كان أحد المواطنين يهمّ بإفراغ محتويات ظرف «الإندومي» في وعاء، عندما أطلقت الحكومة السورية، برنامجاً لتأريخ “المأكولات الوطنية”. كاد هذا المواطن، ينسى طعم المأكولات الشهية التي يشتهر بها المطبخ السوري، لأن مكوناتها أضاعت عنوان منزله منذ سنوات.
تخشى الحكومة على “المأكولات السورية” من السرقة وادعاء الملكية، لان «العدو ينشغل حالياً بتسجيل الملكية الفكرية لمأكولات طوّرتها جداتنا على مدى قرون». لكن المواطن يرى أن بعض من في الحكومة منشغل بسرقة مكونات وجبات البلد، ومواد هذه الطبخات، فيما اكتفى العدو بسرقة الوصفات.

معركة الأمعاء الخاوية
فرغت «السلة الغذائية» للمواطن السوري من معظم المواد الأساسية، إلا من بعض ربطات المعكرونة، وحصص البرغل والعدس التي تقدمها بعض الجمعيات الخيرية على شكل «كرتونة معونة»، إضافة إلى بضعة كيلو غرامات من الأرز والسكر وليتر واحد شهرياً من الزيت، بموجب “البطاقة الذكية”، ضمن همروجة الدعم التي تقدمها الحكومة للمواطن، وتهدد برفعها عنه في كل مناسبة.
يعاني اليوم أكثر من ١٢ مليون سوري داخل البلاد والملايين في المخيمات، من انعدام الأمن الغذائي حسب تقارير الأمم المتحدة، ويعاني معظم السوريين من سوء التغذية بعد خروج مكونات البروتين والمواد الدسمة من وجباتهم. فاكتفى معظم السوريين بوجبة واحدة في اليوم، فيما ينام معظم الأطفال بلا طعام، وبات الشعب السوري يخوض «معركة الأمعاء الخاوية»!.

انفصال عن الواقع
تقول مذيعة يرافقها «شيف غربي» في إحدى فقرات الطبخ على أحد التلفزيونات: «سوف نحضر لكم اليوم طبقاً مكوناته موجودة في كل بيت»!. وتتضمن هذه المكونات “كيلو واحد من اللحم الأحمر، ونصف كوب من الصنوبر واللوز”. وعندما تدخل ربة المنزل إلى مطبخها لتحضير الوصفة، لا تجد إلا الكوب الفارغ.
أصبحت برامج الطبخ «المنفصلة عن الواقع» على التلفزيونات الرسمية والخاصة بمثابة تعذيب للمواطن الذي يشاهدها ويتحسّر، لأن أقل طبخة منها تكلف معظم الراتب بحال توفر الغاز المنزلي للطهو، حتى إن جرة الغاز فرغت في إحدى البرامج على الهواء مباشرة، في أدق تعبير عن حالة المطبخ السوري.
ومن حسن حظ المواطن السوري أن الكهرباء تبقى مقطوعة في معظم الأوقات، وإلا كان سيشاهد “مجازر الطعام” على قناة «فتافيت» وأخواتها من قنوات الطبخ التي تبث الوصفات مما لذ وطاب على مدار الساعة.

الشيف عمر
يطهو «الشيف عمر»، وهو طباخ سوري مشهور، يعيش خارج البلاد عشرات الأطباق التي يشتهر بها المطبخ السوري. ويمتلىء «يوتيوب» بعشرات الطهاة الذين يقدمون لنا «الكبب بأنواعها، والشيش برك والشاكرية والمقلوبة والمحاشي واليلنجي والـ داوود باشا، والكباب».
يثني المتابعون العرب عبر التعليقات على المطبخ السوري، ويتضرعون بالدعاء من أجل سوريا. أما المواطن السوري، فيشاهد أطباق بلده بكل فخر واعتزاز، ويعود بعدها إلى الواقع ويتناول طبقه اليومي من شوربة العدس والمجدرة، التي لطالما كانت رمزاً للفقر، ومع ذلك أصبحت تكلفتها كبيرة نسبياً.

بيت المونة
أما «بيت المونة» الذي تمتاز به بيوت السوريين، وهو تراث صنعته جداتنا أيضاً، أصبح ركناً فارغاً تعبث به الفئران دون أن تجد ما تأكله. قطرميزات المكدوس والمربيات واللبنة والجبنة والزيتون، أصبحت جزءاً من الماضي وصار السوريون يشترونها بالغرامات.
غاب صحنا «الفتوش والتبولة» عن موائد السوريين المشهورة بأنها «عامرة» ومتنوعة، لأن تكلفتها باتت تعادل الحد الأدنى للأجور، وفي ظل تحليق أسعار الخضروات الأساسية أصبحت الفاكهة رفاهية غير متوفرة في جميع المواسم. أما الحلويات أصبح شراؤها ضرباً من الخيال، ولم تزر البقلاوة والكنافة وحلاوة الجبن بيوت معظم السوريين منذ فترة طويلة.

مطاعم خمس نجوم
على المقلب الآخر ، تمتلئ مطاعم سوريا من فئة الخمس نجوم بزبائن طبقة الـ 1 بالمئة المخملية التي تشكلت من “أمراء الحرب” والمسؤولين الفاسدين، ومحدثي النعمة، فيما أصبح الدخول إلى مطعم حلماً صعب المنال لـ 99 بالمئة من محدودي ومعدومي الدخل. هل هي حالة طبيعية أن يكون حلم المواطن السوري أن يتناول وجبة بسيطة في مطعم ولو لمرة واحدة في الشهر؟!.
تغيب اليوم ثقافة «الديليفري» في سوريا، ليس بحكم العادات والتقاليد، وإنما لأنها أصبحت رفاهية لا يملكها الموظف الفقير الذي لا يتجاوز دخله 20 دولاراً أميركياً. فيما يعتبر طلب «وجبة بيتزا ساخنة» إلى المنزل مثلاً أمراً اعتيادياً يقوم به مليارات البشر يومياً على هذا الكوكب.

النيل من هيبة المطبخ السوري
كي لا نُتهم بـ «النيل من هيبة المطبخ السوري والقدود الحلبية»، ونحن لا نقلل هنا من أهمية التراث المادي واللامادي والحفاظ عليه من السرقة. نقول إنه أمر بالغ الأهمية تسجيل وتوثيق كل ما له علاقة بالهوية الثقافية الجمعية للسوريين من آثار، وقدود حلبية، ومأكولات شعبية، وحرف تقليدية، ولا شك بأن سرقة العدو للفلافل والحمّص والزعتر استيلاء على الثقافة والهوية لا يقل عن جريمة سرقة الأرض. لكن ما الفائدة إذا سجلنا طبقاً ما على قائمة التراث العالمي، وأصحاب هذه الطبخة غير قادرين على طهوها؟.
أفضل طريقة للحفاظ على المأكولات السورية، هي أن نكون قادرين على طبخها باستمرار، لأن الجائع عادة لا يهتم بالتراث. هكذا يقول فقه الأولويات، ولا يمكن أن تتحول بلدنا من لاعب مهم ومؤثر على مستوى الشرق الأوسط، إلى خوض معارك المطبخ.
تعجز الحكومة اليوم عن تقديم حل منطقي لأزمة الجوع في سوريا. البلد الذي كان يتغنى بالاكتفاء الذاتي، وأصبح يستورد القمح في ظل العقوبات والحصار، والفساد الذي أكل الأخضر واليابس، وفي حين تأكل طبقة الواحدة بالمئة البيضة والتقشيرة، يأكل بعض أهل سوريا اليوم من حاويات القمامة.

أنا سوري آه يا نيالي
بث التلفزيون السوري خبراً عاجلاً ملأ نصف الشاشة ومفاده أن «اليونسكو أدرجت القدود الحلبية على لائحة التراث الإنساني». خبر بالغ الأهمية في ظل الصراع الثقافي، وربما يحفظ التراث من الضياع والتشويه والسرقة. لكن المواطن السوري، مهدد أيضاً بالانضمام إلى لائحة التراث العالمي بحال استمرت الكارثة الحالية.
الاحتفال العارم في ساحة الأمويين، وحالة الطبل والزمر وامتطاء التراث، لم تمنع المواطنين من إطلاق النكات. فالبعض وجد أن القدود الحلبية ترفع مستوى الصمود، و تعزز الشعور القومي، فيعيش المواطن مع القدود حالة من الطرب الدائم والسلطنة، تنسيه هم قلبه، فيواجه انقطاع الكهرباء بـ «رقص السماح والشيخاني» بدلاً من الدبكة، وربما يستخدم «قدك المياس» مع الزعتر بديلاً عن الزيت، ولا مانع من إدراج أغنية «أنا سوري آه يا نيالي» على قائمة اليونسكو، لتكون دليلاً على الكائن السوري على هذه البقعة من الأرض بعد انقراضه.

من مال الله يا محسنين
ــ دخل سائح أجنبي إلى سوريا، فاستوقفه متسول وقال له «من مال الله يا محسنين»، فقال السائح: كم هذا رائع! هل هذا من القدود الحلبية؟، فرد الشحاذ قائلاً: «لا والله يا غالي هاد موشح يومي للسوريين».
ــ يقول مواطن سوري ساخراً إن الحكومة قررت توزيع القدود الحلبية على المواطنين عبر البطاقة الذكية، ولكنه يتخوف من ظهور سوق سوداء للموشحات!.
ــ من يشاهد بعض فقرات الطبخ على بعض التلفزيونات يظن أن المطبخ السوري أفضل بـ 50 مرة من العام 2011.
ــ كما كان يفعل «أبو عنتر» في إحدى المسلسلات، يسعى بعض السوريين للحصول على إقامة في سجن عدرا، الذي يؤمن لهم الطعام والشراب والدفء مجاناً. ولهذا يرفعون سقف الانتقاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لعل وعسى يطالهم قانون الجرائم المعلوماتية الجديد.

الشنكليش واليورانيوم
ــ يرى البعض أن العدو الذي يخصب اليورانيوم سوف يعجز عن سرقة طريقة جداتنا في تعفين «الشنكليش» وصناعة «الجظ مظ».
ــ يعتقد مواطن سوري أن سرقة المأكولات هو من اختصاص الحكومة الوطنية ولن نسمح للدول الإمبريالية أن تسرقها.
ــ فيما تستعد الحكومة لتسجيل المأكولات السورية على لائحة التراث العالمي، لم يحسم الجدل محلياً بعد حول إن كانت حلاوة الجبن حمصية أو حموية!.
ــ غابت ظاهرة موسوعة غينيس وأطول سيخ كباب وأكبر سيخ شاورما، نتيجة الأوضاع الاقتصادية.
ــ كانت دمشق وحلب تشتهر برائحة الطعام الشهي التي تفوح في حاراتها على مدار العام، ولكنها تفوح حالياً لمدة محدودة في «شارع الأكل» الذي تحول إلى مهرجان سنوي.
كل لقمة بغصّة
ــ غصّ مواطن سوري وكاد يختنق بلقمة الخبز التي كان يضعها في فمه عندما سمع تصريح رئيس الوزاء حسين عرنوس يقول إن “تكلفة ربطة الخبز ١٢٠٠ ليرة ونبيعها ب ٢٠٠ ليرة”، شعر هذا المواطن بالذنب لأنه يكلف الحكومة فوق طاقتها.
ــ أضافت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” ملف أكياس الخبز في سوريا إلى مفاوضات فيينا، للتأكد فيما إذا كانت مسرطنة، وعدَلت المنظمة عن الفكرة عندما رأت الشعب السوري يفرد الخبز على الأرض.
ــ نشرت وكالة “سانا” خبراً عن أطعمة يجب تجنبها عند الإصابة بتسمم غذائي ومنها “اللحم والدجاج والديك الرومي والمأكولات البحرية”، وهنا علق مواطن ساخراً بأن وكالة سانا نسيت الأفوكادو والكافيار.

حمام بارد
ــ جرب مواطن سوري نصيحة خبير استضافته إذاعة دمشق ونصح عبر أثيرها بالاستحمام بمياه باردة، فتعلم المواطن رقصات مايكل جاكسون جميعها تحت الدوش، وهو يتلقى العلاج في المستشفى حالياً.
ــ يترقب الجمهور السوري برنامجاً صباحياً على الإعلام الرسمي عن فوائد المجاعة بعد أن اقترب منها.
ــ من المواضيع المقترحة للبرامج الصباحية في الفترة المقبلة: فوائد الركض خلف السرفيس، أضرار الكهرباء، فوائد الوقوف على الطوابير، برنامج خاص عن مزايا عذاب القبر، وفوائد العيش في مقبرة.

*الصورة من صفحة سلوى زكزك