم تجهيلهم وتخريب ثقافتهم، وإفساد المستطاع من قيم وأخلاق، ليصبح من السهل إدارتهم والسيطرة عليهم عبر مافيا عسكرية وسياسية واقتصادية ودينية مقربّة تشكّل دوائر حول رب السلطة لحمايته، وانشغل الشعب المقهور بالسعي وراء لقمة العيش والشكوى إلى الله، تشغله أموره الحياتية حد قضاء نهاراته ولياليه في تأمينها.

لم يكن العلويون خارج هذا الإطار، ولم يكن ماضيهم بما فيه من الفقر والقهر والظلم مختلفاً كثيراً عما هو عليه حاضرهم، فلا هم عاشوا قبلاً في الجنة، ولم يدخلوها بعد استلام الأسد الأب للسلطة، السلطة التي نازع عليها حتى علويين وزجهم في سجونه. وما توانى الأسد الأب عن استخدام أشد الاستبداد على من يعترضه أثناء مسيرة حكمه والأمثلة كثيرة، زيارة واحدة لقرى المناطق العلوية المغيبة كانت كافية للإصابة بالذهول وفهم أن رأس السلطة قد ينتمي للعلويين لكن العلويين ليسوا السلطة؛ هم سوريون تحت خط الفقر والقهر، في قرى بعضها لم تؤمّن لها الدولة خدماتها الأساسيّة، قرى منها الفقير والمهمّش، ومنها بلا ماء ولا كهرباء ولا هاتف واتصالات، كحال غالبية الريف السوري بل أحياناً أسوأ من بعضه. هذا الوضع الذي لو شاهده أصحاب حكمة (الطائفة العلوية تحكم سوريا) سيصيبهم بالذهول، تماماً كما أُصبتُ به، فقر لم أره في حياتي في المناطق التي كنت أزورها جنوب سوريا أو ريف دمشق. في تلك القرى يبسط رجالات الأسد الأب سلطتهم ويُحكموا قبضتهم عليها، يتحكمون بمصائر أبنائها ويهبون رضاهم لمن يطيع، حيناً بقضاء حاجة ماسة، وحيناً آخر بوظيفة حكومية بائسة وغالباً ما تكون بسلك الجيش أو الأمن، متطوعون يبحثون عن عمل للخلاص من الفقر، ليس حباً بالجيش لكنه السبيل الأمثل للعمل لمن لم يتمكن من إنهاء تعليمه نتيجة الفقر. نفس الظرف الذي كان يتعرض له السوريون جميعهم، فالتطوع بالجيش والشرطة والأمن باب رزق لمن لم يتعلم وليس بين يديه مهنة، وحتى المهن لم تكن لتؤمّن سبلاً للعيش في مدن وقرى ميتة اقتصادياً.

من الصعب على مُغلق العين والقلب والعقل تصديق هذا الوضع في عهد يصر البعض القول عنه عهد ( حكم العلويين) بدلاً من القول أن رأس النظام (علوي) لكنه رأس لمافيا تنتمي لكل الأديان والطوائف والقوميات. هناك الكثير مما يُمكن أن يُحكى عن شعب تم قهره بكامله لسنوات طوال عبر كل الجغرافيا السورية باتجاهاتها الأربع من خلال الفقر والأمية والجهل والاستبداد. فقط لو يصغي السوريون لما تحمله قلوب مواطنيهم، لسمعوا حكاياتهم هم بلسان آخر، ولأدركوا أنها نسخة طبق الأصل عن قصص أهلهم وجيرانهم وأصدقائهم، لعرفوا أنهم ليسوا وحدهم في عذاباتهم وأن السوريين سواسية إلّا من رضي عنه رب السلطة فميّزه.

ليس لنا إلّا أن نواجه حقيقة أن سلطتنا المستبدة عبارة عن مافيا منتقاة، من الجنوب بسهله وجبله حتّى الشمال بجباله وسهوله، مجموعات من كل الأديان والطوائف والقوميات، تجمعها المصالح المتبادلة، تحمل نفس الأخلاقيات، دعمت ومنها من لا تزال تدعم بقاء النظام الاستبدادي، عملت ولا تزال تعمل لصالحه وصالحها، بمن فيهم من فروا من قلب تلك المافيا باتجاه النقيض؛ طائفة من الانتهازيين وشركاء المنافع، من رجالات الجيش حتى رجالات سلطة الدين وما بينهما، ينتمون جميعاً لفئة حاكمة فقدت إنسانيتها وأخلاقها من زمن بعيد، تستميت للحفاظ على مكتسباتها وبقائها في قمة الهرم، تتحكم في مصائر السوريين جميعاً، ستحارب ولو تم قتل السوريين جميعاً في نهاية الأمر، طائفة السلطة الحاكمة الممتدة جذورها وفروعها في السلطة الحاكمة كما في سلطة المعارضة التي تحمل نفس الأخلاق وتسعى لنفس الهدف.

لنستطيع أن نكون شعباً واحداً يلزمنا تاريخ واحد نكتبه سوية كما عشناه ونعيشه، نكتبه بكل أمانة وصدق، نروي فيه آلامنا الماضية والحاضرة ونحترمها، نعترف بأخطائنا دون السعي لمبررات، نحكي ونسمع، لعلنا نعبر هذا المستنقع الذي غرقنا فيه ونعيد ترميم ما شوهه نظام الاستبداد فينا، وما أنتجته طائفية وقومجية بغيضة تم إحياؤها.

كلنا ملامون، من أغلق الباب بوجه بعض سورييه وتفرغ لرجمهم، ومن خاف فتمترس خلف جدار خوف كرّسه أصحاب المعارك على السلطات. آن الأوان كي نكتب تاريخاً مشتركاً ونبني مستقبلاً مشتركاً بلا دين ولا طائفة ولا قومية، لن نجد هويتنا الضائعة إلّا بالتوقف عن نبش التاريخ الذي لا يُعوّل عليه ولا على مصداقيته، والتوقّف عن الاستماع لوسوسة الشياطين، لا خيار لنا سوى أن نكون جميعنا على قيد وطن اسمه سوريا، وطن المواطنة المتساوية.