للمدينة سطوتها على ذاكرتي، أنا الذي ابتعد عنها كثيراً هارباً مما قد أراه وأنا العاجز عن كبح صرختي أو رغبتي بالبكاء أمام ناسها وشوارعها، وكالزائر الغريب كنت أذهب إليها عندما أحتاج شيئاً من أسواقها أو لموعد مع طبيب أنا الذي اختبر أصناف الأمراض واعتاد الانتظار في العيادات.

خطة اليوم كانت بسيطة ومحددة: زيارة طبيب الأسنان لابنتي الصغيرة، وذهاب زوجتي وابنتي للحلاق بعد تردد وتأجيل دام شهوراً. أما أنا فكان عليّ البحث عن بعض الثياب الشتوية لابنتي في محلات محددة غالباً ما تكون في أقبية البنايات وعلى أطراف السوق، ثياب مستعملة ولكنها تفي بالغرض. دربتُ نفسي في السنوات السابقة على أن لا انتبه أو أفكر بأي شيء وأنا في شوارع المدينة، وكنتُ كالآلة التي لديها مهمة محددة لتنفيذها، لكني اليوم فقدتُ السيطرة على نفسي وغصتُ في تأمل كل التفاصيل التي تمر أمام عيني.

دخلتُ محل الثياب المستعملة، الرائحة المميزة للمكان ووجوه الزبائن، سيدات بهمة عالية في النبش بين الأكوام المكدسة هنا وهناك، عاملتان في المحل، واحدة تكوي بعض الثياب المميزة لتبدو وكأنها جديدة وتعلقها في قسم خاص (قسم الثياب المميزة وغالية الثمن)، وأخرى تحاور الزبائن وتراقب بعينيها جزادين النساء خوفاً من أن تدس إحداهن قطعة فيها خلسة. وبدوري تأقلمتُ مع الحالة فوراً وهممتُ بالنبش وسط كومة من الروائح المختلطة من الملابس وعطور نساء اندسست بينهم عنوة. عالم آخر تكوّن حولي وفرح صغير جرى في داخلي ببطء وأنا أراقب أيدي النساء وتفاصيلها أمامي. تسمرت عيناي على عشرات الأصابع المختلفة تتحرك وكأنها في رقصة ما، كنت أتتبع الأصابع محاولاً التنبؤ بشكل صاحبتها لكني كنت أفشل ما أن أصل بعيني لوجهها، يد واحدة فقط تتبعتها باهتمام من بين كل الأيدي أمامي، شيء ما شدني إليها، رفعت عيني لأرى وجه من تكون، عرفتها فوراً، فتاة من قرية مجاورة لقريتي كنت مفتوناً بها في أول مراهقتي، نظرت إلي ولكن ملامحي التي تغيرت كثيراً كانت كفيلة بأن لا تعرفني. هي صدفة في يوم المدينة الغريب هذا، حظيتُ أخيراً من حفلة الأصابع تلك بمعطف جميل لابنتي وببعض ذكريات المراهقة التي حضرت مع وجه تلك الفتاة وبالكثير أيضاً من زخم الروائح والمشادات الطويلة مع صاحبة المحل على سعر المعطف الذي قالت أنه ارتفع بفعل ارتفاع صرف الدولار.

مهمتي الثانية لهذا اليوم كانت البحث عن كمية من الأرز الذي أستخدمه كبديل للقمح في الغذاء وصنع الخبز، جنون الأسعار الحالية والانهيارات اليومية لليرة حالت دون قدرتي على شراء نوع جيد، ما اضطرني للبحث عن الأرز السيء الذي يأتي كمساعدات غذائية من منظمات دولية، ثم يباع منه ما يزيد عن حاجة الناس أحياناً وأحياناً أخرى من المصادرات وسرقة المعونات التي تورط فيها الكثير من الفاسدين العاملين في الإغاثة. المهم أنني وجدتُ ما أبحث عنه وعدت فرحاً بغنيمتي الصغيرة 30كيلو من الأرز السيء بـ5000 ليرة فقط، بينما كنت سأدفع بنفس الكمية 18000 فيما لو اشتريت الأرز القصير من أحد المحلات في السوق. هذا عدا عن القرارات الجديدة(1) برفع الدعم الحكومي عن بعض المواد ومنها الأرز وبيعه بالأسعار الرائجة عالمياً، مما يعني أنه قد يصل سعر الكيلو الواحد لـ 1500 ليرة.

ريثما تنتهي زوجتي وابنتي من الحلاق كان لدي ساعة تقريباً. قررتُ أن أقضيها على مقعد في الساحة مقابل مضافة الأطرش، ربما لرغبة قوية في مراقبة الناس والمكان. اخترتُ مقعداً في وسط الساحة كان يجلس عليه أحد أقاربي صدفة، لكنه من سكان المدينة. أنا أعرفه، لكنه لا يعرفني بحكم انقطاعه عن القرية. لم أُعرّف بنفسي واكتفيتُ بالجلوس بجانبه صامتاً. أمامي شابان يُدخنان السجائر ويشربان القهوة التي اشتروها من البائع المقيم في الساحة، يتذكران مغامرات الخدمة العسكرية وكيف كانا يحتالان على الضابط لأخذ إجازة قصيرة ورشوته ببعض الزبيب أو النبيذ. أشجار الساحة كبرت في غيابي عنها كثيراً وأصبحت تُظلل المقاعد جيداً. في أول الساحة شابان في المرحلة الثانوية يتباهيان بأناقتهما ويغازلان صبيتين تمران من أمامهما بعبارات يعتقدان أنها طريفة ومضحكة (عسل ياماوردي، يسلملي الصوص الأصفر). بائع الألعاب في زاوية الساحة لايزال موجوداً منذ أن اشترت لي أمي كرة قدم في إحدى المرات منذ 30 عاماً. أصحاب المحلات المطلة على الساحة واقفون على أبواب محالهم ينتظرون زبوناً عابراً أصبح من النادر أن يأتي. أحد هؤلاء شيخ كبير في السن يتمشى في الساحة ويلم فتات الخبز الموجود ليرفعه عن الأرض خوفاً من أن يدهسه المارة بأحذيتهم. طفل صغير يبيع العلكة ويدخن سيجارة أطول من أصابع يده، وعندما استنكر أحد الشابان الجالسان أمامي ذلك صرخ بهما وقال: “ليكون مش عاجبك، أنا زلمة غصب عنك”.

وجوهٌ كثيرة مرت أمامي في تلك الساعة تختزل يوم المدينة وهموم ناسها، الشيء الوحيد الذي يجمعها هو الخوف، خوف من مجهول يبدو لن يحمل معه أي إشارات مطمئنة، لا أحد يمتلك إجابة عن أي من الأسئلة التي تتزاحم في الرؤوس والشوارع. هو الخوف فقط من لا تخطئ في تلمس وجوده في وجوه الجميع مهما حاولوا إبعاده أو إخفاءه.

استوقفتني البيوت القديمة التي لم تزل موجودة في الساحة، مضافة آل الأطرش المشهورة والتي حملت تاريخ المكان لاتزال على حالها، مشرعة أبوابها لأي زائر يدخلها، يبدو أنها غير بعيدة عن مصير أختها مضافة آل أبو الفضل المشهورة أيضاً والتي وافق مجلس المدينة على هدمها وبناء برج تجاري مكانها (2). هي الأمكنة المنهوبة التي كان حلمي وأنا صغير أن أشتريها يوماً ما لأحميها من الهدم، لكن على مايبدو أموال العقارات باتت أهم بكثير من بعض الحجارة القديمة التي لا قيمة لها، لي حصة من خراب هذا المكان لن أفلت أو أشفى منها ما حييت.

هي لحظات صغيرة من نسيان العالم والأوجاع عندما رأيتُ ابنتي مقبلة نحوي فرحة وقد قصت شعرها الطويل: ” بابا قصيتو قصير مثل ما بتحبو أنت.” كابدتُ كثيراً لكي لا أبكي وأنا أحتضنها؛ فلم أشأ أن أفسد فرحتها الصغيرة وهي الطفلة القادمة من براري الريف. صحيح أن عمرها من عمر الحرب هنا إلا أنها قادرة على أن تشعر بي بشكل غريب. استدركت الموقف بذكاء وسألتني بعدما أخرجت تفاحة كانت في حقيبتها الصغيرة محاولة أن تغير الموقف: “بدي أعرف منين إجت أول بذور التفاح على الأرض وكيف تشكلت.” فما كان مني إلا أن بدأتُ بالشرح لها عن نظريات التطور وأسرد لها ونحنُ نبتعد عن الساحة وهي تقضم تفاحتها غير آبهة بالانفجار العظيم ولا بدارون ولا حتى بمخاوف والدها. أمسكت يدي وقالت: “بتعرف بابا مش مهم منين إجت التفاحة المهم إنو إنت جبتلي إياها”، فاحتضنتها وبكيتُ.

هوامش:

(١) قرار حكومي جديد سيضاعف ثمن كيلو السكر والرز، فما هو ..؟ متوفر على الرابط التالي: https://suwayda24.com/?p=12420&fbclid=IwAR2m8l4B_S0SM7n7WYtDaNtxddxCf5O_D5uS5mDfcKHpQx9qtCoe0kWpGDw

(٢) مصدر الخبر صفحة شبكة اخبار السويداء S.N.N  على الفيس بوك من الرابط التالي: https://www.facebook.com/swaidanewssnn/posts/2691250217577169