I

يخطرُ في ذهني أحياناً أننا وُلدْنا من الريح

أو على ظهور الأمواج وهي تَجْمحُ

أننا أتينا مع ضوء الفَجْر إلى لحظاتنا

وتَساقَطْنا مع الأمطار

أو ربما وُلدنا من ضوءٍ هربَ من الشمس

 كي يُضيء لحظته ويثملَ بنفسه

من الدوران السريع لجناحيْ الطائر الطنان

أو من ارتعاشِ جناح فراشةٍ

وربما مكثْنا قليلاً في أوراق الأشجار وثمارها

وفي مياه الينابيع.

وعلى الشواطئ التي غادرْناها

وُلدَ أطفالٌ آخرون

ما يزالون هناك،

 لا يفكرون بمن خرجوا منهم ورحلوا.

 

II

الشاطئُ الذي غادرْتهُ

أراد أن يحبس صوتيَ في أصدافه

بعد أن منحني أجنحةً وأخذ مني الفضاء.

أقول له الآن:

شاطئي آخرُ حانةٍ خرجتُ منها

أوّل حانة سأدخلها

آخرُ كتاب قرأتهُ

وآخر موسيقا سمعتُها أو سأسمعها.

شاطئي امرأةٌ أعانقها الآن.

 

III

المدينةُ التي درستُ فيها أربع سنوات

 على شاطئ المتوسط

لم يسافرْ منها شيءٌ معي.

نزلتُ من سفينتها

وهي تُبحر دون خريطة أو بوصلة

 في بحر ماضيها. 

 

IV

المدينة التي عشتُ فيها عقدين من عمري

عاصمةٌ تغنّى الشعراءُ بجوامعها وأسواقها ونسوا آلامها.

تخيّلوا الماءَ يجْري في نهرها

ولم يروا الذبول في أوراق أشجارها.

المدينةُ التي يتغنّى الشعراءُ بشموخ جبلها

ولا يريدون أن يروا أنها في الهاوية

آثرتْ ألا تسافر معي

أن تبقى جامعاً أو سوقاً

أن تظلَّ نهراً متخيلاً في قصائد الشعراء

زقاقاً أو مئذنة في صور السائحين

سجادةً على جدار

 أو جرّة فخار على الطاولة.

المدينةُ التي عشتُ فيها عقدين من عمري

 لم تكن حيةً في داخلي

لم أسمع فيها إلا الموتى

يُلقون مواعظهم على الأحياء.

 

V

المدينة التي رحلتُ إليها

تلبسُ في الشتاء ثوباً أبيض

فتخالها ممرضةً في مستشفى كوني

وحين تلمحُ الأضواء تنزلقُ على صدْرها الثلجي

لا تعرف إن كانت تنير الدروب أم تُعْتمها.

التقيتُ فيها مرة بكاهنٍ نذرَ حياته للمشرّدين

كان يجمع التبرعات ويموّل صالة تقدم الطعام والسرير لهم مجاناً.

سألني: ما رأيك بشيكاغو؟

قلت: مدينة كريمة، لا تُشْعركَ بأنك غريب.

علتْ وجهه ابتسامة غامضة، وقال:

أريدك أن تأتي معي في أحد الأيام كي ترى شيكاغو.

حين ذهبتُ معه رأيتُ مدينةً أخرى

 تضع أبناءها في برادات الشتاء وتنساهم.

 

VI

أتمنى لو كان بوسعي

 أن أمسكَ الطفل الذي كنتهُ

 لحظةَ خروجهِ من الرحم

وأبلّلَ أصابعي بدم ولادته

 كي أتأكد أنني ولدْتُ

أنني لستُ نسمةَ هواءٍ.

ربما لم تحدث الولادة

ربما نحن قصصٌ رواها أحدٌ ما

ما يزال يرويها أحدٌ ما

كلماتٌ همستْها شفتا الريح.

 

VII

يحدث أن تختفي بلادكَ عن الخريطة

أن تتكسّر خطوطُ مدنها وقراها

أن تنخفض سماؤها كسقف زنزانةٍ

وتضيق وديانُها وجبالُها وسهولها

ولا تعثر على مهرب إلا في روحك الضالة.

أحياناً لا تعرف أين أنتَ أو من أنتَ

أو إلى ماذا تنتمي.

ترى نفسك تغضّناً في ماء البحر

زبداً أو رملاً على الشاطئ

يلتصقُ به ضوءٌ مبلّل مجنون.

 

VIII

حين أعودُ من اللحظة التي أنا فيها

إلى لحظاتٍ عشتُها

أرى نفسي صياداً

 يرمي صنارته في الرمال.

حين أستعيد طفولتي

أشعر بملمس رمادٍ بارد على أصابعي.

ألمح قمراً ضيّع ضوءه

أفكر بالريح

بأشكالٍ تتفتّت في معدتها

الريح

التي تقتاتُ على الأشياء.

 

IX

في شيكاغو

تدفعني الريحُ أمامها في الشارع.

يكتسي وهْجُ بياض الثلج بضوءٍ

يغلّفُ المدينة بكفنِ ضباب أصفر.

ربما أستطيعُ أن أعلنَ ولادتي

في حانةٍ ما

أو في مخدعٍ ما

حين يتوهّج الضوءُ

لا من شَمْسٍ تشرقُ

بل حين ينزاحُ اللحاف قليلاً

عن جسدٍ عارٍ

وأسمعُ جريانَه

في عروقي.

 

 حزيران، 2020