يومٌ ربيعي مشمس، عمالُ الترحيل ينقلون أكياس البحص والاسمنت من بيتٍ يُرمم في الطابق التاسع والحقيقة أنهما بيتان في الطابقين التاسع والعاشر اشتراهما  شابٌ في مقتبل العمر ليحولهما إلى بيت واحد وفق نظام الدوبلكس. بحسبةٍ بسيطةٍ نعرف أنّ الثمن المدفوع لشراء المنزلين فقط تتجاوز المائة والخمسين مليون  ليرة سورية!

يصيبنا الحكاك والقنوط ويغمرنا سؤال “من أين له هذا؟” وخاصةً في ظلّ هذه الحرب! فكيف إنّ تعرفنا إلى كلفة الهدم والربط والإكساء التي تجاوزت أسعار موادها العشرين ضعفاً. إنه مثال على انتهاكٍ صارخٍ لا للوضع المعيشي الصعب لعامة السوريين فحسب بل انتهاكٌ للقيم و للمنطق الأساسي للحرب القائم على التوفير والتقتير تحسباً للحظة رحيل ٍمفاجئ ٍأو خوفاً من إصابةٍ قد تلحق بالبيت جراء ظروف الحرب الدائرة.

عائلاتٌ سورية تسكن في الحدائق، تسوّر سياجها بالكرتون منعاً لوصول أيدي الزعران الذين يمدّون أصابعهم القذرة لقرص النساء والأطفال أو لسرقة ما تطوله أيديهم العابثة، وناطور الحديقة يُخفي مسكة الصنبور بين يديه ليمنع النساء والفتيات من الاستحمام، استحمامٌ يشبه لعبةً طفولية سرّها هو إغماض العينيين والدوران حول الذات والصابونة الكاوية سيئة الصنع تدور على الجسد من تحت الكنزة درئاً للعيون الكاشفة، تتوه اليدان الغضتان في الوصول إلى كافة تفاصيل الجسد المغمور بالقذارة والرطوبة والإهمال، ويتحول غسل الشعر إلى مهمة صعبة تتوقف في لحظة عدوانيةٍ عندما يقطع ناطور الحديقة المياه فيبقى الشعر غارقا بالصابون الجاف، قاسياً وباهتاً وأقرب للبياض بفعل الترسبات القلوية على شعرٍ لم يدفأ يوماً ولم يغمره ترفُ التغلغل لمشطٍ نظيفٍ ومريح.

***

براءة طفلةٍ صغيرةٍ لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات، يمنحها أحدهم قطعة شوكولا وفي اللحظة الفاصلة ما بين منحٍ وإمساكٍ تسقط قطعة الشوكولا على الرصيف الساخن فما كان من براءة إلا الاستلقاء ولعق الشوكولا الذائبة من على الرصيف مباشرة.

أعرف أن أسئلةً مثل “ما جدوى الحمل والولادة وجلب أطفالٍ جددٍ ينضمون للشقاء” والاسم الساخر “براءة” في زحمة الحرب هي أسئلةٌ وجودية ذات معنى لكنها بلا فائدة، فارغة مثل طبول الحرب الجاعرة.

***

أمام أحد مطاعم الشاورما ذاتِ الاسم العريق والأسعار المرتفعة جداً، يُقدم أحد الزبائن بقايا وجبتين طلبهما ولم يكملهما لقطةٍ تموءُ جائعةً. في المكان طفلان مشرّدان والجوع ينتهك أحشاءهما، يحاول أحدهما سحب الوجبة من بين  مخالب القطة التي لا  تبدي أية مقاومة، لكنّ الرجل الشهم الحريص على صحة القطط والحيوانات الغارق في سفالته يصرخُ بالطفل ويطردهُ ويعيد تثبيت الوجبة بين مخالب القطة في حالة عطف إنساني تنتمي لهمجية محدثي النعمة وزارعي الحقد تفاضل بين طفلين جائعين وقطة، لحظة تنمُّر همجية تماثل شتائم الرجل نفسه وهو يصرخ بعامل النظافة الذي تجرأ وأوقف عربته خلف سيارة ذاك المتوحش، سيارة دفع رباعي حديثة جداً تُوقظ سؤال “من أين لك هذا؟” فكيف الحال إذاً بسيارةٍ موديل 2017 في بلدٍ يكتوي بنار الحصار وتوقف  الاستيراد اللذين طالا حتى الأدوية.

***

في حافلةٍ صغيرةٍ للنقل تجتمع نساءٌ مختلفاتٍ في تفاصيلٍ ظاهرية لا أكثر، تقول سيدةٌ لصديقتها وبصوت عالٍ: “هدول مو من عنا.” اختلافٌ في نوع المعاطف، حداثتها، اختلافٌ ما بين لونٍ ناصعٍ ولامعٍ وما بين لونٍ باهتٍ وحائلٍ للسترات، عرواتُ الأزرار متسعة تضم أزراراً مختلفة اللون والشكل. الحجابات شبه ذائبة من شدة رقتها ومنكشة الخيوط بمواجهة أزرارٍ لامعةٍ، متناسقةٍ ومشدودةٍ، بمواجهة حجاباتٍ مماثلةٍ للملابس في ألوانها، جديدة وسميكة ولامعة.

بالفعل لم يكذب إحساس تلك المرأة ولاخبرتها، فأهل الحي “الراقي” يعرفون بعضهم من وجوههم، من ملابسهم، من صدى كلماتهم ومن جوالاتهم الباذخة. النسوة “المختلفات” واللواتي تجرّأن على مشاركة الغنيات المنكِرات لقسوة الحرب وآثارها المدمرة هنّ بالفعل لسن من ذات الحي! هنّ من اللواتي يسكنّ مراكز الإيواء الثلاثة التي امتلأت بالمهجرّين قسرياً ذات ساعة رحيلٍ أو تهجيرٍ أو هربٍ، لا فرق.

ذات يوم وحين قرروا إغلاق تلك المراكز وزّع سكانها أرقام هواتفهم/نّ على كافة الركاب علّهم/نّ يحظون ببيت للآجار تتشاركه أكثر من عائلة، ولم يكن أمام البعض سوى اللجوء إلى الحدائق وعبثها وهمجيتها، أما  البعض الآخرون  فقد استأجروا بعيداً بيوتاً على الهيكل من دون إكساء أو نوافذ أو أبواب، والمطبخ والحمام مجرّد برميلٍ أزرقٍ بلاستيكي كبير موصول في أسفله صنبور ضخم ومتوحش.

***

نسوةٌ رباتُ أسرٍ ومعيلاتٍ يوقفن سيارة للأجرة لتقلّهن إلى بيوتهنّ مع صناديق مواد الإعانة الممنوحة لهن. يشترط السائق عليهن عبوة زيتٍ ذات الليتر من كلّ سيدةٍ لمسافةٍ لا تكلفه أكثر من خمسمائة ليرة، لكنه يسطو على رزقهن ويكسب ألفين وثمانمائة ليرة، هي أسعار عبوات الزيت حسب سعر السوق. تمتثل النسوة لابتزاز السائق ويدفعن بصمت مستكين.

في البيت يتبادلن المحتويات، أولاد فلانة لا يأكلن البرغل، وفلانة وأمها وأم زوجها مصاباتٍ بالسكري فيمنحن الأرز مقابل البرغل. تقول آية: “أحلم بأن أطلب طبخة محدّدة وأن تلبي أمي، نحن نأكل على هوى كرتونة الإعانة وعندما تنتهي موادها نقترض من بعضنا. لا جديد يؤكل. وحبة الفواكه حلم وحبة البندورة للطبخ فقط لأنها تُشترى مهترئة لأنها الأرخص والأقل سعراً.”

***

على الطريق المهندم والأنيق تتبادل سيدتان أطراف الحديث عن حميةٍ ناجعةٍ لجسدٍ رشيقٍ، وعن مدرّب الجِم (أو نادي اللياقة). يصرف شباب مقتدرون أو محدثو النعمة أموالاً طائلة على مكملاتٍ غذائية وفيتامينات تنفخ العضلات وتجعل قيمتهم أعلى في سوقٍ لا قيمة للرجال ولا للحيوات فيه، سوق الحرب .

النساء يتمشين ببيجاماتٍ رياضية باهظة الثمن وأحذيةٍ رياضية ٍمريحة، يُنشطن الأجساد الرخوة والمرفهة. على الرصيف المقابل نسوةٌ خرجنَ منذ الفجر لتعملن في منازل المتريضات اللواتي لايقبلن أي تأخير أو تجاهل لتفاصيل العمل المنزلي الذي يجب أن يكون متقناً ولامعاً/ تقول المشغّلة للشغالة: “أعطيك دم قلبي وأنت تراوغين!”

***

تعجّ مراكز التعليم المرممة بالطلاب الذين هجروا المدرسة بسبب الحرب، أو بسبب غياب الوثائق الشخصية، أو بحكم أنهم صاروا معيلين لذويهم. يتعلمون فكّ الخط ويطمحون  لمجرد إغفاءة مطمئنة على مقعد دافئ.

هي المدينة تحيا على فوارق تأصلت بحكم الحرب. إن كان بوسع المتعبين وثقيلي الأحمال الحلم، فالعودة إلى بيوتهم هي الأساس وهي المشتهى والمنتهى. تحلم سيدة برعاية أصص أزهارها واحتساء فنجان قهوة بفناجينها التي أبقتها هناك على رجاء العودة سريعاً إلى شرفتها وبيتها.

ظلال الرحيل والنزوح أوضح وأعمق من مجرد ظل مرادف للحرب، هي وجه المدينة الآخر، هي تفاصيل الحرب على أجساد البشر وعقولهم، على أسمائهم وأسماء عائلاتهم والراحلين والمسافرين والمجانين منهم والعقلاء رغماً عنهم كي يلوذ بهم من يحتاجهم.

كل شيء ممتزج بنقيضه، يتنافران ويعتركان وإن بصمت، لكنه صمت الجمر الذي سيحرق الأخضر واليابس كل صباح في ليل الحرب الطويل… هنا دمشق.