في مجموعتها القصصية الجديدة (يوم لبست وجه خالتي الغريبة)، تبتعد سلوى زكزك عن التمويه والخداع وتزييف الوعي أو تصوير البلاد بلوحات رومانسية، فاتنة، والمرأة في صورة متخيلة أكثر منها حقيقية ومن لحم ودم. إن قصصها واقعية وغير مباشرة بذات الوقت، والمرأة بنموذجها الواقعي الحقيقي تظهر بلا مكياج رومانسي أو أيديولوجي، امرأة حقيقية في طاحونة الحياة اليومية. ولا تنادي الكاتبة بتحرر المرأة الاقتصادي عبر الشعارات البراقة، بل ترصد متغيرات تمكن النساء الاقتصادي والاجتماعي وقدراتهن الشخصية في غياب الرجل، الشريك في بلاد الحرب المديدة.

 في قصص سلوى تغيب اللغة البلاغية والمجاز وتهيمن اللغة الواقعية في تجانس بين بناء القصة ورؤية الكاتبة الراصدة للحرب وآثارها من القذائف والحواجز والفقدان وغياب الحاجات اليومية وانعكاس ذلك على حضور المرأة وأحلامها.

لا تتحدث الكاتبة عن الحرب مباشرة ولا عن بطولات المتحاربين، بل اختارت التحدث عما تلتقطه عيناها، النساء فقط! بلا رموز وبلا رتوش، وهي بذلك تريد مخاطبة ما هو جدير بانتباهنا، نحن الذين ننجذب إلى شعارات الحرب والبطولات، مستحضرة شخصيات حقيقية لطالما نراها ولا ننتبه لها، شخصيات إيجابية رغم حزنها، وقوية رغم شح ما تقدمه الحياة لها.

في قصتها الأولى، التابوت المصدف، تأخذنا إلى امرأة تعيش في مستودع للصناديق، حتى صارت ظلاً للصناديق، تستمد الدفء من الصندوق الأسود، وتتأكد من سلامة ممتلكاتها حين تتفقدها في الصندوق البني حيث ورقة طابو البيت وصور الأولاد الذين هاجروا، وهوية الأب الذي خرج ولم يعد، هي لا تعيش في مخيم وربما يحسدها الناس على عيشتها في هذا المستودع الذي تفتقد بسكنها فيه إلى عقد إيجار أو استضافة، لكنه آمن ونظيف ومجاني. إنها قصة الحياة المؤجلة في بلد يشبه الصندوق المغلق، لكن المرأة تعيش حياتها كتحد وتنتظر الغد رغم الخوف والعفن والوحدة.

في قصة الثامنة صباحاً بتوقيت المدينة، يحضر الله في تفاصيل الحياة اليومية للناس، بالكلمات والأدعية وبالمواعيد، تكشف الكاتبة بعدستها الأدبية وبعين سينمائية أخاذة أماكن التسوق (البسطات)، ترصد كل حركة وكل كلمة وإعلان للبيع، يبدو الله قريباً من كل تفصيل، يغض النظر عن السرقات الصغيرة ويتعاطف مع المحتاجين والمتعبين، في مواجهة لا ترحم يقوم بها رجال البلدية فارضين خواتهم ورعبهم على البسطات وأصحابها. إنها القصة التي تسرد ما لا تذيعه نشرات الأخبار، قصة حيوات الذين لا صوت لهم، يهدرون أصواتهم للإعلان عن بضائعهم، ويرعبهم الصوت المنادي (اهربوا بلدية).

في قصة ع المكسر يا بطيخ، استجابت الصدفة للضرورة، ولأن بياع البطيخ في ليلة العيد كان مضطراً لبيع البطيخ كله ليسلم السيارة لصاحبها، اتجه إلى منطقة جبلية تسببت بتساقط البطيخ من صندوق السيارة، فتحولت إلى بطيخ مكسور بفعل الصدفة، إلا أيهم الفتى جامع القمامة فقد حصل وبالصدفة ومجاناً على بطيخة سليمة سكرية اللب وشهية، صدفة لبت ضرورة الاحتفال بالعيد ولو ببطيخة مكسورة بالصدفة.

في قصة، فاصل من الموسيقا، تعود المرأة لتحط كأم تلتقي بابنها المسافر ولا تلتقيه، لأن الموسيقا كانت عنواناً للوداع بدل اللقاء، وما بينهما حفل موسيقي وتبادل لأماكن الوداع، قصة الأم في لحظات انخطافها نحو الابن الذي كان مضطراً للعزف وقت وصول والدته وسفرها فامتدت الموسيقا كسنوات الغياب.

في زمن التحولات تسرد الكاتبة حكاية ليست كحكايات الأدوار العليا السائدة، بل حكاية تكسر التراتبية وتخترق السائد في محاولة لفرض التحول الخاص وكأنه جزء طبيعي من التحول العام.

 في قصة فائض عن الحاجة لا تتزوج المرأة بطلة القصة مرغمة لتغطي على حملها من حبيبها، وتضحي بجنينها الذي تعتبره فائضاً عن الحاجة في زمن الحرب وتبقي على قرارها بأن تعيش علاقة مع من تحب دونما زواج، إنها قصة تمرد وتحول وحاجة إنسانية في زمن جديد.

وفي قصة مجرد اشتياق، تكتب عن العمران الجديد وتوسع المدن الذي يأخذ من الناس ذكرياتها وأماكن الحب والتسوق وتسود الوحدة بعد تقدم العمر، وربما تكون مآلات ذلك دار المسنين، بطلة القصة رمزية تستعيد علاقتها بحارتها القديمة عبر سائق من حارتها كاد أن يدهسها، إنها قصة المشاعر المتناقضة وفيض الحاجة للآخر وإن غابت فدار المسنين هي الحل في عالم الوحدة والتصحر والاستهلاك.

وإذا كانت أسماء الأمكنة غائبة في كثير من القصص فإنها تحضر بقوة في قصة هدوء نسبي، التي تحدث في جرمانا، ودمشق تحديداً والزمن هو زمن سقوط القذائف، إنها الحرب مرة أخرى، بين الخوف واللاخوف من القذائف العابرة للسماء، إنها الحرب المحمومة لتأمين الاحتياجات في لحظة تظنها سميرة بطلة القصة لحظة أمان.

ولأن جنازات أبناء البلد صارت الفسحة الأكثر إدراراً للكلام وللتعارف، تتحول الجنازات إلى تصوير حي ومباشر لحياة النسوة العادية والتي تمنحها الجنازات حماساً وتشويقاً وتسرد قصص الموت بطرافة موازية لطرافة الموت في زمن الحرب وتصير الجنازات للفرجة كما هو عنوان القصة بدلاً من الحزن والتأسف.

في قصة ليفة للاستحمام تخرج النساء للتسوق وتعتمد الفقيرات منهن على البالة لشراء الملابس، ومن بين المتسوقات ثمة امرأة لا تشتري! لكنها تطلب ما تحتاجه وما يفيض عن رغبة سواها، لذلك تطلب المرأة الكتافيات من السيدة التي اشترت السترة، لماذا؟ لتجعل منها ليفة للاستحمام! قمة الطرافة والذكاء وحين تعجز السيدة عن تأمين أزرار لمعطفها تطلب من الله مطراً من الأزرار!! يا لها من مطالب؟

في بلاد لا يحمي القانون أهلها، تلجأ بطلة قصة (جنين) والمتزوجة إلى الحيلة، لتحافظ على عملها وجنينها في نفس الوقت، لأن صاحب العمل يشترط عمل العاملات العازبات فقط وعندما حملت بطلة القصة: (أزهرت وتكونت في أحشائها بذرة حية تنفث غلال المواسم في حياتها اليابسة) اختارت نداء قلبها (امرأة تختار ما تعرفه بقلبها)، ولكنها حين نوت الاستقالة من العمل لتعذر استمرار حيلتها أجهضت.

في قصة دغدغة مرهمية، رغم اللغة النثرية العذبة، إلا أن بطلة القصة، بائعة الخبيزة وعندما قدمت لها سيدة مترفة مطرياً ليديها تعاملت معه بأسلوب تراجيدي وكوميدي في نفس الوقت، لنكتشف المفارقة بين المطري ليدين من تعب وشقاء وبين الفقر عنوان المرأة والبلاد.

في قصة حالة طوارئ تتحول الكاتبة إلى مخرجة تلتقط اللقطات السينمائية في بلاد الحرب حيث (تتشتت الحرب على حدود العيش وتغمر بخرابها كل تفاصيله)، في لحظة محددة ينصرف الجميع تلبية لنداء الماء التي أتت فجأة وكأن قدومها بيان عسكري وجب التقيد به.

ولأن الغياب هو سيد الحاضرين في الحرب فإن المرأة هي التي تستلم كافة الأدوار في غياب الرجال، وخاصة ما تلجأ إليه الأمهات لبيع كل شيء من أجل تسفير الأبناء نحو ضفة آمنة، بطلة القصة وإن بدت فرحة بوصول أبنائها الثلاثة إلى النمسا، لكنها تقول وهي توزع الحلوى: (من قال إن قلوب الأمهات تسعد برحيل الأبناء).

في قصة إعلان عائلي، تصر الأم على خطبة شابتين لولديها الغائبين، لا تصدق غيابهما بل وتصبح حارسة الغياب، والحرب لا تنتصر بهول ما تجرفه معها وبهول خسارات البشر إنما تنتصر للباقيات، وكما قالت الأم (غداً ستنتهي الحرب، سترحل بعيداً، معترفة بأنها لم تهزم امرأة قط).

في قصة أليس وشهوة الموت، تعمل أليس خياطة وهي المرأة الأولى التي لبست بنطلون الشارلستون في مدينة دمشق، فانتصرت بعملها وبقرارها، ولكنها وفي نهاية عمرها لا تريد إلا أن تسرد حكايتها مع نجاحها، خاصة أنها تمثل الجرأة مما دفع الخياطين للقدوم لمنزلها لتعلم قصة البنطلون الشارلستون النسائي.

في قصة معايدة، تطلب أم صادق من مذيعة التلفزيون ساعة حائط وروزنامة كمعايدة في ليلة رأس السنة، مع أنها تعيش في الحديقة منذ ثلاث سنين، في خيمة قماشية على أرضيات خشبية مرتفعة عن الأرض كقبر. وعندما خرجت من بيتها لم تأخذ منه إلا كفنها الذي تجدد كيسه دورياً كي تموت بكرامة كما تقول.

في القصة الأخيرة والتي حملت المجموعة اسمها، تستعرض القاصة يومها الطويل العامر بالغربة، لدرجة أنها تتقمص وجه وشخصية الخالة الغريبة وعندما تعود إلى منزلها في الحافلة الصغيرة الخانقة تقص على الركاب قصة الخالة وكأنها هي، لتغرق في الغربة ويغرق الركاب أيضاً في عتمة الغربة الطويلة ورائحة الفجيعة فيها.
في تسعين صفحة روت القاصة سلوى زكزك حكايات النساء في زمن الحرب. إن فرادة قصص المجموعة تقوم على اللقطة السينمائية وبذات الوقت البانورامية، لقد منحت سلوى زكزك حكايات السوريات مذاقاً محلياً خاصاً، مهتمة بالبعد الإنساني الموجع لكن الذي يفور بالمواجهة والتحدي، ومن هنا يليق بها الإهداء إلى السوريات البهيات.