أليست الهوية تكثيفاً للماهية؟ وإذا كانت كذلك فهذا يعني أنها يجب أن تعكس سماتها وأبعادها وعمقها، السمات التي تعكس مظهرها وتبدياته بكل وجوهه وألوانه وأشكاله، وأبعادها التي تمتد عميقا في التاريخ، مبرزة ما تركته أحداثه وصروفه من آثار تتبدى عبر صفة أو سمة أصيلة من سماتها. وأما عمقها فهو يبرز طبائعها النفسية والاجتماعية التي انتهت إليها.

الهوية هي بطاقة التعريف التي يفترض ألا تحتمل التأويل والتفسير لأنها الدلالة الواضحة على الشخص، الكينونة أو الكيان.

الهوية السورية مصطلح بحاجة إلى تعيين وتحديد يأخذان التاريخ والجغرافيا بعين الاعتبار، ويستدلان باللغة والثقافة والمحمول النفسي وما تركه هذا كله من أثر على هذه الهويّة، تعيين وتحديد يفضي إلى فهم موحد للموضوع درءاً لكل غموض أو التباس أو سوء فهم.

كانت سورية تعني الهلال الخصيب كاملاً حتى تاريخ سقوط بابل عام ١٢٩ ق .م بيد البارثيين. بدأ مع هذا التاريخ التحول في معنى المفهوم التاريخي\الجغرافي لكلمة “سورية”، وأخذت تدل على المنطقة التي بقيت بيد السلوقيين، أي ساحل المتوسط. وفي عهد الروم قام اغنايوس بومبيوس ماغنوس بضم سورية إلى الجمهورية الرومية عام ٦٤ ق.م وأعلنها مركزاً للإمبراطورية الرومانية في الشرق. وحافظ هذا المفهوم الجغرافي على دلالته حتى مطلع القرن العشرين؛ فمع اتفاق سايكس–بيكو حدث تغيير جديد في دلالة هذا المفهوم أي “سورية.” إ اقتُطع منها فلسطين ودولة لبنان وما سمي بشرق الأردن كيليكيا ولواء الاسكندرون. وها نحن اليوم وفي العام السابع للأزمة السورية نرى احتلالات متعددة على الأرض السورية من “إسرائيل” في الجولان إلى تركيا في اللواء قديماً وفي جزء كبير من الشمال حديثاً إلى تواجد قوات عسكرية لدول كبرى وإقليمية متعددة في مناطق متعددة من الجغرافيا السورية.

على الباحث أن يتجنب الاستسلام لرغباته أو أحلامه، أو أن يتكل على مسلماته الشخصية. هو معني بالغوص عميقاً لكي يحيط بالشخصية السورية ويكتشف أبعادها وتبديّاتها التي تظهر من خلالها في الواقع.

من أهم الأسئلة المطروحة اليوم، هو عن أية سوريا نتحدث؟ هل عن سوريا قبل ٣٠٠ ق.م أم عن سوريا بعد٣٠٠ م؟ هل عن سوريا الهلال الخصيب أم بلاد الشام أم سوريا الحاضر أوائل القرن ٢١؟

هل من يحدد الشخصية السورية هو ذلك الناطق بالعربية أو الناطق بالسريانية أو الآرامية؟ هل هو العربي أم الآشوري؟ أليست سوريا كأرض وجغرافيا أقدم من كل ساكنيها؟ أليس سكنهم وعيشهم فيها هو الذي أكسبهم الصفة السورية؟ ألم تعش العديد من اللغات وتستخدم في سوريا إلى أن تمت الغلبة للعربية بحكم التطور والاصطفاء؟ أليست العروبة سمة صبغت وشكلت بثقافتها وباللغة العربية الإنسان السوري؟ أليست سوريا هي موطن العربية؟ أكثر من ذلك أليست الأرض السورية هي موطن العرب؟ وأخيرا أليست الأرض السورية هي المكان الذي منه انطلقت المدنية؟ وفيه عاش أو عاشت أقوام مختلفة جنباً إلى جنب لآلاف السنين حيث انصهروا في نسيج واحد وثقافة واحدة وحملوا تاريخاً مشتركاً؟ ألم تختلط دماؤهم في ري هذه الأرض وهم يدافعون عنها، كما اختلطت بالتزاوج لتنتج أجيالا جديدة ومتجددة؟ أليس هذا هو التاريخ السوري؟

بهدوء وثقة يمكن القول أن السوري هو من ينتمي بالولادة والحياة والولاء لسوريا الجغرافيا والتاريخ. وانطلاقاً من الجغرافيا السورية التي سنضيف إليها الصيرورة والسيرورة التاريخيتين لسكانها، سنجد أن العربية لغتها والعروبة هوية وثقافة لها. وسيجمع على ذلك كل سوري: العربي، والآشوري والسرياني والمسلم والمسيحي وما عدا ذلك. قد نجد بعض الاعتراضات هنا وهناك لكنها لا تذكر.

وسنرى أن هذه الهوية المنجزة على المستوى النظري تاريخياً وواقعياً غير منجزة على الصعيد العملي، حقوقياً وسياسياً. ويمكن تفسير ذلك وإرجاعه إلى الفتن الدينية والمذهبية والعرقية التي كانت تتسبب فيها سياسة الحاكم واستبداد السلطة والعامل الخارجي الذي كان دائما يضع سوريا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي في أولوية أهدافه. وهذا الأمر لا يزال قائما إلى اليوم. أمر آخر حال دون أن تتحول هذه الهوية إلى واقع منجز هو عدم تشكل دولة وطنية: دولة مؤسسات، دولة قائمة على عقد اجتماعي ودستور ناظم وقوانين مستمدة منه، وتشريعات معتمدة عليه.

وكما في الماضي كذلك هو اليوم. إن ما عطل وأخر وخصى مشروع الدولة هو السلطة الاستبدادية. التفرد بالسلطة وحكم الحزب الواحد الذي أقصى الجميع  مجتمعاً وقوى سياسية) عن أن يكونوا منخرطين وفاعلين في الدولة. وهذا ليس مقتصراً على سوريا بل هو يطال دولا عربية أخرى كثيرة.

لقد كان لتدخل العسكر بالحياة السياسية عبر الانقلابات بدءاً من انقلاب حسني الزعيم عام ١٩٤٩ أثر كبير في الحياة السياسية. فهو وإن أعطاها زخما، وأذكى الحالة العامة حماساً إلا أنه ومع الوحدة السورية المصرية التي حلت الأحزاب بداية، تم التأسيس للقمع وتدخل الأمن وسيطرة الحزب الواحد على العمل السياسي، الأمر الذي سيتبدّى جلياً للعيان بعيد استيلاء وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد على السلطة في سوريا عام ١٩٧٠ م.

وإذ كانت العربية هي اللغة والثقافة الإسلامية السائدة بفعل الدور الكبير الذي لعبه الدين الإسلامي كمرجع روحي وأخلاقي وتشريعي وعقيدي لغالبية السكان، وبفعل التراكم التاريخي، فإن هوية عربية الملامح إسلامية الثقافة متفاعلة ومتعاضدة مع كل الموروث الديني والثقافي والحضاري لمنطقة بلاد الشام، برزت واضحة وجلية، بحيث أن زعيماً عربياً كعبد الناصر وحزباً قوميا كحزب البعث وظفاها وأبرزاها كل بطريقته ليتشكل ما سمي في حينه المد القومي الذي طرح الوحدة العربية كشعار له. وبقدر ما لعبا دوراً مهماً في إبراز هذه الهوية، كان حكمهما والسلطة التي مارساها، والاستبداد الذي عمماه، هي التي شوهت هذه الهوية من جهة، وساهمت في خلق أعدائها من جهة أخرى. وإذا أضفنا التغييب المتعمد للفكر والمفكرين، وللثقافة والمثقفين، وللناس عموماً عن الانخراط في الحياة العامة وعن ممارسة النشاط السياسي، نكون قد شخصنا جزءاً كبيراً من إشكالية الهوية والوعي في سوريا كما في البلدان العربية الأخرى.

إن صعود الفكر القومي عبر أنظمة الحكم المتمثلة بعبد الناصر والبعث ورغم التجاذب الكبير بينهما، أسس لهوية عربية تحددت ملامحها. وعندما نقول عربية فنحن نعني هوية قامت على فكرة العروبة الثقافية والحضارية المتكئة على التراث والثقافة الإسلاميين. ولكن الاستبداد الذي رافقهما، وتغييب المجتمع، وعدم السماح للمجتمع المدني بالتقدم والتطور الذي يكفل له قدرة الدفاع عن الهوية واغنائها؛ وعدم الالتفات إلى التأسيس الحقيقي للدولة الوطنية القائمة على عقد اجتماعي ودستور ومؤسسات تحميهما، هو الذي قاد في النهاية ليس إلى فشل المشروع القومي فقط، وإنما إلى خلخلة الهوية وضعفها بحيث لم تتطور إلى مستوى ناضج وواضح ومستقر.

هنا لا يمكننا إلا أن نعرج على الدور السلبي للقوى الدينية وفكرها وممثليها السياسيين، سواء عبر الوهابية أو من خلال تنظيم الإخوان المسلمين، الذين لم يقتصروا على مناكفة الفكر القومي ومشروعه فقط بل وصل الأمر إلى حد طرح هوية بديلة، قائمة على الفكر الديني وخاصة السلفي منه. لقد طرحوا الهوية الإسلامية وعملوا على محاولة فرضها على المجتمع سياسياً من خلال مبدأ الحاكمية وفكرياً من خلال الفكر الإسلامي ( القرآن والحديث) كمرجعية وحيدة للتشريع. ولا يخفى أننا بتنا أمام طرفين يمارسان الإقصاء: الفكر القومي من جهة والفكر الإسلامي من جهة أخرى. وإذا أضفنا إلى هذا كله قصور وعجز الفكر الماركسي ومعه الليبرالي عن إثبات نفسيهما وعدم قدرتهما على التأسيس لتواجد فاعل ومستمر في ضوء الممارسات التي مارسها خصومهما، ندرك إلى أي مدى نحن بعيدون عن نضوج الهوية وتخلقها النهائي بحيث تصبح سمة دالة وواضحة المعالم بذاتها.

من الصعب على الشعب السوري، بعد هذه السنين السبع من حرب دمرت كل شيء، أن يستطيع الاتفاق أو التوافق على هوية واحدة واضحة ومتماسكة. بل ومن الظلم أن يطلب منه ذلك. لأن المخيّر بين الموت والحياة، سيختار الحياة ولن تهمه طبيعة المكان ولا المناخ السائد فيه بل قدرة هذا المكان على تأمين استمراريته في الحياة والعيش الآمن الذي يوفره له. بهذا المعنى، فإن طبيعة الهوية سيحددها واحد من أمرين: إما التوافق، وفي هذه الحالة ستكون هوية مؤقتة، ولظروف انتقالية؛ أو الفرض اعتمادا على مبدأ القوة والغلبة. وهنا ليس لنا أن نتيقن كثيراً من قدرتها على الاستمرار والتوضع النهائي.

إن الاختيار (ونحن هنا لسنا في موقع المفاضلة أو الاختيار) بين دولة علمانية ودولة تعتبر الدين مرجعية لها، وفي وضعنا الراهن هو شرك خطير وقد يكون قاتلا لأن من شأنه أن يؤدي إلى إقصاء طرف ويحوله إلى خصم مناكف، مثابر ومعاند، مشتت للجهد ومعيق للتقدم. قد يقول قائل إن هذا يصح في الدولة الدينية، لكن المنطق يقول إن النتائج ستكون واحدة لأي من الخيارين، ولسبب بسيط، وهو أن الدول إنما تبنى بالإنسان، أداتها الرئيسة كما موضوعها هو الفرد الإنساني، أي المجتمع، وعندما يكون نصف أو ثلث أو ربع هذا المجتمع – لن أقول معادياً–  بل مشلولاً، ماذا ستكون النتيجة؟ إعاقة بامتياز!

إن العيش المشترك بين مختلفين قد لا يقود بالضرورة إلى التشارك والمشاركة الكلية، ولكنه سيقود إلى التشارك أو المشاركة في أشياء عديدة. هذه العملية التطورية عبر التاريخ، ومن خلال التراكم، هي التي تشكل الهوية أو الهويات في منطقتنا، وفي سوريا خاصة، لم تنته هذه الصيرورة. يمكن القول إن الهوية السورية الموغلة في القدم، والتي كانت موطناً للعرب وللعربية مذ انتشرت هذه الأخيرة لتحل محل الآرامية والسريانية، قد عرفت نوعاً من التطور اللافت مع الفتح الإسلامي وما تلاه من انتشار للإسلام وما عرفته من قدوم تلاه توطن واستقرار للفرس والروم ومن ثم المغول والأذريين والشركس والترك والكرد والديالمة وغيرهم.

إذن يمكن القول إن هذه الهوية السورية– التي استقرت على العربية لغة، والثقافة الإسلامية فضاء مع حفظ والتمسك بـ: حق الديانات والمذاهب وأي تنوع حضاري آخر بالوجود والاستمرارية– قطعت شوطاً بعيداً في اكتساب ماهيتها المتفردة وكينونتها الخاصة، وليس أدل على ذلك من رد فعلها التلقائي والمقاوم لعملية التتريك التي قام بها العثمانيون. و ينبغي التنويه، على سبيل الملاحظة والتذكير، إلى الدور الذي قام به مسيحيو المنطقة، وكذلك إلى دور العديد من الشخصيات ذات الأصول غير العربية من كرد وغيرهم.

مع كل هذه الأقوام التي سكنت البلاد وعمرتها وامتزجت مع أبنائها تزاوجا وعيشا ولغة، سنجد أن الكثير من البثور والنتوءات ستطفو على السطح هنا أو هناك، أو ربما بقيت مختفية تحته منتظرة اللحظة المناسبة لتبرز من جديد، وهل هناك ظرف، أو بيئة أكثر ملاءمة من البيئة التي لازمت الأزمة السورية وما رافقها من تحريض وتجييش وإقصاء وقتل وتدمير؟

إن عملية الصهر أو الانصهار هذه وان تمت، إلا أنها لم تصل بعد مداها. في هذه الهوية الكثير من صفات العناصر التي شكلتها تاريخياً ولا تزال تشكلها إلى اليوم. وهي إذ حسمت مسألة اللغة والفضاء الثقافي والحضاري وحصرتهما بالعربية لغة وبالثقافة والحضارة الإسلامية فضاء، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى العديد من التعيينات اللونية الخاصة بها، كما هي بحاجة إلى تعيينات أخرى تتعلق بدور العقل وموقعه، ودور الدين وموقعه، ودور الإنسان وموقعه، وجملة الأهداف والغايات الأخرى التي تتطلع إليها.

إن من حق أبناء هذه الهوية أن يشعروا بالفخر لأنهم خلاصة هذا التلاقح والانصهار التاريخي الذي حصل على أرضهم وفيها. والى أن تتعين وتتحدد من حقها على أبنائها أن ينظروا إلى المستقبل بثقة تاركين الماضي للتاريخ والباحثين فيه.