دخلت الأركيلة المجتمعات السورية منذ فترة طويلة، ربما من ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أنها الحرب بدّلت ملامحها وأصبح هناك فارق بالحضور البشري المرافق لها وبالعامل التسويقي والاستهلاكي الذي يصفها، لابل طبيعتها بحد ذاتها.

يعود تاريخ انتشار الأركيلة لبداية العام الألف الثاني للميلاد، مع الإشارة إلى أن توسع انتشارها قد بدأ في تسعينيات القرن الماضي، وارتبطت الأركيلة بالرجال وباليسر المادي وبالسلطة، كزعيم الحارة أو المختار أو البكوات، وتوسعت لتصبح طقساً يومياً لرجال الحارة كما تثبت الصور المتداولة في المقاهي، ومع هذا فإن حضور النساء برفقة الأركيلة وتعاطيها كان واضحاً في ستينيات القرن الماضي، خاصة بعد التأثر بشخصية المعلمة في السينما المصرية، وإصرار بعض من النساء السوريات على تقليد تلك الصورة. ولا يمكن تناسي صورة بعض القرويات وهن يدخنّ الأركيلة في الأرياف السورية، وخاصة في بعض قرى ريف دمشق، يروي محمد الذي فضل عدم ذكر اسمه أنه ” من الطبيعي جداً أن تقضي النساء في قريته القطيفة -وهي لا تبعد عن دمشق بأكثر من ثلاثين كيلو متر- مساءاتهن على الدكك الحجرية خارج بيوتهن، وهن يسحبن نفس الأركيلة باستمتاع وبحرية كاملة في طقس برز في السبعينيات” مؤكداً أن هذا لم يكن يشكل أية وصمة أو تطاول على بنية المجتمع المحافظ نسبياً في تلك الأرياف.

وعمم العرف العام في المدن الشمالية الشرقية وأريافها صورة مقبولة وشائعة للنساء المدخنات علناً، حتى وهن سائرات في الشوارع والقداحة ذات الخيط المبروم الطويل ترافقهن وكانت تدعى قداحة حجر، كما كانت الأركيلة في مدن وأرياف أخرى بمتناول النساء أيضاً بصورة كرسها مسلسل “صح النوم” بشخصية “فطوم حيص بيص”، إضافة للعديد من الصور التي تظهر تجمعات لسيدات في حفل غنائي أو راقص خاص ضمن أحد البيوت وخاصة الميسورة، وهن يتبادلن تدخين الأركيلة بصورة طبيعية وعادية جداً.

إذن فإن التبدلات الاجتماعية التي طرأت على الأركيلة ومدخنيها تاريخية، إلا أن الفصل الأهم فيها هو الانتقال من التنباك النقي والمحلي إلى المعسل الذي يكون غالباً مغشوشاً بذريعة النكهة، كما أنه ملون بأصباغ ضارة تحقق أرباحاً لا تقدر لأسواق الاستهلاك.

وتبدو فكرة المعسل وغزوه للأسواق السورية مرتبطة بالخليج، حيث ارتبط استعماله بالمعسل المستورد من هناك أو القادم مع السوريين الكثر المستقرين فيه.

تنتشر اليوم في سوريا العديد من المقاهي الخاصة للأراكيل، محال لبيع المعسل بنكهات جديدة يعلن عنها باستمرار وكأنها سابقة ثقافية مميزة، إعلانات لمحال ومقاهي توصل الأركيلة إلى قلب البيوت وتركز على جودة الفحم، وصولاً الى اختراع المبسم البلاستيكي الخاص بكل مدخني الأركيلة، مباسم  سيئة الصنع غير مضمونة من حيث تركيب مواد انتاجها وتغليفها غير معقم أو خاضع لشروط صحية أو رقابة، خاصة في ظل تبادل عام لنفس الأراكيل التي وإن غسلت فبالماء، وبحسب أخصائي السلامة العامة، الكثير من البكتريا تنمو وتنتعش في ذلك الماء وقد تتحول لسم ممرض.

وفي سبيل الفحم قطعت مساحات من الأحراج في وضح النهار، كذلك حصل مع أشجار ليمون تحت ذريعة أن فحم شجر الليمون هو الأفضل والمفضل للأراكيل، حيث يزداد الطلب عليه الآن، وبهذا يصبح تحول شجرة الليمون لفحم مساوياً لقيمة غلالها لسنوات، خاصة في ظل غياب دعم المزارعين، وكساد الأسواق، وهبوط قيمة الليمون، مما يحول مواسمه إلى خاسرة بعد كل التعب والكلفة في العناية والسقاية والقطاف والتحميل.

ويبدو انتشار محال بيع الأراكيل والفحم والمعسل ومقاهيها مؤشراً على سهولة الحصول على تراخيصها وتقدم أيضاً العديد منها شبكة انترنت مجانية وشاشات عملاقة لحضور مباريات كرة القدم تقدم أساساً وبشكل شبه حصري الأراكيل على حساب الظواهر الثقافية. وخير دال على تلك القصدية  نجده في تراخيص مقاهي الرصيف التي تتحول كطعم للشباب، حيث يذكر السوريون وخاصة الدمشقيون أن أحد المقاهي كان يشترط جلوس الشباب في داخل المقهى ويمنح الشابات فقط -وخاصة اللاتي يتبعن آخر أساليب الموضة في الزي والاكسسوات – وحدهن فرصة الجلوس على الطاولات القابعة على الرصيف وبهذا تتحول الشابات لطعم ترويجي أو لعلامة استهلاكية تستجر أقدام الشبان الغارقين في استرخاء غير مفهوم، يراقبون من الداخل أنفاس أراكيل الشابات في الخارج، عملية قد تغلف بالمتعة الخفية أو بالشبق المكتوم، لكنها مدروسة ومرعية بعناية من أصحاب المقهى.

ويتفاوت سعر الأركيلة ما بين الثمانمائة ليرة وحتى الألفين والخمسمائة ليرة عدا عن قيمة المشروب المرافق والذي يعتبر بروتوكولاً شرطياً وملازماً للأركيلة، صباحاً مساءً، مكان مغلق أو مفتوح ، حامل أو مريضة، لا شيء يمنع من تدخينها.

وينتشر للأراكل أيضاً العديد من الاكسسوارات الزجاجية والمعدنية، وأخرى بحقيبة صغيرة ومرتبة وكأنها حقيبة مجوهرات، وشابات يحملنها بعناية، وشباب تبدو ظاهرة من قلب حقائب ظهورهم وهم  على دراجاتهم النارية أعمدة الأراكيل الحديدية المبرومة وكأنها أدوات الغوص في المتعة اللامحدودة، عدا عن الخراطيم وزينتها.

مدن بلا أندية سينمائية وبلا نشاطات ثقافية نوعية والتراخيص للحصول عليها مؤجلة لوقت غير معلوم، ويمنع ترخيص نادي رياضي في أحد الأحياء بذرائع مختلفة، بينما يرخص لمجمع ترفيهي ضخم قيمة الأركيلة فيه أغلى من كل مقاهي دمشق، هذه المدن نفسها ترعى الأراكيل دون رقابة أو شروط للوقاية من المخاطر، حيث يمكن أن تشاهد في أحدها أطفالاً بعمر الثانية عشرة وهم يدخنونها.

إضافة للمضار التي يتلقاها المدخن بإراده، يتعرض  عمال إشعال الفحم وتجمير الفحم -وهم غالباً دون الثامنة عشرة من أعمارهم- يومياً للهباب المسموم والعوادم والفحم السام والخطر على صحتهم، وغالباً يكون أجرهم زهيداً فيعتمدون على مراضاة الزبائن لكسب البقشيش لتحسين موارد دخلهم، هذا عدا عن السهر الطويل في المقاهي وعيش معظم فترات يومهم خارج المنزل و وبيئة العائلة.

يورد طبيب مختص بالأمراض الصدرية مخاطر الأركيلة، مؤكداً على أنها مميتة وتسبب أمراضاً مزمنة للقلب والرئتين، إلا أن مدخينها يتجاهلون هذا وتسود بينهم ثقافة “دخن عليها تنجلي”، “أركل بتزنكل”، و”يلي مالو أركيلة مالو شغيلة”، و”بالنفخ وحده تحيا الصدور”.

الأخطر هو السمة العائلية للأركيلة، أم وبناتها، عائلة كاملة تجتمع على الأركيلة، إبريق من الشاي أو الزهورات الساخنة وطبق من البزر الرخيص، وفي كل بيت منقل خاص لفحم الأركيلة ودبوس زينة لفتح راسها الممتلئ بالهباب، وتبديل دوري للخراطيم، ومباسم متكررة وكثيرة تنام على الأرض كل مساء، ويعلن السوريون أنه في الأركيلة حياة، وتستمر المهزلة، وربما المقتلة.