حوّل الفقر المفجع حياة أغلبية الأسر السورية في دمشق ومناطق سيطرة الحكومة إلى “جحيم”، بسبب عدم تمكن المعيل من تلبية متطلبات أفراد العائلة، ذلك بعدما كان التآلف والتماسك الاجتماعي في الأسرة السورية، مضرب مثل للمجتمعات في الدول المجاورة والإقليمية والدولية.
“أم محمود” ربة منزل في العقد السادس من العمر، وتعيش مع زوجها وأربع فتيات وطفل في أحد أحياء دمشق، تروي لـ”صالون سوريا”، أن زوجها يعمل موظفا في شركة خاصة صباحا، و “بات مع ضيق الأحوال المعيشية يعمل في المساء سائق سيارة أجرة”.
وتشكو”أم محمود”، من أنه وبخلاف ما عرفته عن زوجها منذ أكثر من أربعين من طبع مرح وإنسانية لا توصف ومزاح دائم، بات عندما يطلب منه أحد أفراد العائلة طلبا حتى لو كان بسيطا، يصبح “عصبيا جدا، ويسمع صوته كل الجيران في البناية وحتى في الشارع”. واشارت إلى أن لسان حال “أبو محمود” المعيل الوحيد للعائلة، في رده على أي طلب، أصبح عبارات يكررها في كل مرة وهي، “ما معي. ارحموني. خافوا الله. بدكون بنك ما بيكفيكون (…)”، وتضيف: “المصيبة أنه وعندما يتم الإلحاح عليه بالطلبات، أصبح يوجه كلمات غير مألوفة لي وللبنات والولد”، وتتابع، “البنات طالبات جامعة وثانوي وأخوهم ثانوي وبدهم مصاريف، يعني منين يجيبوا؟!”.

وجه عابس
وجه “أبو محمود”، وحسب زوجته، أصبح منذ فترة طويلة، عبوس بشكل دائم، فهو يستيقظ في الصباح من دون أن يلقي السلام على أحد ويخرج إلى الوظيفة، وعلى نفس الحال يكون في منتصف الليل عندما يعود من عمله على السيارة، على حين البنات والولد باتوا يركضون إلى غرفهم وينزوون فيها “ريثما يأكل لقمة الأكل ويروح ينام”.
وبعدما تستذكر “لمة العيلة أيام الجمعة (العطلة الرسمية) والمرح والسهرات التي كانت تحصل والطبخات اللذيذة التي كنا نحضرها والفواكه والموالح والحلويات التي نجلبها عندما كانت أحوال العائلة جيدة” قبل سنوات الحرب والضائقة المعيشية التي ألمت بأغلبية الأسر، تؤكد “أم محمود” أن أيام الجمعة وكل أيامنا تحولت إلى “جحيم لا يطاق بسبب القلة”، إلى أن أقنعت زوجها “بالعمل على السيارة في أيام الجمعة لتفادي حصول مزيد من السجالات والمشاجرات بينه وبين جميع أفراد العائلة”.
ويعاني أغلبية السوريين من أزمة معيشية خانقة بسبب تواصل ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، واستمرار فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي الذي يساوي حاليا نحو 3500 ليرة، بعدما كان بين 45 و50 ليرة في عام 2010.
وبات أكثر من 94 في المائة من المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة يعيشون تحت خط الفقر، حسب الأمم المتحدة والعديد من الدراسات، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 25 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل الحرب نحو 600 دولار.

الف حساب
“أبو وسيم” وهو أب لأربعة أولاد ويعمل بائع خضار متجول، يؤكد لـ”صالون سوريا”، أنه بات “يحسب ألف حساب للحظة الرجعة على البيت، حتى الواحد صار يكره الرجعة، لأن الكل (الأم والأولاد يجدهم) قالبين خلقهم”، ويضيف “الولد ما عاجبو الأكل، والبنت بدها أواعي (ثياب) جديدة وتروح مشاوير مع رفقاتها، والأم بدها تصلح أسنانها، وكل يلي بطلعوا باليوم دوبو يكفي أكل ومن قريبو”، ويتابع “يلي بدو يلبس ويأكل متل العالم والناس بدو مليون ليرة بالشهر، هاد غير أجار البيت، وأنا بتطلع روحي لطلّع 5 – 7 ألالف باليوم”.
ويوضح الرجل، أن حياة العيلة “انقلبت وصارت كلها نكد بنكد، لأن الكل يصر على تلبية طلباته”، ويضيف “( عندما) أقول لهم طولوا بالكم شوي شوي.. واحد واحد، بيزعلوا والولد بصير لما بتحكي معو يرد من برّات منافسو دون احترام، والبنت بتعمل حالها مو سمعانة، والأم بترد بنرفزة. الله يحسن أحوالنا وأحوال الجميع، ويمضّي هالعمر ويخلص على خير”.
ويعي بعض الأبناء الضائقة المعيشية التي تعاني منها أغلبية العائلات ويرون أنه يجب مراعاتها في مسألة تلبية طالباتهم، وتقسم طالبة ثانوي في حدثيها لـ”صالون سوريا”، أنها لا تطلب “إلا الضروري الضروري”، لكنها تضيف “إذا لم أطلب من أبي ممن أطلب من الجيران؟ هو خلفنا وهو مجبر بنا”.

انتحار وطلاق
وخلال سنوات الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن تشهد مناطق سيطرة الحكومة ارتفاعاً بمعدلات الانتحار، وكشف المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي، زاهر حجو، في يونيو (حزيران) الماضي عن تسجيل 80 حالة انتحار خلال العام الحالي، بزيادة تصل إلى خمس أضعاف مما كانت عليه قبل 2011.
ويرى اخصائيون اجتماعيون، أن الفقر والأوضاع الاقتصادية السيئة تعد في مقدمة الأسباب التي تدفع الرجال والشباب والفتيات إلى اتخاذ القرار بإنهاء حياتهم، فضلاً عن ظروف الحرب والبطالة والضغوط النفسيّة والاجتماعية.
وارتفعت حالات الطلاق خلال سنوات الحرب في سوريا إلى نِسَب غير مسبوقة مقارنةً مع ما قبل عام 2011 حيث باتت بعض الزيجات تستمر لأشهر أو أيام معدودة بسبب الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة والتفكك الأسري والاجتماعي.
وقال القاضي الشرعي الأول في سوريا محمود معراوي في ديسمبر (كانون الاول) العام الماضي، في تصريح لإذاعة محلية، أن أهم أسباب ازدياد حالات الطلاق في الوقت الحالي هو الوضع الاقتصادي وعدم تحمّل أحد الأطراف لظروف الحياة الصعبة بالإضافة لغياب دور الأهل في إصلاح ذات البين والاستعمال السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي سواءً من الزوج أو الزوجة .
وبحسب ما قاله مدير عام الأحوال المدنية الحكومية أحمد رحال، في تصريح لوسائل إعلام محلية، تم خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2020، تسجيل 19 ألف حالة طلاق، فيما بلغت في نهاية العام 2019، 34 ألف حالة طلاق، على حين كشف مستشار وزير الأوقاف، حسّان عوض، في إحدى مقابلاته الإذاعيّةعن ارتفاع نسب الطلاق في سوريا 5 أضعاف خلال فترة حظر التجوّل بسبب انتشار فيروس “كورونا”.