دمشق، سوريا

يمكن وبكل بساطة وشفافية اعتبار مشكلة النقل والمواصلات في مدينة دمشق مشكلة عميقة تُطيح بالقوة النقدية لسكان المدينة. بات لهذه المشكلة ظل ثقيل يُقيد الحركة والتنقل بدءاً من ارتفاع تكاليفها وطول مدة الوقت المهدور بانتظار وسائل النقل إلى سوئها البالغ وتردي نوعية الخدمات التي تصل إلى شروط التنفس داخلها. إنها أزمة خانقة بكل ما في الكلمة من معنى.

أم عبدو سيدة خمسينية تسكن في منطقة الديابية، جنوب شرقي دمشق، والتي تبعد عن منطقة الست زينب حوالي سبعة كيلومترات، وتعمل كمستخدمة في ضاحية مشروع دمر. لا سرافيس (باصات صغيرة) تنقل أم عبدو من مكان سكنها بعد الساعة السادسة صباحاً لأن عدد السرافيس قليلٌ جداً والمنطقة مزدحمة بالسكان الذين لا يملكون سيارة خاصة.

تستفيق أم عبدو في الرابعة صباحاً لتفوز بسرفيس ينقلها من مكان بيتها وحتى كراجات الست زينب وبعدها تستقل سرفيساً آخر حتى جسر الرئيس، ومن هناك تستقل ُسرفيساً ثالثاً نحو مشروع دمر. الراتب الشهري الذي تتقاضاه أم عبدو يبلغ نحو سبع وعشرين ألف ليرة سورية (مايعادل ٥٧ دولاراً)، أما أيام الدوام الفعلية فهي واحدٌ وعشرون يوماً في حين تبلغ الكلفة اليومية للنقل ما بين ٥٠٠-٦٠٠ ليرة سورية يومياً. لذلك بالنسبة لحياة أي شخصٍ ذي إمكانيات مادية محدودة كأم عبدو فإنّ أي يوم غيابٍ وخاصة بإجازةٍ مرضيةٍ يعتبر بمثابة  توفيٍر لمواردها الشحيحة قبل أن يكون يوم راحةٍ طبيعياً تستحقه وتحتاجه بشدة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المناطق مثل الحسينية والديابية والغزلانية والبحدلية وغيرها، تعتمد بشكلٍ أساسي على  الهوندايات كواسطة النقل الوحيدة. والهوندايات مكلفة جداً حيث يتقاضى السائقون مبلغ مائتي ليرة سورية  عن الراكب الواحد عدا عن أنها مجهزة  بمقاعد حديدية ضيقة ارتجلت على عجل لتعويض النقص الحاد في عدد الحافلات (السرافيس) على خطوط تللك المناطق. والمضحك المبكي أنّ أصحاب الهوندايات قد ارتجلوا أيضا أغلاقاً بلاستيكية وباباً للدخول منه درءاً للغبار والمطر والشمس. ولابدّ من ذكر أنّ الحواجز أجبرت السائقين على تركيب لِدات (نوع من الإضاءة التوفيرية) لإنارة صندوق الهونداي كي يتمكنوا من التعرف على وجوه الركاب وهوياتهم. صندوقٌ تحوّل الى حافلةٍ رغماً عنه، وبات يشبه غرفةً أو خيمةً وكأنه ينقص السوريين خيمة وشادر وغلق جديد مضاف إلى عتمة حياتهم التي لا تشبه الحياة.

جاد طالبٌ في كلية الهندسة المدنية ويسكن في ضاحية قدسيا التي نزح إليها مع أهله من مخيم اليرموك، ويضطر عند عودته إلى بيته مساءً إلى ركوب سرفيس من ساحة الأمويين وحتى جسر الرئيس لا لكسلٍ منه فالمسافة  بين الساحة والجسر قريبة والمشي الطويل بات سلوكاً يومياً قسريًا وبالغ القبول، ولكنّ جاد مضطرٌ لحجز مكانٍ له في السرفيس المتجه نحو الضاحية مما يجبره على دفع أجرةٍ إضافية. وبالتالي يصبح ما يدفعه جاد يومياً في طبيعة الحال مائتي ليرة سورية، فكيف يتدبر أهله مصروف أبنائهم في ظل كل هذا السعير عدا عن أجرة البيت المرهقة وغير المنطقية أبداً!

ولابد من الإشارة هنا إلى أن غالبية السائقين يرفعون من أجور النقل  وقد يضاعفونها بعد الساعة السادسة مساء. مثلاً تصبح أجرة سرافيس مساكن الحرس مائة ليرة بدلا من خمس وخمسين ليرة، وتصبح أجرة سرفيس ضاحية قدسيا مائة وخمسين ليرة بدلاً من خمسٍ وسبعين ليرة. أما سائقو سرافيس مهاجرين صناعة فيرفعون الأجرة إلى مائة ليرةٍ بدلاً من خمسين ليرة وهلمّ جراً، وطبعاً لكل سائقٍ تبريره والكلمة المتعارف عليها: “ إذا موعاجبك نزول!”

ثمة من يقول بأن نصف عدد السرافيس المرخصة قد خرج عن الخدمة بسبب بقائها في المناطق المهجورة كالريف الدمشقي والخاوية من سكانها الذين تركوها بملابسهم وحسب سيرًا على الأقدام. كما أنّ الكثير من الحافلات  توقفت عن العمل بفعل الإصابة بالقذائف أو المصادرة أو بفعل غياب أو موت أصحابها. كما نشأت ظاهرة جديدة لسد الفراغ وهي ذات هدفٍ ربحيٍ وحسب، ألا هي ظاهرة التكسي-سرفيس.

غالبًا ما تكون التكسي-سرفيس عبارة عن سياراتٍ خاصةٍ لكنها مرتفعة الكلفة، فمثلاً تبلغ الأجرة من جسر الرئيس وحتى ساحة الرئيس في جرمانا خمسمائة ليرة للراكب، أما  التكسي-سرفيس باتجاه الضاحية ومساكن الحرس ومهاجرين صناعة يتقاضى أجراً مقداره ثلاثمائة ليرة للراكب. رغم أنّ هذه الظاهرة قد عوّضت بعض الشيء عن النقص الحاد في المواصلات إلا أنها وسيلة نقل لا قدرة للجميع على الاعتماد عليها، فعدا عن الاختناق المروري الذي يحدث نتيجة توقف عددٍ كبيرٍ منها في أمكنة تضيق على المشاة فكيف بكل هؤلاء الراغبين بربحٍ سريعٍ على حساب جيوب السكان الغارقين في شظف العيش وقلة الخدمات؟

وإن بدا من اللافت إدراج عددٍ لابأس به من الباصات الكبيرة على خطوط النقل العام إلا أنّ عددها لا يكفي ومقاعدها قليلة العدد وحركتها بطيئة عدا عن أن نظام تشغيلها يخضع لأسلوب التعهيد بحسب النسبة، أي نسبة عدد البطاقات المباعة وليس وفق أجرٍ يومي أو شهري محدّد، الأمر الذي يحفّز السائقين على تكديس الركاب فوق بعضهم  لتحقيق نسبة أعلى من المدخول العام، وغالبا ما تسمع عباراتٍ آمرة كـ خود عليك  وفوت عالصدر،” أو “ بَعِّد عن الباب،”  أو “بَعِّد عن المراية،” أو “إنتو يللي بالنص فوتوا لجوا خلوا هالنسوان تطلع.” أصبحت هذه العبارات طقساً عاماً تسمعها في السرفيس وفي التكسي-سرفيس وعلى المواقف حتى داخل الهونداية حيث يُرتب السائق النساء على جهة والرجال على جهة ليتمكن من زيادة أعدادهم منعاً لاحتكاك جسدي ممنوع شرعاً ومرغوب به تجاريًا كمصدرٍ لربحٍ أكبر.

أما سيارات الأجرة أي التكسي النظامية فهي مشكلة موغلة في تعقيدها لارتفاع كلفتها وتملّصها من أي شكل من أشكال الرقابة، فرغم توقف عدّاداتها عن العمل بإرادة السائق، لا وجود لأية جهة رسمية تُسائل أو تُحاسب المخالفين. ونظرا ً لبعد المسافات وشدة الازدحام يضطر البعض كالنساءٍ والرجالٍ الوحيدين والمسنينّ وأولئك الذين يعانون من ظروفٍ صحية صعبة لاستعمال التكسي حصراً. أما عن  أحوال السرافيس والباصات وحتى التكسي من الداخل فهي إهانة يومية بالغة مسكوتٌ عنها في مواجهة الأهم وهو الركوب بهدف الوصول وحسب. فمعظم المقاعد تبرز  نوابضها الحديدية لتخز اللحم وتمزق الملابس، النوافذ مغلقة أو من النايلون السميك، بطارية السيارة ملاصقة للأقدام والدواليب ملاصقة لجذع الركاب، مقاعد حديدية ضيقة لمزيد من الركاب، بطانيات الإعانة الرمادية بدلاً من  تنجيد المقاعد وتجديدها لدرجةٍ تشعر وكأنك في قبرٍ رمادي لا شيء يميزه سوى شعار المنظمة الدولية للهجرة، هجرة ترافقنا حتى النخاع داخل البلاد وخارجها.

غلاء أسعار المازوت وقلة الكمية الممنوحة للسائقين بالسعر النظامي، الأغاني الهابطة والشتائم، القذارة والروائح القاتلة نتيجة الازدحام وتراجع شروط النظافة الشخصية، توهان الركاب وأسئلتهم المتكررة عن وجهتهم وطلبهم للمساعدة في الهبوط والصعود، أطفال مكدّسون مع أمهم لتوفير ما يمكن من أجرة مقعدٍ بات الجلوس عليه بطراً وامتيازاً لا قدرة للبشر على ممارسته. إنها أزمة يومية خانقة حتى حدود المهانة، ولا شيء يشي بانفراجٍ نسبي يُزيح عن السكان مرارة الانتقال. معاركٌ يومية بأدوات غير عسكرية، لكنها مهينة وقاتلة.

مصدر صورة الهونداي: صفحة هوندايات ركن الدين والصالحية على الفايسوك