روزا ياسين حسن روائية وكاتبة سورية. درست الهندسة المعمارية، وتفرغت للكتابة. ألفت العديد من الروايات وكذلك الكثير من المقالات الثقافية والأدبية في العديد من الدوريات العربية والأجنبية. وهي ناشطة نسوية، وعملت كثيراً على قضايا النساء. أصبحت منذ العام 2015 عضوًا في نادي القلم الدولي PEN وتقيم منذ نهاية عام 2012 فيألمانيا.
عنوان الكتاب: بحثاً عن كرة الصوف – ثلاثة أيام من متاهة المنفى.
الكاتبة: روزا ياسين حسن
الجنس الأدبي: رواية
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر.
سنة النشر: 2022.
جدلية (ج): كيف ولدت فكرة الرواية؟ ما هي منابعها وروافدها، ومراحل تطوّرها؟
روزا ياسين حسن (ر.ي. ح): إنها أول رواية لي تدور حول عوالم المنفى. احتجت سنيناً طويلة كي أستطيع الكتابة عن المنفى، كمن علق في مستنقع، لم أستطع استيعاب غرقي القسري فيه، لا استيعاب الصدمة الأولى التي استطالت كثيراً، كما لم أستطيع الخروج منه ولا التنفس فيه! الفكرة معجونة بتجارب شائكة خضتها، كما خاضها آلاف اللاجئين/ اللاجئات في منافيهم اليوم والبارحة وغداً. منبعها الأساسي هو البرزخ الذي نعلق فيه كأرواح معاقبة، التروما العميقة في دواخلنا كلنا، وفي كل شخصية من الشخصيات العديدة المختلفة، وأحياناً المتناقضة، التي تحفل بها الرواية، والتمظهرات المختلفة كذلك للتروما. تطوّر الرواية يتلخّص في صراعنا الشخصي والعام مع تشعبات متاهة المنفى، كمن يبحث عن كرة الصوف/ خلاصه الفردي التي ستخرجه من المتاهة. وكلما مرّ الوقت راحت المصائر المختلفة للشخصيات تتعقّد وتتشعّب وتتفارق.
(ج): ما هي الثيمة/ات الرئيسة؟ ما هو العالم الذي يأخذنا إليه نص الرواية؟
(ر.ي. ح): عوالم المنفيين/ المنفيات، العوالم الجديدة التي ألفوا أنفسهم فجأة في خضمّها، خيالاتهم، أحلامهم، الشروخ العميقة التي يقعون فيها، مآزق الحياة الجديدة، تحدّيات العيش، والبحث عن الذات في مكان يخلخل الهوية والانتماء الذي حملوه معهم، كمن يبحث عن ذاته وسط أكوام قش متراكمة، وكمن يحاول إعادة تعريف بديهياته، التي كانت حتى لحظة اندلاع المنفى بديهيات. أو كمن يحاول إعادة تعريف ذاته كما تعريف الآخر. هي رواية حافلة بالأسئلة.
(ج): كتابُك الأخير رواية، هل لاختيارك جنسًا أدبيًا بذاته تأثير فيما تريدين قوله، وما هي طبيعة هذا التأثير؟
(ر.ي. ح): أنا روائية، والرواية هي العالم السحري الذي بنيته وسكنت فيه من زمان. ولولا ذاك العالم/ التخييل لما أمكنني إكمال العيش في هذا العالم/ الواقع. الرواية هي التاريخ السري الذي يمكننا نحن “المهزومون” كتابته، تاريخنا الحقيقي، فالتاريخ الرسمي لن يكتبه إلا المنتصر/ المستبد. وأعتقد أن الحكاية هي التي تجعل التاريخ الذي نريده موجوداً، تخلقه ببساطة، مما يعني أن الحكاية مع الزمن هي التي ستكوّن التاريخ الذي سيقرأه القادمون فيما بعد إلى هذه الحياة، لذلك فنحن عبر الرواية نشارك في كتابة تاريخنا. والتأثير الذي تتحدّث عنه لن يكون بالتأكيد تأثيراً آنياً مباشراً، وإنما حفر بطيء صعب ولكن عميق في وجدان البشر.
(ج): ما هي التحديات والصعوبات التي جابهتك أثناء الكتابة؟
(ر.ي. ح): الرواية عالم موازٍ تبنيه وتعيش فيه بلحمك ودمك، لذلك فهو تجربة عيش حقيقية. في هذه الرواية كنت “مريضة” تكتب عن “مرضى”، باختصار. شخصية من شخصيات الرواية عالقة في تلك المتاهة وتكتب عنها. يعني أن أكتب عوالم التروما وصراعات المنفيين مع أنفسهم والحياة الجديدة أمر ليس بالسهل إذا كنت بنفسي واحدة منهم. كضحية تعيد عيش تجربتها وألمها مرة تلو أخرى.
(ج): ما هو موقع هذا الكتاب في مسيرتك الإبداعية؟
(ر.ي.ح): هذه هي روايتي السابعة، أول رواية كانت في العام 2004 “أبنوس”، مروراً بروايتي التوثيقية “نيغاتيف”، ثم “حراس الهواء”، “بروفا”، “الذين مسّهم السحر”، و”بين حبال الماء”، والآن رواية “بحثاً عن كرة الصوف”، بالإضافة إلى أكثر من كتاب مشترك.
(ج): هل هناك نصوص كان لها تأثير خاص، أو قرأتها أثناء إنجاز النص؟
(ر.ي. ح): بالتأكيد. حتى تتمكّن من فهم نفسك وفهم الشخصيات الأخرى من المنفيين/ المنفيات، وتمظهرات التروما المختلفة لدى كل منهم، يجب أن تفهم المعنى العميق للتروما، بالمعنى السيكولوجي والثقافي والاجتماعي، وأين تكمن في دواخلنا وكيف تظهر فجأة مدمّرة كل شيء حولها. تماماً كما يجب عليك أن تطّلع قدر الإمكان على التجارب الإبداعية الأخرى التي كتبها غيرك من المبدعين/ المبدعات حول تجارب المنافي. على كل حال أظن ان الرواية صديق فضّاح، يفضح ثقافة الكاتب/ الكاتبة وعوالمه المعرفية وبنيته الثقافية وقدرته على التحليل والفهم والإحاطة بالحدث، والأهم ديمقراطيته. بمعنى أن “الكتابة الديمقراطية”، إن صحّ التعبير، تمكّن الآراء المختلفة والتفاصيل الشخصية للشخصيات المتباينة من طرح نفسها بدون أحكام قيمة.
(ج): ما الذي يجب أن تحققه الرواية بحيث يمكن القول إنها رواية إبداعية وتشكل إضافة في جنسها الكتابي؟
(ر.ي.ح): لا توجد وصفة سحرية ومنجزة تجعلنا نقول، إذا تمّ تحقيقها، إن هذه الرواية إبداعية. الإبداع مفهوم شائك وخبيث ومخاتل، والرواية هي من أكثر الأجناس الأدبية تملّصاً من التعريف أو التصنيف. ربما لذلك استطاعت أن تطوّر نفسها على طول الوقت، وتتجاوز أية قوالب جاهزة ومعدّة لها.
بالنسبة لي باختصار، الرواية التي تجعلني، بأية طريقة من الطرق، بعد قراءتها مختلفة عمّا كنت قبلها، سواء بالمعنى الثقافي المعرفي أو الإحساسي أو الجمالي، أو التي تهبني لحظات من المتعة، هي الرواية الإبداعية برأيي.
(ج): ما هو مشروعك القادم؟
(ر.ي. ح): أفكر بالتأكيد في مشروع جديد، خصوصاً وأن نشر رواية يجعلك تقتنع بأنها لم تعد تنتمي إليك، كأنك غادرت وطنك مجدداً، وأن عليك التفكير في شيء جديد تنتمي إليه. أي أن تبدأ بخلق ذلك العالم الموازي الذي حدّثتك عنه، والذي بدونه لا يمكن إكمال العيش.
مقطع من رواية “بحثاً عن كرة الصوف- ثلاثة أيام من متاهة المنفى”
غذّ “سرمد” السير مبتعداً فقد تأخّر عن موعده أكثر من نصف ساعة. سمع حديثاً بالعربية من قبل جماعة من الرجال مرّ بقربهم، لكنه لم يلتفت إليهم، فهو أمر مألوف في هذه البقعة من مدينة هامبورغ التي تمتلئ بالمهاجرين ومنهم الكثير من العرب. ثم أن حديثاً بالعربية لجمع من الرجال يرمقونه بقرف واستهجان يجعل السائل الحامض ذاته ينزل معدته حارقاً ما يمر في طريقه. لم يعد يتخيّل أن يقيم أية علاقة عاطفية مع أي رجل سيخاطبه بالعربية. كلمات الحب الحميمة بالعربية صارت بالنسبة له أقرب إلى شتائم، لا يقولها إلا زبائنه المقرفون ومتحرّشو الطرقات.
بشع كتير أن تتحوّل لغتك الأم إلى لغة تمارس عنفاً معك، تحتقرك وتذلّك!
قال “سرمد” ذات يوم لـ”مصطفى” في إحدى نوبات بكائه القاسية.
لكن الأخير كان قد اشترط سلفاً على “سرمد” أن يأتيه اليوم بملابس عادية، تناسب شاباً طبيعياً في مثل عمره، لا تلك الملابس التي تجعله يبدو أقرب إلى عاهرة غنجة ذاهبة لاصطياد الرجال. ببساطة بنطال جينز وبلوزة عادية مع الجاكيت. دون أي أثر لمساحيق التجميل على وجهه، ولا حتى لبعض الماسكارا السوداء على الرموش والتي تظهر واضحة جلية وصادمة حين تنعكس على زرقة عيون “سرمد”. لم يتعب نفسه ويذكر شيئاً عن كريم الشعر، الذي يضمّخ “سرمد” به شعره كي يصفّفه إلى الخلف ويبقى لمّاعاً حيوياً، فهو متأكد بأن صديقه لن يتحرّك خطوة من دونه.
وهو يغذّ السير، تذكّر “سرمد” لوهلة الكابوس الذي استيقظ عليه اليوم، هجمت عليه المشاهد كوحش جائع! كان في منطقة شبيهة للغاية بهذه المنطقة، وعيون الرجال في الكابوس، الذين كانوا يراقبونه وهو يُغتصب وسط الشارع، شبيهة للغاية بعيون هؤلاء الرجال، محتقرة هازئة ومليئة بالتشفّي. هو يصيح من الألم وهم يقهقهون.
نفض رأسه بقوة كي يطيّر الذكرى، لكن غصّة قلبه لم تغادره، وشعر برغبة عارمة في البكاء. حين سيرى “مصطفى” سيحكي له عن كوابيسه، وسيقول له إنه لم يعد يميّز بين كوابيسه وواقعه، لم يعد يعرف إن كان ما حدث معه الليلة الفائتة مثلاً هي حقيقة أم كابوس! وسيسأله “مصطفى”: ما الذي حدث؟! لكنه لن يخبره بشيء.
في العمل لا يعرف أحد حقيقة “مصطفى” البتة، هم يعرفون فحسب بأنه شاب في الثلاثين من عمره، درس علوم الكيمياء في سوريا، وولد في إحدى ضواحي المدن السورية، تلك البلاد المنكوبة التي كانت تتصّدر نشرات الأخبار الألمانية كمثال عن المدن العريقة الأثرية التي تحطّمها يد الغوغاء. الغوغاء في نشرات الأخبار الألمانية غالباً لا شكل لهم ولا لون، هناك داعش والإسلام المتطرّف على الأرض، وهناك من يضرب من السماء على المدن ولكنه مجهول، لا اسم له في الغالب، إلا حينما يكون الأمر أوضح من أن يتمّ إغفاله، فيخرج اسم النظام السوري أو حليفه الروسي ضعيفاَ حيّياً كمسؤول عن إلقاء البراميل المتفجرة والغارات المتلاحقة على مناطق المتمردين.
Oh Syrien, arme, schade, es ist wirklich eine Katastrophe.
آه سوريا، مساكين، يا للخسارة، إنها حقاُ كارثة!
يتأوّه زميله الألماني في العمل كل صباح ويهزّ برأسه أسياناً، حتى أن “مصطفى” كان يشعر في بعض الأحيان بأن عليه مواساة ذلك الألماني على مصاب سوريا وليس العكس!
لكنه فجأة يقف نافضاً تلك الفكرة اللئيمة الساخرة من رأسه:
هل نكون قد تحوّلنا إلى تماسيح؟! صخور؟! أم أن الكوارث حين تتوالى لا يعود لمساحة التعاطف والحزن مكان، التعاطف حتى مع أنفسنا وأحبابنا! لا يعود هناك وقت لنبكي أو نندب، المكان والوقت كله مسخّر لنبقى على قيد الحياة، لنكمل السير في تفاصيل متشعبة للغاية في هذه الحياة التي ينبغي أن تستمر.
على الرغم من أن “مصطفى” كان ينتظر كل يوم خبراً مشؤوماً، خبراً صاعقاً يتوقّعه، وراحت روحه بكليتها تتقبّل قدومه، حتى أنه من الممكن أن يستمر في حياته هذه لو سمع بأن كامل عائلته رحلت في قصف ما قد يحدث في أية لحظة!
ألهذه الدرجة يمكن أن يعتاد المرء الكوارث والفقدان!
كان على “سرمد” أن يأتي لرؤية “مصطفى” اليوم، فالأخير أخبره قبل عدة أيام بأن صاحب البيت الألماني الذي يسكن فيه وافق أن يؤجّر “سرمد” غرفة في البيت مقابل أجار زهيد، وفي البداية دون أي أجار حتى تتحسّن أوضاعه الاقتصادية المتأزّمة، وذلك دعماً منه للشباب المثلي الشرقي، “ذاك الذي يخوض حرباً حقيقية ضد عاداته وتقاليده ومجتمعاته وذاكرته التي تضطهد المختلف وخصوصاً المثليين”، حسب تعبيره. يقولها هكذا وهو يضمّ قبضته ويدفعها في وجه الفراغ أمامه، كأنه يكيل ضربة قاضية لتلك التقاليد والعادات والمجتمعات والذاكرة! حتى أن “مصطفى” تمنى فعلاً لو أنها تتحوّل إلى كتلة مادية، لكان مزّقها نتفاً بأظافره وأسنانه ويديه ورجليه!
تنحدر أصول صاحب البيت من قرية صغيرة قريبة من العاصمة “برلين”، لكنه يسكن في مدينة “هامبورغ” منذ مدة طويلة، وعلى الرغم من أن “برلين” تعتبر من أكثر المدن الصديقة للمثليين في العالم، إلا أنه اختار كمثليّ مدينة “هامبورغ”، المدينة البحرية المنفتحة، للعيش فيها، مدينة تقبل المختلف وتعتبر نسبة المثليين فيها من أعلى النسب في المدن الألمانية.
صاحب البيت يسكن مع شريكه، الذي يصغره بعشر سنوات، منذ أعوام طويلة. رغم أنهما لم يتزوجا إلا قبل مدة قليلة. وهو حريص أن يظلّ النادي الذي أسسه باسم: نادي قوس قزح Rainbow Club، فاعلاً ونشيطاً ومستقطباً للكثير من الشبان المثليين، خصوصاً الشرقيين منهم. يتفاخر أمام أصدقائه بأن هناك أكثر من سبعين شاباً سورياً من أعضاء النادي، لا يتأخرون عن حضور اجتماعاته وأنشطته وحفلاته، وكذا الخروج في مظاهراته المناهضة للعنصرية والهوموفوبيا. وهو إذا وافق على سكن “سرمد” في البيت فلأنه لا يمكن أن يقبل شخصاً في بيته لا يحترم ويفهم ماذا يعني أن يكون الرجل مثلياً، ويعيش مع زوجه الحبيب.
رغم أن المثليين في بلداننا يا ستيف لا يعيشون في سلام تام داخل مجتمعاتهم الصغيرة، إلا أن القوانين في النهاية تحميهم. أما أنتم فلا قوانين ولا دعم اجتماعي يقف إلى جانبكم.. مساكين. علينا أن نكون سوية فليس لنا إلا دعم بعضنا..
ثم غمز صاحب البيت “ستيف” وقهقه بألم وهو يجهّز سلطة خضراء لطعام العشاء.
“ستيف” هو اسم “مصطفى” الذي يعرفه كل الناس به في وطنه الجديد “ألمانيا”، إلا ابن بلده “سرمد”.
يبدو صاحب البيت الألماني وهو يكلّم “مصطفى” كأنه يهجّي كلماته في درس لغة، فيما يتكلّم مع زوجه بسرعة لا يكاد “مصطفى” يلتقط من حديثهما شيئاً!
“مصطفى” يشعر حقاً بأن هذا وطنه، هذا ما يكرّره دوماً أمام “سرمد”. على الرغم من أنه يعيش شخصيتين متناقضتين تماماً:
في النهار يعمل كأي رجل ملتحٍ و(شديد) في مستودع الأدوية، ولا يمكنه أن يسمح لأي تفصيل صغير يشي بحقيقته أن يظهر أمام زملاء العمل، حتى لو كانت ثياب صديقه الآتي ليزوره في العمل.
أما في الليل فيتحول إلى “ستيف”، يرتدي ثياب النساء وحليهنّ ومكياجهنّ ويذهب للسهرة في بارات المثليين والعابرين الجنسيين. يحرص على اختيار الثياب الأنثوية الملونة المليئة بالدانتيلا والشبك والتزيينات، التي تجعله يبدو بالفعل امرأة بكامل أنوثتها، ولولا تلك اللحية المشذّبة الناعمة لما شكّ أحد بأنه امرأة حقيقية، خصوصاً حين لا يخرج ليلاً إلا بستيانات محشوة بإسفنجات سميكة تظهره بثديين عارمين، تضفيان على مظهره أنوثة إضافية شهيّة.
“الأمر بيشبه وقت كنّا في سوريا قبل الحرب”.
يقول لي “ستيف”، “كان ينبغي أن نكون بشخصيتين: شخصية المواطن البعثي المؤمن بالقائد وحزبه، واللي ما ممكن يعمل أي شيء فيه معارضة، وفي البيت وبين الأوساط المغلقة الموثوقة نشتم الرئيس وحزب البعث والقيادة الحكيمة والقدر الذي جعلنا في مثل هكذا بلد يحكمه مجموعة من الطغاة العرصات.. أرأيت؟! مو بس هيك، بل أكثر من شخصية اجتماعية متناقضة لذات الشخص أيضاً، أمام العائلة شيء، وفي المجتمع المحيط شيء آخر، وفي غرفتك أمام كومبيوترك والتشاتينغ شيء ثالث لا يشبه ما سبق. التناقض، الشخصيات المتناقضة المختبئة فيك، أمر معتاد في مجتمعاتنا. بل تربينا عليها.. صحيح؟! استتروا، داروا، خبّئوا.. وهكذا، أنا معتاد على الأمر، بل أستمتع به! يعني.. أممم.. أقصد أن أكون بشخصيتين متناقضتين أو أكثر، لا يمكن لأحداهما أن تشي بالأخرى أو تؤثر عليها أو تتأثر بها! عالمان متوازيان تماماً!”.
يمدّ “مصطفى” كفيه إلى الأمام بشكل متواز وهو يعيد الفكرة ذاتها مجدداً أمام صاحب البيت وهما يلتهمان عشاءهما.
كانت الأزمة الاقتصادية قد بدأت تدريجياً قبل الحرب السورية بعدة سنوات، ولاحت علامات التذمر على وجوه السوريين ليحل من بعدها وباء الحرب اللعينة وندخل في دوامة الهباء ويقطع الشيطان حبل الود بين السوريين الذين اعتادوا التآخي والمشاركة في هموم الحياة ومسراتها.
أطبقت الحرب على أعناق السوريين ليتخبطوا بين طيات الفقد والنزوح والفقر، كَثر الشحاذون في الشوارع وعند أبواب المحلات وانعدم الأمن والأمان، ما عادت قلوبنا تحتمل ضربات العوز التي لم نذقها يوماً مهما وصلت درجة التفاقم، فكان قدرنا أن نمضي وحدنا.
تصاعد الوضع إلى ما بعد القتل والترهيب والتهجير، فأوجدت الحرب تجار الأزمة الذين صعدوا فوق أكتاف وأجساد أخوتهم، نهض الكثيرون اقتصادياً وذوى كثيرون، وبات لا سبيل حتى للقمة الخبز، يوم بعد يوم غدا الوضع السوري في تردٍّ.
واليوم ربما انتهت الحرب جزئياً ليتنفس معظم السوريين ويسترخوا بعد تشنج ورعب دام سنوات، لكننا وقعنا دون سابق إنذار في “حصار قانون قيصر” حسب ما أخبر بعض من قابلهم موقع صالون سوريا في ريف حماه، حيث أشاروا أنه قانون “فُرض علينا وأدخلنا في دوامة اللاشيء.. فأي صبر نمتلك؟”.
في خضم الحصار كنا كمن يحاول رفع يده من القبر منادياً: “هنا.. أنا السوري.. دعوني أعيش!” فإذا بزلزال شباط 2023 يضرب جدران أرواحنا لينتزع آخر ما علق منها في الحياة.
البطالة المزهِقة
اقتضت الحرب برفع سنوات “الخدمة العسكرية” إلى التسع كما انخفض راتب الموظف السوري إلى عدة دولارات فقط بعد الانخفاض المرعب لقيمة الليرة السورية بسبب الحصار، وبات السوري لا قدرة له على إعالة عائلته، وأعرض الكثير من الشباب عن الزواج وباتوا يتخبطون بين عمل وآخر، كل ذلك أدى إلى بطالة أجهضت إرادتهم وأدخلتهم في دوامة اليأس القاتل.
في إحدى قرى حماه كان لنا وقفة مع شبان يذهب عمرهم سدى كفاحاً وأحلاماً، ومنهم راكان (40 سنة) وهو ابن عائلة فقيرة، فقد والده في حرب الثمانينات، وقال بشيء من المرارة لموقع صالون سوريا: “ما ذنبنا نحن الشعب الصامد الصابر، إننا فقط نريد أن نعيش؟” كان راكان قد غادر سوريا متجهاً إلى لبنان طلباً للعمل كي يبني بيتاً ويتزوج، وهناك اجتهد عدة سنوات لتباغته الأزمة حيث بدأ نزوح السوريين هرباً من الحرب إلى الأقطار المجاورة والتي كان إحداها لبنان مما اضطره للعودة بناء على “مبرر ظالم وهو أن السوري بات مكروهاً؛ السوري الذي فتح قلبه وبيته للجميع في أزماتهم وحروبهم أصبح غير مرغوب به، إضافة إلى انخفاض أسعار العمال السوريين هناك” حسب وصفه.
رجع راكان دون رصيد، إلا من بيت متواضع استطاع بناءه بمساعدة أخيه، ويعيش فيه مع وأمه وعائلة أخيه وعائلته بعد أن مكث لسنوات في خيمة لعدم توفر المال قبلاً. لقد بحث راكان عن عمل دون جدوى ليرسو بعد ذلك في عمل مضنٍ “ضمن كسارات الحجر المنتشرة بكثرة في حماه، هذا العمل المجهد حد التسبب بديسكين في ظهره”.
يقول: “العمل في الكسارة منهك، أعمل يومين فقط في الأسبوع إذ إن العمل قليل بسبب الأزمة الاقتصادية، والدخل لا يكفي لكيلو لحمة ولا حول ولا قوة، ماذا عساي أفعل؟ وماذا أقول لأطفالي عندما يأتي العيد دون أن أستطيع شراء الثياب لهم…؟ أو كيف أعالجهم إن يمرضوا وعلبة الدواء سعرها 25 ألف ليرة سورية؟ الحياة صعبة جداً وما حدا حاسس بحدا”.
راكان يرزح تحت ثقل الديون إضافة لدفعه فوائد هذه الديون, تسنده زوجته سمر التي تتمزق بين ماكينة الخياطة وطفليها ومهامها المنزلية.. سمر المنهَكة حد إيلامنا.
كان العجز يسيطر على أجواء هذا اللقاء مع تلك العائلة، فالأمل لديهم مفقود وعمل الزوج والزوجة لا يكفي، والعائلة تعيش بسبب ظروفها المادية القاسية بعيداً عن أية وسيلة ترفيه حتى على صعيد النت الذي غدا متوفراً في كل بيت سوري.
الشباب السوري الجبار
ويخبرنا مالك (25 سنة) عن مسيرته الصعبة خلال كدحه ضد ظروفه الشاقة. لقد كان مالك طالباً جامعياً في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية، ولسوء حظه اقترنت دراسته بسنوات الأزمة. والده المعلم المتقاعد والذي تتكون عائلته من 9 شبان وبنتين استلف قرضاً من البنك من أجل جامعة ابنه لأن راتبه المتواضع لم يكن ليكفي، كان مصروف الجامعة غالياً حوالي 50 ألف ليرة شهرياً بسبب ظروف الحرب، توفي الأب بعد سنتين ومالك في الجامعة مما اضطره لتركها والعمل في سبيل إيفاء القرض، الأمر الذي منعه من إكمال دراسته خاصة بوجود أخت معاقة تحتاج دائماً للعلاج والدواء، فأخوته الباقون جميعهم بعيدون ولا معيل للعائلة سواه، حاول مالك البحث عن عمل ثابت وبدأ بالتنقل “القطاع الخاص امتص دمه- عمِل في منجرة حجر فتدهورت صحته، كان حزيناً فكيف له أن يتأقلم مع وضعه الجديد بعد أن كان طالباً”.
ويؤكد بشيء من السخرية خلال حديثه لموقع صالون سوريا: “لم نكن نمتلك ثمن خبز، وما من رزق لدينا فقط قطعة أرض كانت في حوزتنا باعها أبي من أجل عملية في القلب لأخي الشاب الذي توفي رغم جهودنا”.
مبتسماً يضيف: “منزلنا قديم، هدم الزلزال أحد جدرانه وتكلفة بنائه مليون ونصف، معي نصف المبلغ ولا أعلم كيف أكمله؟”. وحالياً يعمل مالك في مطعم خارج قريته وقد أشار لموقع صالون سوريا “أنه في معظم الأحيان يعود إليها مشياً على الأقدام لعدم توفر ثمن بنزين من أجل دراجته النارية، حتى السجائر بات مصروفها ثقيلاً عليه فبدأ بتخفيفها تدريجياً رغم ولعه بها”. وعندما سألناه إن حاول السفر خارج القطر أجاب: “آمل ولكن من أين لي بالنقود والسفر يكلف آلاف الدولارات؟ لن أيأس من الوضع فأنا من جماعة الاكتفاء الذاتي”.
(تحقيق أجراه الصحفي الأمريكي نيك تيرس لموقع إنترسيبت)
سرق لصوصٌ ما تبلغ قيمته مئات آلاف الدولارات من معدات المدفعية، و“أنظمة أسلحة غير معروفة“، وذخائر خاصة بأسلحة محددة مُرْسلة إلى القوات الأمريكية في سوريا والعراق، بحسب وثائق حصرية حصل عليها موقع إنترسيبت. بقيت عمليات السرقة التي جرتْ في مواقع أمريكية بعيدة في المنطقة، أو أثناء النقل إليها دون حل. وشكّلت دليلاً جديداً على وجود مشكلة ملحة ساعدت قوات الأعداء من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وطالبان في أفغانستان على تسليح أنفسهم وحتى على قتل الأمريكيين وشركائهم الأجانب على حساب دافع الضرائب الأمريكي.
تُلْقي عمليات السرقة الضوء على حروب الظل الأمريكية في المنطقة، حيث قُتل مقاول أمريكي وجُرح ستة أمريكيين آخرون الأسبوع الماضي في هجوم نفذته طائرة مسيّرة انتحارية على قاعدة أمريكية في شمال شرق سوريا. كانت الغارة الجوية التي تمت بطائرة كاميكازي على القاعدة واحدة من ثمانين هجوماً تقريباً استهدفوا القواعد الأمريكية في العراق وسوريا منذ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢١ ما دفع الولايات المتحدة إلى اتهام ولوم مجموعات تابعة لإيران وأمر الرئيس بايدن بشن غارات جوية انتقامية رداً على الهجوم الأخير ”كي نحمي جنودنا وندافع عن أمانهم“. إن عمليات السرقة والخسائر التي كشفها موقع إنترسيبت هي فقط أحدث مشاكل المساءلة التي يواجهها الجيش الأمريكي في العراق وسوريا. واكتشف تدقيق أجراه المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ أن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب- الوحدة الرئيسة التي تعمل مع حلفاء أمريكا السوريين لم تقدم حساباً دقيقاً حول اختفاء ما تبلغ قيمته ٧١٥،٨ مليون دولار من عتاد اشتُري لوكلاء وحلفاء محليين. إن فقدان الأسلحة والذخائر مسألة حساسة في غاية الأهمية، وحاول الجيش جاهداً منع ذلك. وحين سحبت الولايات المتحدة قواتها من موقع قرب كوباني في سوريا في ٢٠١٩ نفذت غارات جوية لتدمير الذخائر التي خلفتها وراءها. ودمر الجيش أيضاً عتاداً وذخيرة أثناء انسحابه العشوائي من أفغانستان في ٢٠٢١. ورغم ذلك، اكتشفت منظمات مثل منظمة العفو الدولية وهيئة أبحاث النزاعات المسلحة، على سبيل المثال، أن قسماً كبيراً من ترسانة تنظيم الدولة الإسلامية يتألف من أسلحة وذخيرة صنعتها أو اشترتها الولايات المتحدة استُولي عليها أو سُرقت أو تم الحصول عليها بطريقة أخرى من الجيش العراقي والمقاتلين السوريين. كشفت ملفات تحقيقات جنائية تم الاطلاع عليها بمقتضى قانون حرية المعلومات عن التوصل إلى أدلة حقيقية حول حدوث أربع عمليات سرقة كبيرة على الأقل وفقدان للعتاد الأمريكي، وبلغت قيمة العتاد المسروق أو المفقود تقريباً مائتي ألف دولار في العراق وسوريا بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ بما فيه قنابل يدوية ٤٠ ملم شديدة الانفجار سُرقت من القوات الخاصة الأمريكية. ”هذا صادم ومأساوي“، علقتْ ستيفاني سافيل المدير في مشروع تكاليف الحرب التابع لمؤسسة واطسون للشؤون الدولية والمحلية في جامعة براون. ”إن هذه الأسلحة المسروقة ستنتشر وتزيد من حدة العنف السياسي واللامشروع وتجعله أكثر إهلاكاً، كما رأينا الأمر يحدث في حروب وصراعات أخرى“.
إن قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب – التي تشرف على الحرب الأمريكية في العراق وسوريا لا تعرف حتى حجم المشكلة. لا تمتلك قوة المهام سجلاً حول أية سرقات من القوات الأمريكية، كما قال الناطق باسمها. ”ليس لدينا المعلومات المطلوبة“، قال لموقع إنترسيبت مدير الشؤون العامة النقيب كيفن تي. لفنغستون حين سُئل إن كانت قد سُرقت أية أسلحة وذخائر أو عتاد في السنوات الخمس الماضية. كان الهدف المعلن لنشر القوات الأمريكية في العراق وسوريا إلى جانب قوات أمن عراقية وقوات كردية ووكلاء سوريين إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، لكن القوات الأمريكية تحارب أيضاً وبصورة متزايدة الميليشيات المدعومة من إيران في حرب جانبية غامضة من الناحية القانونية. ويعمل الأمريكيون في قواعد حيث عدم الكشف عن المعلومات هو في بعض الأحيان العرف ولا يتم الوثوق دوماً بالشركاء المحليين مثل قوات سوريا الديمقراطية. وفي ظل محدودية الإشراف الخارجي أو التغطية الصحفية للعمليات العسكرية الأمريكية تقتصر المعلومات حول هذه النزاعات إلى حد كبير على التصريحات المشكوك فيها للقادة العسكريين الأمريكيين، والبيانات الصحفية العسكرية، والتقارير المعتمدة رسمياً. وتلقي سجلات التحقيقات الجنائية التي حصل عليها موقع إنترسيبت بعض الضوء حول كيفية خوض الحروب الأمريكية في العراق وسوريا في الحقيقة. تذكر هذه الملفات أنه في وقت ما في أواخر ٢٠٢٠ أو بداية ٢٠٢١ سُرقت ”عدة مدفعية ميدان متخصصة وتجهيزات عديدة“، من شاحنة عسكرية وهي تنقلها إلى القاعدة الجوية في أربيل في شمال العراق. وحين وصلت الشاحنة إلى الموقع في كردستان اكتشف الجنود الأمريكيون أنه فُقد عتاد من الشاحنة تقدر قيمته بمبلغ ٨٧،٣٣٥،٣٥ دولار أمريكي. ”لم يتم التوصل إلى أية أدلة“، ولم يتم تحديد أي مشتبه بهم بحسب ملف التحقيق. وفي شباط ٢٠٢١ سرقت ”٤٠٠ طلقة خارقة للدروع و٤٢ قنبلة عيار ٤٢ ملم شديدة الانفجار ومزدوجة الغرض ”قادرة على اختراق ثلاث بوصات من الفولاذ“، بحسب الجيش، من إمدادات ذخائر القوات الخاصة في موقع القرية الخضراء في شمال غرب سوريا. وتوصل تحقيق جنائي إلى أنه تم ”التعامل مع الذخائر بإهمال وثمة غياب للمسؤولية القانونية“، ما سمح ”لأشخاص مجهولين بأن يسرقوا الذخائر“، التي قُدرت قيمتها ب ٣،٦٢٤،٢٤ دولار.
في تموز (يوليو) ٢٠٢١ سُرقت ”خمسة أنظمة أسلحة“ تقدر قيمتها ب ٤٨،١١٥ أثناء نقلها في ”موكب عن طريق البر“ من قاعدة حقل كونيكو للغاز – وهي قاعدة غير بعيدة عن القرية الخضراء – إلى قاعدة في سوريا. سُرقت الأسلحة من حاوية شحن ولم يتم العثور على شهود أو التوصل إلى أية أدلة. وذكرت الوثائق أن اللصوص اقتحموا في كانون الثاني (يناير) الماضي حاوية شحن في طريقها إلى القاعدة الجوية في أربيل في العراق وسرقوا عتاداً عسكرياً ومقتنيات شخصية تقدر قيمتها بأكثر من خمسة وسبعين ألف دولار. وبعد أربعة أشهر تقريباً سُرقت٢،١٠٠ طلقة خارقة للدروع الجسدية وثلاثة صناديق من ”قطع الغيار“ غير المحددة حُمّلت على حوامة بلاك هوك في قاعدة الأسد الجوية في العراق وكانت منطلقة إلى قاعدة أربيل الجوية، حيث كان من المفترض أن تصل لجنود من وحدة تُدعى قوة مهمة الهجوم. زعمت تلك الوحدة أنها لم تتلق الذخيرة أبداً ما أدى إلى الشروع بتحقيق. بعد شهر تقريباً، زعم أفراد هذه الوحدة أنهم استطاعوا تحديد مكان صندوق يحتوي على ١٦٨٠ طلقة من الذخيرة المفقودة، لكن السجلات لا تذكر بقية الطلقات والقطع. ويظن المحققون الجنائيون في الجيش أن هناك سبباً مرجحاً في جميع الحالات، باستثناء الحالة الأخيرة، لاتهام المسؤولين بسرقة ممتلكات حكومية أو أسلحة حكومية إذا تمكنوا فقط من العثور على اللصوص.
(دورية أمريكية راجلة في قرية القحطانية في شمال شرق الحسكة)
وكشف تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع في ٢٠٢٠ خللاً في الحسابات المتعلقة بعتاد يبلغ ثمنه أكثر من ٧٠٠ مليون دولار اشتُري لوكلاء أمريكا السوريين وتوصل التقرير إلى أن قوات العمليات الخاصة لم ”تحافظ على قوائم شاملة بالعتاد كله الذي اشتُري وتم استلامه“. هناك وحدة عسكرية أخرى، تدعى قيادة الإمداد والتموين الأولى لمسرح العمليات خزنت بشكل يخلو من الدقة أسلحة كالرشاشات وقاذفات القنابل، بحسب التدقيق. وتركت ”آلاف الأسلحة وقطع العتاد الحساسة معرضة للفقدان أو السرقة“. ونظراً لعدم الدقة في حفظ السجلات والإجراءات الأمنية غير الكافية لم تستطع هذه الوحدة حتى ”أن تحدد إن كانت الأشياء قد ضاعت أو سُرقت“. شكل فقدان الأسلحة والذخائر مشكلة ملحة للبنتاغون. ففي منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين فقدت الولايات المتحدة مئات آلاف البنادق في أفغانستان والعراق بحسب بحث أشرف عليه إيان أوفرتون من منظمة العمل من أجل الصراع المسلح وهي مؤسسة خيرية مقرها لندن. واستولت جماعة طالبان على كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية حتى قبل الهزيمة الأمريكية في أفغانستان. وحين انسحبت القوات الأمريكية في ٢٠٢١ تركت خلفها ما تبلغ قيمته ٧ بليون دولار من العتاد العسكري. كانت النتائج أحياناً كارثية، فمن أفغانستان إلى العراق كانت هذه الكميات من الأسلحة تُستخدم ضد حلفاء الولايات المتحدة ومن المحتمل ضد القوات الأمريكية. ”إن كل قطعة من هذه الأسلحة التي تُقدم لقواتنا الشريكة تخضع للمسؤلية القانونية وتُصوب إلى تنظيم الدولة الإسلامية“، قال ناطق من قوة المهام المشتركة في تغريدة في ٢٠١٧. لكن يبدو أنه ليس لديه أية معلومات حول السرقات، وغير متأكد من أن الأسلحة والذخائر الأمريكية التي سُرقت بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٢ لن تُستخدم ضد القوات الأمريكية أو وكلائها. للجيش الأمريكي تاريخ طويل من التستر على فقدان الأسلحة. فقد توصل تحقيق قامت به وكالة الأسوشيتد برس في ٢٠٢١ إلى أنه ”فُقدت ١٩٠٠ قطعة سلاح أمريكية على الأقل أو سُرقت في ٢٠١٠ وعاود بعضها الظهور في جرائم عنيفة“، وإلى أن ”الجيش الأمريكي تستّر على اختفاء أسلحته النارية أو قلل من حجمه، ومن أهمية فقدان الأسلحة والسرقات وهذا نموذج من السرية والتكتم يعود إلى عقد تقريباً“. إن افتقار قوة المهام الخاصة المشتركة للسجلات وللشفافية يجعل من المستحيل معرفة كيف فُقدت الأسلحة الأمريكية أو سُرقت في سوريا والعراق، أو إن كانت هذه الأسلحة قد استُخدمت ضد القوات الأمريكية أو حلفائها، لكن سافيل من مشروع تكاليف الحرب تخشى أن يكرر التاريخ نفسه. قالت معلقة على السرقات الموثّقة في سجلات وملفات التحقيقات الجنائية: ”سيُصاب الكثير من الأشخاص أو يُقتلوا جراء ذلك. هذه إحدى العواقب الناجمة عن القيام بعمليات عسكرية أمريكية في كثير من المواقع خارج البلاد“.
*الصورة الأساسية المرافقة للمقال: (جندي أمريكي يحمل قاذفة صاروخ أرض- جو من نوع جافلين أثناء مناورة عسكرية مشتركة في ريف دير الزور في شمال شرق سوريا في السابع من كانون الثاني، ٢٠٢١)
لم يكن يخطر في بال الجموع التي هزَّت البلاد منذ سنوات أصبحت لا تُعَدُّ أنَّ الأشياء كلّها ستحصل على حرّيتها إلاّهم. الحرية تلك الكلمة الأثيرة التي اعتلت الحناجر والمنابر ولافتات الشوارع، تجتاحنا بلا رحمةٍ اليوم… الأشياء تتحرّر تباعاً.. كل صباح أستيقظُ لأترقّب جغرافيا الحرية، الخبز الحُرّ.. السكر الحُرّ.. الرز الحُرّ.. الزيت الحُرّ.. المازوت الحُرّ.. البنزين الحُرّ… والسقوط الحرّ للكرامة الإنسانيّة في هاوية سحيقة من الضلال السياسيّ والتمزّق الطائفيّ والانهيار الاقتصاديّ. نعم لقد أصبحت هذه السلع كلّها حرّة، ونحن نراقبها بصمت، عبيداً، أمام هذه الكثرة الكاثرة من الحريّات السِلعيّة.. ونصلي من أجل أن تخسر السلع حرياتها، وتعود إلى عبوديتها، ولكن السلعة الوحيدة التي لم تصبح حرة حتى الآن هي الإنسان!
الفرح لا فسحة للاكتئاب في ديارنا، الفرح يداهمنا كيفما توجهنا، كأن تستيقظ على صوت شحن بطاريات الطاقة مدركاً أن الكهرباء العزيزة في الدِّيار… ثم تخرج إلى عملك لتستقلّ إحدى وسائل النّقل العام، فتجد مقعداً دون أن تشعر أنك في يوم الحشر، وتدخل إلى إحدى الدوائر الرسمية لتجد موظفاً يقوم بعمله باحترام، وتُنجز معاملة في وقت مثاليٍّ، ثم تعود إلى المنزل لتشعر بمدى عظمتك عند إشعال المدفأة بالمازوت..! هذا الفرح مخاتل شجي، هذا الفرح عصيٌّ على غير السوريين، هذا الفرح خاصٌّ بنا، فوحده من ذاق عرف.. إلا أنه مثل كل غالٍ وثمين كالفينيق والعنقاء والخلّ الوفي. إنّه فرح ذاتي بالوجود ولو للحظة داخل عالم يتجه نحو التلاشي والزوال…إنّه فرح يوهم بالفرار إلى عالم آخر غير هذا العالم التعِس البائس…هذا ما قاله حسّان أستاذ اللغة الفرنسية، معبّراً عن فرحه داخل المأساة الكونية.
السويداء يُقال سويداء القلب : حبّته، عمقه، مهجته والآن هي الهامش: اقتُلِع من السويداء عمقها، رُفِعت اليد عنها، وتُركت تتقاذفها الأهواء في أقاصي الأزمة.. هذا بناء المحافظة اليوم يشهد كيف تقاذفت الأهواءُ النيران، تحوّل هذا البناء في الأيام الفائتة إلى أذن ثالثة التقطت الصوت من عمق السوق، حيث كانت تتحرك مجموعة من الجياع تنادي بحقها من قوت الحياة وتصرخ بالمتجمهرين: من لم يكن جائعاً لا يلحق بنا.. في زاوية أبعد توجد مجموعة أخرى من شبابٍ بلباسٍ مختلف يتأهبون لالتقاط اللحظة وخطف الزَّخم..بدؤوا الاتصالات لدعم حراك الجوع، وإطعامه بألون مختلفة من الإيديولوجيا.. أما حاتم بائع القماش بدأ يهمس لزبائنه بأن هناك رجالاً كانوا قد تضرّروا من قرارات ضريبية، فأرادوا بثَّ الفوضى في بناء المحافظة عسى أن تُحرق الأضابير الضريبية الخاصّة بهم، يجيبه هايل -الشاب الذي ينتظر تأشيرة نجاته بعد تخرجه من الجامعه وفشله في إيجاد عمل أفضل من عمله أجيراً لدى حاتم- بأنَّ في كلامه هذا تقليلاً من شأن ما يحدث (إنه نداء الجوع يا معلم). ولكنَّ حُساماً الخارج من السجن بعفوٍ عام علّق قائلاً: لابد أنها حركة من حركات الدولة لإطباق السيطرة على البلد. يقهقه حاتم قائلاً يبدو أنهم “برعوا في تأديبك”.. في البناء المجاور لمبنى المحافظة كانت همسات البعثيين القدامى تملأ المكان، بعد أن بدأ المحتجون باقتحام المبنى وتكسير أثاثه وإحراق أوراقه. إنهم المندسون أولئك الشباب المُتنفّعون مما يقدمه الخارج، بحجة دعم حراكهم ودفعهم وتوجيههم لفعل الأسوأ. لابد أنهم كذلك..من أين أتت تلك اللافتات المعنونة بالشعارات المبسترة المسيسة بالطريقة الغبية نفسها؟ من أولئك الذين يرتدون الأسود ويصورون الوقائع ويتكلمون على الهواتف الجوالة؟ هل يدرك هؤلاء أنهم ينتهكون رمزاً للوطن. ربيع يهاتف أصدقاءه المحامين ليخبرهم أن اللحظة التي مازلنا نحلم بها من أحد عشر عاماً قد حانت، إنه التغيير يقرع بابنا ولابد لنا من إعادة تنظيم أنفسنا من أجل هذا الحراك. تليق بنا دولة مواطنة، آن الأوان ليحكم الشعب نفسه حقاً.. الدولة كانت تحاول إطفاء النار دون أن تشعل حرائق أكثر. حضرت مجموعة من رجال الأمن لتفريق المحتجين بعد أن اخترق الرصاص القاتل جسد عنصرٍ من عناصر الأمن، وكذلك قُتِلَ شاب قاده القدر إلى المكان.. دون تأكيدٍ لهوية القتلة..
المركز الأول
نسيم معروف حارس مرمى نادي العربي الرياضي في السويداء، من قرية عتيل التي شهدت مؤخراً النزاعات الأهلية بين الفصائل المحلية، بُغية ضبط الأمن المحلي، كتب عن فعالية اجتماعية نجح في إقامتها في بلدته: الأرجنتين كسبت الكأس، ونحن في عتيل ربحنا المركز الأول أيضاً. فقد أطلق أبناء عتيل مبادرة اجتماعية رياضية لشراء بطاقة اشتراك تلفزيونية، واستئجار بعض المعدات، واستخدام الصالة الاجتماعية في البلدة لعرض مباريات مونديال قطر ٢٠٢٢. كما تم تحديد سعرها رمزياً بمبلغ قدْره خمسمئة ليرة سورية للدخول، الأمر الذي استقطب متابعي الرياضة من القرية ومن القرى المجاورة لها. ونشر نسيم معروف على تدوينته بياناً بالمبالغ المحصلة من هذه الفاعلية، والتي بلغت نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية، ليقول إنها ستُجيّر لصالح شراء الأدوية للأمراض المزمنة، وستقدم للمحتاجين. نعم لقد نجح في ظل كلّ هذا الفشل، يبدو أنّ النّجاح ممكن.
الرسالة “أمّةٌ عربيّةٌ واحدة ذاتُ رسالةٍ خالدة”، كانت الرسالة الأولى التي سمعت بها قبل أن أرسل رسالة عشقي الأول لـ”ناي” صديقتي في الصف الخامس، قال وفيق. وتابع: بعد ذلك أصبحتُ مطيّةً في أرض الرسالات..رسالة الدين، رسالة الأخلاق، رسالة الحزب، رسالة التخرج، رسالة الدبلوم لكن لم يخطر في بالي أبداً أن تكون رسالةٌ مثل رسالة تكامل (وهي الرسالة التي تصل للهاتف الجوال مبشرة بقدوم الدعم في ما يخص الغذاء والوقود) هي الرسالة الأثيرة لقلبي..أحس بمعنى كل الرسائل فيها، أتلمس الخلود والعشق والرحمة والأدب والعلم بأوضاع الحال، ينشرح صدري دون صلاة حين تقع في قلبي نغمتها المميزة عن كل نغمات العالمين، أقف ضد نفسي أنا الذي ظننت يوماً أني حرٌ فجوارحي تنتظر تلك الرسالة الخالدة التي تقف بكامل ألقها في وجه الخبز الحر والسكر الحر والرز الحر والغاز … تتحدى كل ماهو حر وهي تحتضن رجائي بدوام الدعم الحكومي. قلبي الصغير لم يعد يحتمل أكثر من تلك الرسالة الشقيّة العصيّة.
الأفق والضوء في آخر الصّورة كقصيدة شعرٍ تخبو لتتحول إلى صورة، كلحظةٍ يُراد بها تجميد المشهد، التقط ملهم الشاعر المسافر إلى دمشق آلة التصوير و رسم.. أسودٌ هو ذاك الجبل الذي يستقبلك حين الدخول إلى أرض البازلت؛ عزيزاً يطل على لؤم ما يحصل. لونٌ ناري يهبط على تلة جبل (قليب) عسى أن تُشعل النار التي كانت تُنذر أن خطراً محيقاً بأهل الجبل في الديار..لونٌ نبيذي شاحب يندلق من اللوحة يعلن انتهاء موسم النبيذ دون صخبٍ، دون سمر. وجوهٌ شاحبة مسمّرةٌ إلى ذاك الضوء في آخر الأفق.. وحين أخبره العسكري على الحاجز أن اسمه مطلوب للاحتياط وعليه النزول رسم قطاراً لا يُرى إلا ضوءه، يدهس الجميع.
الغواية للحياة غواية لا يدركها إلا من يناضل ليعيش، الآن أنا في السويداء؛ سويداء قلبي التي هُمِّشت وهُشِّمت، أتماهى مع بازِلتِها، أتشبث بالعيش كما العشب ينمو بين صخورها، تهدر روحي لترتقي من هاجس البقاء على قيد الحياة لهاجس الحياة، ها أنا أراها، أتلمسها، أطرق على جدار الخزان بكل قوتي، أريد أن أتبع شغفي، أركض خلف غواية الحياة فقد نجحت بالعيش في كلِّ هذا الموات. هذا ما قالته لبنى الفتاة الجميلة الموهوبة بكتابة القصة القصيرة.
سبّب الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وكردستان في السادس من شباط 2023 خسائر بشرية كبيرة ودماراً مادياً غير مسبوق وفشلت الحكومة التركية فشلاً ذريعاً في احتواء الكارثة متخلية عن عشرات الآلاف من الناس كي يموتوا تحت الأنقاض وعن ملايين الناجين الذين تعرضوا للصدمة وتساءلوا يائسين: “أين الحكومة؟“. حتى بعد مرور اثنتين وستين ساعة فشلت هيئة إدارة الكوارث في تركيا (أفاد) في القيام بعمليات إنقاذ للعالقين تحت الأنقاض في محافظة هاتاي التي تعرضت للضربة الأقوى. وكان الموقف مشابهاً في تسع مدن أخرى وأكثر سوءاً في الأرياف. وأدى سوء إدارة الطوارئ الحكومية وصرخات الاستغاثة من المناطق التي استهدفها الزلزال في الإعلام الاجتماعي إلى تعبئة تلقائية وسريعة في أنحاء البلاد لمد يد العون للمنكوبين. ونظمتْ شبكات التضامن، ومنظمات المساعدة المتبادلة، والبلديات التي ترأسها المعارضة، التي فتح عليها الأردوغانيون طويلاً نار النقد ونعتوها بصفة ”إرهابية“، حملة كبيرة لإنقاذ الناس العالقين تحت الأنقاض ولتعبئة المساعدة التي يحتاج إليها ضحايا الزلزال. واستجابت الأسرة الدولية بسرعة لنداءات الاستغاثة وانبرت للمساعدة أيضاً كلٌّ من اليونان وأرمينيا وكردستان العراق (الدول التي تُشيطَن عادة كأعداء للدولة التركية) ومعها كثير من الدول الغربية التي اتهمتها الحكومة على نحو متكرر بالتآمر ضد وحدة تركيا وسلامة أراضيها. يمكن أن يذهب الظن بالمرء إلى أن الحكومة التركية رحّبت بجهود الإغاثة المجتمعية أثناء هذه الأزمة، وتحركت بسرعة كي تدمج هذه الجهود في إطار جهود استجابة الدولة المنظمة للكارثة إلا أن الحقيقة هي أن حكومة حزب العدالة والتنمية اعتبرت حملة التضامن التي قادتها المعارضة تهديداً وشنت حملة عدوانية لقمع الأفعال الجماعية التي هدفت إلى تقديم المساعدة لضحايا الزلزال. كيف نشرح العداء الشديد الذي تكنه حكومة حزب العدالة والتنمية لمنظمات المجتمع المدني التي تنظمت من أجل المساعدة المتبادلة بعد الزلزال؟ ما الذي يفسر رفض الحكومة التركية للعمل مع المجتمع المدني لتنظيم إغاثة المنكوبين في الكارثة ولجوءها إلى الذعر الأخلاقي العنصري ضد ”من يقومون بعمليات النهب“ والمهاجرين السوريين؟
طرأ على الدولة التركية تحوّل نحو الاستبداد في العقد الأخير، ذلك أن الحكومة ركزت بصورة رئيسة على دعم مؤسسات الدولة القسرية (الشرطة، الجيش، والاستخبارات) على حساب مؤسسات تقوم بوظائف غير قسرية (إدارة الكوارث، الصحة، والتربية)، وقد تكشفت هذه السيرورة من خلال سلسلة من الأحداث الجماعية المثيرة للجدل، شملت انتفاضتين في (2013-2014)، وحرب المدن (2015-2016) ومحاولة انقلاب (2016) في الوطن، بالإضافة إلى ثلاث عمليات عسكرية عابرة للحدود في سوريا (2016- 2019). وفي أثناء ذلك الوقت، أبدت الحكومة بشكل متزايد براعة في التعامل مع الطوارئ السياسية عن طريق إدارة حملات تهدئة. تغلّب أردوغان في هذه الأحداث المثيرة للجدل على التحديات التي واجهت حكمه عن طريق تعبئة القومية العرقية التركية لحشد الدعم الشعبي وتوحيد الجسم السياسي وتقويض المعارضة زاعماً أنه يقاتل ضد أعداء داخليين وخارجيين في آن واحد (١). من ناحية أخرى، حين نشأت الحاجة لمواجهة الطوارىء العامة كالوباء وحرائق الغابات، ومؤخراً الزلزال، لم تتمكن وكالات الدولة المعنية من مواجهة هذا التحدي بفعالية، ما أدى إلى غضب شعبي واسع النطاق وتجريم الأصوات المعارضة و\أو الأقليات. بصرف النظر عن السبب الكامن وراء طارئ، وظّفتْ الحكومة التركية حالات الطوارئ في إطار التنافس السياسي من أجل الشرعية. وتساوقَ رد فعل الحكومة على الزلزال الذي حدث مؤخراً مع تصورها المسيس بشكل مفرط لحالات الطوارئ. وبعد أن واجهتها أزمة شرعية نتيجة لفشلها في حماية حياة مواطنيها، لجأت الحكومة التركية إلى حملة تهدئة، مستغلة مشاعر العداء للسوريين التي انتشرت على نطاق واسع في محاولة لإضعاف حملة التضامن. وعوضاً عن مجرد استعادة الشرعية، هدفت جهود التهدئة الحكومية أيضاً إلى إنشاء أوضاع من أجل التمهيد لمشروع ضخم لإعادة بناء المناطق التي ضربها الزلزال في غضون سنة.
سوابق خطيرة وسياسة إدارة الكارثة
لا شك أن قوة الزلزال زادت من الدمار الذي نجم عن الكارثة. وقد كانت الديناميات البنيوية التي أسهمت مباشرة في التكاليف البشرية والمادية العالية، من ناحية أخرى، قيد التشكل منذ أن تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في 2002. ذلك أن استراتيجية تراكم رأس المال لدى حزب العدالة والتنمية تعتمد بشكل كبير على النمو السريع في قطاع البناء والتسامح البيروقراطي مع الانتهاكات المنهجية للقواعد والقوانين على كل من المستويين الوطني والمحلي، وخاصة حين يمتلك المتعاقدون صلات مع الشبكات السياسية الصحيحة. وفي سياق كهذا، إن أي لجوء إلى مصطلح ”فساد“ تبسيطي ومضلل، ذلك أن تفشي هذه الانتهاكات المنهجية يبيّن أن المشكلة كامنة في نموذج النمو الخاص بحزب العدالة والتنمية وناجمة عنه. فبحسب تقرير أعده اتحاد غرف المهندسين، إن نصف الأبنية تقريباً التي انهارت أو تأذت بسبب الزلزال بُني بعد عام 2000. ثمة عامل آخر مهم أسهم في ارتفاع حصيلة القتلى هو فشل الحكومة في بناء وكالة لمواجهة الكوارث تعمل بفعالية بعد تفكيك البنية التحتية السابقة التي كان يقودها الجيش في 2009. فقد استند توجّه حزب العدالة والتنمية لمنع الجيش من استغلال حالات الطوارئ إلى مخاوف شرعية. منذ الستينيات حتى أوائل القرن الحادي والعشرين، كان الجيش التركي الوطني العلماني قادراً على إدارة البلاد بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق استغلال حالات طوارئ حقيقية أو مفبركة، وقد استتبع هذا إدراجاً دائماً لمبادئ مكافحة التمرد في هياكل الحكم. وأنتج مشروع حزب العدالة والتنمية لتمدين إدارة الكوارث وكالة أقل فعالية في التعامل مع الكوارث في الأعوام التالية. واندمجت جميع منظمات الإغاثة في حالات الكوارث التي كانت موجودة في 2009 تحت مظلة هيئة إدارة الكوارث التركية (أفاد). وبعد مدة وجيزة، تم تطويق إدارة الكوارث والطوارئ من قبل بيروقراطية تنسيقية متعددة الطبقات أخضعت الإغاثة في حالات الكوارث لسيطرة سياسية أكبر، وقُوضت بالتدريج سلطتها المستقلة في صناعة القرار كي تعمل بسرعة في حال حدوث كارثة. علاوة على ذلك، قامت هيئة ”أفاد“ الحكومية بإعادة هيكلة منظمات الإغاثة في أوقات الكوارث كالهلال الأحمر كي تولّد قوة ناعمة عن طريق إرسال مساعدة إنسانية إلى الخارج على حساب كوارث محلية. كان من أسباب عجز حكومة حزب العدالة والتنمية عن بناء بنية تحتية لمواجهة الكوارث أيضاً هو توجّه تركيا الاستبدادي واستثمارها الكبير في مؤسسات القسر الحكومية. فعلى مدى العقد الأخير، خصّصت الحكومة التركية على نحو متزايد قسماً كبيراً من مواردها لبناء دولة بوليسية لقمع الانشقاقات الداخلية وبناء جهاز صناعة حرب كي تعزز أجندتها الإمبريالية في كردستان وسوريا والعراق، والشرق الأوسط الأوسع. ومنذ 2009، ركزت ”أفاد“ في معظم الأحيان على إدارة معسكرات اللاجئين في تركيا والمناطق التي تحتلها تركيا في سوريا فجرّدها هذا من القدرة على مواجهة كارثة ”طبيعية“. وفي ظل غياب مؤسسات غير قسرية فعالة في الوطن، فاقم طموح النخب السياسية التركية لبناء قوة إقليمية في الشرق الأوسط التأثيرات المدمرة للزلازل. وعلى نحو مشابه، لا تزال استجابة الحكومة للكوارث المسيسة بشدة تتشكل من خلال الإيمان بهيمنة الدولة على المجتمع، علاوة على الدروس السياسية المستمدة من التاريخ الحديث للكوارث الكبرى.
الحكومة التي في جميع الأمكنة وليست في أي مكان
عجّلتْ أزمتان متعاقبتان صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في 2002. كانت الأولى هي فشل حكومة الائتلاف في حماية حياة المواطنين وتقديم المساعدة الفعالة في أعقاب زلزال إزمير في 1999. وكان هذا ملفتاً للنظر على نحو خاص لأن الجيش التركي تصرف بسرعة في الساعات الاثنتين وسبعين الأولى كي ينظم الاستجابة للكارثة. وبسبب الإمكانية المحدودة للدولة، لم تكن جهود الإغاثة فعالة إلا جزئياً، بينما كان التأثير الاقتصادي للزلزال شديداً بعد أن ضُرب القلب الصناعي لتركيا. وأشارت أزمة 2001 الاقتصادية إلى نهاية ”تركيا القديمة“، التي كان يحكمها الجيش العلماني بشكل غير مباشر . ورغم أن الجيش هدف إلى شرعنة هيمنته القسرية أثناء التسعينيات عن طريق تصوير الحركتين الكردية والإسلامية بوصفهما تشكلان تهديداً للدولة والأمة، فإن هاتين الأزمتين مهّدتا الطريق لحزب العدالة والتنمية كي يفوز بانتخابات 2002. أوضح هذا التحول أيضاً كيف أن الكوارث التي تُدار على نحو سيء تدمر ثقة المجتمع بحكومة البلاد، ومؤسسات الدولة، والقيادة. وعلى نحو مشابه، كشف زلزال 2023 مسبقاً عجز الحكومة عن حماية مواطنيها بينما قدم أيضاً للمعارضة فرصة بنيوية كي تزيد من تقويضها لحكم أردوغان الاستبدادي. في ضوء ما قلناه، يتطلب فهم كيف أن الزلازل يمكن أن تعيد تشكيل المشهد السياسي في تركيا فحصاً أكثر شمولاً لمقاربة الحكومة لسياسة الطوارىء. كانت وكالات الدولة التركية غير موجودة تقريباً في المناطق الأكثر تضرراً في الأيام التي أعقبت الزلزال الأول في 2023 لكن هذا لا يعني أن الآلة الاستبدادية الأردوغانية كانت معطلة. فمنذ السادس من شباط 2023، ركزت الحكومة على إدارة التداعيات السياسية للأزمة وليس على الكارثة نفسها. وفي غياب مؤسسات فاعلة تستجيب بفعالية لكوارث كهذه، اتسمت قواعد اللعبة الأردوغانية الاستبدادية للتعامل مع الكوارث ”الطبيعية“ الخطيرة باللجوء إلى استراتيجية التهدئة، إلى سيرورة امتصاص الغضب الجماعي من الحكومة المنتشر على نطاق واسع عن طريق مزيج من التكتيكات القمعية العنفية واللاعنفية.
إن الهدف الجوهري لقواعد اللعبة الأردوغانية هو تخفيف التكاليف السياسية للاستجابة غير الملائمة للكوارث إلى الحد الأدنى. ويمكن أن تُدعى مقاربة أردوغان بأنها ”إدارة الكوارث كتهدئة“. ويمكن أن تكون استراتيجية كهذه فعالة إلى درجة أن الحكومة تصبح قادرة على أن تحمّل قوى خارجية المسؤولية عن تكاليف فشلها في حماية مواطنيها إلى درجة أنها يمكن أن تقمع شبكات التضامن والمجتمع المدني المعبأة من أجل الاستجابة المجتمعية للطوارئ. إن التهدئة في هذه النقطة شرط أساسي لأردوغان كي يتمكن من إطلاق مشروعه الضخم في المناطق المتضررة من الزلزال، والذي سيبدو مرة أخرى بأنه يمنح أولوية للسرعة على حساب الأمان. في هذا السياق، تهدف الحكومة إلى إبعاد شبكات التضامن من المدن المدمرة، وإسكات الأصوات المعارضة على المستوى الوطني، وأيضاً منع ازدياد محتمل في التعبئة السياسية في المستقبل القريب. إن محاولة ربح القلوب والعقول عن طريق مزيج من التكتيكات العنفية واللاعنفية ليست ظاهرة جديدة في تركيا. ذلك أن مؤسسات الدولة القسرية في تركيا هي امتداد لحملة التهدئة في شمال كردستان القائمة منذ 1984. بالتالي، تعتمد مؤسسات الدولة بشكل كبير على تكتيكات مكافحة التمرد كي تتغلب على أية تحديات رئيسة لشرعية الدولة، ليس فقط في إقليم كردستان بل في أنحاء تركيا. ولعبت ممارسات مكافحة التمرد دوراً مهماً في انتقال تركيا إلى الاستبداد بعد انتفاضة جيزي في 2013، خاصة بعد أن دخل حزب العدالة والتنمية في تحالف مع نخب مكافحة التمرد في التسعينيات فيما كان يوجه الضربة القاضية إلى عملية السلام الكردية (2009-2015). وعلى مدى العقد الأخير، أدى استخدام النخبة الحاكمة المستمر لتقنيات مكافحة التمرد إلى نعت نصف السكان تقريباً ب“الإرهابيين“. حين يحصل طارئ حقيقي في الدولة، يصبح مزج القسر بأنشطة بناء الشرعية محورياً لذخيرة التهدئة كما فعلت الحكومة منذ 2015. ويمكن أن تتنوع العمليات السيكولوجية للحكومة بحسب نوع الطارئ، لكن هدفها المحوري هو أن تسترضي الأغلبية التركية المهيمنة عن طريق تجريم مجموعات ثانوية تنتمي إلى الأقليات. وفي سياق الكوارث، صارت عملية التحويل الاستراتيجية التي تقوم بها الدولة لجماعات الأقليات إلى أكباش فداء استجابة إلهائية منهجية حين يُسلط الضوء على عدم كفاءة الحكومة. على سبيل المثال، بسبب الافتقار إلى طائرات مكافحة الحرائق، صارعت حكومة حزب العدالة والتنمية لأسابيع لإطفاء سلسلة من حرائق الغابات بدأت في آب (أغسطس) 2022 نتيجة لأزمة المناخ. وبدأ الإعلام الذي تسيطر عليه الحكومة على الفور بنشر نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة لائماً الحركة الكردية ومتهماً لها بالوقوف وراء حرائق الغابات من دون أي تبرير. أدى هذا السعار العنصري الكبير إلى سحل وقتل أكراد ولاجئين سوريين في المناطق المتضررة، بينما خفض أيضاً إلى درجة كبيرة التكلفة السياسية لفشل الحكومة في احتواء الكارثة. ولجأت الحكومة التركية إلى أفعال قمعية مشابهة في الأسبوع الأول بعد كارثة الزلزال، وتمت جهود التهدئة على حساب استجابة للكارثة أكثر فعالية كان يمكن أن تنقذ حياة آلاف الأشخاص الآخرين.
تهدئة شبكات التضامن
سعى أردوغان بعد الكارثة مباشرة إلى استرضاء قاعدته الدينية زاعماً أن الزلزال صنيعة القدر. وأدركت الحكومة بسرعة حدود هذا التوصيف، وركزت على الحجة القائلة بأن الزلزال كانا شديداً على نحو استثنائي وأن أية جهود للتخفيف من الكارثة عاجزة عن منع الدمار الذي لا مفر منه. إلا أن الحكومة التركية ارتبكت من السرعة التي قامت بها شبكات التضامن ومنظمات الإغاثة والبلديات التي تقودها المعارضة بحملة التعبئة الفعالة فشنت حملة تهدئة. وكان هذا جلياً في السابع من شباط (فبراير) 2023 حين أعلنت الحكومة ”حالة الطوارىء“ لثلاثة أشهر في المدن العشر التي تضررت من الزلزال كي تمنح المزيد من سلطة حرية التصرف للشرطة والجيش. (قامت الحكومة سابقاً بتحديد المناطق التي ضربها الزلزال بوصفها ”مناطق كوارث“ من أجل تقديم تمويل إغاثة خاص وكبير لمواجهة الكارثة). حاولت الحكومة التركية في الثامن من شباط (فبراير) أن تحجب تويتر وتيك توك اللذين كانا جوهريين لجهود الإغاثة المجتمعية. وفي اللحظة التي غصّ فيها تويتر التركي بالدعوات إلى الإنقاذ الفوري في مناطق معينة، لم تعكس عملية الحجب الوحشية هذه غياب الكفاءة لدى الحكومة فحسب بل عرّضتْ أيضاً جهود الإنقاذ لخطر شديد. ومن اللافت أن الحكومة أُجبرت على التراجع بعد تسع ساعات بسبب الغضب الشعبي الذي انتشر على نطاق واسع، ما أشار إلى عمق الأزمة التي بزغت في قلب استجابة حزب العدالة والتنمية للكارثة. وفي الأيام التالية، بدأت الشرطة التركية باعتقال المقاولين المشتبه في ارتكابهم انتهاكات للقواعد والقوانين في محاولة لتحميل آخرين مسؤولية الفشل في احتواء الكارثة والحد من تكاليفها. ورغم ذلك، وبالمقارنة مع حجم وإلحاحية الأزمة الإنسانية المتواصلة، لم يكن لأي من هذه الإجراءات الحكومية تأثير كبير على الغضب العام المستمر. فقد تفاقمت الأمور بسرعة وتم الإبلاغ عن عدد قليل نسبياً من عمليات النهب. لكن بينما برر الرئيس أردوغان الحاجة لسلطات طوارئ، بذر بذور الذعر الأخلاقي متعهداً بشن حملة على اللصوص والمجرمين في الأماكن المتضررة من الزلزال. وشُنت حملة تضليل قوية في الإعلام الاجتماعي لتضخيم ”تهديد النهب“ بالتعاون مع أحزاب ”المعارضة“ التي تتبنى أجندة عنصرية معادية للمهاجرين. وظهرت صُور ”اللصوص السوريين“ المزعومين الذين عذبتهم الشرطة التركية بشكل غامض وبدأت تنتشر بكثافة في الإعلام الاجتماعي. بعد أن واجهت الحكومة أزمة شرعية تعمّقت نتيجة استجابة للكارثة عُبئت بصورة مستقلة عن الدولة، اضطرت إلى اختراع ”الخطر“، (اللصوص) بينما زعمت أيضاً أنها ”الدرع“ (عنف الدولة) ضد التهديد كمحاولة لبناء الشرعية عن طريق سياسة القانون والنظام. ولم تشمل الهستريا العنصرية التي رعتها الدولة حول عمليات النهب تعذيب لصوص مزعومين فحسب بل أدت أيضاً إلى سحل ثلاثة أشخاص حتى الموت وإلى قتل شخص آخر على يد الجندرما (قوة الشرطة الريفية). وعَسْكرَ الإرهاب الذي رعته الدولة مسبقاً المناطق المتضررة من الزلزال، بهدف طرد شبكات التضامن في المستقبل القريب. كانت مصادرة المساعدات التي نظمتها حركة التضامن هدفاً محورياً لاستراتيجية التهدئة أيضاً. فقد ألحت الحكومة على أن كل مساعدات الإغاثة في حالات الكوارث يجب أن تُرسل للناجين من الزلزال عن طريق مراكز التنسيق التابعة لهيئة ”أفاد“. ولجأت الحكومة إلى قوات الشرطة لمصادرة المساعدات التي أمنتها منظمات المجتمع المدني الكردي وحزب الشعب الديمقراطي وعينت حاكم مقاطعة بوصفه ”وصياً“ على مركز منظمة إغاثة في منطقة بازارجيك، في كهرمان مرعش. وأفيد عن حوادث مشابهة في عرقلة وصول المساعدات في محافظة شرناق ومنطقة غوجلوكوناك وملاطية. وفي عملية تخدم الهدف نفسه، اعتقلت الشرطة عشرة عمال مساعدات من الحزب الشيوعي التركي، وكان هذا كما تبيّن جزءاً من محاولة لتخويف الناشطين في المناطق التي ضربها الزلزال. علاوة على ذلك، هدّد مسؤولو حزب العمل الوطني المتحالف مع الحكومة مراراً وتكراراً بالاستيلاء على التبرعات المقدمة لمجموعة ”أحباب“ وهي إحدى أبرز منظمات الإغاثة في أوقات الكوارث في تركيا. علاوة على ذلك، بعد أن رأت حكومة حزب العدالة والتنمية كيف نجح طلاب الجامعات في تنظيم مساعدات شاملة للأمة في الأسبوع الأخير، قامت باللجوء استباقياً إلى استراتيجية لمنع طلاب الجامعات من التنظيم والتعبئة في الحرم الجامعي معلنة أنه يجب إخلاء جميع الغرف الجامعية التي تديرها الدولة لإيواء ضحايا الزلزال، ما جعل التعليم من خلال الحضور الشخصي في الجامعة مستحيلاً في نهاية العام الجامعي. بدأت الاحتجاجات المتنامية في أنحاء البلاد ضد الحكومة تكشف لماذا لجأ أردوغان إلى الإجراءات الاستباقية. فقد طالب عشرات الآلاف من جماهير أكبر أندية كرة القدم في تركيا باستقالة الحكومة في 26 شباط في رد على الاستجابة للزلزال. وهوجم أكثر من مائة ناشط من حزب العمال التركي بشكل وحشي واحتُجزوا في اسطنبول بعد القيام بمسيرة للاحتجاج على عجز الحكومة عن تقديم الخيام لضحايا الزلزال. وبحسب الأدبيات المتنامية حول التهدئة، يشير المصطلح إلى ما هو أكثر من سحق المعارضة، فالتهدئة هي أيضاً نتاج القوة وتمكّن من إنشاء أجهزة شرطة جديدة، ومشاريع اقتصادية وأنظمة اجتماعية. وقد وعد أردوغان في الأسبوع الثاني من حملة التهدئة التي قادتها حكومته بأن يبني جميع المدن المدمرة خلال عام واحد. وبصرف النظر عن مسائل محتملة أخرى، يجب أن يتغلب أردوغان أولاً على تحدي جديد هائل يتمثل في صعود القوى الاجتماعية الجديدة من أسفل عن طريق جهود التضامن التي تدفع أحزاب المعارضة إلى توحّد أوثق ضد الائتلاف الحاكم.
هوامش
١- من أجل دراسة جديدة حول الطريقة التي لجأ إليها أردوغان لتعبئة القومية العرقية التركية لمواجهة الهزيمة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية في ٢٠١٥ وصعود الحركة الكردية في روجافا، انظر: أنور غوناي وإردم يوروك: اضطرابات عرقية: الإسلام السي اسي والصراع الكردي في تركيا، منظورات جديدة حول تركيا ٦١ (تشرين الأول ٢٠١٩)، ص ٩-٤٣.
*هارون إركان عالم اجتماع سياسي متخصص في علم اجتماع الدولة، الحرب والصراع والاستبداد والحركات الاجتماعية والعرق، جامعة ولاية نيويورك.