وأطلَّت علينا القرون: عن الحب والموت

By |2021-06-22T14:53:48-04:0025 February 2021|Article, Culture, العربية|

يتحدّث فرويد عن دافع الحياة (سمّاه «إيروس» تيمّنًا باسم إله الجنس الإغريقيّ)، وعن دافع الموت (سمّاه مريدو فرويد «ثناتوس» تيمّنًا باسم إله الموت الإغريقيّ). ولكنّ إيروس ليس دافعًا للحياة تمامًا، بل هو أقرب إلى دافعٍ للحب الذي يؤسِّس بدوره للتّناسل الذي يضاعف الحياة؛ وليس ثناتوس دافعًا للموت في ذاته، بقدر ما هو دافعٌ مُبهَمٌ إلى العنف والتّدمير اللذين يؤسّسان بدورهما للزّوال أو الإبادة التي تُرسِّخ الموت. كانت المفارقة الفرويديّة الصاعقة هي أنّ هذين الدافعين متلازمان بالرغم من تناقضهما، وبأنّ تلازمهما وتضادّهما هما اللذان يجعلان البشريّ بشريًا، أو ربّما كانت جدليّة التّلازم والتّضاد هي ما تجعل البشريّ بشريًا محكومًا بدافعٍ مزدوج للحياة وللموت، للحب وللموت، للحب في الموت، وللموت في الحب. لعلّ كلام فرويد ردٌّ أو تطوير متأخّر على طرح الفيلسوف الإغريقيّ قبل-السقراطيّ إنباذوكليس الذي يُضيف إلى العناصر الأربعة الأساسيّة (التراب، الماء، الهواء، النار) المُكوِّنة للكون قوَّتَيْن أساسيّتين هما: الحب (أو الوئام) والصّراع (أو النّفور). يكون الكون حين تتآلف هذه العناصر (كلّها أو بعضها) بنسبٍ دقيقة، ويكون الفساد حين تتنافر تلك العناصر، وتكون تغيّرات الكون (والبشر) تبعًا لاختلاف نسب تآلفات هذه العناصر أو تنافراتها. تمثَّل تطوير فرويد في دمج قوَّتَيْ التآلف والتّنافر دمجًا لا انفصام فيه، بحيث بات الموت وجهًا آخر للحب أو الحياة، لا نهايةً لهما. بل ربّما كان الموت – بمعنى من المعاني – شرطًا أساسيًا لاكتمال الحب. هذا ما يقوله فرويد، أو بالأحرى هذا ما فهمتُه من كلامه المعقَّد. لم يفهم أحدٌ فرويد، ولعلّ الوحيدين الذين فهموه هم الذين لم يقرؤوه. ما من مكان لليقين حين نحاول تأويل كلامه، بالرغم من أنّه يكتب بيقين إلهيّ. ليس لنا إلا «ربما»، و«لعلّ»، و«أحسَبُ»، و«أظن»، ومثيلاتها حين نحاول استثمار نظريّاته تطبيقًا. وكذا الأمر بالنّسبة إلى صديقنا إنباذوكليس الذي كان وما زال موضعًا لجدالات لا تنتهي بين الشرّاح والمفسّرين. لعلّ مكمن عدم فهم كلام فرويد يعود إلى أنّه يناقش متاهةً معقدةً لا سبيل إلى فهمها، وهي النّفس البشريّة. أو ربّما كان سببُ انتفاء اليقين أنّ فرويد (والفلاسفة قبل-السقراطيّين عمومًا) يكتب أدبًا لا علمًا، مع أنّه يقدّم طروحاته بوصفها علمًا. يصطفل فرويد! هو يكتب أدبًا حتّى لو أنكر، وحتّى لو (بالأحرى، بالرغم من أنّنا) لم نفهم كلامه. الأدب لا يُفهَم بل يُحَس، يُتذوَّق. ولذا كان الانتشار الأكبر لطروحات فرويد والإغريق في الأدب، حيث حلبة صراعات النّفس البشريّة، وحيث يتجاور الوئام والتّنافر، وحيث يتّحد الحب والموت.

اتّحاد الحب والموت في الأدب؟ روميو وجوليت حتمًا. قصّتهما أشهر قصة حب في تاريخ الأدب، ويعرفها حتّى مَنْ لم يقرأ مسرحيّة شيكسپير. سنخسر كثيرًا لو لم نقرأ المسرحيّة، ولكنْ لن أعاود اليوم تشديدي على الهوس الحميد بشيكسپير، ولنمرّ مرورًا سريعًا على القصة. لعلّ سر شعبيّتها الجارفة هي موت عاشقين قبل أن يبلغا النّهاية السعيدة، ولعلّ شعبيّتها هي أنّهما لم يبلغا تلك النّهاية. لا شعبيّة ولا لذّة ربّما للقصص السعيدة. إنّنا مخلوقون للّوعة ولملاحقة الفجائع، وكأنّه ضربٌ من ضروب التّطهّر الذي لا بدّ منه كي نتحرّر من فائض الأسى. ولكن لعلّ سر الشعبيّة يكمن أكثر في كون العاشقين فتيّين، طفلين لو طبّقنا معايير زمننا اليوم، ولذا كان الموت أقسى لأنّ الموت ليس للأطفال، وليس للأطفال العشّاق بطبيعة الحال. ولكنّه لهم كما «يبشّرنا» شيكسپير، وقافلةٌ طويلةٌ من الكتّاب. على أنّ التطهّر لن يكون إلا تنفيسًا عابرًا حين نقرأ القصة بوصفها قصة حب فقط. لا يكون الموت إلا حين تنتهي الحلول كلّها، ولعلّ أسانا يتضاعف على العاشقين الصغيرين لأنّهما عبثا بالموت كما لا ينبغي لهما أن يفعلا، فاختطفهما الموت بعد نهاية اللعبة، وبقي كلُّ ما عداه. بقيت الحياة كلّها، حياةٌ ضيّقة في بلادٍ ضيّقة في عالمٍ ضيّق في كونٍ ضيّق. بمعنى ما، بقيت الحياة التي تشبه الموت، والتي تُمهِّد للموت، والتي تُغلِق المنافذ الأخرى كلّها باستثناء تلك المفضية إلى الموت. ليست قصة موت حبّ وحسب، بل قصة موت بلاد، إذ ما معنى البلاد التي تقتل أطفالها لأنّهم أرادوا الحب؟ سيكبر الأطفال ويُقتَلون لأسباب كثيرة في البلاد ذاتها، ولكنْ ستبقى اللوعة أكبر حين يكون القتل بسبب الحب، لأنّه أكبر الخطايا السماويّة والأرضيّة على السواء. قد يبدو الكلام غريبًا، ولكنْ فلنتأمّل مصائر الحب عبر العصور مع تقلُّب الديانات والحضارات والهمجيّات. هو الثابت الوحيد في المعادلة المتغيّرة. هل نبدأ بآدم وحوّاء؟ لعلّها ليست قصة حب بدقّة، ولكنّها قصة إيروس نموذجيّة: الجنس الذي يُفضي إلى العقوبة. الشعراء؟ كلّهم رجيمون في مجتمعات العادة السريّة، ولا يُحتَفى بهم إلا بعد موتهم، كي يصبحوا دليلًا آخر على «الزمان الجميل» الذي مضى. حتّى الشعراء «العفيفون» لم ينجوا من الملاحقة والإقصاء، ولن ينجوا حتّى لو عاشوا اليوم إذ ستُرفَع عليهم دعاوى «قذف أعراض»، وسيُحجَر عليهم. ليس إيروس إلهًا للجنس فقط كما ظنَّ الإغريق، بل هو إله للحب كلّه، جنسيًا كان أم عفيفًا؛ إنْ افترضنا وجود حب عفيف. لعلّ قائلًا يقول إنّ الدنيا قد تغيّرت، وذاك زمان ضيق الأديان لا اتّساع الحضارة وجموحها، قبل عودة التعصّب اليوم، ثمّ يمصمص شفتيه تحسّرًا على العقود الماضية التي كانت أكثر تحرّرًا. أين زمن السينما الحرّة، والشوارع الحرّة، والأدب الحرّ، وسبعينيّات وثمانينيّات وتسعينيّات التحرّر؟ أو، ربما، يا لجمال البلاد الحرة التي يُحتفى فيها بالحب بلا قيود وبلا تحفّظات. نعم، الحب الحر جميل ويستحق الاحتفاء، ولكن بشرط أن يكون بعيدًا، أن يكون خارج نطاق المنظومة التي تحكم حياتي التي أتفنّن في فرض حدودها وقيودها. نضع لايكًا باطمئنان على أيّة قصة حب بعيدة، ولكنْ ماذا لو كانت داخل حدودي؟ ماذا لو كان المحبوب من طائفة أخرى، أو دين آخر، أو عِرْق آخر أو لون آخر؟ ماذا عن المثليّة؟ ماذا عن المساكنة بلا زواج؟ سنبدأ حينها في ابتكار تعريفات جديدة للحب تُفضي كلّها إلى نتيجةٍ بسيطة واحدة: الحب هو ما أُعرِّفه أنا، أنا وحدي، حبًا؛ وكلُّ ما عداه هرطقات أُهلِّل لها حين تبقى بعيدة، أو حين تُدفَن. ولعلّ أعظم فنوننا البشريّة هي المراثي، واللطم، والتحسّر على ما فات. فلنبدأ من السبعينيّات إذن، ولنر كيف كان الحب ملاحقًا وملعونًا حتّى في سنوات ذلك العقد المتحرّر، ولنر أيضًا أنّ درس شيكسپير وفرويد درسٌ أزليّ لم ندرك مغزاه بعد: لا منجى للحب إلا بالموت، أو فيه.

بعد ذهاب سَكْرة الانتصار في حرب أكتوبر 1973، جاءت فَكْرة الحياة بعد الانتصار في مصر السادات. كان لا بدّ للسادات من تحطيم كلّ إرث جمال عبد الناصر، ولذا بدأ عمليّة «الانفتاح». لا، لم يكن انفتاحًا سياسيًا أو اجتماعيًا، بل انفتاحًا اقتصاديًا سيُمهِّد لظهور الطبقة التي ستبلغ مجدها في تسعينيّات حسني مبارك، وإنْ كانت قد بدأت إرهاصاتها الأولى في زمن السادات؛ طبقة مُحدَثي النّعمة (أو «القطط السِّمان» كما راجت التسمية في الصحافة المصرية) الذين أثْرَوا بعد انفتاح مصر أمام المشاريع الخليجيّة ورفع القيود الاقتصاديّة التي كانت تمثّل صمّام الأمان في وجود طبقة وسطى ستبدأ بالتّلاشي سنة إثر أخرى. شرعتْ الهوّة الطبقيّة بالاتّساع وبدأ طوفان ردود الفعل الاقتصاديّة من نظريّات تُهلِّل وأخرى تُعارِض. ولكنْ بعيدًا من ضجيج السياسة والاقتصاد، كانت هناك عينٌ حاذقة تراقب بصمت، من طاولة مقهى شهدت مراقبات وتأمّلات لا حصر لها طوال قرابة نصف قرن. كان نجيب محفوظ، ابن السابعة والستّين آنذاك، صامتًا مراقبًا كعادته عام 1978، حين بدأت أطياف قصة جديدة تراوده. كانت قصة مباغتة حتّى لمتابعي مسيرة محفوظ القصصيّة الدؤوبين، وهم قلّة قليلة بالمقارنة مع متابعي الروايات الذين كانوا ما يزالون، وقتذاك، يواصلون إعادة قراءة الحرافيش التي أصدرها الأستاذ قبل عام. لم يكن محفوظ ابنًا للقصة القصيرة، ولم يكتبها كتابةً جديّةً إلا في الستينيّات، ولكنّه عوَّض تأخّره ذاك بسلسلة عظيمة من المجموعات التي بدأت بـ دنيا الله (1965)، وبدتْ وكأنّها انتهت بـ الجريمة (1973)، حين عاودَ محفوظ غوصه في روايات متلاحقة كالرصاص في السبعينيّات. ولكنّ الأستاذ كان يتأمّل ويهيّئ رصاصته الجديدة في القصة هذه المرة: قصة «الحب فوق هضبة الهرم» التي نشرها في مجموعة بالعنوان ذاته عام 1979، التي واصلَ فيها حفره في جنس القصة الطويلة التي نوّع فيها لاحقًا ليكتب نوڨيلات لا تقل أهميّة وجمالًا عن رواياته الأطول. لم تكن قصة شيخوخة، إذ سيترك تلك التأملات الرهيفة لعقدَيْ الثّمانينيّات والتّسعينيّات. كانت قصة عن شاب يصغر محفوظ آنذاك بأربعين عامًا. لعل هذا لا يشكّل مفاجأة كبيرة إذ يمكن أن نتوقّع أيّ موضوع من محفوظ غزير الإنتاج، متنوِّعه، حتى لو كانت قصة تٌشرِّح بدقّة متناهية عالم الشّباب الذي غادره محفوظ قبل عقود. هي قصة عن شاب يعاني أزمة جنسيّة. مرةً أخرى، ليس هذا بمستغرب عن محفوظ الذي سبق أن كتب رواية السراب التي كان فرويد سيرقص لها طربًا لو عاش وقرأها.

اللافت في حكاية علي عبد الستّار بطل قصة «الحب فوق هضبة الهرم» أنّها تبدأ بافتتاحيّة صاعقة: «أريد امرأة، أيّ امرأة. … الجنس أصبح محور حياتي وهدفها. انقلب وحشًا ذا مخالب وأنياب. قوّة مطارِدة مهدِّدة»، لا تشبه أيّة افتتاحيّة من افتتاحيّات محفوظ التي تميل في الغالب إلى البدء بتوصيف عموميّ للسماء أو الشمس أو المكان، من دون استثناء الافتتاحيّة الأشهر في رواية ميرامار: «الإسكندريّة أخيرًا. الإسكندريّة قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع». يفتتح محفوظ القصة برمينا مباشرةً في الحدث، ويواصل نبشه لعالم الشخصيّة الداخليّ في مقطع كامل، قبل أن يعود بنا إلى عالمه المألوف في المقطع الثاني حين يقدّم الشخصيّة مرةً أخرى تقديمًا محفوظيًا تقليديًا. يبحث علي عبد الستار عن امرأة ليُطفئ رغبته الجنسيّة المستعرة التي لم يروِها يومًا، وقد بلغ السادسة والعشرين. شابٌّ مصريّ عاديٌّ، شاء له عبث الأقدار أن يولد مع ثورة 52، ويعي الحياة مع هزيمة 67، ويشبَّ في زمن انفتاح السادات. على أنّ ذلك الانفتاح لن يشمله لأنّه مجرد موظف صغير زائد عن الحاجة، فرد من جيل سيتضاعف في العقود التالية ليشكّلوا جيش البطالة المُقنَّعة التي اجتاحت نظام البيروقراطيّة العتيد. يجد عليّ سلوانه في التّجوال في الشوارع. هنا بالذات نلتقط براعة محفوظ، وهو المشّاء العظيم، في التقاط نبض الشارع المصريّ في السبعينيّات، بعينِ الشّباب وحكمة الشيوخ وحنكة الحكّائين الكبار. عليّ مرآة لذلك الشارع، أو ربّما كان الشارع مرآة لعليّ. شيخوخة قبل الأوان، وتوتّر نَزِق ينفجر مع أبسط استفزاز، لأنّ ذلك الشارع وسكّانه محكومون بالكبت على اختلاف وجوهه: كبت سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ، من دون استثناء الكبت الجنسيّ الذي سيتضاعف مع تلاحُق مشاهد العري في الأفلام التجاريّة التي بدأت تكتسح السينما، ومع تعاظم مظاهر الثراء الفاحش الذي بدأ يترسّخ. شارعٌ كهذا لا يليق إلا ببلاد تقوم مقام صالة ترانزيت يولد فيها المرء ويعيش لهدف أوحد: السفر إلى الخارج للعمل في أيّة مهنة، باختصاصه أو بغير اختصاصه. السفر الذي يعني الهرب من الجحيم، الهرب من مستنقع الرتابة الخانقة المترافقة مع الفقر والبؤس والحرمان، ومع أقنعة الطبقة الوسطى، الأقنعة التي بدأت تبلى وتتفتّت شيئًا فشيئًا، قبل الانزلاق إلى هاوية الطبقة المسحوقة التي ستشمل الجميع. دوّامة ستلتهم البلاد كلّها، ولن ينجو منها إلا الأثرياء الذين يمتلكون مفاتيح تنفيس الكبت. أما جيل علي عبد الستّار فسيعيشون على العادة السرية، لا في الجنس وحسب (إذ يحتاج هو أيضًا إلى أموال، أكان جنسًا شرعيًا أم غير شرعيّ)، بل في كلّ تفاصيل الحياة. كان يمكن لجيل أسبق أن يُفرِغ كبته في السياسة، حيث الزعيق والشجارات والدّسائس، ولكنْ ما الحل لدى جيل يُدرك أنّ السياسة باتت تعني طريقًا أوحد: الاعتقال؟ ليس له إلا الشارع كي يُنفِّس كبته فيه، من دون إدراك أنّ هذا التّنفيس سيُفضي إلى تضاعف الكبت قبل الانفجار.

تنقلب حياة عليّ حين يرى رجاء، وهي زميلة جديدة ستشاركه البطالة المقنّعة والأحلام المجهضة والكبت. كانت رجاء في البداية الموضوع الذي تكثَّف فيه كبت عليّ كلّه، إذ بدت تجسيدًا لكلّ النّساء، وطيفًا واضحًا يبرز من داخل العماء الذي كان يطوِّقه في لحظات الاستثارة. ولكنّها ستصبح الحبيبة والشريكة الحقّة في دنيا الجنون تلك. يُمهِّد محفوظ لظهور رجاء بعبارة يردّدها عليّ بتكرار في المقاطع المتلاحقة: «ما هذه البهجة المنعشة؟». تبدو العبارة مثل لازمةٍ موسيقيّة تضبط إيقاع السّرد وإيقاع مشاعر عليّ وإيقاع علاقة الحب مع رجاء في آن. تغيب اللازمة حين تعرّضت تجربة الحب لانتكاسة مبكّرة، وما لبثت أن عادت حين عاد الوصال، من دون أن يتخلّى عليّ (ومحفوظ) عن هوايته الأثيرة في مراقبة الشارع واستشعار نبضه الخفيّ، حين يتلمّس عليّ تفاوت السرعة بين إيقاع الحياة البطيء في الشارع، وإيقاع الأيام التي تنهب الزمن بسرعةٍ خارقة، مضاعِفةً نسبة الضغط والكبت الذي بدأ يولِّد انفجاراته التي دوَّنها محفوظ بعينه التي لا تخيب: «في تلك الأيام تابعتُ بإعجاب مغامرات الإرهابيّين في الصحف. إنّهم ينفجرون في أركان البلد معلنين عن نبض جنين ينمو في رحم الغيب». وضع محفوظ إصبعه بذكاء على التيّار الذي سينحت الدّمغة الأكبر على أيام العقدين اللاحقين اللذين بدآ باغتيال السادات، قبل أن تلحقه عمليّات اغتيال كثيرة طوال عقدين تقريبًا. لم يكن الغيب غيبًا إذن، بل كانت النتائج شديدة الوضوح والفجاجة، بالرغم من أنّ عينَيْ زرقاء اليمامة المحفوظيَّتَيْن لم تُدركا أنّ جحافل تلك الأشجار الغامضة المرعبة ستنسف الجميع، أكانوا من أنصارها كالسادات أو من مراقبيها الصامتين مثل محفوظ نفسه، وربّما كان عليّ سيصبح من ضحاياها لاحقًا. لا يضع محفوظ نهايةً بعيدةً لقصة عليّ، بل يركّز على أواخر عقد السبعينيّات، وعلى السنة التي شهدت علاقة الحب. سنة كأيّة «سنة نجيبيّة» أخرى، لا صيف فيها، إلا حين يشهد انتكاسة الحب كما كان يشهد التوقّف الموقّت عن الكتابة بسبب الحساسيّة التي تَحكُم حياة محفوظ. تبدأ بوادر قصة الحب شتاءً، ثم تتفتّح ربيعًا، قبل أن تنقطع صيفًا، ومن ثمّ تُعاوِد مسارها الدافئ القديم في الخريف الذي سيُنهي الحكاية، أو ربما سيُنهي هذا الفصل من الحكاية التي لم تنته فصولها إلى اليوم.

ربّما كان محفوظ يريد التهرّب من الرقابة، أو تخفيف وطأة القصة، حين جعل البطلين يسعيان إلى تتويجٍ شرعيّ لقصة حبّهما عبر الزواج. غير أنّ هذا التّفصيل ليس مهمًا في ثنائيّة البلاد والحب، لأنّ النّتيجة هي ذاتها: ستبقى البلاد تلاحق الحبّ وكأنه طاعون لا بدّ من وأده. هذا ما نجده صراحةً على لسان الشرطيّ الحارس لهضبة الهرم حين يرى بوادر حبٍّ بين شاب وفتاة: «متزوّج أو غير متزوّج، لا يهمّ». يهرب العاشقان اللذان تزوّجا سرًا إلى الهرم كي يختلسا لحظاتٍ شحيحةً من الحب، بعد أن لاحقتهما سياط الأعين في الشوارع وفي الفنادق. ثمّة من يجرؤ على الحب وعلى الجنون، ولذا كان لا بدّ من إرهاقهما في ملاحقةٍ لاهثةٍ إلى أن يعودا مواطنين صالحين مكبوتين، أو يهاجرا إلى دنيا أخرى تلاحقهما بحدودٍ وقيودٍ جديدة، أو يهربا إلى الموت. يلتقط محفوظ المفارقة اللاذعة حين يومئ إلى أنّ المكان الوحيد الذي يمكن لك فيه اختلاس الحب هو منطقة الأهرامات التي ما هي إلا مقبرةً؛ نعم، مقبرة ملوك، ولكنّها مقبرة أخرى في نهاية المطاف. وكأنّ التّلاحم بين الإيروس والثّناتوس يصل إلى أقصى درجاته في تلك اللقاءات السريعة المختلسة التي لا شاهد فيها إلا الأشباح: أشباح الملوك الموتى، وأشباح العشّاق الآخرين الهاربين من جحيم البلاد. لا يفكّر عليّ أو رجاء بهذه المفارقة لأنّ كلًا منهما منشغلٌ بأفكاره الخاصة: يبتهج عليّ لأنّ الجنيه الذي تقاضاه الشرطيّ، حارس الموت وخفير الحب، «أرخص من الفندق بما لا يقاس»؛ أما رجاء فتذوب من العار الذي تدرك أنّه سيحكم حياتهما إلى حين موتهما أو هربهما من دوّامة الموت-في-الحياة تلك. تتضاعف سذاجة عليّ حين يحاول التّخفيف عن رجاء والاعتذار لها وطمأنتها بأنّ كلّ ما يحدث هنا والآن استثنائيّ وموقّت، وسيكون محض ذكرى مضحكة يومًا، غير عارفٍ بأنّ أطياف الموت لا تتقن اللعب، ولا تكترث للدعابات وللذكريات. ستتعاظم دفقة الموت في العقود اللاحقة، حين ستجري تفاصيل الحياة كلّها داخل مملكة الموت. لن تكون الأهرامات-القبور مكان الحب الوحيد، بل ستصبح المقابرُ الحقيقيّةُ مأوى (ومثوى) لآلاف الناس (سكّان المقابر) الذين لم يظفروا بتذكرة سفر إلى الخارج، أو بعقد عمل في مؤسسات الانفتاح الاقتصاديّ. ستكون المقابر مكانًا دائمًا لسكنهم في دستوبيا واقعيّة، لم يكن ليتخيّلها حتّى محفوظ.

يُنهي محفوظ قصة «الحب في هضبة الهرم» بعبارةٍ ثاقبة تلخّص مسار ديالكتيك الإيروس والثناتوس، ومصائر الحب في بلاد الضيق: «وأطلّت علينا القرون من فوق الهرم وهي تضرب كفًا بكف»، حيث ازدواج المعنى في كلمة «القرون» التي تعني تعاقب الأيام، وتعني في الوقت ذاته إيماءةً إلى الدّياثة التي تمارسها أيام التاريخ الصامتة، وهي تراقب انسحاق العشّاق والحب في رحى البلاد التي تطحن أبناءها. ليس محفوظ وحده من التقط توازي الحب والموت، وليست السبعينيّات وحدها هي الأيام التي شهدت مطاردة الحب في شوارع البلاد المكبوتة. ثمة عملان بديعان آخران تناولا الفكرة ذاتها، بمعالجتين مختلفتين، في الثمانينيّات والتسعينيّات، وهما: قصة «المقبرة» لإبراهيم صموئيل، ومسرحيّة «بلاد أضيق من الحب» لسعد الله ونّوس. ولكنّهما سيكونان محور المقالة القادمة.

ملاحظة: وردت فكرة المعنى المزدوج لكلمة «القرون» في تعليق للكاتب المصريّ ياسر عبد اللطيف في تويتر.

About the Author:

يزن الحاج كاتب ومترجم سوريّ