مطار مدينة فرانكفورت- ألمانيا، موجودة للعبور لمدينة أخرى، وبعد انتظار قصير للوصول إلى نافذة ختم العبور Check in، ميلان صغير للرأس مع ابتسامة في صورة جواز السفر تثير الشكوك والقلق، لأنها لا تناسب المعايير الدولية لصور جوازات السفر التي تتطلب جديّة وحياديّة في النظرة في آن معا، بالنسبة لي الأمر في غاية الصعوبة فهويتي كأنثى لا تسمح لي بأن أكون قبيحة ولو لدقيقة واحدة، فما بالكم في صورة سترافقني لمدة لا أعلم أقصاها؛ يدقّق الشرطي في جواز السفر لأكثر من عشر دقائق، وأخيرا سأل:

هل معك نقود؟ أجيب: نعم، يطلب المحفظة… يرى فيها بعض الدولارات الأميركية، هنا المصيبة الكبرى! كيف أحمل دولارات وأنا عربية؟ أو بمعنى أدّق كيف يحق لي امتلاك الدولارات؟ شرحت له أنني قمت بتبديلها منذ مدة في مدينة بيروت، يسأل مرة أخرى: “لكنها تحمل أرقاماً متسلسلة” أنا لا أعرف ما القصد أو التهمة الكامنة في الأرقام المتسلسلة؟ لأن ما يهمني كما الآخرون أن يكون في حوزتي مال ليس إلّا، وبذلك نكون بوضع آخر مثير للشك: بيروت مدينة عربية وليست أوروبية أو أميركية لتكون عملتها الدولار! فمن أين لي هذا؟ هو لم يسأل لكن التعجب يقول مافي صدره، و لحسن الحظ كانت تقف خلفي امرأة من لبنان فأجابت بالنيابة عني وأنقذت الموقف وقالت: “نعم نحن نتعامل بالدولار وهذا أمر طبيعي في بلدنا” وبعد أن تبدّدت الشكوك وتبيّن أن جواز السفر نظامي بالرغم من الابتسامة- وأن المال ليس مسروقاً أو مزوّراً، خُتِمَ جواز السفر وعبرت المطار بمعادلة بثلاثة مجاهيل: صورة جواز سفر جميلة، نقود بأرقام متسلسلة، و بيروت مدينة عربية تتعامل بالدولار! ولا دليل للإدانة للتهم المذكورة آنفا.

الحمدالله أن الشرطي لا يملك صلاحية تتعدى حدود الختم وإلا كنا علقنا بشرح أسئلة عمر أجوبتها عشرات السنين، و اضطررنا لشرح آلية عمل شؤون الهجرة والجوازات في سوريا منذ عام 1970 وصولا لصورة جواز السفر الخاص بي، وتعليل قيام وفصول الحرب الأهلية في لبنان وصولا لهبوط الليرة اللبنانية أمام الدولار.

كيف كُسِرت الهوية السوريّة؟

 أكاد أقارب ما حصل في مطار فرانكفورت في ذات المعطيات، ذات الحالة و ذات الخوف والاضطراب مع اختلاف الأشخاص وفقر المكان على حواجز النظام في سوريا، عندما يفتح باب الحافلة أحد جنود جيش النظام و يطلب البطاقات الوطنية من المواطنين، بما يُعرف في لغة المواطن بالـ “هَوية”، وبلغة العسكر “الهواوي” أو “الهوايا” كلمتين لا معنى لهما في قواميس اللغة العربية، وفي الحقيقة أصبحت الهوية السورية على الحواجز العسكرية التابعة وغير التابعة للنظام لا معنى لها، الانكسار الأوّل للهويّة السوريّة كان مع بداية العام 2011 وبداية العام 2012 عندما نصح الشيخ “عدنان العرعور” الثوار بكسرها -البطاقة الوطنية- كشكل من أشكال التعبير عن رفض النظام الحاكم، لتصبح فيما بعد ذريعة لجنود النظام بالتمييز بين من هو معارض ومن هو مؤيد للنظام، و حجّة للذل والاعتقال الذي لا يُعرف متى ينتهي.

الانكسار الثاني

عبور البحار والمحيطات للحصول على الأمان، في أوروبا غيرها من القارات، لتصبح الهوية السوريّة أعلى سعراً في عقليّة تجّار البشر و “المهربين”، ومن قِبَل من لديه الرغبة من غير السوريين الراغبين في تغيير حياتهم لتكون جواز سفرهم إلى أوروبا.

الحاصِل وما حصَل هو أنّ السوريين عبروا البر والبحر والجو بأوراق أوروبيّة أو ماشابه ذلك ليصلوا لبر الأمان، وذلك بسبب رفض الحكومات الأوربيّة منحهم تأشيرة الدخول “الفيزا” مما اضطرّهم أن يبدّلوا في اليونان -غالباً- وجودهم من مواطنين سوريين إلى مواطنين X أو Y.

أمّا غير السوريين فدفعوا الغالي والنفيس من أجل البطاقة الوطنيّة السوريّة قبل جواز السفر السوري لأنّ هذا ما يضمن بقاءهم الحتمي في البلد الذي يريدون الوصول إليه.

ترنّح الهوية أمام الهجرة

طبيعة المجتمعات الأوروبيّة يرفضها أغلب العرب المهاجرين عمومًا و السوريين خصوصاً، ولا سيما ممّن يتمسّكون بطبيعة دينيّة أو اجتماعيّة محافظة، وفي الوقت ذاته يرفضون غالباً الاجتماع بأبناء بلدهم أو دينهم أو قوميتهم لعدم شعورهم بالراحة أو لأسباب أخرى اجتماعية منها أو سياسيّة، ورغبةً منهم بعدم الاقتراب من المجتمع الذي دفعهم للاغتراب؛ عندما وصلت أوروبا كانت أوّل النصائح الموجّهة لي هي أن أتجنّب الاحتكاك بالسوريين خوفا من الأذى أو الإزعاج أو لأسباب أخرى يرفض الناصح الإفصاح عنها، وبهذه الحالة لم يحقق السوري شروط الاندماج الاجتماعي مع المجتمع الأوروبي، ولا يستطيع أن يحافظ أو يعبّر عن هويته بالاجتماع مع أبناء بلده في اجتماعات ثقافيّة أو عائليّة، وبالتالي شكله كوافد جديد في المجتمع الأوروبي مجهول المعالم تماما، فلا هو بظرف اجتماعي يسمح له بممارسة لغته وثقافته، و لا هو متقن للغة وعادات البلد المضيف، ممّا يجعل الطرف الآخر (المضيف) يتعامل بحذر لأنّه أمام معادلة مجهولة من كل الأطراف، فعلى سبيل المثال المهاجرون الأتراك أثبتوا أنفسهم بقوة في أوروبا فلم يغيّروا عاداتهم الاجتماعيّة و جعلوا هويتهم حاضرة من خلال تصديرها عن طريق الفن أو المطاعم المنتشرة بكثرة و اندمجوا وأتقنوا لغة وقوانين المجتمع المضيف.

أمّا السوريون في غالبيتهم فيعانون من الاغتراب بكافة النواحي، مع العلم أنّنا كسوريين أبناء حضارات مختلفة ومتنوّعة وإذا صدّرنا هويتنا بالطريقة الصحيحة فغالبًا نضيف لأي ثقافة نندمج معها، وأكبر دليل على ذلك هو الإقبال الأوروبي الكبير على الموسيقى والمسرح العربي ولا سيما من المغرب وسوريا.

أمّا من جهة أخرى و التي تعتبر أحد أهم المشاكل التي يعاني منها السوريون في أوروبا هي الانشقاق الأسري، المتمثّل في حالات الطلاق والعنف الذي يصل للقتل أحياناً، كما حصل خلال الشهر الجاري عندما استفاق السوريون على جريمة “أبو مروان” الذي طعن زوجته بطريقة وحشيّة وظهر معلنا عن جريمته ببث مباشر على موقع ” الفيس بوك”، وسبقته بأشهر حادثة في السويد مع عائلة سوريّة عندما سحبت الحكومة السويديّة الوصاية منها على أطفالها، نتيجة الضرب المبرح للأطفال من قبل الوالدين، ممّا أثار حفيظة السوريين وغيرتهم على عاداتهم وتقاليدهم في التربيّة الصارمة أو العنيفة واعتبروها تعدّياً على ثقافتهم وخوفاً بأن يتعلّم أطفالهم الثقافة الأوروبية، مع العلم أنّ أغلب العائلات السورية المحافظة الموجودة في أوروبا لا تمارس ثقافتها العربيّة أو السوريّة فلا أدري أين العائق أو المشكلة بأن تتعلّم الأجيال القادمة عادات المجتمع الذي ستعيش فيه وتصبح من مكوناته الأساسية؟

الهويّة الهجينة

الشعوب العربيّة بعد أن صارعت أشكالاً كثيرة من الاحتلال وتأثّرت بثقافات جزء منها تركي وجزء منها فرانكفوني، أنتجت اضطراباً عند عدة أجيال حيال البحث عن نفسها، فلنأخذ سوريا ولبنان كمثال، فبعد انتهاء فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا لم تستطع أن تصيغ دستوراً وقوانين جديدة بشكل كلّي، بل اكتفت بترجمة القانون الفرنسي وممارسته بطريقته الخاطئة حتّى اليوم، إضافة إلى المناهج المدرسيّة التي لم تكرّس الهويّة الاجتماعية بقدر ما كرّست الهوية الدينيّة والقوميّة التي تعلّم الولاء للقائد الخالد، فعاش الشعب السوري على مدى عقود يجهل هويته و قومياته ودياناته ولغاته الجميلة المختلفة، حتى أصبح اليوم وبعد حرب داميّة، إمكانيّة مناقشة تدريس اللغة السريانيّة في برلمان النظام أمر متاح، في حين كان قبل سنوات جرماً يعاقب عليه القانون بتهمة الخيانة للعروبة، ممّا أدّى لانقطاع طويل مع الهوية الأم، والميول لتعلّم لغات أخرى كالفرنسيّة والانكليزيّة كشكل من أشكال التباهي بقدرة الفرد على تحدّث لغة أخرى.

أمّا في لبنان فالحالة أعقد، هناك تعطّش غريب لإتقان اللغتين الفرنسيّة الإنكليزيّة في تغييب شبه كامل للغة العربيّة وذلك لميل اللبنانيين بطبيعتهم إلى الغرب وذلك لاعتبارهم أن لبنان هو باريس الشرق من الناحيتين الجغرافية والثقافيّة. كذلك الأمر في المغرب العربي لكن مع فارق أن الهويّة الهجينة بين الغرب والشرق ظاهرة بأوضح أشكالها، مع وضوح ملامح كل واحدة منها.

التفكير في هذه النقطة يجعلني أتّخذ من القوميّة الكرديّة في سوريا مثالا مهماً للهوية المزدوجة إذا صح التعبير، فهي من أكثر قوميات المنطقة وضوحاً في المعالم، ويجمع الأكراد بين إتقان اللغة العربيّة وتعصبّهم للغتهم الأم، فرفضهم وحرمهم في آن معاً من حمل الجنسيات العربية جعلهم يحافظون على جمالية ثقافتهم وتميّزها، و “اللكنة” السوريّة الكردية المميزة أبرز ملامحها.

حالة الأنا

في النهاية كل شخص يحدد هويته بالطريقة والظروف الذي نشأ وترعرع فيها، لأنه بطبيعة الحال التجربة هي كلمة الفصل في تقرير الإنسان لمصيره، أنا عن نفسي أتحدّث كأنثى تشكّل حالة استفهام لدى الأشخاص المحيطين بي، فأنا عربيّة غير محجّبة تتحدث لغات بلباس قصير.

غير تقليديّة ومتمرّدة بالنسبة للمجتمعات العربيّة، لأنّني أبدي رأيي الصريح في السياسة والحريّة، ولباسي غير محافظ بالقدر المطلوب، وبالنسبة للأوروبيين امرأة محافظة لأنني أحتفظ بملامح شرقيّة شكلا ومضموناً، ولا أستسيغ فكرة المساكنة، و أحرص أن أصدّر أصولي في الدرجة الأولى، ومن ثمّ تحصيلي العلمي، لأنّي ببساطة بين يدي ثقافة تقيمني على أساس ثقافتي.

أمّا أنا شخص عربي سوري، نشأت في بيئة أقليّة دينيّة محافظة أحملها داخلي للآن، مستعدة للتأقلم والاندماج عن طريق ثقافتي و أناي بأي مجتمع كان…  وهذه هويتي.