بواسطة عامر فياض | أبريل 10, 2018 | Roundtables, غير مصنف
” الشعب السوري” العبارة الأكثر حضوراً في جميع الجلسات والمؤتمرات الدولية التي عُقدت لأجل سورية. جميع الأطراف السورية كانت ومازالت تفاوض وتتحدث باسم الشعب السوري وباسم الوطن السوري، ولكن كل طرفٍ يرى الشعب من منظوره فقط ووفقاً لسياسته الخاصة، ويختصر الوطن بمناطق نفوذه وبالأراضي التي تهمّه وتفيده.
هل فكر أحدهم بإيجاد تعريفٍ صادقٍ وموضوعيٍ للشعب السوري؟ هذا الشعب الذي صار اليوم بمعظمه منقسماً إلى عدة شعوبٍ وغاب عنه مفهوم الشعب الواحد، فهناك الشعب المؤيد والمعارض واللاجئ والنازح… وكل شعبٍ من هؤلاء بات ينتمي إلى وطنه الخاص، بعد أن تبدل مفهوم الوطن أيضاً. فبعض المؤيدين صاروا يرونه محصوراً بمناطق سيطرة الجيش، وبعض المعارضين يرونه بمناطق سيطرتهم أو ما يعرف بالمناطق المحررة، أما بعض اللاجئين فقد وجدوا وطنهم في بلدان لجوئهم في أوروبا وغيرها، حيث نالوا نصيباً من حقوق الإنسان والمواطنة، بينما ضاق الوطن عند كثيرٍ من ضحايا الحرب والنازحين ليقتصر على منزلٍ ورغيف خبزٍ وشيءٍ من الأمان، آخرون اختصروا وطنهم بعائلتهم أو ببضعة أصدقاءٍ أو بمجرد حبيب.
إن هذا الانقسام الشعبي الوطني، بات اليوم يشكل تهديداً واضحاً لموضوع الانتماء الوطني الجمعي ولمستقبل الهوية السورية الواحدة.
انقسام في التوجه الواحد والرأي الواحد
لم يعد الانقسام السياسي محصوراً بين تيارٍ مؤيدٍ وآخر معارض، بل تخطى ذلك ليدخل إلى قلب التيار الواحد والتوجه الواحد. فالخلافاتُ والسجالاتُ في جهة المعارضة باتت تندلع في كثيرٍ من الأحيان على أبسط الأشياء، ليتحوّل منشورٌ “فيسبوكيّ” لا يُغني ولا يُزيد إلى موضوع جدلٍ وشِجارٍ مرفقٍ بالتخوين والاتهامات. مثلاً، هناك من يجد الحلَّ الأمثل للقضية السورية في الخيار السياسي، بينما يجدهُ آخرُ في الخيار العسكري، وثمة من يرى في مناطق المعارضة مناطق محررة، بينما يراها مخالفٌ مناطقَ للموت والحصار.
الخلافات طالت مواضيع كثيرة أخرى… لنتذكر السجال الذي حصل بشأن منتخب كرة القدم، فالبعض نزعَ عنهُ هويّته السورية ووضعه تحتَ تصنيف (منتخب النظام) فهاجم مشجعيه واتهمهم بالخيانة وفي الجهةِ المقابلةِ تماماً اصطفَّ من نادى بفصل السياسة عن الرياضة ووهب المنتخب هويةً سورية ورأى فيه منتخباً يمثِّل كل السوريين.
لم تنج حقول الثقافة والفن من تلك الخلافات أيضاً، إذ كثيراً ما تحول حدثٌ فني أو ثقافي، إلى مناسبةٍ للجدل والاختلاف بين منتقدين ومخوَنين وبين مدافعين ومبررين، وذلك تبعاً للمكان والجهة المنفذة. فإقامة معرضٍ فني أو أمسيةٍ شعرية في مكانٍ ما من دمشق، قد تفتح البابَ لفئةٍ ما كي تنزع الصفة الوطنية عن صاحب المعرض أو الأمسية، بحجّة أنّه يدعم النّظام بتقديم أنشطةٍ وفعالياتٍ في مناطق محسوبة على الأخير، بينما تصرُّ فئةٌ أخرى على الهوية السورية للمكانِ والحدثِ وصاحبِه.
تلك الخلافات خوّنَت كتاباً وصحافيين واتهمتهم بمحاباة النظام والتخلي عن مبادئ الثورة، لأن كتاباتهم خالفت رأي البعض في مسائل وطنية قد تخضع للنقاش وتقبل التأويل.
الانقسام ذاته يتكرر على ضفة المؤيدين، فهناك من يرحب بقصف مناطق المعارضة وقتل وتهجير من فيها، في حين يرفض آخرٌ تلك السياسة ويدافع عن فكرة الحوار والتفاوض السياسي. أخٌ يخوِّن أخاه الذي رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية والأخير يرفض أن ينخرط في تلك الحرب. صديقٌ يتهم صديقه بالعمالة لأنه يتواصل مع سوريين معارضين في الخارج وآخرُ يرى أنَّ السّوريّ سوريّ مهما اختلف رأيه وموقفه… وبين هنا وهناك هويّةٌ تُنتَزع وهويّةٌ تُعطى وهويّاتٌ تُبتَكر على مقاسِ صانعيها.
السؤال المطروح في ظل هذا: إذا كان أصحاب التيار الواحد لا يستطيعون الإجماع على رأيٍ موحدٍ لخطابهم الوطني أو رؤية مشتركة لنهجهم السياسي أو تعريف واضح للهوية الوطنية ومن يمثِّلها فعلاً، فهل سيمكنهم الإجماع على شكل هوية سورية واحدة؟
صراع الهوية بين الداخل والخارج
لعل التهديد الأبرز لمستقبل الهوية والانتماء في سورية يتمثل بانسلاخ مكوناتٍ كبيرةٍ من أبنائها عن وطنهم الأم لصالح أوطانٍ أخرى، فكثيرٌ من السوريين الذين رحلوا عن البلاد محوا فكرة العودة إليها أو فقدوا شعورهم بالانتماء إليها، وحسب تصورهم الهوية الإنسانية التي يحملونها قد رأت في الهجرة طوق نجاةٍ لهم، لثقافتهم وإنسانيتهم، بينما قد يحولهم البقاء في البلاد إلى قتلةٍ ومجرمين أو أرقاماً بانتظارِ رصاصةٍ أو قذيفة، فمن بقي في سوريا قد اختار الانتحار أو الموت البطيء. فيما يرى آخرون أن هذه البلاد لم تعد لهم، وأن وجودهم فيها لن يغير شيئاً، فليس بإمكانهم إنقاذها أو إيجاد حلٍ قد ينهي الحرب.
إن واقع الانسلاخ هذا سيؤثر حتماً على شكل الهوية السورية ونسيجها المتنوع، خاصة إذا ما تم تجنيس السوريين في الخارج، فربما حينها سيضيّع الكثير منهم بوصلة انتمائه وماهية هويته.
من جهةٍ أخرى، فئاتٌ ممن مازالوا في الداخل، باتت تشعر بالخذلان واليأس وبالعجز عن القيام بدور وطني فاعل، بعد أن أُخمد صوتها وشلَّ حراكها وخارت قواها، لذا أصبح السفر خارج جحيم البلاد حلماً لمعظمها، والرّضوخُ والتّماهي في اللامعنى هما الفعلان الوحيدان لها، ولعل هذا خطرٌ آخر سيحدق في موضوع الهوية، لاسيما وأن بعض تلك الفئات صار يشعر بالكره نحو بلده وبالحقد عليها بعد أن دمرت برأيه- كل ما يحبه وينتمي إليه ونبذته حتى وهو لايزال في أحضانها.
بالمقابل يصرُّ كثيرٌ من السوريين، الذين كان لهم دور وطني فاعل، على البقاء في سوريا ويجدون في الأمر صموداً ومقاومةً؛ بل وموقفاً نضالياً وبطولياً، ويرون أن بعض من رحلوا غير وطنين وإنهزاميين، ولم يقوموا بالدور المنوط بهم تجاه بلدهم حتى وهم خارجها؛ بل دمروها ورحلوا مفضلين مصالحهم ومشاريعهم الفردية على مصالح الثورة والبلاد وخذلوا السوريين الذين دفعوا فاتورة الحرب والدم لوحدهم.
إن هذا الصراع بين سوريي الداخل والخارج قد يشكل عائقاً مستقبلياً كبيراً أمام الإجماع على تشكيل هويةٍ سوريةٍ واحدة، بالنظر إلى حجم الخلاف والإختلاف الحالي بين الطرفين على مفاهيم وقضايا شائكة ومعقدة، كمفهوم الصمود والوطنية أو التخوين والإنسلاخ عن الوطن.
هل يمكن توحيد شكل الهوية السورية والانتماء إلى وطنٍ واحد؟
حتى اليوم، حاول أغلب المصطفين إلى جانب النظام حصر شكل الانتماء الوطني بالولاء لرموز هذا النظام وأدوات سلطته وفصّلوا سوريا على مقاسهم، ونزعوا عن كل من لم يتبع نهجهم سوريَّته وحاولوا تقزيمه ومعاقبته بشتى السبل، بالمقابل حوَّلت بعض قوى المعارضة المسلحة بوصلة الانتماء من الانتماء الوطني لسورية الثورة إلى الانتماء الديني والمناطقي، فراحت تشكل فصائل ذات ايديولوجيات دينية بحتة، وصارت تسعى لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية.
ومع ارتفاع وتيرة الصراع في سورية وتقطع أوصال البلاد، تشرذمت معظم القوى الوطنية المؤثرة في المجتمع إلى كيانات سياسية ودينية وطائفية وعسكرية وقبلية، فبات من الصعب في المدى القريب توحيد شكل الانتماء والهوية والشعور الوطني الجمعي؛ خاصة بعد فشل جميع الأطراف السورية بإنتاج خطاب وطني موحد يؤسس لهوية سورية جامعة، كما إن إفراغ سورية من أهم رموزها الوطنية وأبرز عقولها ونخبها الفكرية والعلمية والثقافية، قد ترك الساحة السورية للعسكرة وتجار الحروب، فقد تحتاج البلاد لتلك الرموز والنخب للنهوض بها وبهويتها، لكنها ربما لن تجد من يقف إلى جانبها. وما زاد الأمر تعقيداً وضبابيةً، هو أن الصراع في سوريا قد استقطب إليها قوىً خارجية صارت فاعلة على الأرض بقوة، وهذه القوى لها أجنداتها ومصالحها الاستراتيجية وربما الاستعمارية التي ستتحكم في مصير ومستقبل البلاد، كما أن القوى الإقليمية والعالمية التي أصبحت معنيةً بالشأن السوري سيكون لها دور فاعل في مآلات الحرب، وبالتالي ستؤثر تلك القوى جميعها في موضوع الهوية والانتماء، فقد تجر البلاد إلى التقسيم أو الحكم الفيدرالي أو غيرهما من السيناريوهات المؤلمة المتوقعة، فقذارة التاريخ أقرت بأن العالم بأكمله يمكنه التحكم بمصير سورية وهويتها أكثر من السوريين أنفسهم.
بارقة أمل
لو استطاع الشعب في الداخل والخارج أن يقرر مصيره بنفسه بعيداً عن سلطة الأوصياء عليه، لو أقيم استفتاءٌ نزيهٌ برعايةٍ نزيهة لمعرفة رأيه ورغباته، فربما حينها سيستطيع إنقاذ الهوية السورية من الضياع، تلك أمنية، ولكن ثمة واقعٌ يزهر منه الأمل، فرغم مأساة هذا الشعب وتشتته وانقساماته وتمزُّق شعوره الوطني، هناك فئات كبيرة منه بقيت مخلصة للمبادئ الوطنية الجوهرية ومتمسكة بانتمائها الثقافي والفكري والحضاري لسورية كوطن وهوية. فئاتٌ قدمت نماذج رائعة في المواطنة وقبول الآخر ونبذ الطائفية والتصدي لأفكار الحرب ومفرزاتها، كما حافظت على مفهوم التعايش والتآخي بمساعدة النازحين وإيوائهم ومد يد العون لكل ما هو سوري، وأخرى حافظت على هويتها، رغم خروجها من سورية، فحاولت نشر ثقافتها وأصالتها، وعرَّفت العالم بثقافة البلاد وفنونها وحضارتها وتاريخها.
إذن، يبقى الأمل الوحيد لمستقبل الهوية السورية بالرهان على وعي تلك الفئات الوطنية بضرورة بناء شخصية سورية متجانسة لأنها الضامن الوحيد لتلك الهوية، وبالرهان على عودة سوريي الخارج المؤمنين بوطنهم وبضرورة دعمه لينهض من جديد. قد يحتاج الشعب وقتاً حتى يرمم جراحه ويعود إلى فطرته الوطنية الأصيلة، وربما سيحتاج مستقبلاً إلى نضالات وثورات جديدة على السياسة والدين والسلطات التي أفرزتها الحرب، حتى يستطيع الإجماع مستقبلاً على شكل هويةٍ وطنيةٍ واحدة.
بواسطة Ammar Diob | أبريل 6, 2018 | Roundtables, غير مصنف
يتجدّد النقاش تباعاً بموضوع الهوية في سورية، قبل الثورة والآن. الموضوع ذاته يتكرّر في البلدان غير المتطورة؛ بينما لا يُناقَشُ بكل هذه الحدّة في أوربا مثلاً، باستثناء موضوع هوية الوافدين إليها؟ السؤال هنا، لماذا يَحضر موضوع الهوية لدينا بينما يغيب في أوروبا؟ لن أناقش الموضوع في هذا المقال، ولكن طرح هذه المفارقة أساسي بسبب أن بلداننا وأوروبا تعيش في المرحلة التاريخية ذاتها.
تعددية فاسدة
المشكلة التي تُجدّد النقاش هي أنّه ليس من هويةٍ مهيمنة في مجتمعاتنا؛ فهناك الهوية القبلية والدينية والطائفية والقومية، وهناك من يُوسّع النقاش ليشمل هوية الفرد ذاته، فهي متعددة “بيولوجياً ونفسياً وفكرياً ودينياً وقومياً…” الإشكال هنا يكمن في اعتبار التعددية تماثل الشكل الطبيعي “التاريخي” لقضية الهوية، وأن كل محاولة لابتسار الهوية بالقومية المهيمنة مثلاً هي مصادرة على تعدّدية الهوية وإفقار لغنى الفرد أو المجتمع من ناحية الهوية.
إذاً هناك أطروحات متعددة تتناول قضيتنا، وهي قضية مطروحة عالمياً ومحلياً. سوريّا؛ هناك كلام كثير عن هوية ملتبسة، أي هناك هويات متعددة، وتبدأ مما تنتجه القبيلة والطائفة والدين والقومية والدولة، وكذلك مما يقوله تيار ثقافي ما بعد حداثي يُشيد بهويات فردية متمايزة بتمايز الأفراد وبما يفسد موضوع الهوية ذاته لتتعدد بتعدد الأفراد. لو تجاوزنا موضوع الهوية الفردية بنقاشنا، وذهبنا لما هو عام، فهناك الآن هويات متساكنة طوراً ومتضاربة طوراً أو”حربية” طوراً أخر؛ الحالة الأخيرة، تظهر في الحرب الدائرة، وفي النقاش “القاتل” للآخر، أي السني يجتث العلوي والعكس صحيح، وكذلك العربي ضد الكردي، وهكذا؛ هذا يوضح أن هناك تعدّدية هوياتية مُتشظية وملتبسة ومتداخلة للمجتمع السوري.
هوية الدولة المستبدة
هنا نتساءل، ما هي المشتركات بين السوريين وقد انفرط عقدهم السياسي المُقام بواسطة الدولة الأمنية قبل 2011، ولماذا لم تستطع الثورة والمعارضة تشكيل هوية جامعة للشعب، وبما يحدّد للأديان والطوائف بل وللقوميات مكاناً هامشياً، مقابل إعلاء الهوية الوطنية لكل الأفراد في سورية، وهل هذا ممكن من أصله؟
الدولة السورية الاستبدادية لم تستطع تشكيل هوية وطنية، بل الأدق إنّها لم تطرح على مهماتها هذه القضية، فهي دولة السلطة الحاكمة، وبالتالي أيّة هويّة سورية تشكلت تحت سيطرتها؟
هنا لا يمكن نقاش موضوع الهوية دون العودة لما قبل استقرار الدولة السورية في بداية السبعينات، وبداية تحكّم الأجهزة الأمنية بالدولة؛ سورية بلد تابع، وليس فيه تطور صناعي خارج المدن الرئيسية يدفع نحو تشكيل هوية قومية، ويساهم في تشكيل رابطة جديدة للأفراد، وبالتالي بقيت تتواجد في سورية، هويات متعددة، ولم تستطع الهوية القومية الهيمنة بشكل كامل، فأضيفت للهويات الماقبل حداثية هوية قومية وبشكل أقل “هوية وطنية”. هذا يوضح فساد الهوية في سورية، فهناك تعددية تشتتية للمجتمع.
هوية قومية قبل السبعينيات
إن سورية قبل السبعينات كانت تشهد نمواً مسيطراً للهوية القومية، وبشكل أقل الهوية الإسلامية والهوية الشيوعية وهويات إقليمية مرتبطة بالحزب القومي السوري. أقصد أن الهوية تعبر عن التطور المجتمعي وحدوده التاريخية، وكان التطور يستدعي القومية منها بالتحديد؛ إن وجود اللغة والعادات والثقافة لم يفرض تشكيل هوية جامعة وحداثية، وتهميش بقية الهويات. الهوية القومية البازغة اختلطت بالهوية الإسلامية مع خروج سورية من مظلة الدولة العثمانية، وهذا بسبب أن الهوية الدينية تناسب المجتمع الزراعي والقروسطي خاصة، وهي تعتمد على تعاليم مقدسة ترسم للمجتمع رؤيته بشكل فوقي. بتقدم المجتمع، ظهرت الضرورة لهوية قومية تُعلي من شأن الفرد والعقل والشعب، وتحدّد للدين والقبيلة والعائلة مجالاً خاصاً، أي هوية فرعية. الإشكالية هنا، لماذا لم تستطع الهوية القومية أن تصبح هي هوية المجتمع الأساسية، رغم أن الفكرة القومية “هيمنت” في كل الدول العربية وتشكّل لها أنصار وأحزاب، بل وتشكل وعي شعبي يُعرّف ذاته في كثير من المسائل قومياً.
حتى السبعينات كانت الهوية المهيمنة هي القومية، وهي ذاتها في أغلبية الدول العربية، وإن كان شكل طرح القومية مختلف من هذه الدولة إلى تلك. سورية والعراق وليبيا ومصر والجزائر وكذلك السعودية والمغرب مثلاً؛ نقول إن جميع هذه الدول عَرّفت نفسها قومياً، الفارق في سورية أن الدولة تبنت الأيديولوجيا القومية، كما حال مصر والعراق وليبيا خاصة. الإشكالية هنا أن سورية كما في هذه الدول أصبحت القومية فيها أيديولوجيا رسمية، وهمشت من المجتمع، وبمقدار ما تضخمت الدولة الأمنية بمقدار ما ضعفت الرابطة القومية، وراحت تحلّ مكانها الهوية الدينية والقبلية والطائفية والفردية. السؤال لماذا لم تتجذّر الهوية مجتمعياً رغم أن النظام يطرحها، ورغماً عن طبيعته الاستبدادية كحال الصين مثلاً؛ إذا الهوية الحداثية القومية لم تستطع نفي القديمة، ولكن أيضاً لم تستطع الهويات الفرعية، وليس بمقدورها أن تشكل هوية لكلية المجتمع الحديث، فالهوية القبلية أو الدينية هي هويات قديمة، وتناسب المجتمعات البشرية في مراحل سابقة عن الدولة الحديثة، والأخيرة تُعرّف عادة كدولة قومية أو دولة عدة قوميات، وكذلك لم يعد ممكناً للدين أن يشكل هوية واحدة لقوميات متعددة كما الحال حينما تشكلت دولة عربية إسلامية في العصور الوسيطة!
هوية ما بعد السبعينات
أين المشكلة إذاً؟ فالدولة السورية ومنذ السبعينات شكّلت هويات فرعية، وأعادت إنتاجها، وهمشت الهوية القومية.
الهوية العامة للمجتمع تتشكّل عبر صيرورة تاريخية، وبما يعكس التطور المجتمعي، وبالتالي غياب الهوية الجمعية للشعب يصبح مفهوماً في الدول المستبدة ومنها دولتنا السورية، حيث لا يمكن التكلّم عن دولةٍ وطنية، فهي مستبدة وتخص الحاكم. القومية في الدولة المستبدة المخلفة والتابعة أصبحت أيديولوجيا للنظام وللدولة، أي أصبحت علاقة تكاذب مع المجتمع وبين الأفراد؛ فالسلطة والدولة عامة، وفي الوقت الذي تدعي القومية، أعادت إنتاج المجتمع وفقاً للهويات الدينية، وتمّ كل ذلك بواسطة الأجهزة الأمنية والنظام السياسي الحاكم، ووفقاً للقرب من مراكز السلطة، وبالتالي لم تكن الهوية القومية المرجعية، ولكن أيضاً لم تصبح الهوية الماقبل الحداثية طاغية، وهذا غير ممكن من أصله، فالهوية الدينية تمييزية وانقسامية للمجتمع، أي لا يمكنها أن تكون هوية جامعة إلا عبر الطغيان، وهذا غير ممكن في المجتمع الحديث، وإن كان ممكناً في العصور الوسطى القائمة بأغليتها على التمييز الديني.
الهوية ما بعد ثورة 2011
إذاً، النظام فتّت الهوية القومية والقطرية وأعاد إنتاج الهويات الماقبل الحداثية، ولكن الأخيرة ليست مهيمنة، وبالتالي هناك تعدّد هوياتي مُقسِم للمجتمع. بتفجر الثورة 2011، مالت أغلبية المدن الثائرة إلى تشكيل هوية وطنية، وطرحت “لا سلفية ولا إخوان” أي تريد تشكيل هوية تتجاوز أزمة الثمانينات (التي أخذت شكلاً طائفياً)، وأن لا أسباب تاريخية أو ثأرية أو دينية للثورة، وأنها تنتمي لقضايا مجتمعية مختلفة، أي كان الهدف تشكيل هوية جامعة للسوريين، ولكن ما هي هذه الهوية؟ هنا لم تستطع الثورة وعبر شعاراتها طرح تصوّر محدّد للهوية، سيما أن المناخ العربي العام مضاد للهوية القومية؛ إن الثورة برزت بمناخ يُعلي من شأن الهويات الماقبل الحداثية. الإشكالية تعقدت هنا، فالنظام والثورة لم يمتلكا هوية جامعة للسوريين.
لا بد من التمييز بين المعارضة والثورة؛ فالثورة لم تطرح هوية وطنية لكل السوريين، وإن كانت واعية لطبيعة السلطة ولأزمة الثمانينيات، وراغبة بإعادة تشكيل المجتمع وطنياً. لكن هناك فارق كبير بين الرغبات، وبين الرؤية المدروسة لقضية الهوية ولكل أهداف الثورة وللرؤية الاستراتيجية لها. المعارضة بدورها، والتي كانت نشاطاتها تتحرك في إطار رد الفعل، أي تريد السلطة بديلاً عن السلطة القائمة، ولهذا التبست كل شعاراتها وأهدافها، ووصلت بمواقفها للارتهان للدول الخارجية، ولدفع الثورة نحو خيارات الهويات التي شكلتها السلطة من قبل. نستخلص هنا أن السلطة توافقت مع المعارضة في دفع الثورة نحو هويات ما قبل حداثية. نعم تلاقت السلطة والمعارضة في تطييف المجتمع ومحاولة إعادته للقبلية والدين والطائفية والاثنية، وكذلك نحو الهوية القومية، ولا سيما بما يخص الأكراد المسيسين قومياً بسبب صراعهم مع السلطة “القومية”، وبسبب غياب حقوقهم الاجتماعية الأوليّة.
أخطاء في نقاش الهوية
من أكبر الأخطاء في نقاش الهوية الاكتفاء بالمستوى السياسي، أي وفقاً لمنظور الدولة أو المعارضة لها، وكذلك من خلال تسكينها بلحظةٍ تاريخيّة محدّدة، أو النظر إليها من خلال واقع الحرب، كما واقعنا السوري منذ 2013 بشكل أساسي، وطبعاً من الخطأ تجاهل تأثير واقع الحرب واستخدام التطييف فيها، وتحولها كما يرى البعض إلى حربٍ طائفية. قلت ذلك، لأعيد تشكيل فكرتي السابقة، فالثورة غير المعارضة ومتناقضة مع السلطة. الثورة هذه لم تنطلق فقط لتشكل هوية وطنية، رغم الالتباس بذلك، وكذلك لا يمكن بنهاية الحرب الاكتفاء بما تشكلت عليه الهوية خلالها، أي لا بد من إعادة طرح الهوية مجتمعياً مجدداً، والانتقال نحو هوية وطنية مهيمنة.
من أهداف الثورة الانتقال بسورية إلى حالٍ أفضل للجميع، أي هناك عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤكد ضرورة هوية جامعة للسوريين. الفكرة هنا: طُرحت سورية كهوية نهائية قبل الثورة، ولكن لم يتم التوافق على ذلك، وطرحت أثناء الثورة وأيضاً لم يتحقق ذلك. وعكس ذلك تمّ دفع الأوضاع لإعادة إنتاج الهويات الماقبل الحداثية ولكنها لا يمكن أن تكون هوية عامة للشعب ولا أن تتشكل الدولة وفقها، وبالتالي هل يمكن أن تتشكل هوية وطنية وتكون مهيمنة ونهائية لسورية؟
قصدت من فكرتي السابقة، أن الوطنية لم تستطع أن تكون هوية كل السوريين، ونافستها كما ذكرت الهويات ما قبل الحداثية وهويات ما فوق قطرية كالقومية والدينية، وبالتالي سكان سورية مفتتون بهويات متعددة، وهذا سيشكل عائقاً أمام تشكيل الدولة بالمعنى الحديث. وربما تدفع هذه الهويات نحو تشكيل دولة تتوافق مع بروز هذه الهويات، كما حال العراق وربما لبنان، أي دولة طائفية أو دينية وربما عشائرية كحال الخليج مثلاً، وهي وصفة الحرب الأهلية والطائفية المستمرة، أي صراع هوياتي قادم.
دول الخليج شُكلت بسياق الهيمنة الاستعمارية، وكذلك حدود سورية والعراق وسواها، وفشلت الدولة المستبدة في تشكيل هويتها الوطنية، أو تخطي الهوية الكولونيالية. هوية الدولة المستبدة أنّها تعبر عن سلطة مافياوية ناهبة للمجتمع ومفتتة لكل تقدم حقيقي فيه، ودافعة له نحو هويات ما قبل حداثية؟
دولة ما بعد السبعينيات، كانت سبباً مركزياً في تراجع الهوية القومية في الدولة الوطنية، وهذا تحقق في كل الدول العربية باختلاف أنظمة “تقدمية، ملكية.” والآن أية هويةٍ قادرةٍ على تحقيق توافق مجتمعي، في إطار الدولة الوطنية والتي شكلتها الدول الاستعمارية قبل الخمسينيات، وثبتتها الدولة العربية المستبدة ومنها سورية ولا سيما بعد السبعينيات؟ ربما سيكون الجواب التلقائي والصحيح هنا، إنّها الهوية المبنية على المواطنة وشرعة حقوق الإنسان والقومية ودولة الأمة، وهذا صحيح، ولكن كل النقاش أعلاه، ليوضح العقبات التي تمنع تحقّق ذلك.
بواسطة Malak Bitar | أبريل 6, 2018 | Roundtables, غير مصنف
الشارع السوري المتآكل تُغرقه ثلاثة قلوب!
تصدعت الرؤوس من كلمة فسيفساء سورية واللحمة الوطنية الممتدة على أراضيها لآلاف السنين وما شهد السوري ذاته من هذا ولا ذاك أي إثبات لما سمعه وردده ولربما آمن به، فانقضت الأعوام الثمانية الهرمة باستحقاق طرف على حساب الآخر و كينونته التس سيفردها عرض الطريق وطوله، وما تحمله من الأحقيّة (العمياء) التي تفضي بابتلاع الضفّة الأخرى بمن فيها بالحديد والنار أم بالرايات السوداء والصفراء لا فرق أبداً فغايتهم جميعاً ذاتها
(نحن أو لا أحد).
زاوية الاختلاف كانت تحمل في أضلعها المنكسرة بداية الحرب مؤيداً ومعارضاً فقط إلى أن التصقت بكلا الصفتين اصطلاحات تخوينية، تشبيحية، اندساسية وغيرها، لمس المواطن من خلالها تبعات مؤلمة للغاية لازالت تلذعه حتى اللحظة، رغم كل ذلك كان الأمر غاية في البساطة وقابلاً للفرز برفة عين وتحليل سياسي لشخصية اعتبارية في بداية النشرة المسائية التي تتناول الملف السوري مع إرفاق كلمة (خلصت) بينما يضغط المشاهد على زر جهاز التحكم الأحمر!
ليتضح فيما بعد أن سورية كالأخطبوط تماماً تضخّ النار على نفسها بأمرة من القلوب الثلاثة (الطائفية، الديموغرافية، العلاقات الدولية) المتناحرة كل على حدة فتتحول أذرعه الدفاعية إلى مجسات ناريّة تجتذب كل الخراب إلى محيطها إلى حضن الوطن الذي بات لا يتسع إلا للمغلوب على أملهم وأغنياء الحرب، البعض هاجر إلى الله (سكارسا) بقوارب الموت و البعض الآخر استطاع أن ينجو من رحلة الفناء مرتين على الأقل ليرسو أخيراً في إحدى الدول الأوروبية حطاماً هيّنا ترمّم شيئاً فشيئاً في بلاد تحترم الإنسان بما يحمله من فكر أو معتقد دونما أن يلتفت من حوله خشية الإفصاح عنها باللغة العربية أو الأجنبية فله الحق والحرية بما يحلو له تحت سقف الإنسانية، وقد حظي البعض بامتيازات إضافية في الخارج كالسريان في السويد، الأرمن في بلدهم الأم، حتى العائلات ذات الأصول التركية صبّت جهودها كاملة للحصول على الجنسية التركية وإن كلفها الأمر العودة لأصول الجد الثالث لأسرتها علّها تجد أخيراً هويتها المفقودة في البلاد التي لطالما اعتبرتها إرثها الحقيقي أما المهجّرون داخلياً فحكاياتهم لم تنته.
نازحون بأمتعة الذعر!
بدأت حركة النزوح الداخلية من المناطق الملتهبة إلى المدن والبلدات (الأكثر أمناً) خلال الحرب فضمّ الساحل السوري على امتداده أعداداً كبيرة من هؤلاء المهجرين ليصل إلى مليون ونصف نازح أي بزيادة 50 % على التعداد السكاني للساحل السوري على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والبيئة المحيطة بهم التي جبلتهم من أول صرخة لهم حتى ثالث أو رابع قذيفة سقطت في حيّهم الذي أصبح حجارة مدماة وركاماً سحق الزواريب المندّاة ومحال الخضرة بمن فيها والكثير من شتلات الحبق على شرفاتهم المتهاوية، هذه العائلات رغم مصابها الكبير تخطط وهي في طريق النزوح أي حارة ستتخذ فيها مسكنها الجديد؟ هل ستسد المعونات الإنسانية أفواه أولادها الذين اعتادوا أكل المشاوي كل ليلة جمعة؟ الجيرة في الأحياء الملغومة سينفجرون بنظرات هجينة لمن سيشاركهم الجدران أم سنصبح من “أهل البيت”؟ الأسئلة تطول وفجوة الغربة الداخلية تكبر…
أهالي منطقة الجميلية في حلب على سبيل المثال لا الحصر يبحثون عن أقرانهم في مدينة اللاذقية إبّان الأهوال التي شهدتها المدينة فتلقائيا تموضعت نسبة كبيرة منهم في أحياء الطابيات الصليبة والشيخ ضاهر ومن المعروف أنه يوجد في هذه الأحياء أشهر المساجد في المدينة وأقدمها وهذا يشكّل لهم ارتياحاً نفسياً لامتناهياً كون سكّان تلك المناطق يؤدون الواجبات الدينية على نهجهم ذاته وكأن جميع الأهالي هناك يندرجون تحت رتبة الأنبياء بقليل!
في المشهد المقابل لنازحي الفوعة من إدلب تراهم اتخذوا من حييّ الزراعة وسقوبين خانتهم الجديدة كلّ حسب يسره المادي، المهم في الأمر الهيمنة السلطوية التي جمعّت أطراف متعادية مذهبياً لقرون ولّت، لتأتي المصالح السياسة وتجمعهم على حين غرّة من جديد.
هذه الشرذمات طالت حتى الطفل الذي ولد في وطيس الاقتتال ولم يتسن له نور السلام بعد. ابراهيم، بائع البسكويت على قارعة أحد شوارع اللاذقية (حارة العامود)التي تلفّها قوات حفظ النظام بالحواجز الطيارة في أي لحظة، دنوت منه وسألته عن اسمه ومدينته وبعض الأسئلة الحشرية التي يطرحها الصحفي كعادته دون أن أشعره بذلك، حقيقة لم أستطع أن أحدد لون عينيه وبصعوبة شديدة سمعته يرد قائلاً “أنا من إدليب وصرلنا سنتين هون” لم يجب إن كان طالباً للعلم أم لا ، لربّما أخذ ركناً من الطريق واستحضر به غرفته الدافئة ولا زال يتخصص بفن المبيعات على طاولته المزفّتة (بالفراطة وقشر البسكويت).
وبالعودة للوراء قليلاً، شهدت بعض العائلات الساحليّة الأصل نزوحاً معاكساً بعد أن اختير عديد منها للانتقال إلى مناطق أخرى بما فيها الشمال الشرقي، حلب، دمشق، وذلك لأسباب مهنية، كوّنوا أسراً متّزنة مثقّفة وأنجبوا أبناء لأمهات وآباء مختلفي الطوائف الأمر الجميل والمبشر بارتفاع معدل هرمونات المحبة السورية بين بعضها إلى أن بدأت الأحداث في 2011 تركت هذه الأسر كل شيء خلفها وباعت عقاراتها وأصولها وحولت أموالها إلى الساحل وهرعت إليه دون أي تأن أو وعي لما تفعله وكل ذلك قبل أن تتحول الأزمة إلى صراع مسلح ولا زالوا حتى اليوم يطلّون على الكورنيش البحري بعين السائح من خلف شرفاتهم المظللّة!
وجعلناكم شعوباً وقبائل لتناحروا!
شرائح قليلة جداً لعشرات الهويات السورية المتعاركة التي فرقت ما بينهم المرجعيات والألوية الدينية التي جمعت ثلل منهم تحتها (فعلاً تحتها)! فقد شُرّعت لها الأبواب على اتساع أرض -الفينيق- لتتمكن من عواطف السوريين المنحازة للانتماء الديني ومن لفّ لفيفهم من أولئك الذين ينادون بنصرة دين أو مذهب لا يفقهون عنه شيئا، كل هذه الضعضعة السورية السورية مهدت طريق الإرهاب للمقاتلين من العراق، لبنان، أفغانستان، إيران، السعودية، روسيا (الشقيقة) وغيرهم.
التعصب المقيت هذا ليس بحصاد عام أو اثنين، هو ذرائع انتمائية مخزية لا تمت للهوية السورية المعتّقة بالتمدن الصافي بصلة، هو وباء تطرفي محدث جعل من قلوب السوريين عفناً لا موسم له على أيدي السلطة قبل الحرب، هذه حقيقة تعايشنا معها ولكن لم نستطع أن نعيش بها على الاتساق ذاته بعد الآن ولعلّ أهل الساحل أكثر من مرّوا بذلك، فمن توقف تعيينه الوظيفي بسبب اسم أبيه المستفز طائفياً لرب العمل أو للجهات الحكومية المسؤولة عن ذلك الأمر سوف يحمل الحقد الطائفي ويعمل به بل وسيورثه أيضاً لا محالة، ومن توقف تخرجها من الطالبات لأنها لم تأخذ العلامات الإضافية المساعدة عند التخرج والتي تعتبر من أبسط الحقوق الدراسية وذلك بسبب عدم انتسابها للحزب اليتيم في سوريا من المؤكد أنها إما ستنجر في موكب الفاسدين لاحقاً أو سترضع أبناءها التطرف الذي لبسها عنوةً بعد الموقف ذاك، من المفترض عليها أنها انتسبت إليه مسبقاً وبشكل أوتوماتيكي كحال أهلها وجيرانها، كيف تجرأت على الدولة ولم تنتسب أساساً!
النسيج السوري المهترئ
هذه النماذج البسيطة وغيرها تكررت آلاف المرات يومياً ما قبل الحرب أما اليوم فأصبحت أكثر فجوراً ووحشية حتى الضّمنيّة منها، فأحداث الغوطة الأخيرة التي راح ضحيتها الكثير من الأطفال والنسوة اللواتي لا حول لهن ولا قوة بسبب الحصار المطبق عليهم وحملات التطهير التي لم تفرق بين مدني وإرهابي , يكافئهم
نسيج “أ” بمنطقة x السورية بكلمة أبيدوهم هؤلاء هم الخونة ونسلهم العاهر عار علينا! هكذا ملء أفواههم القذرة ولم تتوقف القذارة على هؤلاء أبداً بل باقية وتتمد لتصل إلى النسيج “ب” الذي يشرعن قتل الكرد في عفرين واتهامهم بالتواطؤ الإرهابي مثلاً، أو مصرع الطلاب العزّل وضح النهار بحجة حق الرد، هؤلاء تلقائياً عادوا إلى عصور الجاهلية وحقبة الأخذ بالثارات.
وإن كلّاً من “أ” و”ب” يهللّون بالانتصارات على جثث بعضهم البعض وقلوبهم الملطّخة بالوحشية مدانة…مدانة!
أما نسيج “ج” وهو الأقل غلظة بينهم يشير للإجرام بعين الحق متجرداً بذلك من أي عباءة شيطانية، يحلل بحكمة كل خطط التنمية والسلم بين شظايا القذائف والجثث وهم في الغالب فنانون، كتّاب وشعراء هذه الفئة الغير قادرة على حمل السلاح وإن كان دفاعاً عن النفس.
“د” ذاك النسيج القطني الذي يتمدد ويتقلص حسب درجات التأذي وتبعات الخراب والذي ضم أعداداً كبيرة وانحاز للسلطة بشكل مستميت لفترة ليست بقليلة إلى أن خسر ثلثي أبناء قراه متسائلاً لأجل ماذا ضحينا بأبنائنا مصفقين؟ وبالمقابل حظيت الجهات المؤيدة للتغير انقلاباً على مواقفها المعارضة بعدما فقدت أقرانها دون أي سبب أو لأسباب محتمة في حالة الحرب التي وقعت نتائجها الكارثية على كاهلهم الاقتصادية منها والاجتماعية والأمنية قبل أي شيء، والآن ماذا حققنا من المطالبة بالتغيير؟ هكذا يقولون…
ولعل الأربعة وعشرين حرفا المتبقين لن يكفوا لتصنيف الأنسجة السورية وهوياتها التي قد تجزئ مفهوم الإنسانية حسب ميولها السياسية.
مجتمع مدني في أخطر بقعة في العالم!
مصيبة الخلط العجيبة بين حقوق وواجبات السوري بشكل عام والمدلل نسبياً في المناطق الآمنة بشكل خاص، تخوّله أن يتمتع ويمارس المواطنة بشكلها السليم والبعيد كل البعد عن أي انتماء ديني أو سياسي إلا أن هذه الشعارات الرنانة لا تليق بالسوري في الأحوال الطبيعة فكيف لمساعي الفاعلين في تفعيل المواطنة أن تنجح على أرض صنّفت أنها الأخطر في العالم؟ فعلى مدار السنين تأطرت مخرجاتها الأساسية النبيلة تحت قبّة سلطوية واحدة لا ثانية لها حدّت ما تهدف له، وما حصده السوري (كسوري) مجتمعيّاً حفنة ضئيلة في كل هذه المعمعة.
“الكشاف” على سبيل المثال أحد المعالم المنعشة لجميع المناسبات والأعياد والتي تهدف إلى (مساعدة الغير في كل حين) بالمرتبة الأولى وبالفعل هناك من يعمل بإخلاص و تفان بها، أنت كسوري تتشجع للالتحاق بهذه الحركة العالمية والتي تعمل وفق معايير سامية ومحددة، تقدّم طلب الانضمام لأحد أفواجها وإذ تكتشف أن هنالك فوجاً كشفياً كاملاً لطائفة معينة دون سواها ومن غير المنطقي أن تكون الوحيد من الزمرة y!
الجمعيات كأسماء ومواقع وكهوية بصرية حتى دائماً ما توحي بالجهة التي تدعمها وتتخيل تلقائياً طبيعة الأشخاص الذين يديرونها، هذه المحاولات التجميلية بما فيها من جمعيات ومنظمات لا تأتي بحجم حجر في بركة تعجُّ بالجوامع والمزارات الدينية التي لا حسيب عليها ولا رقيب والمنتشرة بطريقة غير مقبولة، أكثر ما في الأمر استفزازاً أن الأهالي تسعد كثيراً لتزايدها وإن لم تطأ أقدامهم أي وجهة دينية منها أو من غيرها، ربما يستمدون قوتهم الواهية من كثرتها ؟ ما السبب الجوهري الذي يستدعي بناء 12 جامعاً في مدينة صغيرة كجبلة؟
ستنتهي الحرب السورية عام …20!
مرحلة إعادة الإعمار في سوريا لن نستطع تنشّق رائحة بيتونها طالما الأقطاب السورية والدولية متبدلة ومتشابكة بهذا الشكل والملفات الفاعلة لإخماد هذه الحرب الشنعاء توقّع وتمضي وتتلف تحت الطاولة وإنه لمن الأنجع لتشييد سوريا من جديد بناء الإنسان على أراضيها فوق جروحه الملتهبة وآلامه التي فاقت طاقة تحمّله النفسية لينال شرف حصوله على الهوية السورية الحقيقيةً بشموخها وحرّيتها أخيراً علّها تستفيق من هذا الوهم الأحمر الذي استنزف 22 مليون (سوري ).
بواسطة Arwa Ghassan | أبريل 4, 2018 | Roundtables, غير مصنف
“أنا سوري” ربما باتت هذه الكلمة هي الوحيدة التي تجمع بين السوريين، في وقتٍ اختلفت فيه المواقف والآرء، وكثرت فيه المصطلحات والانتماءات الطائفية والدينية والعرقية.
إذن في زحمة كل التعصبات والتحزبات التي طفت على السطح بعد الثورة السورية، لازال الذي بقي في البلد أو ذلك المُهجّر قسراً أو المدني أو المقاتل ، يجيب -وبشكل فطري-بـ “أنا سوري” عندما يسألونه من أين أنت.
انتظر… فقد تستمر الحالة اللاشعورية لثوان معدودة، ولكن لا بد للنزعة المناطقية أن تخرج هنا، وهذه المرة بالحالة الشعورية ومع سبق الإصرار والتصميم، ليعود السوري ويقول لك إنه “شامي”… أو حمصي أو حلبي أو درعاوي أو جزراوي مثلاً.
وهنا تبدأ دوامة أخرى من التفاصيل التي لاتنتهي، ومحاولة إثبات حسن الحسب والنسب والتفوق على أبناء المناطق الأخرى، وهذه الحالة قديمة صراحة نستطيع اختصارها، بمصطلح “برا السور وجوا السور” المقصود هنا سور دمشق القديمة، هذا إن كان المدعو من دمشق تحديداً، أو ابن الريف والمدينة في الحالات المتبقية.
عندما يُعرّف السوري بنفسه، فإنه لايحكي عن طبيعة موقفه السياسي إلا إذا سُئل عن ذلك، وما أكثر من خاب ظنهم بما تبقى اليوم من سلطة ومعارضة، فالسوريون وجدوا أنفسهم لوحدهم، ولم يكن معهم في معاناتهم اليومية داخل البلاد وخارجها، فمن الغلاء إلى التهجير، إلى القتل والحصار والتجويع، والذل على أبواب السفارات والقنصليات.
لم ننته بعد… فها أنت وحيد إلا من منفاك، ها أنت وحيد إلا من عذابك، تحمل ذكرياتك عبر زمان لن يعود يوماً، تستذكر في الأزقة الأوروبية ملامح حارتك القديمة، تغمض عينيك للحظة، فلا تجدها، يا للغربة المفتوحة.
متى سنعود، وإلى أين سنعود، يطرق هذا السؤال بال معظم السوريين، دون وجود إجابة واضحة، ربما كان السوريون في السنوات الأولى من الثورة يعوّلون على المؤتمرات الدولية وقدرتها على الوصول إلى حل ينهي المأساة، ولكنها ذهبت كما أتت، فلا الأسد غادر السلطة، ولا المعارضة أثبتت فاعليتها على الأرض، فيما يزداد عدد العناصر والميليشيات والدخلاء في المناطق السورية يوماً بعد يوم.
في سبيل الحرية… هذا ما خرجت لأجله الثورة السورية عام 2011، وهذا ما صرخت به الحناجر آملةً في نيل المنشود، ولكن في دولة البعث كان المنشود غير موجود، والأكثر من ذلك أن مؤيدي النظام السوري أصبحوا على عداء تام مع كلمة حرية، حتى أنها لا تدور في أحاديثهم اليومية، ولايسمحون لأنفسهم باستخدامها أبداً، وصارت تعني لهم بشكل أو بآخر قوى المعارضة، مقابل تمسّك الأخيرة بالكلمة رغم دخول الثورة عامها الثامن.
مصطلح الثورة، بات أيضاً تهمة تُجرّم من يقولها في ظل حكم نظام الأسد، كذلك حمل مؤيدو الأخير عداء كبيراً تجاه المصطلح، وبات يعني لهم الخراب والتدمير.
بالمقابل شكّلت كلمة “إلى الأبد” عقدة مزمنة لدى المعارضة بقدر ما تحمله الكلمة من زمن غير منته، فأبرز شعارات حزب البعث قامت على هذا المصطلح، في إطار ترسيخ فكرة بقاء آل الأسد في السلطة إلى ما لانهاية، ولكن المعارضة قامت بنسف المفهوم تماماً وأطلقت شعاراً مضاداً لطالما استُخدم في المظاهرات، وهو “ما في للأبد… ما في للأبد… عاشت سوريا ويسقط الأسد.”
الصراع في سوريا، لم يُبنَ فقط على اختلاف الموقف السياسي فحسب، وإنما لعب الاختلاف الديني دوراً كبيراً في إذكاء نار الصراع، ولكن إلى حد الآن لا يُعرّف السوري نفسه بناء على طائفته، إلا في حال سُئلَ عن ذلك بشكل مباشر، وهنا لابد من القول إن الانتماءات الطائفية بلغت أوجها بعد عام 2011، حتى أن الانتماء السياسي بات يُحسب في بعض الأحيان على أساس الطائفة، فمثلاً وحسب النظرة الشعبية، ابن الطائفة العلوية مؤيد بالضرورة لنظام الأسد، والكردي شخص انفصالي لامحالة، وابن الطائفة السنية هو معارض، وبأحوال أخرى “داعشي… إسلامي…”
وبحسب نفس النظرية الجديدة بات ابن الطائفة المسيحية مؤيداً بالغالب، أو غير منتمِ بأحوال أخرى، فيما عزز سفر قسم كبير من أبناء الطائفة المسيحية خارج البلاد مع بداية الأحداث هذه النظرية.
التشرذم الكبير في الحالة السورية، تعمّق أكثر مع موجات اللجوء المليونية خارج حدود الوطن، التي أدت إلى اختلافات جذرية في الشخصيات والنفسيات تبعها بالضرورة تغييرات في طريقة التعبير عن الآخر وعن النفس وعن المجريات المحيطة، فبينما استكشف السوريون الذين غادروا البلاد أن الحيطان ليس لها آذان، لازال سوريو الداخل “يمشون الحيط الحيط … ويارب السترة”، بمعنى أن الخوف من الحديث في المواضيع السياسية بدأ يختفي تدريجياً من حياة غالبية سوريي المهجر، بينما بقي مسيطراً على قلوب وعقول أهل الداخل.
تغير مفهوم الوطن اليوم بعد العذابات والقهر والكبت الذي ذاقه السوريون داخله، فأصبح الوطن هو جواز السفر الأوروبي، أو الفيزا، أو المكان الذي يمنح السوري الأمان، ويحفظ كرامته ويصون حريته.
الكل بات يقاتل اليوم من أجل البقاء، نعم هكذا باتت تُحسب الأمور، أما النظام فلا يهمه من بقي ولا من ذهب، فالدولة هي دولة العسكر، دولة السوط والحذاء والبندقية، فرغم كل ما حصل لم يغير النظام أسلوبه في التعامل مع المواطنين، لابل أن الظلم والفساد يزداد تشعباً، في الوقت الذي يزداد فيه المشهد الدولي قتامة وضبابية، إزاء ما يحدث في سوريا.
ما يريده السوريون صعب جداً ويختلف من فرد إلى آخر، ولكن مهما اختلفت الآراء والتوجهات، فهم يحنّون أبداً للعودة إلى لمة الأسرة السورية البسيطة في منزل الجدة الحنون، التي جسّدها مسلسل “الفصول الأربعة”، أفضل تجسيد عندما عُرضَ بجزئه الأول عام 1999، في وقت كان راتب موظف الدولة فيه لايزيد عن خمسة آلاف ليرة سورية، في وقت كانت فيه رفاهية المواطن أن يجد مقعداً فارغاً في ميكرو “دوار شمال”، أو “مزة جبل-اوتستراد.”
“أنا سوري… آه يانيالي…” أغنية لطالما رددناها بالصغر، أما اليوم انقلبت المعادلات والموازين وبتنا نقول “أنا سوري… آه يا ويح قلبي!”
بواسطة Rania Mostapha | أبريل 3, 2018 | Roundtables, غير مصنف
عندما تتصاعد الأزمات الاجتماعية وتصل إلى المستوى السياسي العميق، كالثورات والحروب الناتجة عنها، يتصاعد الحديث عن شكل الدولة ودستورها، ويحضر نقاشٌ الهوية، والتي يجب أن تطابق هوية المجتمع حتى تعبّر عنه.
في الحالة السورية، استطال الصراع بين النظام والمعارضة، وتشابك وتعقد مع التدخلات الإقليمية والدولية؛ وبعد فشل الإيديولوجيا القومية البعثية في خلق هوية سورية جامعة، تبين أن لا هوية سورية ناجزة تعبّر عن كل الشعب، في ظل تصاعد هويات قديمة دينية وطائفية وعشائرية وقبلية، وأيضاً هويّات قومية.
هناك آراء عديدة ترى أن تلك الهويات القديمة المتصاعدة هي ميّزة من ميزات المجتمع السوري، أو ما اصطُلح تسميته بالنسيج السوري الفسيفسائي، وأن المجتمعات العربية غير قادرة على الولوج في عالم الحداثة وقيمه، وبالتالي يجب أن يطابق العقد الاجتماعي هذه الخاصية، أي يعترف في نصوصه بأن المجتمع طوائف وقوميات وعشائر وإثنيات، وأن الديمقراطية المناسبة لسورية هي ديمقراطية تمثيل هذه التصنيفات. أو هناك من يطرح فيدرالية الطوائف والقوميات، وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، أي التقسيم على أساسها؛ وقد رأينا أن الطروحات الأخيرة سقطت، إذ لا إرادة دولية، لمجمل الدول المتحكمة، بتقسيم سوريا.
ورغم ترسيخ نظام البعث، واستغلاله المسألة الطائفية، لكنه لم يشجّع على تشكّل زعامات طائفية في سورية، وهي لم تكن موجودة من قبل كالحالة اللبنانية. هذا جزءٌ من سياسته في التفرد في الحكم، وليبقى هو الضامن الأوحد لتماسك تلك البنى القديمة، وتخويفها من التفجّر ضدّ بعضها.
الطوائف انشقاقات فكرية متقادمة عن الأديان، في المبادئ والقيم والعبادة، وقد تحولت إلى بنى مجتمعية مع انهيار الدولة العربية الإسلامية. لكن المنطقة لم تعرف استقراراً حقيقياً يؤدي إلى دخول مجتمعاتها في عالم الحداثة وقيمه السائدة في أوروبا، وبما يقطع مع تلك البنى القديمة ويعيد القصة الطائفية والدينية عموماً إلى الحيز الفكري والإيماني؛ فقد عاشت المنطقة تحت حكم الدولة العثمانية لفترة طويلة، حيث حافظت على تلك البنى، وتلاها الاحتلال الفرنسي الذي استغل الوضع الطائفي، ضمن سياساته في ترسيخ تخلف هذه الشعوب للسيطرة عليها. وتليها فترة عدم الاستقرار، في ظل سلسلة من الانقلابات العسكرية، مدعومة بالبرجوازيات المدينية المتنافسة، والتي لم تحمل مشروعاً نهضوياً حداثياً، كحال كل البرجوازيات العربية في الدول الكولونيالية.
ثم جاءت فترة استلام البعث القومي العربي الطويلة للسلطة، والتي رغم شعاراتها التقدّمية والاشتراكية والتحرّرية، لم تقطع مع البنى التقليدية للمجتمع، بل حافظت عليها، خاصة بعد السبعينات، عبر اعتماد تحاصص طائفي وعشائري وقومي في كل دوائر الدولة ونقاباتها وفي الحزب نفسه. واستغل النظام هذه البنى في قمع معارضيه مرات عديدة، في حرب الثمانينات ضد الإخوان، وفي انتفاضة الأكراد 2004، وفي الثورة السورية.
وصول البعث إلى الحكم جاء في سياق صعود الأحزاب القومية في البلدان العربية التي كانت تحت سيطرة الاستعمار القديم. فمنذ مطلع القرن العشرين، تصاعدت لدى العرب الهوية العروبية كرد فعل على سياسة التتريك العثمانية. ولم يكن هذا الصعود العربي مؤدلجاً، بل كان شعوراً جامعاً لأبناء المنطقة العربية، أساسه وجود لغة تواصل مشتركة، وبالتالي ثقافة وتقاليد مشتركة، مما ولّد شعوراً بوحدة المصير، ورغبة في الارتقاء، والتحرر من سلطة العثمانيين المتخلفة. وبالتالي لم تدخل الهوية العربية في صراع مع الهويات القومية الأخرى في المشرق العربي، إلا بعد تسلّم الأحزاب القومية الحكم، وما ترتّب على أدلجة الهوية القومية العربية في فكرها. لكن ترافَقَ صعود الهوية القومية العربية، ثم تشكل الأحزاب المؤدلجة لها، مع صعود تيارات إسلامية تتمسك بالخلافة، ومنها ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبقية دول المنطقة، لكنها حينها لم تكن مسيطرة، إذ كانت الرغبة العربية في التحرر من الاستعمار العثماني هي الطاغية.
حزب البعث العربي لم يكن يرى سورية إلّا وطناً مؤقتاً، وأنّه ناتج عن تقسيم المنطقة عبر سايكس بيكو، وهو ما كان يتوافق مع المشاعر العربية في سورية عموماً. لكن بعد السبعينات، أي بعد ترسيخ الديكتاتورية، بات كلّ فكر البعث مجرد شعارات، وباتت الهوية الوطنية تمنح أو تُسحب من الأفراد، حسب الولاء لنظام الأسد الأب، والذي بات شمولياً؛ أي يمكن القول أن الهوية السورية في ظل نظام الأسد باتت مبنية على الولاء، في دولة الولاء.
تمكن انقلاب البعث العسكري من تثبيت حكمه، بعكس الانقلابات التي سبقته، عبر أمرين أساسيين: الأول أنه حقق بعض التقدّم للفئات المهمّشة، وكسبَ ولاءها في الجيش والحزب وإدارة مؤسساته؛ والثاني في تحالفه مع الطبقة البرجوازية المتوسطة وجزء من القديمة.
حمل فكر البعث مشروعاً تقدمياً وتحررياً عروبياً بنكهة اشتراكية، تمثّل في تبنّيه القضية الفلسطينية، والتي كانت قضية العرب الكبرى، وفي قانون الإصلاح الزراعي وتأميم بعض الشركات، وإنشاء أخرى، وقوانين تتعلق بمجانية التعليم، والعمالة الكاملة، والطبابة المجانية… واستفادت منه الفئات المهمشة في الأرياف خاصة، والتي سارعت إلى الانتساب إلى الحزب والجيش والعمل في مؤسسات الدولة. لكن البعث لم يستمر فيما بدأ عليه؛ فمع استلام حافظ الأسد للسلطة، وميله إلى التفرد بها على مراحل، انتهى حكم البعث إلى حكم الدولة الأمنية، وما يرافقها من فساد وميل إلى النهب، خاصة من الفئات الحزبية التي أتت من أصول مهمشة وأصبحوا مسؤولين ومدراء عامين لفترات طويلة. فتلك الفئات كانت طامحة إلى تحسين وضعها، وأظهرت ميلاً أيضاً إلى النهب واستغلال المناصب، وبالتالي تفشّى الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، التي كانت ضرورية لاستمرار هذا النهب، مع استمرار مراعاة التوزيع الطائفي ضمن مؤسسات الدولة. من هنا توقفت أية إمكانية للتطور والتحديث، وبالتالي بناء علاقات مجتمعية قائمة على الفرد (المواطن)، بدلاً من الطائفة والمذهب والعرق والقومية… ولم يتحقق القطع مع البنى التقليدية المتخلفة، وبات من السهل العودة إليها بقوة، وهو ما ظهر خلال الثورة السورية.
تحالُفُ البعث مع البرجوازية المتخلفة، والعاجزة عن تحقيق التقدم، منذ الحركة التصحيحة، له أثر كبير أيضاً في الحفاظ على البنى التقليدية. فقد كان هذا التحالف أساسياً في ترسيخ الحكم، لكنّه مشروط بالإبقاء على بناها القديمة؛ فهذه الطبقة مدينية، مترابطة عضوياً، عبر صلة القرابة، مع المؤسسات الدينية الكبرى المتقادمة في دمشق وحلب، والمسيطرة على المجتمع “السني” خصوصاً في تلك المدن. وهذه الارتباط العضوي المتحالف، مع المؤسسات الأمنية، مؤثر بشكل فعال في كل سياسات النظام الداخلية، خاصة الاقتصادية والاجتماعية. فإذا كانت رغبة الفئات الريفية، التي ساهمت في ترسيخ النظام، في تحقيق التقدم والارتقاء تجعلها قادرة على تقبّل قيم المواطنة والعلمانية، فإنّ شرط الفئات البرجوازية كان عكس ذلك، أي رفض العلمانية، والإبقاء على البنى القديمة، وهو ما يُفسّر أنّ دساتير البعث، وبالمثل ما سبقه من دساتير، اضطرت إلى الحفاظ على تفاصيل تدلّ على الهوية الإسلامية، كدين الرئيس، وأن الإسلام أحد مصادر التشريع. والواقع أنّ الإبقاء على الهوية الإسلامية في دساتير البعث هو ليس من باب تمسّك الأكثرية الطائفية بالهوية الإسلامية كما يحلو لكثيرين تفسيره، ولكنّه نزولٌ عند رغبة الفئات البرجوازية المشاركة في الحكم، والتي في نفس الوقت تموّل وتدعم المؤسسات الدينية. ومن هنا يمكن فهم تحالف نظام الأسد مع مؤسسة كفتارو مفتي النظام، ودعمه لها، مقابل مبادلتها الدعم أيضاً، كمصلحة متبادلة، وبالمثل علاقة النظام بالخزنويين ومنهم محمد سعيد رمضان البوطي، ولاحقاً تقارب بشار الأسد من جماعة زيد الدمشقية، التي كانت ممنوعة بسبب مشاركة أفراد منها في حرب الثمانينات إلى جانب الإخوان المسلمين، والسماح بعودتها، وزيارته لأحد زعمائها، الشيخ سارية الرفاعي.
إذاً بنية نظام البعث لم تكن طائفية، بل هو استغل كل تناقضات المجتمع السوري لترسيخ حكمه، وهو مجموعة من التحالفات السياسية والاقتصادية والأمنية، والتي تعرضت لإعادة هيكلة مع قدوم الأسد الإبن إلى الحكم. فقد ترافق ذلك مع انتقال النظام إلى المزيد من الانفتاح الاقتصادي وبشكل رسمي، بضغط من الفئات الإدارية القديمة، من حزبيين ووزراء ومدراء عامين، والتي رسملت بفعل النهب، وأرادت الاستثمار، عبر أقرباء لهم، في مجال الاقتصاد المكمّل لدورة رأس المال، أي المجال الريعي، وبالتالي تخلّت الدولة رسمياً عن دعم الزراعة والصناعة الوطنية، واضطرت إلى تقليص الدعم الحكومي؛ وتحول النظام بالكامل إلى حكم مافيا عائلية، تقيم التحالفات التي تحافظ على بقائها في الحكم. هذه الانتكاسة أدت إلى المزيد من عدم الإحساس بالأمان لدى الفئات المهمّشة بما فيها التي استفادت من فترة الستينيات، والتي ارتدّت إلى بناها التقليدية، من أجل الحصول على الأمان الاجتماعي، في ظل تراجع حجم إنفاق الدولة الاجتماعي، وعن تأمين فرص عمل للجميع. وبالتالي تصاعدت الهويات الدينية في ظل حكم بشار الأسد، سواء الطائفية أو الإسلامية، وكذلك تصاعدت الهويات القومية من غير العربية.
الهوية الكردية هي الأكثر تأزماً في سورية، فقد برزت بشكل صارخ خلال الثورة السورية. أكراد دمشق حصلوا على كامل حقوق العرب المدنية، بل استطاع النظام كسب تأييدهم عبر المؤسسات الدينية الكبرى التي تحالفت معه، ويقودها أكراد، كفتارو والبوطي. وبالتالي يمكن القول أن أكراد دمشق وبقية الداخل السوري مندمجون إلى حدّ كبير ضمن المجتمعات العربية، ولم يسبق أن طرحوا إشكالية الهوية القومية خارج ما يطرحه العرب.
في حين أن أكراد شمالي شرقي سوريا عانوا من التهميش ومنع الحقوق الثقافية، والحرمان من الجنسية، في ظل حكم البعث، والحكومات التي سبقته. وبالتالي ظلت الرغبة في الاستقلال أو في عودة الدولة الكردية مرافقة لهم، ولم يضيّعوا فرصة للمطالبة بها، وهو ما حصل في الانتفاضة الكردية 2004، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي استفاد من تهميش نظام البعث العراقي للأكراد، ليكونوا أدوات لأمريكا، حيث دعمت استقلالهم في إقليم كردستان؛ لكنها لم تدعم رغبتهم في الانفصال لاحقاً.
وبالمثل، لم تدعم أمريكا أو روسيا قوات البايادي في معركة الاحتفاظ بعفرين ضد التدخل التركي وما انضم تحت لوائه من قوات عربية. وبالتالي الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية جاء أيضاً في إطار تشغيل هذه الفصائل لخدمة النفوذ الأمريكي في مناطق شرق الفرات، حيث حقول النفط والقواعد العسكرية الأمريكية.
وقبل ذلك، في 2011، النظام نفسه استغل علاقته الجيدة مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وسمح لفرعه في سورية (البايادي) بقيادة صالح مسلم، بإقامة سلطة كردية في الشمال الشرقي، وذلك من أجل قمع الانتفاضة الكردية في عامودا، والتي كانت في سياق الانتفاضة السورية، ورفعت الأعلام الكردية إلى جانب العلم السوري، للتأكيد على الهويتين الكردية، والسورية (أي الوطنية)، وحملت شعارات التضامن مع مدنها، درعا وبانياس وحمص…، أي لم تكن تحمل شعارات انفصالية، أو حتى مطالبات بالفيدرالية، كما هي حال الخطابات الكردية مؤخراً.
عملية “غصن الزيتون” التركية، أزمت الوضع كثيراً، وأدت إلى انتكاسة حقيقية في الهوية الوطنية السورية للأكراد، ازدادت مع تكثيف الخطاب الإعلامي المدعوم من قوات البايادي ضد العرب، وما نتج عنه من خطاب عربي مضاد، وغالباً مترافق مع نفس إسلامي آت من تحريض يقوده أئمة مساجد تركيا الموالين لأردوغان. وبالمحصلة وصلت حدة التناحر العربي الكردي إلى أقصاها مع التدخلات الإقليمية والدولية، وتوافق تلك الدول مع تركية، رغم أن شرائح واسعة من المثقفين العرب يحاولون احتواء الموقف، واستيعاب حدة الخطاب الكردي.
العديد من النخب الليبرالية تطرح العودة إلى الهوية السورية “الوطنية” الجامعة لكل السوريين، وأن تبنى الدولة على أساس الديمقراطية والمواطنة، وفصل الدين عن الدولة، وأن يكون الدستور ملائماً لروح العصر، وللقيم الليبرالية السائدة لدى الغرب، أي احترام حقوق الإنسان، والحريات العامة والثقافية وحرية المعتقد.
لا مشكلة في هذه الطروحات، لكنها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، ولا تؤسس لمشروع يقطع مع البنى التقليدية الاجتماعية المتخلفة. القطع معها يحتاج إلى أن تأخذ الدولة دورها في توفير الأمان الاجتماعي والاقتصادي لمواطنيها، وتأمين فرص عمل للجميع، وزيادة المكتسبات الاجتماعية للمواطن، الفرد. هذا يحتاج إلى صناعة متطورة ودعم الزراعة، ودعم البحث العلمي، ومجانية التعليم والرعاية الصحية، وعدم التخلي عن القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية. بالتأكيد تفتقد سوريا الآن، وكذلك بقية الدول العربية التي قامت بها ثورات، إلى قوىً سياسية تحمل تحقيق هذا الهمّ. وبالتالي ستشهد سوريا والمنطقة المزيد من حالة عدم الاستقرار، والمزيد من صعود الهويات المتقادمة، وتصارعها، خاصة في ظل الاحتلالات المتعددة، إلى حين تشكل تلك القوى.
بواسطة عمر الشيخ | أبريل 2, 2018 | Roundtables, غير مصنف
عندما كنت أغادر إحدى الخمارات في منطقة باب شرقي بدمشق القديمة، قبل الرحيل عن سورية أواخر العام 2015، كنت قد وصلت قرب الباب العتيق الفاصل بين الشارع المستقيم في المدينة القديمة والبيوت الدمشقية الجميلة وطريق السيارات العام، كنت أشاهد بحزن سحب الدخان الأسود والحرائق المتصاعدة من أطراف مدينة جوبر، ثم أعبر باب شرقي باتجاه موقع ميكروباص جرمانا عند مفترق طريق المليحة، عند الزاوية أمر بجانب جامع له مئذنة طويلة جداً، تطل على كل المدينة، تحت المئذنة تماماً ثمة باب للجامع وآخر لمقر يدعى “معهد الفتح الإسلامي”، وفيما بعد علمت أنه معهد “شرعي إسلامي” وتحت عين السلطات السورية ويساهم في تقديم حوافز دراسية مع تعزيز قدرات الطالب في الجانب “الإسلامي” وبقي السؤال يراودني: معهد للعلوم الدينية؟ ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن؟
والكثير من الجمعيات الخيرية والتنموية والدينية النشطة قبل الثورة، ترى ماذا قدمت للمجتمع السوري من تطور وتغيير؟ ما شأن الدين بالفتوحات الفكريّة التي ندعيها كبلد يعتبر مدنياً؟ لماذا لا يوجد معاهد للفتوحات الشعريّة والمسرحيّة والروائيّة والفنيّة؟ معاهد لتحفيظ الشّعر والقصص الأدبيّة؟ جمعية لنشر الكتب وتوزيع علوم الأدب من مختلف أنحاء العالم؟ لماذا كان للدين كلّ تلك الحفاوة؟ وكيف أصبح “إمام” الجّامع، قائداً لسمعة شباب الحارة؟! من وضع الوصاية وصكوك الأخلاق والتربية بيد عمّال الدّين؟ ولماذا ثِقل المدن السوريّة سكانياً هو أحياء عشوائيّة ومخالفات وينشط فيها الدّين على حساب الثقافة والفكر المتنوّر المتعدّد؟
الجّامع مفتاح الغضب ومقتله!
مع غياب أيّ دور سياسي فكري للمبادرات الأهليّة والشعبيّة في سورية منذ عقود، ظهر إلى السطح منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، شكل واحد للخصومة السياسة ضد السلطة، ألا وهو المرجع الدّيني، فتشكل الوعي الشعبي على ما يجتهد به الشيوخ والدّعاة من أفكار وتفاسير تخدم “الإسلام السّياسي” وتجعل تجريبه فرصة بعد وصول العسكر إلى الحكم عام 1963، والمقصود هنا عسكر حزب البعث، وفي الضفة المقابلة الشعبيّة نشطت الحركات الإسلاميّة في سورية وخصوصاً تلك القادمة من فكر جماعة الإخوان المسلمين، ولو نظرنا إلى المشهد السّياسي منذ تسلم العسكر الحكم تحت رعاية وزير الدفاع في حينها حافظ الأسد، سوف نكتشف أن كل أشكال الحياة السياسيّة رسم لها كيان ومبدأ واحد هو المرجعية العسكريّة، والتي برغم عنفها وقربها إلى سدّة الحكم، إلا أنها لم تكن توازي النّشاط الديني الذي راح ينمو بقوة في الأوساط الاجتماعيّة معتمداً على دعم الفقراء والطبقات المتوسطة، وبات للجامع تأثيره الأقوى في الشارع السوريّ، الأمر الذي دفع “البعث” لبناء منظومة دينيّة موازية تسبّح بَحمدِ القائد والجيش وتنشر الدّين الذي يليق باستقرار النّظام وتجذره، وهذا ما نلاحظه في مباهاة البعث المستمرة أنه يبني الجوامع ودور العبادة على اختلاف أطيافها ومذاهبها، ولكنه يغلق أي نادٍ ثقافيّ أو سياسيّ ما لم يكن قد حصل على الموافقة “الأمنيّة”، وبالتالي وجد لدينا ما يعرف بقانون الطوارئ الذي أنهى الحياة السياسية تماماً في سورية حتى انتقلت أي مبادرة معارضة وسلميّة إلى موضع الاتهام والخيانة لأنها تستحضر التاريخ الأسود الذي سطّرته أحداث الإخوان في الثمانينات إلى أذهان الناس، إبان عسكرة “الطليعة المقاتلة” للمعارضة في حماة، وحسب توجيه السّلطة وتصنيع “بعبع” العنف الإسلامي، وتلك الشماعة كانت أقوى أسلحة النظام لصبغ الهويّة السياسيّة بالدّين “غير المغضوب عليه” من القائد.
أصبح الجامع مكاناً للقاءات وتقارب الناس مع بعضها وفرصة للمخبرين لمعرفة توجهات الأهالي مع انتشار الأعداد الكبيرة من الجوامع في سورية بتوجيه مدروس من النظام، وعندما اشتعلت الثّورات العربية، لم نكن نرى مظاهرة تخرج من مسرح أو مقهى أو نادي سياسي، لم نكن نسمع شعارات ثورية بقدر ما هي ذات جذور دينيّة، وكذلك الأمر في سورية التي استيقظت فجأة على الغضب الشعبي، وراح الشارع ينادي “الله سورية حريّة وبس…!” شعار أنجبه الجامع وثقافته التي لا تقبل النقد، وتؤيد “الدعاة ممن يحفظون القرآن والسنن والأحاديث المحمدية!” وهي بطبيعة الحال ثقافة تنويم أصبحت فطريّة، يعتمد عليها الإسلام السّياسيّ لاستنهاض عواطف النّاس واستثمارها في أي انتفاضة شعبيّة ليكونوا في المقدمة، وتجربة إخوان مصر، خير دليل على ذلك الفشل السياسي! ولكن، هنا في سورية الأمر مختلف كلياً، فالنظام أسّس وساهم ببناء الجوامع والمعاهد الشرعية وجعل بذور “الجّهاد” حاضرة منذ غزو العراق، فتح باب التطوع تحت شعارات دينية، لكشف الجّهاديين في سورية من الإخوان وسواهم، وفيما بعد اعتقل كل من أفرزته تلك الثقافة من مقاتلين سياسيين، فور عودتهم من العمليات العسكرية ضد الجيش الأمريكي في العراق، وبقيت الثورة- المعارضة، رهن الدين والمرجعيات المزعومة التي توجهه.
لو افترضنا أن الثقافة كمفهوم ثوريّ تنويريّ، يطالب بالتغيير السلميّ ويحترم الخصومة السياسيّة، إذ لا يبحث هذا المفهوم عن ماهيّة الأديان، بل يعتبرها ثقافة اعتقادية روحانيّة خالصة وتخص الفرد وحده، لا تعمم على المجتمع، غير قابلة للتداول أو التّحشيد الشعبي، ولكن لطالما كان أصحاب الدين يعتقدون أنفسهم هم الصّواب والحلّ بالكتب المقدسة التي يؤمنون بها ويشرعون منها فقط! ولعل تجربة “تنظيم الدولة” و “جبهة النصرة” والفصائل الإسلاميّة “المعارضة” التي تقول بأنها سورية، قد أثبتت مساهمتها الكبيرة في تدمير الثورة وتشويه الهويّة السورية، هؤلاء كانوا يشترطون على الأتباع أن يؤمنوا غيبيّاً ومذهبيّاً، وأن تكون عقيدتهم تابعة لجملة من “مجالس الشورى” بينما نرى أن الثقافة لا تحتاج للدين كبوصلة لتقوم بالتّغيير، إنّما تحتاج للانفتاح على الجميع، بلا عنف جهاديّ عقائديّ، فقط بالحجة والدليل العقلي المادي الملموس، وبالمحصلة هي تعتمد على المعرفة وترحّب باختلاف الأديان، لأنها ترى الدين، كما أسلفنا، ثقافة روحانية منزلية لا يمكن المتاجرة بها وقيادة المجتمع عبرها.
حين تظاهر السوريون من الجوامع منذ اللّحظات الأولى، صبغوا الثورة بالشكل الديني، وأبعدوا المدنيّة عن طريقهم، فتنشّط الدعاة والشيوخ والجماعات الإسلامية للتدخل والبحث عن تمويل ودعم سياسي لاستثمار بيت أسرارها وصلتها مع الناس: الجامع! فكان ما كان، بدأت الثورة بالجامع ووصلت إلى فصائل متشدّدّة وأخرى تريد تحكيم شرع الله، وثالثة تعتقد أن هناك مدنية إسلامية معتدلة (…) فقط كي ترضي الآخرين، وحين تصل للحكم سوف تسحق كل من لا يؤمن بفكرها “الإخواني”.
ربّما قتل السوريين حلمهم حين كانت فرصة الانتفاضة تنادي بالحرية والعدالة والمساواة والمدنيّة، لأنهم طيلة العقود الماضية كانوا قد أصيبوا بالتدّجين الفكري، لا تجربة سياسية حقيقية وأحزاب تقود الحراك.
الجامع، معبد إسلاميّ لا يمكن أن يقود حراكاً سياسيّاً، لقد سَخِرت المعارضة والكثير من الشخصيات السياسية “الطارئة” من تعليق الشاعر السوري أدونيس حين قال: “لا أخرج في مظاهرة سياسية تخرج من الجامع” هو المقتل الواضح الذي نستنتج منه أن الدولة السورية حتى اليوم هي دولة قائمة على تشريعات الإسلام من دستورها إلى قوانين الأحوال الشخصية والنفوس والتربية والميراث ونظرة الدين للمرأة…إلخ، فكيف لا يكون الجامع هو بوصلة السّلطة لتنويم الشعب، لكن ذاك الجامع احتقن وألهب الشوارع السورية بالمظاهرات، لتصبح الثورة بعد أشهر تنادي “يا الله ما إلنا غيرك يا الله” أين السّياسية في ذلك يا سادة، أين الثورة في قاموس ينتظر من السماء أن تحل همومه؟ مع خالص احترامنا للإسلام والمسلمين، إلا أن ذلك لا علاقة له إلا بالقضاء على هوية المجتمع المدني، هوية المجتمع السوري، وذلك ما تم منذ العام 1963 ولا زال، والنتائج المدمرة الآن هي حاصل طبيعي لكل ذاك الاحتقان الديني وتراكم الجهل السياسي لكن بإضافة بسيطة هي خطاب “البعث الإسلامي”.
العنف وملعب الدين والمواجهة
أستغرب ممن يقول إنّ النظام السوري واجه المظاهرات بعنف شديد! هل كان النظام لطيفاً وحضاريّاً ومنفتحاً ويقبل الآخر- السلمي، قبل ذلك مثلاً، بالتأكيد: لا! وهذا لا يعني السكوت عن المواجهات الإجرامية بحق العزل أيام المظاهرات السلمية، إلاّ أنّ العسكرة التي تم جرّ الثورة السورية إليها، كانت غاية النّظام الأولى حتى يصبح لديه مبررات لسحق الاحتجاجات والمناطق الخارجة منها أمام الرأي العام وحلفائه الدوليين، معللاً ذلك بأنّ لديه “عصابات مسلّحة” غير قانونية وتثير الفوضى، يقتل باسمها ويعتقل وينشر التلفيقات والمفخخات التي يراها مناسبة لخدمة مصالح بقائه، ومع تلك التلفيقات نشط الدّين في جانبه الإسلاميّ، وخصوصاً بعد الإفراج من قبل النظام السوري عن مجموعة كبيرة من أخطر الشخصيات المتهمة بقضايا “سياسية” ولها مرجعية دينية متطرفة من جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية والسلفية، وهي التي أسست الفصائل الإسلامية، وكان مقرها الجغرافي والأيديولوجي “سجن صيدنايا”.
هل لاحظتم أن المعتقلين السياسيين الذين ليس لهم انتماءات دينية تؤثر على نضالهم الفكري، قد بقوا في أقبية المخابرات؟ لأنهم يفكرون بلا عنف، ويعرفون معنى النضال الثوري السّلمي الذي حُرمت منه الثورة السورية بعد أشهر قليلة من انطلاقها، وذهبت إلى أيدي الجهاديين وأصحاب الأحزمة الانتحارية والعمليات “الانغماسية” إحدى أبرز هويات الإجرام لدى “النصرة” و “داعش”.
لم يكن يعلم الشارع السوري، ربّما أنّ رفع لافتة في الطريق والتظاهر دون سلاح هو أقوى ضربة يمكن أن توجه لنظام الحكم العسكري، لأن الذهنية السائدة هي مواجهة العنف بالعنف المفرط، وهذا ملعب العسكر الذين منذ تسلمهم البلاد وهم حريصون على لحظة تسلّح الخصوم بعد بناء جيش عقائدي حزبي، والتجذر الشديد بالدول المحورية في المنطقة، مع حلف الأنظمة التي تدعي “الاشتراكية” مثل روسيا الاتحادية! التي لاتزال تلعب ذات الدور في تسليح النظام ودعمه دولياً لأنه حليفها الأخير في الشرق الأوسط.
إذاً تعتمد السلطة في سورية منذ سنوات على مقابلة المشكلات السياسيّة، بافتعال تداعيات خطيرة في الشّارع، وجرّبت ذلك أثناء الثورة السورية، حتى أصبح الافتعال، واقعاً! والمقصود هنا الجماعات الإسلاميّة المرتهنة للدول الداعمة للإسلام السياسي تارة، وللبحث عن موطئ قدم لها في الحصة الجغرافية لبلاد الشام مثل الولايات المتحدة- إيران- تركيا- إسرائيل- وروسيا، هي دول فاعلة بقوة عبر المليشيات المتقاتلة على الأرض. ولكن المثير في الأمر أن تتماهى السلطة في سورية منذ بداية الثورة لكشف هوية المجتمع السوري الذي عملت على تعديل مخيلته ودفعه نحو التديّن، فوجدت الحلّ مثلاً بإطلاق قناة إسلامية من التلفزيون السوري الرسمي من وسط ساحة الأمويين وهي قناة “نور الشام” التي تبث أفكاراً دينية تخدم مصلحة النظام، على اعتبار أن الصراع بوجهة نظر الشارع والمجتمع هو صراع ديني، حسب رأي النظام! الأمر الذي يبرر الفتاوى المستمرة بقتال أبناء الديانة الواحدة الذين اختلفوا قليلاً بأمراض تدعى “المذاهب الدينية” وبالتالي أصبح المجتمع الذي اشتغل عليه حزب البعث مكشوفاً للهشاشة الفكرية ويتدخل في تسييره من يريد، ذلك أن النّواة الأساسية التي اعتمد عليها هذا الحزب هي الدين بالمرتبة الأولى وكسب الشخصيات الدينية في وزارة مخصّصّة لهم ضمن حكومته، هي “وزارة الأوقاف” وهنا نتذكر: أليست هي ذاتها الوزارة التي كانت تسمح لأئمة كانوا فيما مضى يقيمون “الدروس الإسلامية” والجلسات “الدعوية” عبر الراديو والتلفزيون الرسمي والجوامع والمراكز الدينية إياها التي تحدثنا عنها بداية، بينما الآن نراهم في تركيا يقفزون في المجالس “الشرعية” حيث تقود ما بقي من فصائل إسلامية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية؟
الثورة فضيحة الهوية
لا بد من فِكر… نظرة للتجارب الثوريّة القائمة على أفكار يساريّة مثلاً، وتنظير ثوري جديد لقراءة الثورات؛ لا بد من مراجعة جديّة للثورة السورية من أجل الوقوف إلى جانب هذا الشعب العظيم الذي أنجب حضارات منذ آلاف السنوات ومع تقدم الزمن بدأ يعود -بفضل السياسيين والطغاة- إلى التخلف.
إن “الفتوحات الدينيّة” ليست فكراً، بقدر ما هي مرجعيّة لغيبيات روحيّة قد تجعل معظم الناس في راحة من أسئلة الوجود والهوية، وهي لا تحل مشكلات سياسية مرهونة بالحاضر وتبدلاته المستمرة؛ وفي سورية، السلطة الحاكمة اخترعت ديناً خاصاً بها، والشارع تمرّد عليه، فيما بعد، صنع ديناً خاصاً به، وسجون المتطرفين الذين كانوا تحت عين السلطة وجدوا من الشارع فرصة لتطرفهم وتسليحهم فسحقوا الحياة السورية في الداخل وشتتوا الشعب إلى جانب نظام لا يرى سوى البندقية والقائد قاموساً للحوار ولا هوية له إلا القتل والأنانية، القتل الذي أورثه لخصومه حتى أصبحنا في غابة وحوش كاسرة من معارضة ومولاة وحلفاء من دول العالم يمدونهم بالسلاح والمرتزقة.
بالمحصلة الدين يفشل أمام السياسة، لأن كل مفهوم قائم هو على طرف مغاير للآخر في الحياة، لا يمكن أن يلتقيا، وتوحيدهما في جسم اجتماعي واحد أوصلنا للذي نحن به الآن في سورية، الدين أصبح شُبهة وتشدد وتطرّف، لقد لوّثته الغايات السلطوية، والسياسة أصبحت عسكرة وتحالفات دولية ونسيت أن تطور المجتمع، والشعب أضاع هويته المشوهة، دفعها إلى الجحيم في ثورة لازالت تبحث عن قادتها السياسيين بعيداً عن الكتب المقدسة ومن يلحقها من تجار الدين.