يوميات سورية: نواطير الأبنية-العمل المجهول

يوميات سورية: نواطير الأبنية-العمل المجهول

لا تتطلب البنية العمرانية التقليدية لدمشق وجوداً لمهنة النواطير، لأنّ ارتفاع الأبنية لا يتجاوز الطوابق الأربعة في الأحياء التقليدية القديمة الحديثة مثل الميدان والمزة وباب مصلى والقصور والتجارة وركن الدين ومساكن برزة وبالتالي تغيب المصاعد عن هذه الأبنية ويكون التخديم عملاً خاصاً بأهل البناء كل حسب حاجته ومقدرته. لكنّ التنظيم العمراني الجديد وبداية تنفيذ الأبنية البرجية في المزة الجديدة وفي مشروع دمر والأبنية “التسعاوية” في حي التجارة نسبة إلى عدد الطوابق، فرضت نمطاً جديداً من الخدمات يتطلب وجود ناطورٍ بشكل دائم، وتبدو الخدمة الأهم هي المصاعد من تنظيف وتشغيل وفتح عند الطوارئ.

لكن حتى في تلك الأحياء تخلّى قاطنو بعض الأبنية عن خدمات النواطير توفيراً للنقود ولعدم وجود مكان يتسع للناطور وعائلته، ويتولى أحد الجيران أو أحد أعضاء لجنة البناء مهمة متابعة المصاعد من كافة النواحي بعد التعاقد مع شركة خاصة لصيانة المصعد يتم الاتصال بها عند أي طارئ، وبالطبع يتم تقاسم كلفة الصيانة بين كافة المستفيدين، ويمكن الإشارة هنا إلى أن أبنيةً كثيرة وعدد طوابقها لا يتجاوز الأربعة قد اتفق شاغلوها على تركيب مصعدٍ خارجيٍ لم يكن موجوداً في التصميم الأساسي للبناء، وإن تمنّع أحد الساكنين عن المشاركة بتكاليف التركيب أو الصيانة يتم حرمانه من الاستخدام والاستفادة من المصعد، إما بوضع قفلٍ ومفتاحٍ للعائلات المساهمة أو بوضع رقمٍ سريٍ يتم تغييره بصورة دورية تسمح فقط للمساهمين  وضيوفهم وأهلهم بالاستفادة من خدمة المصعد، وقد يلجأ سكان البناء للتعاقد مع أحد نواطير الأبنية المجاورة لتأمين خدمتي جمع القمامة وشطف الدرج مقابل مبلغٍ ماليٍ محدد شهرياً أو أسبوعياً للراغبين في الاستفادة من هذه الخدمات.

اللافت في مهنة النواطير التغير الكبير الذي طرأ على بنية العمل ذاته، فقد سافر نواطير عتاة، أي متمرسون في مهنتهم ممن جاءوا إلى البناء شبانًاً ثم تزوجوا وأنجبوا، حتى أنّ بعضهم قد أورث عمله لأحد أبنائه. في زمن الحرب السورية،  قرر عدد كبير من النواطير اللجوء إلى أوروبا، نواطير أميون ولا يعرفون جغرافيا خارج حدود أبنيتهم، صاروا الآن جمهوراً من اللاجئين في أوروبا، فجأةً اكتشفوا بأنّ مهنتهم لا مستقبل لها، مهنة بنيت على أرضية هشة وبلا مستقبل أو تسجيل بالتأمينات الاجتماعية أو بالخدمات الطبية والسلامة المهنية، فجأة باتت الهجرة حلماً وفرصة للمستقبل!

الأهم أنّ غياب وسفر هؤلاء النواطير المتمرسين  والمتآلفين مع السكان ومع الطبيعة الخاصة لعملهم قد خلق حاجة ماسة لتوفير بدلاء عنهم، بدلاء في ظلّ حرب ٍاستهلكت رجال البلد، وخاصة الشباب، وباتت قوة العمل خارج الاكتفاء وبرزت حاجة ماسة وجديدة لسد الفراغات الكبيرة التي باتت فجوة لا وجود لمن يسدها ويفي باحتياجاتها.

كما أنّ تزايد أعداد المهجرين والنازحين من بيوتهم في الأحياء القريبة أو من الريف  الخارج عن دورة الحياة أو من المدن والأرياف البعيدة مثل ريف حلب قد أفرز أيدياً عاملة جديدة، تراجعت أعمالها بسبب الحرب أو ضاعت مقدراتها كاملة أو باتت الأراضي قفاراً وحيث لا يوجد بشر لا توجد أية حاجة للعمل الذي كان وتكوّن وارتقى بارتقاء البشرية ووجودها في الأساس. ويمكن الإشارة هنا إلى أن غالبية نواطير الأبنية  قيد الإنشاء في جرمانا مثلاً هم من ريف حلب، يحددون مساحة خاصة بهم، ستائر رثة وبطانيات رقيقة لا ترد شيئاً إلا الضوء، شبابيك عتيقة وأبواب لاتشبه الأبواب ويصير الحيز المكاني بيتاً ومدينةً وبلداً.

هل يسدّ القادمون الجدد الفجوة المتحصلة من غياب النواطير المهاجرين أو المنخرطين بالجيش؟ وكيف لهم إن تم قبولهم الانخراط بعملٍ غريب وجديد؟

عمل الناطور يتطلب سمات خاصة، طراوة  في التعامل وقدرة فائقة على تحمل الأمزجة قبل المهام، وتقبل لكافة الأعمال المطلوبة وحسن الأداء والتنفيذ، استيقاظ مبكر وتواجد مزمن في البناء أو في  منطقة البناء على أقل تقدير، استنفار كامل لعائلة الناطور ذاتها، الزوجة لشطف الدرج، الأبناء لجمع القمامة، وهذه المهام كلها من صلب العمل اليومي المتفق على أدائه مقابل الأجر الزهيد المحدد.

بالمقابل يجهد النواطير وعائلاتهم لإيجاد دخل موازٍ يعوّض ضحالة المرتب الشهري، أو مايمكن اعتباره “اقتصاد ظل!” الزوجة تفرم البقدونس والحشائش وتحفر الكوسا وتلف ورق العنب لعائلات البناء، والأطفال يحملون المتاع والحاجيات ويجلبون مواد البقالة والخبز والأدوية للسكان أيضاً، حتى أنّ إحدى الساكنات كانت تمنح أجراً أسبوعياً لابن الناطور مقابل تنزيه كلبتها وقضائها لحاجتها كل يوم مرتين في الصباح والمساء، ولابد من ذكر أن زوجات النواطير ومنذ اليوم الأول تتحولن لعاملات منزليات، تقسمن أيام الأسبوع بين الساكنات القادرات على الدفع ومن الطبيعي أن تميزن الساكنات السخيات بالمال وغير المتطلبات بالأعمال والمهام، أي مقايضة المال على حساب الجودة.

أم زياد، زوجة أحد النواطير باعت خاتم زواجها وقرطيها واقترضت من إحدى  السيدات الساكنات التي تعمل لديها ما نقصها من قيمة الغسالة الآلية الأوتوماتيكية  واشترتها لتكسب الوقت الذي تقضيه في الغسيل في العمل المنزلي وتقديم خدمات الطبخ وتحضير مكوناته، في بادرة اقتصادية ذكية ،حيث قارنت بين قيمة الوقت المشغول في الغسيل وبين ما تجنيه من عملها المتزايد لمهارتها وسرعتها في أدائه، وطبعا كانت النتيجة لصالح عملها الخاص على حساب الغسيل المضني والمضيع للوقت وللدخل.

اللافت أن نسقاً مختلفاً من النواطير قد حلّ مكان الغائبين مهما كان سبب هذا الغياب، نسق متعلم، صاحب عمل سابق، صاحب ملكية كبيت يسكنه أو قطعة أرض  تدر عليه دخلاً من زراعتها أو استثمارها بالمشاركة مع غيره أو تعهيدها مقابل حصة من الموسم، أو بيت يؤجره أو سيارة يستثمرها شهرياً أو سنوياً. نسق جديد رغب بهذه المهنة وقبل كل شيء بسبب وجود مأوى. أجل مأوى ولو كان عبارة عن غرفتين في قبو رطب أو مجرد قاعة كانت معدة كملجأ أو كمخزن لفائض الحاجات لأهل البناء.

يرتبط النواطير في منطقة محددة بعلاقات معقدة بينهم، تتراوح مابين الغيرة من أجرٍ أعلى أو تساهل أوسع من قبل السكان ولجنة البناء وما بين توافق وتكافل مميزين. يملك  الناطور أبو أحمد سيارة ينقل فيها طلاب المدارس وبعض السكان، وأثناء غيابه يتعهد ناطور البناء المقابل بأخذ مكانه لأمر قد يطرأ، وهو سلوك تبادلي بينهما، يلجآن إليه مرات عديدة في اليوم الواحد. أما ياسر الناطور الذي لا أولاد لديه فقد اتفق مع الناطور أبي مازن على أن يقوم أبناء أبو مازن بجمع قمامة البناء الذي يعمل به مقابل تعويض مالي شهري يدفعه نقداً للأب.

يقول إبراهيم الناطور أنه لا يأخذ مقابلاً من زميله الناطور في البناء المجاور حين يقله إلى السوق أو إلى الطبيب ويعتبر أن ما يفعله واجب غير قابل للتسعير، لأن النواطير تجمعهم وحدة حال ووحدة شقاء وتعب.

نواطير البناء مهنة بلا حماية، لا سجل في التأمينات ولا طبابة ولا تحسين لشروط السكن مثل الدهان أو عزل الرطوبة، والناطور معرض للطرد تحت أية ذريعة. اللافت أنه في بعض الأماكن مثل مشروع دمر يتم دفع فروغ وصل للمائة وخمسين ألف ليرة للناطور الراغب بالرحيل أو لأحد أعضاء لجنة البناء لطرده، وهذه الظاهرة نادرة لكنها تكاثرت فقط بسبب وجود المأوى، المأوى المجاني الذي بات حلماً صعب التحقيق  في بلد هضمت الحرب بيوت بشرها كما هضمت حيواتهم بخفة بالغة لا راد لها.

2 عندما كنت في جوف الوحش في مدينة الرقة

1 عندما كنتُ في جوف الوحش في مدينة الرقة

يقدم صالون سوريا هذه القصة على جزئين. حوار مع شمة، امرأة عاشت الأجواء الداخلية لداعش ونقلت شهادة عينية عن حياة نساء داعش. أجري الكاتب الحوار مع شمة في عدة أمكنة متفرقة واستكمل قسماً منه عن طريق السكايب.


الجزء الأول

بصعوبة تشق السيارة طريقها في طريق زراعي ضيق جداً امتلأت حفره بماء المطر، محملة دواليب السيارة بوحله. هنا قاطع السائق تأملاتي: وصلنا!

ثلاث خيم يغطيها بلاستيك أزرق تحت شحوب سماء تشرين الثاني، تحيط بها وعلى مد النظر حقولٌ واسعةٌ من القطن والذرة الصفراء في سهل حرَّان، جنوبي ولاية شانلي أورفة التركية، التي لا تبعد أكثر من 30 كماً عن الحدود السورية.

التف جمهرة من الصبية والفتيات الصغيرات حول عجوز تجلس على كرسي على باب الخيمة الأولى تسند يدها إلى ذقنها، تقبض بها على عصاة تساعدها على المشي على ما يبدو. حفر الدهر على وجهها أخاديد عميقة توحي ملامحها بقصص الساحرات، فيما تغطي عينيها نظارة طبية سميكة. بادرتني بالحديث عندما رأت دفتري “أنتم جماعة المعينة*! يابا والله ما جعد نشوف منهم شي”*. لا خالتي أنا أتيت إلى هنا عندي موعد مع “أبو شمة”. لوت شفتيها الغائرتين داخل فمها لعدم وجود الأسنان متبرمة غير راضية، وأشارت بظهر يدها: آخر خيمة “أبو دحام… صار أبو شمة.. زماااان”؛ بربرت بكلمات أخرى لم أفهم جلها.

زفني الأطفال وأنا أكاد أتعثر بالصغار منهم وهم يتدحرجون بجزمات بلاستيكية ذات ساق، على شورتات لا تتناسب والطقس البارد، بحيث سبقوني جميعاً واصطفوا أمام باب الخيمة تاركين لي مجالاً للدخول. أنوفهم محمرة يتقاطر منها المخاط على أكمامهم وهم يحاولون مسحه، وينقلون أنظارهم بين داخل عمق الخيمة وبيني.

ناديت بصوت عال كعادة أهل الرقة: “أهل البيت.. يا أهل البيت!” فجاءني صوت واهن ضعيف من عمق الخيمة “فوت.. تفضل ما بي حدا.. فوت.. فوت.”

الوحل متراكم من آثار الدخول والخروج على مدخل الخيمة. انحنيت داخلاً خيمة طولها ربما ستة أمتار بعرض ثلاثة، تفوح منها رائحة “العصفير”*، ورائحة أعقاب سكائر نتنة نتجت عن إحكام إغلاق الخيمة. جاءني من عمقها بعد قليل صوت واهن: “تعال هين بجنبي”*. مد يده من تحت دثار مكون من أغطية “هي عبارة عن ملابس بالية خيطت مع بعضها وألبست قماشة واسعة كوجه لها”، وبطانيات عليها أسماء المنظمات الداعمة. مد يده مسلماً، فأخذت يده بكلتا يديَّ، يده التي لم تكن إلا عبارة عن عظام يغطيها جلد وعروق. كانت عروق اليد نافرة وواضحة بحيث يمكن أن تتبعها إلى القلب. جرني وأجلسني إلى جانبه.

يقول أبو شمة أنه في بداية الستين، وكان يعمل حارساً في معمل تجفيف الذرة الصفراء التابع للمؤسسة العامة للأعلاف في الرقة. انقطع راتبه عام 2012 إثر تقرير اتهم فيه بالمشاركة في اعتصام للأهالي بتاريخ 25 حزيران 2012 أمام المحكمة في الرقة، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين لدى فروع الأمن في الرقة. يشرح: مروري كان بالمصادفة، عندما رأيت امرأة من أقاربي، فوقفت أستفهم منها ما الموضوع، ويبدو “أن أحدهم عباني”*. بعد يومين اعتقلت لمدة 17 يوماً، لأخرج وقد تم فصلي من الوظيفة. عندي أربعة أبناء، وثلاث بنات، ونسكن حي شمال السكة، أكبر عشوائيات الرقة، والمحاذية تماماً لمقر الفرقة العسكرية 17 شمال المدينة.

ابني الأكبر متزوج ويعيش في لبنان منذ عشر سنوات، ولحقه في بداية الثورة أحد أخويه، وإحدى أختيه المتزوجتين، بينما رفض أخوه وأخته الآخران المتزوجان، وكذلك البنت والابن غير المتزوجين الخروج من الرقة. شمّة هي الوحيدة التي بقيت عندي في البيت، وكانت تعمل ممرضة. أمّا حسان، العازب الأخير من الأبناء، فيعمل في محل تصليح دواليب خاص به.

آخر نزوح لنا كان منذ أربعة أشهر إلى تركيا. وها نحن نعيش هنا، 19 شخصاً ما بين صغير وكبير، بمن فيهم ابني وابنتي المتزوجين وعائلاتهم.

“شوف! آني مو شبيح”*، بس لازم نسمي كل شي باسمو، السيطرة الفعلية للفصائل على الرقة بعد 4 آذار 2013 كانت لجبهة النصرة وأحرار الشام. بس، والباقي فراطه*، وهذول… تنهد وصمت طويلاً.. دفع لي بعلبة دخان معدنية دخانها يلف باليد: تعرف تلف، فهززت رأسي أن لا. ساعدته لكي ينهض قليلاً. الملعون تمكن من كل مكان بجسمي. والملعون هذا “زاد”* ما أقدر أتركه. الملعون الأول هو السرطان الذي غزا معظم جسمه، والملعون الثاني الدخان.

بيتي بجانب معمل تجفيف الذرة الصفراء، وهو أكبر معمل تجفيف في في سوريا. جاء أحرار الشام وهجرونا من بيوتنا بحجة أنهم سيضربون الفرقة 17، وأنهم قلقون علينا. هجروا أغلب العالم من  بيوتها، لكنني رفضت. بدي أموت هنا. عند المساء، تم البدء بنهب 35 ألف طن ذرة مجففة، ولم يحاربوا الفرقة.

أنا لم آتِ من أجل أحرار الشام والنصرة، أو حتى الجيش الحر. قلت له: فهذه الصفحة ستفتح بعد انتصار الثورة.

أدري.. أدري.. أنتم زاد* ضحك عليكم بشار… مو بس عليكم، عالدنيا كلها، تركها تتلهى بداعش، وهو قام يسرح ويمرح بكيفو*. جاب إيران وحزب الله والعراقيين، يا رجال حتى الأفغان والروس، وضحك عليكم. داعش.. داعش.. داعش سوت.. داعش عملت.. داعش ذبحت… لو أن العالم داعم الجيش الحر كان سواهم صندويشات.. منو جابهم، جابهم النظام.. منو سواهم، سواهم النظام.. والعالم مطرقعين* وراه.. ما شافم* الكيماوي.. ما شافم السجون واللي يصير بيها.. ما شافم البراميل.. ما شافم الجوع والحصار.

أنهكه الكلام والسعال.. التفت إلي قائلاً: إذا تشرب شاي قوم وحط الإبريق على الغاز.. أووووووه! نسيت، قصدي عالنار. ما رح حدا يجي قبل 5 المسا، كلهم بالشغل يحوشون قطن*، إش* بدنا نسوي، بدنا نعيش. شكرت كرم ضيافته، ولكنه أحرجني: يابا لا تشوف حالنا هين، الله وكيلك هناك عندنا بيت ونظيف، واحنا والله نظاف من الداخل والخارج، لا تشوف حالنا هيك يلعن أبو الظروف اللي (…).

لا، لا، ياعم، والله بس مو مشتهي الشاي حالياً. لا تكذب “قالها مموناً نفسه عليَّ “ما بي مدخن ما يشتهي الشاي، أو القهوة.” دلني الأولاد على مكان إشعال النار، ومكان الشاي.

وفي الخامسة مساء من الشهر الثاني من فصل “الصفري* 2015″، حسب التوقيت المحلي للمخيم.

جمهرة نساء وأطفال شباب ورجال هدهم التعب بعد يوم عمل يمتد من الخامسة صباحاً حتى الخامسة مساء في قطاف القطن. يعتمد النظام الزراعي التركي على المكننة في قطاف القطن، ولكن مع توفر العمالة الزراعية السورية الماهرة والخبيرة، ورخص أجورها، اعتمدت بدل المكننة لنظافة قطاف القطن، وعدم خلطه مع الأوراق الجافة، والعيدان، مما يعطي منتجاً من الخيوط، وبالتالي يكون النسيج ذا مواصفات عالية.

أشعلت نيران المخيم وتحلق حولها كل الموجودين، المهمة الأول العجن والخبز ثم الطبخ، ومن ثم تسخين الماء للغسيل والحمام لمن يرغب.

يحمل الأطفال العيدان غير مكتملة الاحتراق وفي رأسها جمرة يرسمون بها أشكالاً عبر تحريك أيديهم بسرعة على شكل دوائر: هذا صاروخ.. لا شوف طيارتي.. هذا دوشكا.. شوووووفو عندي الآربجي.. أنا داعش بدي أذبحكم.. مام حرقني.. الله لا يوفقك هيج حرقت بيجمتك.. بعد عن الدخان… ليش حرقت جزمتك.. أنتم شياطين ما تنامون.. نوم الظالم عبادة.. ولكنهم لا ينامون. إنهم في انتظار العرانيس “أكواز الذرة” التي دمسوها في النار.

يتلفن لي السائق فيصمت الجميع على رنة الموبايل.. بلهجة عرب أورفة “أصوبك ياو… أجيك خلصت شغلك؟ لا ما خلصت بس تعال خذني، بكرا نرجع مرة ثانية، ولكن الجميع أصر أن أنام عندهم. والله! عندنا بطانيات نظيفة. حتى الأطفال قالوا: خليك عندنا أمانة.. أمانة .. يا جماعة والله ما بدي أضيق عليكم، وشرف لي أن أنام عندكم. نادى أبو شمة من داخل الخيمة بصوت قوي تعالى به على مرضه، ما تروح يعني ما تروح. رح تنام جنبي خليني أخلص من شخير أم شمة. تحول الجو إلى مرح ومونولوج تعليقات بين أم شمة وزوجها، وانقسم الجمع فريقين بين مؤيد لها، أو له.

انتقلت وأغلب الحاضرين إلى خيمة أبو شمة، حيث الحديث في الشأن العام والبلد والحرب والسياسة اللجوء بتركيا وأوروبا. الفساد في المعارضة  والنظام.. تشتت الفصائل.. المنظمات الإغاثية ونهبها على اسم اللاجئين، سعر كيلو قطاف القطن، وهكذا.

بطارية السيارة التي تنير الخيمة تبدأ بالنفاد. هنا تتفاجأ بمستوى الوعي الذي يتمتع به هؤلاء البسطاء. كل هذا ونحن نتحلق حول النار الموضوعة بصاج الخبز*، وأغلبنا يحمل أعواداً نحرك بها الرماد لنستخرج بقايا الجمرات نلتمس دفئها الذي بدأ يخبو أيضاً.

انفض الجمع كل إلى خيمته. نباح كلب بعيد، وصفير الهواء خارج الخيمة. نام الجميع مباشرة، وكأنهم تخدروا، وبدأت سيمفونية الشخير، وما يصدر من النيام، حيث لا خصوصية هنا لأحد، حتى في العلاقات الحميمة للمتزوجين التي أعتقد أنهم يمارسونها خلسة في الحقول.

يبدأ الصباح كالمساء.. بالنار. وبداية قصتنا تبدأ من هنا.

شمة

شمة، سمراء فراتية في السابعة والعشرين، خريجة معهد التمريض في الرقة، ومارست عملها في المشفى الوطني صباحاً، وفي عيادات أطباء خاصة مساء، حتى قرر تنظيم داعش الاستغناء عن خدمات الممرضات والطبيبات الإناث، حارماً المئات منهن من دخل كان يساعدهن وعائلاتهن على مواجهة أعباء الحياة، دون أن يقدم التنظيم أي جهد للتعويض عليهن.

تعتذر شمة وأخوها خلدون من “شاويش الورشة”، رئيس الورشة، لأن عندهم ضيف الذي هو أنا.

تقول شمة: كانوا يستنجدون بنا فقط عندما يكون عدد الجرحى والقتلى كبيراً نتيجة قصف أو معركة، وكانت الأولوية دائماً لعناصر التنظيم في عمليات الإسعاف. وهناك رأيته.

كان واضحاً أنه مهم، من خلال اهتمام الجميع به. كانت إصابته سطحية، وأغلبها رضوض نتيجة طيرانه وسقوطه على الأرض إثر سقوط صاروخ بجانب سيارته في تدمر.

الكيمياء في هذه الحالات لا يمكن التحكم به، لم أنتبه لكيميائه بداية، فقد كنت مشغولة بعملي وخائفة منهم. ولكنني بحس الأنثى أحسست بنظراته تخترق تفاصيل جسدي. أصر أن أهتم بجراحه وحده.

أحببته، نعم أحببته! فلم يبقَ من شباب الرقة أحد، بعد أن هاجر قسم منهم، وشرد قسماً منهم النظام، ومن بقي شردتهم داعش. عمري كان ستة وعشرين سنة. وفي عرف أهل مدينتنا، أصبحت من العوانس. وفي ظل هذه الظروف، لابد للأنثى من رجل يحميها. أنا لا أدافع عن قراري بحبي له “يقولون لك الحرة لا ترضع من ثدييها”، ويقولون الحرة لا تزني”. نعم، ولكن ما الذي دعم ذلك؟

اكتشفت لاحقاً أنه ليس خطأ وحسب، بل كفر، وعلى رأي الدواعش هو كفر بواح، ولكن قل لي بالله عليك عندما وضعنا نحن والضباع في قفص واحد، وقالوا لنا احذرن الضباع لكي لا تأكلكن، ماذا قدم العالم لصمودنا في وجه الضباع، وأغلب من بقي في الرقة هم نساء وأطفال ومن كبار السن.

بعض الأوروبيات من مقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقة والدقيقتين يفتن بالتنظيم  ويقطعن آلاف الكيلومترات للالتحاق بهذا الطويل الفارع الذي يحكي لثامه قصة غموض ومغامرة، فما المطلوب منا ونحن نعيش معهم ليس لدقائق وساعات، بل لأيام طوال “كل يوم بطول سنة الجوع”*، وربما لسنين. أعرف أن هذ الكلام لا يعجب الكثيرين، لكن هذا منطق الأمر.

تزوجته “…”، بداية كان عاشقاً، ويعرف كيف يدلل الأنثى، يعرف كيف يقول كلام الحب، أي والله، ويحفظ نزار قباني، وشاعراً فرنسياً. تعرف؟ حتى على الموصل أخذني.

لم يدم هذا طويلاً، ربما لشهر، ثم منعني بداية من زيارة أهلي، وحول البيت إلى سجن. التلفزيون ممنوع، النت ممنوع، رغم أنه متوفر في بيتنا. الواتساب، وكل وسائل الاتصال، ممنوعة. فقط كميات كبيرة من الحبوب، وبحكم خبرتي وعملي عرفتها مباشرة “كابتكون”. عندما سألته عنها قال هي أدوية للمجاهدين. كان عنده عشرات آلاف منها، عثرت عليها مصادفة وأنا أنظف سقيفة البيت. وهناك في تلك السقيفة عثرت على تسليتي التي أبقيتها سراً عليه. ذكريات أهل البيت الأساسيين، حيث كان لأحد نشطاء الثورة قبل أن يستولي عليه “محمود عقارات”، أمير ديوان العقارات لصالح التنظيم.

في السقيفة، عثرت على صور عرس، صور أطفال، سجلات مدرسية، شهادات جامعية، منشورات من بداية الثورة تحض على التظاهر، وسندات ملكية لأراض وبيوت لأسماء تتشابه الكنية فيها، وألعاب أطفال، وبنطال جينز عليه بقع دم، دفاتر مدرسية لبداية تعلم الكتابة، مرحات، شهادات تفوق. في هذه السقيفة، عشت حياة العائلة بكل تفاصيلها، وفي هذه السقيفة تعرفت على الثورة في خطواتها الأولى، وفيها عرفت كذب الدواعش عندما كفروا هؤلاء الشباب واستولوا على بيوتهم، وفيها عرفت أي منزلق أدخلت نفسي فيه. بدأت أرتب ذكريات تلك العائلة، وأرتب نفسي، عندما بات يأكلني الإحساس بالخجل، خجلة أنا منهم، من ذكرياتهم، من ألعاب أطفالهم، من صور أعراسهم. خجلة أنا منهم ومن نفسي.

تغيرت معاملته معي عندما اكتشفت أنه متزوج ثلاث نساء أخريات، آخرهن “سبية” يزيدية اشتراها من الموصل، وزوجته التونسية الأم لأطفال ثلاثة، وأخرى لم أرها، ولكن زوجتيه الأخريين اللتين جاء بهما إلى بيتي مرة واحدة قالتا إنها تونسية فرنسية.

عندما تغوص في مجتمعهم تكتشف حجم الكذب، تكتشف أن لا دين ولا مبدأ لهم. وبالنسبة لنساء التنظيم، هنالك مافيا تديرها “أم سياف”. تصدق بالله العظيم تشبه إدارة عمليات الدعارة، فما أن يموت الزوج حتى تسارع أم سياف إلى ما يشبه البيع إلى شخص آخر من التنظيم، غير مراعية حتى للعدة الشرعية، أو رأي الأرملة، فجميع من تزوجن عناصر من التنظيم ربطن حياتهن ومصيرهن بهذا التنظيم. سبعة أشهر قضيتها معه قبل أن تقضي عليه طائرات التحالف في مدينة الطبقة غربي الرقة المدينة 50 كم، عرفت ذلك عندما اقتحم عليّ البيت عناصر ملثمون من المكتب الأمني، ترافقهم ثلاث مقاتلات من كتيبة الخنساء، فجمعوا بهدوء وبدقة كل متعلقات زوجي، ثيابه وكل النقود إضافة إلى مجوهراتي وحليي، فقط لباسي تركوه، وعندما انتهوا قالوا لي إن زوجي قد “استشهد”.

اعتقدت أني تحررت عندما مات، ولكن ككل نساء التنظيم جاءت أم “منتصر الجزراويه” التي استلمت المهمة بعد أن خطف الأمريكان “أم سياف” من حقل العمر إثر مقتل زوجها، جاءت تعرض علي الزواج من “أبو عمر الحمصي”، المسؤول عن تجهيز كل السيارات المفخخة، قالتها بفخر، وكأنها ميزة تميزه. قالت ذلك في محاولة لإقناعي، وكنت أعرفه لأنه كان يزور زوجي، ولكنه أخرس أبكم. قالت: ولك أحسنلك.. ترتاحي من كلامه وأوامره.. وهذيك الشغلة ما بدها حكي.

طلبتُ مهلة للتفكير، وأبديت حزني على زوجي الأول، فاقتنعت وأمهلتني أسبوعين، رتبت خلالها ذكريات العائلة التي كان زوجي الأول يحتل بيتهم باسم التنظيم، وقمت بوضعها في مغلفات وكأنها لعائلتي، واتفقت مع أخي على هجر البلد إلى تركيا.

وهنا، تواصلت مع من بقي من تلك العائلة التي تشرد أفرادها في ثلاث دول. طلبت منهم أن يسامحوني من قلوبهم، كما طلبت السماح من آخرين، ولو أنني لم أسامح نفسي.

كان البنطال لأحد شباب العائلة ممن استشهدوا في مجزرة الساعة التي ارتكبها النظام قبل تحرير الرقة.

هيئة تحرير الشام، وحرب المعابر التجارية

هيئة تحرير الشام، وحرب المعابر التجارية

في دراسة عن التجارة البينية داخل سوريا في زمن الحرب، أَعدّها سمير عيطة وشاركتُه التقصّي عن بعض جوانبها، كان من الواضح حجم التبادل التجاري والنقل البيني بين مناطق النفوذ والسيطرة في الداخل السوري، بالإضافة إلى الواردات التركية الضخمة التي أغرقت الشمال السوري عبر معبر “باب الهوى” الحدودي، سواء تلك التي تدخل بقصد التجارة، أو عبر طريق المنظمات الإغاثية التي تتخذ من تركيا مقراً لها، حتى أن المنتجات التركية تصل بيسر وسهولة إلى كافة مناطق سيطرة النظام السوري كما لاحظنا في مدن حلب وحماه وحمص ودمشق والساحل. كما تصل  هذه الواردات إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بينما تأتي مواد البنزين والمازوت، وأسطوانات الغاز، بوفرة ودون انقطاع من مناطق النظام إلى مناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة “قسد” أيضاً، بالإضافة إلى بعض المواد التموينية والملابس، وفي المقابل يتم نقل القمح والكثير من المنتجات الزراعية بالإضافة إلى اللحوم والحليب من مناطق المعارضة إلى مناطق سيطرة النظام بكل سلاسة.

هذه التجارة البينية، تتم عبر “معابِر” معروفة، يشرف عليها من كلا الجانبين، خصوم الحرب، يأخذون عليها “أتاوة” العبور بما يضمن بقاؤُهم مع استمرار الحرب. ولكي نستوضح الأمر أكثر، يكفي أن نعلم بأن معبراً صغيراً في بلدة “مورك” الواقعة في ريف حماة الشمالي، يدرّ على القائمين عليه ما قيمته ٣٠ – ٥٠ ألف دولار يومياً، فما بالك بمعبر “باب الهوى” الحدودي مع الدولة التركية، إذا علمنا بأن صادرات تركيا إلى سوريا بلغت عام ٢٠١٧ أعلى معدلاتها مقارنة بما قبل عام ٢٠١١.

منذ بداية تشكيلها، سعت أغلب فصائل المعارضة السورية المسلحة للبحث عن مصدر تمويلٍ خاص بها بعيداً عن إرادة الممول، فمن بيع السلاح المُستولَى عليه من المعارك ومن ثكنات الجيش السوري، إلى سرقة الآثار والإتجار بها، وطلب فديةٍ مقابل إطلاق سراح بعض المختطفين، إلى الاستيلاء على آبار النفط (داعش وقوات قسد) وتوزيعه بعد تكريره بشكل بدائي، ليصل إلى كافة المناطق السورية بما فيها مناطق النظام، وأخيراً المعابر التجارية، التي تبيّن بأنّ دخلها المادي جيّد ومُستدام، وخاصّة بعد اتفاقيات “خفض التصعيد الأخيرة”، مع حرص أربابها – من كلا الجانبين – على إبقاء الوضع على ما هو عليه.

إنّ وصول بعض الجهات الراديكالية إلى التمويل الذاتي يُشكّل خطراً أكبر على مستقبل سوريا والمنطقة، من تحرّرها عن أجندة المُموّل الخارجي، لأنّ ذلك يُمكّنها من العمل لأجل تحقيق مشروعها الخاص، كما لاحظنا عند تنظيم داعش (الدولة الإسلامية)، فما إن تمكّن هذا التنظيم المتطرف من السيطرة على مدينة الموصل في العراق في العاشر من حزيران ٢٠١٤، ووضع يده على الأموال المُودَعة في فروع مصارفها، ليستولي بعدها بأيام قليلة على أكبر حقول النفط في العراق وسوريا (٧ حقول للنفط ومصفاتين في شمال العراق، و٦ حقول نفط، من أصل ١٠ في سوريا متواجدة جميعها في محافظتي الحسكة ودير الزور)، حتى أعلن في ٢٩ حزيران ٢٠١٤ عن قيام دولة خلافته “دولة الإسلام في العراق والشام” وعاصمتها مدينة الرقة السورية. ليبدأ محطة جديدة من الإرهاب المحلي والعالمي، وما تبعه من تدخل عسكري خارجي لا زال يهدد وحدة الأراضي السورية حتى الآن، على الرغم من القضاء على التنظيم الإرهابي عسكرياً.

أما تنظيم “جبهة النصرة” فلم يَنعَم بالنفط السوري كثيراً سواء من محافظة الحسكة، حيث استطاعت وحدات “حماية الشعب الكردي” إخراجه من هناك في نهاية عام ٢٠١٣، أو من محافظة دير الزور، حين أخرجه تنظيم داعش منها قُبَيل أيام من إعلان دولة خلافته. وبالتالي تقهقرت جبهة النصرة باتجاه محافظة إدلب وبقي تمويلها كغيرها من باقي الفصائل المعارضة مع ميزاتٍ إضافية تتعلق بخبرة التنظيم والقتال بسبب وجود قادة متمرسين من تنظيم القاعدة الأم وعدد منتسبين وحلفاء جعلت منها القوة الأكبر في محافظة إدلب ومحيطها، ناهيك عن ارتباطها المشبوه بالأموال والمخابرات القطرية ومن هم في حلفها منذ بداية نشأتها.

حالياً، وبعد أن وصل تنظيم جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) إلى هذه المرحلة المتقدمة في الوضع السوري بعد غربلة الكثير من الفصائل المعارضة ومع وجود اتفاقيات “خفض التصعيد” التي أدّت إلى تثبيت الجبهات خاصة في محافظة إدلب ومحيطها، تفرّغت هيئة تحرير الشام وبقية الفصائل للتناحر فيما بينها من أجل السيطرة على المعابر التجارية والصراع على مصدر الدخل الأكبر المتاح حالياً. ويكفي  تسليط الضوء على بعض ما جرى مؤخراً في محافظة إدلب وريف حلب الغربي للوقوف على أهمية المعابر كمصدرٍ لاقتصاد الحرب.

في ١٨ تموز ٢٠١٧ قامت “هيئة تحرير الشام” ومن معها بمحاصرة معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا، وذلك بعد سيطرتها منفردةً على مدينة إدلب ومعظم بلدات الشمال السوري في المحافظة (أكثر من ٣٠ بلدة وقرية كانت تحت سيطرة أحرار الشام)، لتحاصر من بداخله من قيادات الصف الأول ومقاتلي “حركة أحرار الشام الإسلامية”. وبعد ثلاثة أيام من القتال والحصار، ومع قيام السلطات التركية بإغلاق المعبر من جهتها، اضطر قادة الحركة للجلوس والتفاوض مع الهيئة التي أصرّت على تَسَلُّم السلاح الثقيل والذخيرة مقابل وقف إطلاق النار، ثم إطلاق سراح المعتقلين لدى الطرفين، وانسحاب قادة وعناصر الحركة من المعبر وتسليمه إلى إدارة مدنية، بحسب ما جاء في بيان للحركة.

وهكذا أصبح معبر باب الهوى الحدودي – بتوافق مع الإدارة التركية – تحت سيطرة هيئة تحرير الشام الفعلية، ولكن من خلف ستار إدارة مدنية. طبعاً لم يكتف زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني ومن معه بالسيطرة على معبر باب الهوى بعد إضعاف أحرار الشام وإبعادهم نحو الجنوب، بل سار إلى معبر أطمة وخربة الجوز، وزحف على مناطق ومستودعات الأحرار في ريف إدلب الشمالي تباعاً، ليصبح وحلفاؤه في الهيئة الجهة الأقوى في الشمال السوري، وبالتالي تفرّغ تماماً للسيطرة على المؤسسات المدنية وفرض “إدارته المدنية” ثم “حكومة الإنقاذ” مؤخراً.

في ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٧ جرى الاتفاق بين هيئة تحرير الشام والنظام السوري لفتح “معبر بلدة مورِك” على طريق دمشق – حلب الدولي المقطوع منذ منتصف ٢٠١٤، ليصبح بعد ذلك أهم معبر تجاري (مخصص للحركة التجارية فقط) بين مناطق النظام والمعارضة. وجاءت عملية فتح الأوتوستراد من جهة بلدة مورِك عقب سيطرة “هيئة تحرير الشام” مطلع تشرين الأول ٢٠١٧ على قرية “أبو دالي” شمال شرقي حماة والتي كانت بمثابة معبر بين النظام والمعارضة وخط تهريب رئيسي بيد عشائر موالية للنظام، كما جاءت بعد إغلاق النظام لمعبر “باب المضيق” إثر استهداف فصائل المعارضة لمدينة السقيلبية (شمال غربي مدينة حماة) ونزوح أكثر من ٣٥ ألف نسمة منها.

خلال الأسابيع الأولى من بداية عام ٢٠١٨ قام الجيش السوري بحملة عسكرية ضخمة تستهدف المناطق الشرقية لمحافظة إدلب، استعاد خلالها عدداً كبيراً من البلدات والقرى التي كانت تحت سيطرة هيئة تحرير الشام وحلفائها. وعند محاولته التقدم غرباً باتجاه مدينتي سراقب ومعرة النعمان في وسط إدلب، بعد عمليات قصفٍ شديدة، تدخّل الجانب التركي بسرعة وزرع نقطة مراقبة (كما هو مقرر في اتفاقية خفض التصعيد الخاصة بمحافظة إدلب) في منطقة “تل العيس” ثم نقطة أخرى جنوباً في منطقة “تل طوقان” بالقرب من مطار “أبو الضهور” العسكري الذي أصبح تحت سيطرة الجيش السوري.  ومع إنشاء نقاط المراقبة التركية توقفت المعارك فجأة، وبعدها بأيامٍ غادرت قوات العقيد سهيل الحسن محافظة إدلب إلى تخوم الغوطة الشرقية، حيث كانت المعارك على أشدها بين فصائل المعارضة والنظام السوري على جبهة حرستا. أثناء ذلك اندمجت حركة أحرار الشام الإسلامية وحركة نور الدين الزنكي في فصيلٍ واحد تحت مسمى “جبهة تحرير سوريا”، وبعد أيام من الاندماج، تحديداً في ٢٠ شباط، شنّ الفصيل الجديد هجمات متفرقة على مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في وسط وجنوب إدلب، كان نتيجتها سيطرة الجبهة على مواقع الهيئة في بلدة “ترملا” في ريف إدلب الجنوبي، وعلى مدينة “أريحا” وعدة بلدات صغيرة بعد انسحاب مقاتلي الهيئة منها. الأهم كانت سيطرة “جبهة تحرير سوريا” مع فصيل “جيش العزة” على إدارة معبر بلدة مورِك التجاري الهام، وبعد أقل من أسبوعين توقفت المعارك فجأة في محافظة إدلب، لتنقل الهيئة معركتها مباشرة إلى مناطق سيطرة الزنكي في ريف حلب الغربي مستهدفةً معبر قرية “العزاوية” الذي يصل ريف حلب الغربي مع مدينة عفرين، والتي أصبحت لاحقاً تحت سيطرة قوات “غصن الزيتون” المدعومة تركياً، مما يعني فتح الطريق بين ريف حلب الشمالي وإدلب دون المرور في الأراضي التركية.

استمرت المعارك الشرسة هناك في بلدة ”بسرطون“ ومحيطها شمال الأتارب لأكثر من شهرين، وخسرت فيها الهيئة الكثير من عناصرها وعتادها الثقيل، ويعود ذلك إلى تصدي الأهالي والكتائب المحلية لأرتال الهيئة، وتحصّن الزنكي في مناطقه المرتفعة في عنجارة وقبتان الجبل وجبل الشيخ بركات، ومن غير المستبعد أن يكون حصل على دعم ومؤازرة من قوات غصن الزيتون التي سيطرت على مدينة عفرين من خلفه.

في السابع من نيسان أُعلن عن التوصل الى هدنة بين “هيئة تحرير الشام“ و”جبهة تحرير سوريا“، على أن يستمر وقف إطلاق النار بين الطرفين بحسب الهدنة الموقعة أسبوعاً كاملاً ليتم بحث الملفات العالقة بين الطرفين. ولكن في منتصف نيسان وبعد انقضاء هدنة الأسبوع، سارعت الهيئة للانقضاض على مناطق سيطرة أحرار الشام في محافظة إدلب واندلعت الاشتباكات بين الطرفين على طول الطريق الدولي من مدينة معرة النعمان جنوب إدلب، حتى بلدة مورِك شمال محافظة حماة، مما أدى إلى قطع الطريق الدولي. واستطاعت هيئة تحرير الشام السيطرة على بلدة مورِك ومعبرها التجاري، وعلى مدينة خان شيخون والكثير من البلدات والقرى الواقعة جنوب إدلب، ومنها ”تلة العِيس“ التي يُتوقّع أن تكون معبراً تجارباً جديداً بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة في محافظة إدلب. أثناء ذلك، استعادت حركة أحرار الشام القرى الواقعة على طول الأوتوستراد بين مدينة إدلب ومعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، ربما في محاولة منها لاستعادة المعبر من سيطرة الهيئة.

لكن في ٢٤ نيسان توصلت “هيئة تحرير الشام” و”جبهة تحرير سوريا” بالاشتراك مع “ألوية صقور الشام” (حلفاء الجبهة في معاركها ضد الهيئة)، إلى اتفاقٍ يقضي بوقف إطلاق نار دائم بين الطرفين، وإطلاق سراح المعتقلين خلال جدول زمني، وفتح الطرقات، ورفع الحواجز، وتشكيل ”لجنة” من كليهما إلى جانب “لجنة الوساطة” لمتابعة تنفيذ الاتفاق، والعمل على بدء مشاورات موسعة ومستمرة للوصول إلى حل شامل على الصعيد ”العسكري، والسياسي، والإداري، والقضائي.”

لم يكن هذا الاتفاق هو الأول من نوعه بين الهيئة والأحرار، وربما لن يكون الأخير، فكم من الاتفاقات بينهما تم خرقها، وكم من المعارك تم خوضها. في حين تبقى محافظة إدلب والشمال السوري عموماً رهناً لسياسات دولية وإقليمية وتوازن قوى بين جيوش أمريكية، تركية وروسية في الداخل السوري. ومؤخراً دعت فرنسا – العائدة بقوة إلى التدخل المباشر في الملف السوري – على لسان وزير خارجيتها جان إيف لودريان إلى ” تقرير مصير إدلب من خلال عملية سياسية تتضمّن نزع سلاح الميليشيات” وذلك تجنباً لوقوع كارثة إنسانية في مدينة إدلب، والتي قد تكون الهدف التالي للنظام، كما جاء في كلامه.

يُذكر بأن محافظة إدلب تعتبر سجناً كبيراً، يقطنها حوالي مليوني نسمة، بينهم عشرات الآلاف من السوريين الذين تمّ إجلاؤهم من مناطق استعادها النظام السوري، وهي مغلقة تماماً أمام عبور المواطنين السوريين من خلال أبراج مراقبة ودوريات لقوات حدودية تركية، وجدار اسمنتي أنهت بناؤه الحكومة التركية في نهاية عام ٢٠١٧ ويمتد على طول الحدود بين تركيا وسوريا، ويُعَد ثالث أطول جدار حدودي في العالم بطول ٦٨٨ كم، بعد سور الصين العظيم والجدار الفاصل بين المكسيك وأمريكا. بالإضافة إلى معارك الفصائل وقتالها فيما بينها، ما زال قصف طيران النظام السوري وبراميله المتفجرة مستمراً – رغم اتفاقية خفض التصعيد – بحجة تواجد عناصر جبهة النصرة هناك.

لماذا سوريا خارج تصنيف جودة التعليم العالمي؟

لماذا سوريا خارج تصنيف جودة التعليم العالمي؟

في سنغافورة التي بلغت نسبة الأمية فيها أكثر من 60 بالمئة سبعينيات القرن الماضي أصبحت الآن تضاهي في تقدمها العلمي والاجتماعي نظيراتها في العالم الغربي. لقد تنبهت حكوماتها المتعاقبة لحقيقة أن التعليم عامل حاسم في تطوير الإنسان. ولعبت الحاجات الاقتصادية في سنغافورة دورًا هاماً في تحديد مسارات سياسات التعليم. وأطلقت مبادرة “مدارس التفكير، تعلُّم الأمة” قائمة على أربعة مبادئ: إعادة النظر في أجور المعلمين, إعطاء مدراء المدارس مزيداً من الاستقلالية، استحداث التميز المدرسي، إشراف موجهين مختصون في استحداث برامج جديدة. حالياً سنغافورة حاضرة معروفة على مستوى العالم, واحتلت المركز الأول في مؤشر جودة التعليم العالمي للعام الدراسي الحالي.

شمل مؤشر جودة التعليم العالمي الذي صدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) لعام الدراسي 2017-2018، حوالي 140 دولة. يرتب هذا المؤشر دول العالم وفق 12 معياراً رئيسياً وحوالي 40 معياراً فرعياً. هذه المعايير معايير دقيقة ومحددة بأسس علمية وتربوية وتعليمية رصينة، وهي ذات أهمية كبيرة، إذ أنها تُقدم معلومات تفصيلية ودقيقة عن واقع سير العملية التعليمية في البلدان التي يغطيها المؤشر، وتشمل: المؤسسات، البنية التحتية، الصحة والتعليم الأساسي، التعليم الجامعي والتدريب، بيئة الاقتصاد الكلي، كفاءة سوق العمل، تطوير سوق المال، الجاهزية التكنولوجية، حجم السوق، الابتكار، تطور الأعمال، كفاءة أسواق السلع.

أظهرت بيانات هذا المؤشر للعام الدراسي الحالي نتائج صادمة، وطبعاً نتائج هذا المؤشر ليست الوحيدة، إذ إن هناك العديد من المؤشرات العالمية والدراسات التي تبين وللأسف أن الواقع التعليمي المحلي السوري غارق في المشاكل، لذلك من السخرية أن ننسب هذه الدراسات والمؤشرات ومنها مؤشر دافوس إلى نظرية المؤامرة التي عودنا عليها المطبلون في الإعلام السوري الرسمي. هذا واقع أليم وعلينا أن نكون جريئين في الاعتراف بحقيقة تدني مستوى التعليم في سوريا فالأرقام لاتكذب، ولا تتموه. وهناك من الدلائل الواضحة التي نراها في حياتنا اليومية يمكن أن تؤكد صحة هذه المؤشرات، مثلاً أعداد الطلاب الهائلة في الصف الواحد، التسيب المدرسي، الغش الممنهج في الامتحانات، سوية الحالة المادية والمعنوية المتدنية للمعلمين، الضعف التكنولوجي وغيرها الكثير من المسائل. ومن نتيجة هذا التردي قامت معظم الأسر السورية على حساب قوتها ورفاهيتها بمحاولة سد التراجع التعليمي في المدارس، بطرق متعددة أوسعها انتشاراً الاعتماد على الدروس الخصوصية التي أصبحت حالياً ثقافة أسروية سورية عامة وهذا مكمن خطرها.

وفيما تسعى دول العالم بكل طاقاتها لتحقيق أفضل عملية تعليمية، لم نرى من المؤسسات التعليمية التشريعية أو التنفيذية في سوريا سوى الطابع الاستعراضي من قبيل شعارات التطوير والتحديث، والتقوقع في ايديولوجيات متصحرة مازالت تهيمن على البرامج والخطط وفق نظرية الرأي الواحد، يقودها مختصون من لون سياسي واحد معظمهم من منظومة إدارية شديدة الفساد والبيروقراطية. إن الهدف ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻰ للتعليم ﻫﻮ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وتقدمه، وليس ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺃﻭ تطبيق الإيديولوجيا سواء كانت سياسية ام دينية، أو بناء المناهج وإنجازها وفق رؤية السلطة التي هي في سوريا تتبع حزب البعث، فالسلطة فانية أما الوطن فباق. النظام السياسي للاتحاد السوفياتي ذهب بينما المنهج التعليمي والعلمي لمؤسساته بقيت وحافظت من خلالها روسيا الحالية على تفوقها العسكري والفضائي ومجالات أخرى عديدة، أما في سوريا فالواقع  مزري ولم يتم النظر يوماً إلى التعليم كمحور من محاور التنمية. وفي الوقت الذي تُعتَبر دولة (عدوة) لسوريا كإسرائيل وزارة التعليم فيها على أنها واحدة من الوزارات الأربع السيادية، لم تنظر الحكومات البعثية المتعاقبة لأهمية هذه الوزارة، حتى أخصائيو التربية والتعليم المنوط بهم معالجة هذه المهمات، لم ينظروا بشكل جدي للمشاكل المتعددة الموجودة في النظام التعليمي المحلي.

والحقيقة أن المواطن السوري لم ير سوى أكذوبات التطوير والتحديث، إذ مازالت العملية التعليمية قائمة على الحفظ والتلقين لا على التفاعل والإبداع. فالعلم هو “طريقة وأسلوب للتفكير أكثر من مجرد كمية من المعلومات” على ما يقول المفكر كارل ساغان. والعلم حيادي ولا يمكن أدلجته، لكن في سوريا بدت المناهج مقيدة بالمنظور الإيديولوجي البعثي من جهة وبمفاهيم إخوانية إسلامية من جهة أخرى، فقد أدخلت وزارة التربية هذا العام ولأول مرة في تاريخ سوريا مادة “التربية الدينية” لطلاب الصف الأول الابتدائي، مع ملاحظة أن صورة الأم المحجبة تطغى على مناهج المرحلة الإبتدائية. حتى الكتب التعليمية العلمية لم تنج من هذه التأثيرات. مثلا في مادة العلوم للصف الثالث الثانوي العالمي نجد عبارة “سقطت نظرية داروين بينما ثبتت نظرية محمد.” وفي مادة الفيزياء للصف الثاني الإعدادي نجد عبارة “تمت التجربة بإذن الله.” ويطبع التأثير الديني سير الحياة المدرسية بشكل قوي، مثلاً نلاحظ على الأقل خلال العشر سنوات الماضية شلل المدارس في اليوم الذي يسبق والذي يلي عيد الأضحى، كما يُختصر الدوام المدرسي خلال شهر رمضان.

ويبدو أن النظام السوري قد أدرك أهمية التربية والتعليم في تكريس سلطته فقط، حيث ومنذ بداية الألفية الجديدة وسحقْ ماسمي وقتها “ربيع دمشق”، لاحظنا استمرارية في سياسة القمع لكل ماهو يساري أو قومي علماني في مقابل تسهيل تمدد الفكر الديني. لاحقاً وخلال الأزمة السورية تعرض النظام لضغوط كبيرة فأصبح مجبراً على تلبية مطالب الإسلام الرسمي (المعتدل) لأنه يحارب الإسلام المتطرف المُمَثل بشكل رئيسي في “تنظيم الدولة الإسلامية” والتنظيمات المقربة من “تنظيم القاعدة” في سوريا. ويعتقد النظام أن استعداء الإسلام المعتدل لايصب في الوقت الحالي في مصلحته، لذلك ارتأى الدعم الكبير له، وهذا يفسر لماذا ميزانية وزارة الأوقاف كبيرة جداً وهي تعادل أقل بقليل مجموع ميزانيتي وزارة الصحة والتعليم العالي! ولماذا هذا التدخل الكبير لهذه الوزارة في إقرار المناهج. في المقابل طالما استخدم النظام الذي يُعد فيه حزب البعث واقعيا قائداً للدولة والمجتمع، الخطاب الثقافي واحتكار التعليم لخدمة قضيته الايديولوجية العربية عبر تضخيم الدلائل التاريخية، لابل تزييفها أحياناً، فمثلا نجد في مادة الثقافة للسنة الأولى في كلية الترجمة الصياغة (البعثية) للتاريخ العربي. تتحدث الفصول الأولى عن سيرة نبي الإسلام، بينما يتحدث الفصل الثاني عن التخلف الذي كان يعيشه الغرب وفساد الكنائس في العصور الوسطى وكيف ساهم الإسلام في نهضة الغرب وإنقاذه من الظلمات. في الفصل الثالث نقرأ كيف أخذ الغرب العلم والفلسفة من الدولة العربية الإسلامية. وفي القسم الأخير نجد ماقيل عن محمد من أقوال لكتاب وعلماء من الغرب. مثال آخر نجده في كتاب التاريخ للخامس الابتدائي -وهو تزوير صريح للتاريخ- عبارة: “أقبلت القبائل العربية من شبه الجزيرة العربية على شكل موجات واستقرت في بلاد الشام والعراق وأنشأوا الحضارات الأكادية والبابلية والآشورية.” وبالرغم من محاولات وزارة التربية في سوريا خلال الفترة الأخيرة إبراز النزعة الوطنية في المناهج بتوليفة عربية إسلامية وإخفاء النزعة القومية البعثية التقليدية التي كانت سائدة سابقاً، إلا أن تأثير هذه المحاولات بقيت محدودة ولم تستطع أن تلامس الرموز القهرية للنظام والحاكمة للمجتمع السوري.

لقد أكملت الحرب على مستقبل العملية التعليمية في سوريا، إذ بينت المذكرة الإخبارية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” أن عام 2016 هو الأسوأ لأطفال سوريا، وقالت إن نحو 2.7 مليون طفل بين سن الخامسة والسابعة عشر لايذهبون إلى المدارس، بينهم 600 ألف طفل لاجئ، وأن 1.3 مليون طفل آخرين معرضون لخطر التسرب. وقالت منظمة “أنقذوا الطفولة” أن أضرار قطاع المباني المدرسية لوحده تُقدر بنحو 3 مليارات دولار، وأدت الى انخفاض معدل التعليم في سوريا بمقدار 50% عن مستوياته قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011. وبينت تقارير محلية لعام 2017 تعرض المرافق التعليمية على مستوى سوريا إلى نحو 4000 هجوم أدت إلى أضرار جزئية أو كلية لـ 2445 مدرسة. وأكثر المنشآت التعليمية ضرراً كانت المدارس الثانوية بنسبة 14.7% من مجمل المرافق التعليمية المتضررة كلياً، تليها المعاهد المهنية بنسبة 14.5%. كما أدت الحرب الى تحويل العديد من المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين أو مراكز عسكرية. وبحسب معلومات صادرة عن وزارة التربية السورية تحولت حوالي 243 مدرسة من أصل 21 ألف مدرسة حكومية في أرجاء البلاد إلى مراكز إيواء، فيما قدرت وزارة التربية تكلفة الخسائر المادية لقطاع التعليم في سورية حتى عام 2015 بحوالي 50 مليار ليرة (حوالي 105 مليون دولار). وحيث أن التعليم هو استثمار مستقبلي قُدرت الخسارة المستقبلية بـنحو 5.4% من الناتج المحلي نتيجة حرمان الأطفال السوريين من التعليم. ويذكر تقرير “جيل سوريا الضائع” أنه: “وبالنظر إلى تجارب الدول الأخرى التي تأثرت بالنزاعات يمكننا التنبؤ بأن النزاع الحالي قد يؤدي إلى انخفاض معدل سنوات الدراسة بنصف عام على المدى الطويل. وعندما يطبق على امتداد التعداد السكاني فإنه يزيد من التكلفة السنوية على الاقتصاد السوري الى مافوق 1.26 مليار دولار أمريكي, أي 3.1% من إجمالي الناتج المحلي.”

من منتصف الثمانينات حتى بداية التسعينات، لعبت سوريا دوراً يعادل عشرة أضعاف حجمها على الساحة الدولية بحسب صحيفة دير شبيغل الألمانية عام 1985، وسميت بأنها أكبر دولة صغيرة في العالم كما قال أحد الدبلوماسيين الكبار في البيت الأبيض. من أسس لهذا الدور؟ طبعاً هي مجموعة من العوامل لكن أهمها كان الاهتمام بالعملية التعليمية والتدريب وتأهيل الكوادر. للأسف الشديد سوريا والعراق ومصر التي قادت التعليم عربياً منذ خمسينات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الجديدة نجدها قد سقطت. مصر جاءت بالمركز قبل الأخير في مؤشر دافوس لعام2017، في حين لم تدخل سوريا والعراق في الترتيب أصلاً وذلك لافتقارهما بحسب التقرير: (لأبسط معايير الجودة في التعليم).

مرة أخرى لنكن جريئين ونقرأ مؤشر دافوس بواقعية بدلاً من الاستهزاء به، وإلهاء المواطنين بنظرية المؤامرة، وأن نقول صراحة أن هناك ضرورة قصوى ولا تقبل التأجيل لمراجعة السياسات الحكومية في سوريا في مجال التعليم, ووضع أسس اكثر انفتاحاً على العالم الذي بات يسبقنا كل يوم بخطوة. فالتعليم والعلم بالنسبة للمجتمعات هو أساس التقدم الحضاري وهذه بديهية. ولا يأتي العلم بدون التعليم الذي هو المحرّك الأساسي لتطور أي أمة. لذلك نرى بوضوح أن أحد أهم الفوارق بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة هو نسبة التعليم وجودته، ولا تبتعد القوة الاقتصادية والعسكرية وقوة العدالة وقوة النسيج المجتمعي كثيراً عن هذه المقارنة. وفيما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته الأخيرة للشعب الروسي قبيل انتخابه للمرة الرابعة أن “التخلف العلمي يحمل مخاطر فقدان السيادة” نجد أن صور حليفه في دمشق قد تصدرت قاعات الجامعات الحكومية وجدران المدارس وبوابات المعاهد وقاعات التعليم وأروقة المختبرات في وقت أصبحت سوريا متخمة بالقواعد العسكرية الأجنبية الحليفة والعدوة.