ج١

أطلق حاجز لقوات النظام السوري قرب بلدة معان (في ريف حماه الشمالي)، خمس قذائف نحو مناطق سيطرة المعارضة القريبة بداية شهر آب/أغسطس ٢٠١٨، سقطت ثلاث منها في مزارع مدينة مورك الشرقية،  واثنتان على أطراف المدينة، بعد مرورهما فوق نقطة المراقبة التركية المتمركزة شرق المدينة تماماً. في اليوم نفسه دار حديث محلي عن احتجاج تركي شديد اللهجة لدى القيادة الروسية، نتج عنه استبدال قيادة وعناصر الحاجز في بلدة معان، ليتوقف القصف بعدها على المنطقة.

بعد ذلك بأسبوع بدأ الطيران الحربي السوري بقصف وسط محافظة إدلب ومحيطها الجنوبي، كخان شيخون والتمانعة والتح، وبعض مناطق ريف حلب الغربي، كأورم الكبرى وكفرناها وخان العسل. استهدف القصف منازل المدنيين موقعاً العشرات من الضحايا، لكن هذا التصعيد لم يخرج تركيا عن صمتها، مما يطرح العديد من الأسئلة والكثير من إشارات الاستفهام حول الدور التركي والاتفاق التركي ـالروسي، البعيد عن متناول الإعلام والصحافة والمعارضة.

في غضون ذلك، أعلنت خمسة فصائل من المعارضة السورية العاملة في محافظة إدلب وامتدادها في بيان لها عن تشكيل نواة لجيش الثورة القادم، وذلك بتوجيهِ ودعمٍ مادي وعسكري وسياسي تركي بحسب النقيب ناجي أبو حذيفة، المتحدث الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتحرير، في حواره المنشور على صحيفة القدس العربي .

ويضم هذا الجيش الجبهة الوطنية للتحرير (وهي نواة البداية للتجمع الجديد الذي يحمل نفس الاسم، حيث تشكل في مرحلة سابقة في ٢٨ أيار/مايو الماضي وضم ١١ فصيلا معارضا)، وجبهة تحرير سوريا (التي تشكلت في ١٨ شباط/فبراير الماضي إثر اندماج حركتي أحرار الشام الإسلامية ونور الدين زنكي)، وألوية صقور الشام، وجيش الأحرار، وتجمع دمشق.

ويهدف التشكيل الجديد إلى “قتال النظام السوري وصدّ الهجمات، ومقاومة تهديدات اقتحام إدلب والمناطق المحررة  بحسب الناطق الرسمي للجبهة في حديثه السابق. إضافةً إلى ذلك، يبدو أنّ الجبهة الجديدة بقوامها الذي تجاوز ٧٠ ألف مقاتل، تحمل تهديداً لهيئة تحرير الشام في آخر معاقلها في محافظة إدلب، حيث رفضت  هذه الأخيرة- ـبحسب وسائل الإعلام ـ طلباً تركيا يُفضي إلى حلها وتسليم سلاحها الثقيل ثم الاندماج في “الجبهة الوطنية للتحرير” المُشكّلة حديثاً.

وتداولت الصحافة المحلية رد رئيس المجلس القضائي في هيئة تحرير الشام مظهر الويس على هذا بقوله “الذين يتحدثون عن حل الهيئة لنفسها، عليهم أن يحلّوا الأوهام والوساوس في عقلهم المريض،” مضيفاً “سلاحنا خط أحمر، والأيدي التي تمتد إليه ستُقطع … وقرار الهيئة بيد أبنائها الصادقين.”

كما أكدت العديد من التقارير الإعلامية عدم جدية تركيا في حل الهيئة أو تسليم سلاحها الثقيل لاعتبارات تتعلق بالرؤية التركية للحل في الشمال السوري، مع ذلك، تتزايد وتيرة الاغتيالات لمقاتلين وقادة أجانب متواجدين في محافظة إدلب وريفها بشكل يومي.

وبالعودة لشهر تمّوز/يونيو الماضي، صدرت عدة تصريحات من القيادة الروسية حول “تطهير إدلب” من جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) والدور التركي لتحقيق ذلك، وتزامن هذا مع ادعاءات روسية يومية بالتصدي لهجمات طائرات بدون طيار على قاعدة حميميم الروسية في الساحل السوري. قالت وزارة الدفاع الروسية إن مصدرها هو محافظة إدلب وفصائل المعارضة التي تسيطر عليها.

ولقراءة أدق لمصير المنطقة، لا يمكن الإكتفاء بتوصيف وضعها الحالي، وإنما يتوجب تسليط الضوء عليها من زاوية مصالح الدول المتحكمة في القرار السوري في الشمال. في جولة ”أستانا ٤“ في الرابع من أيار/مايو ٢٠١٧، أعلنت الدول الضامنة لمسار أستانا (روسيا وتركيا وإيران) عن توصلها إلى اتفاق يقضي بإنشاء مناطق خفض تصعيد في كل من محافظة إدلب وأجزاء متاخمة من محافظات اللاذقية وحماه وحلب، ومناطق من شمال محافظة حمص، والغوطة الشرقية، إضافة لمناطق معيّنة من محافظتي درعا والقنيطرة جنوب سوريا، ونص البيان الختامي للمفاوضات على تحديد مناطق خفض التصعيد في سوريا كتدبير مؤقت يمتد لستة أشهر ستمدد تلقائياً بناء على توافق الضامنين.

ورسمت المفاوضات في جولة ”أستانا ٦“ في ١٥ أيلول/سبتمبر ٢٠١٧ حدود مناطق خفض التصعيد التي أعلن عنها سابقاً، خاصة منطقة إدلب التي كانت محط الخلافات، حيث تم الاتفاق على نشر قوات تركية في ١٢ نقطة مراقبة تركية من جانب مناطق سيطرة فصائل المعارضة في محافظة إدلب وامتدادها، فيما انتشرت قوات مراقبة روسية وإيرانية من جانب سيطرة النظام السوري.

توزعت النقاط التركية وفقاً للآتي: ثلاث منها على امتداد خط إدلب ـعفرين في جبل سلوى، وجبل سمعان، وجبل عقيل، ونقطة أخرى على جبل عناق بالقرب من مدينة عندان شمال حلب، وخمس نقاط موزعة على خط شاقولي، يبدأ من غرب مدينة حلب وصولاً إلى ريف حماه الشمالي، أو على امتداد سكة حديد الحجاز (في منطقة الراشدين جنوب غرب مدينة حلب)، وفي منطقة العيس شرق ايكاردا، وفي تل طوقان شمال بلدة سكيك، وفي صرمان شرق مدينة جرجناز، وفي مزارع مدينة مورك الشرقية في الريف الحموي الشمالي. إضافة لنقطة في شمال قلعة المضيق في منطقة الغاب، ونقطة على جبل اشتبرق جنوب غرب مدينة جسر الشغور، وأخرى على جبل التركمان في ريف اللاذقية الشمالي. في المقابل انتشرت  اعتباراً من ١٢ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٧. إحدى عشر نقطة مراقبة روسية وسبع نقاط مراقبة ايرانية موزَّعة على الحد الفاصل لمنطقة خفض التصعيد تلك، مقابل النقاط التركية.

ويمكن للمُطّلع أن يقسّم منطقة خفض التصعيد تلك إلى ثلاث مناطق، بحسب سيطرة فصائل المعارضة، ومن ناحية التغذية الإدارية، وهي:

١- منطقة ريف حلب الشمالي التي تسيطر عليها تركيا بشكل كامل مع الفصائل التابعة والموالية لها في عمليتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وتقوم الحكومة التركية بتمويلها وتنظيمها إدارياً وفق الرؤية التركية، إلى جانب بعض المنظمات السورية المعارضة والدولية.

٢- منطقة محافظة إدلب وامتدادها في ريف حماة الشمالي وقليل من ريف اللاذقية الشمالي الغربي، والتي تسيطر عليها كتائب المعارضة التابعة لتركيا، بالإضافة إلى هيئة تحرير الشام وبعض الفصائل المقربة منها، وتلك المنطقة تعمل إدارياً بدعم منظمات إنسانية سورية معارضة ودولية مع مزاحمة حكومة الإنقاذ (التي تتبع هيئة تحرير الشام) في مناطق سيطرة الهيئة.

٣- منطقة وسط بين المنطقتين، في ريف حلب الغربي، والتي تسيطر عليها فصائل معارضة صغيرة محلية (ليست إسلامية) ولكنها قريبة من حركة نور الدين الزنكي ومتعاونة معها، ومن الناحية الإدارية تقوم العديد من المنظمات الإنسانية السورية المعارضة والدولية بدعم مؤسسات المنطقة ومجالسها المحلية وتدريبها.

وبحسب منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فإن عدد سكان إدلب، الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، تجاوز ٢.٦٥ مليون نسمة، بينهم ١.١٦ مليون مُهجّر داخلياً.