بواسطة Fadia Afashe | مارس 29, 2019 | Culture, غير مصنف
تعتبر اللغة إحدى المكونات الثقافية الأبرز للمجتمعات البشرية، وهي مرآة عاكسة لفكر المجتمعات وتراتبية القوى فيها. هناك جدل واسع بين المفكرين حول أسبقية الفكر على اللغة وعجز اللغة عن التعبير المطلق عن الفكر. لذلك أعتقد أن مناقشة موضوع اللغة لا يكتمل دونما استحضار الفكر الفردي والإجماع المجتمعي. فمفردات اللغة المستعملة تتحدد وفق تصور المرأة لذاتها وتصور المجتمع للدور المرسوم لها. فمن الصعب تشريح اللغة على كافة المستويات، فيما لو تحدثنا فقط عن مفردات اللغة بحد ذاتها. فالقضية هنا ليست بصدد الحديث عن التأنيث أو التذكير في مفردات اللغة بل عن ضرورة الغوص فيما هو أبعد من ذلك ألا هو التعايش بين الفكر واللغة. فاستعمال اللغة ومفرداتها هو أحد الأدوات في التعبير عن الذات التي تحدد العلاقات الاجتماعية المتشابكة ورؤية المرأة لذاتها وانعكاس صورتها في مرآة المجتمع. فما اللغة إلا أداة لتعزيز الفكر.
السؤال المطروح هنا: هل يختلف هذا التعايش بين الفكر واللغة عندما يقوم الشخص بتعلم لغة ثانية؟ خاصة عندما يكون هذا المتعلم شخص بالغ يرزح تحت ظرف اللجوء في بلاد العالم المتقدم؟ وهل هذه التجربة متشابهة عند الرجل والمرأة في مرحلة خلق الهويات الجديدة بتعلم لغة ثانية؟
إن اتقان لغة بلد اللجوء حاجة أساسية لا مفر منها للقدرة على النجاة والتأقلم في مجتمعات جديدة، وهي مهمة غاية في الصعوبة خاصة للاجئين السوريين، فقد حُرم غالبيتهم بسبب النظام التعليمي السوري من اتقان لغة ثانية، مما ضاعف من معاناتهم. واعتقد أن هذه سياسة تعليم مقصودة بكل تأكيد، بغاية تكبيل عقول السوريين للسيطرة عليهم حتى ولو خرجوا من حدود السيطرة المكانية.
تختلف دراسة اللغة عن دراسة أي مواد دراسية أخرى فموضوع اللغة ينضوي على الاطلاع على ثقافة جديدة1 ، مما يشجع الفكر على بدء عملية المقارنة التي تفتح الباب لاستحضار أسئلة لم تكن مألوفة في ظل التعود الذي غالباً ما يتسبب في تعطيل الفكر النقدي. وهذا ينطبق على مجتمعات اللجوء ككل لكنني أعتقد أن أثره أعمق عند المرأة اللاجئة مما هو عند الرجل بحكم اختلاف مستوى القوة الاجتماعية لكليهما. فللرجل مكانة اجتماعية ودور في بلده الأصلي يُشعره أصلاً بالتفوق على المرأة من حيث تراتبية القوى في المجتمع، بينما نجد أن المرأة لا تمتلك هذا الحس بالتفوق الاجتماعي مما يجعلها ترى ما تكتشفه في سياق تعلم اللغة الجديدة بعينٍ مختلفةٍ عن عين الرجل. فاللجوء في دول العالم المتقدم يخفف من تراتبية تلك القوى ليجد اللاجئ نفسه في أغلب الأحيان، سواء أكان رجلاً أم امرأة، في أدنى درجات سلم القوى. فعندما يتناول تعليم اللغة مثلاً مواضيع إبداء الرأي والتعبير عن الذات، نجد المرأة مهتمة ومتحمسة أكثر من الرجل في المشاركة مما يساعدها على التعلم بشكل أسرع وذلك لأنها تمارس، من خلال هذا السياق الجديد في استعمال اللغة، قوة لم تعهدها من قبل. بينما لا نجد ذات الدافع عند الرجل الذي اعتاد أن يمارس هذه القدرة التعبيرية بلغته الأم مما يولد عنده حنيناً لتلك اللغة التي كانت تعبر عن مكنوناته ويمارس من خلالها سلطته بكل سهولة. فعالم استخدام اللغة للتعبير عن الذات عالم جديد على المرأة اللاجئة لم تعهده من قبل، فهو يشعرها بأنها فاعلة وقادرة على التعبير عن رأيها وذاتها وهذا ما يجعلها، في رأيي، مجدة أكثر في تعلم اللغة كون دوافع تعلم اللغة عندها ترتبط باكتشاف الذات.
يرى الباحث غارندر أنّ رؤية الشخص لذاته وكيفية تعريفه للنجاح يؤثر على قدرته على التعلم، أي أنّ الموروث الثقافي يؤثر على تعلم اللغة الثانية2. فتعلم اللغة يتمحور حول هوية المتعلم وكيف يرى نفسه. فغالباً ما كانت المرأة ترى نفسها كما يراها مجتمعها. ففي سورية مثلاً يجب أن تدرس المرأة بشكل عام في مجالاتٍ محددةٍ وتعمل في مجالاتٍ أكثر تحديداً، حتى أن الموضوعات التي تتحدث فيها تختلف عما يتحدث به الرجل وذلك يتبع بالضرورة للدور الذي حدده لها المجتمع سلفاً. لقد خلق اللجوء هويات مختلفة، فاختل ميزان القوى القديم الذي حرم المرأة من شغلِ مركزٍ مساويٍ للرجل، وهذا ما أثر على طريقة تعلم اللغة عند المرأة التي بدأت بتشكيل هوية جديدة لذاتها. في دراسة عن النساء المهاجرات وتعلم اللغة، وجدت الباحثة بوني نورت بيرس أن النساء عندما يتعلمن لغة ثانية يخلقن لأنفسهن هوية اجتماعية جديدة. فعندما يتحدثن باللغة الثانية، فإنهن لا يقمن فقط بتبادل المعلومات مع المتحدثين المستهدفين، ولكن يقمن باستمرار بتنظيم وإعادة تنظيم إحساسهن بذاتهن وارتباطهن بالمجتمع3 . يتم إنتاج الهوية الاجتماعية وإعادة إنتاجها في التفاعل الاجتماعي اليومي، فالدوافع الذاتية والثقة بالنفس والانفتاح على الآخر ليست صفات شخصية ثابتة، ولكنها متغيرة وفقا للعلاقات الاجتماعية وتوازن القوى في المجتمع.
* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات
1Peirce, B. N. (1993). Language learning, social identity, and immigrant women
2Gardner, R. C. (1985). Social psychology and second language learning: The role of attitudes and motivation. London: E. Arnold
3Peirce, B. N. (1995 .(Social Identity, Investment, and Language Learning
بواسطة Myrna AlRasheed | مارس 27, 2019 | Culture, غير مصنف
يعرف قاموس مصطلحات الجندر والجنسانية مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBT” المعروف عالمياً بأنهم المثليون والمثليات وثنائيو وثنائيات الميل الجنسي والمتحوّلون والمتحوّلات جنسيًا وحاملو وحاملات صفات الجنسين والكوير، و تنقسم الآراء ووجهات النظر التي تتعلق بهذا المجتمع في سوريا إلى اتجاهات عديدة. يرفض البعض تجريم ومعاقبة الأشخاص بناء على ميولهم الجنسية، على اعتبار أن هذا النوع من الاضطهاد مخالف لحقوق الإنسان، معتبرين أن التوجه الجنسي هو مسألة شخصية بحتة لا يحق لأحد التدخل فيها. “إلا أن المبالغة في التعبير عن هذا التوجه، وجعله علنياً في الأماكن العامة، هو ما يعد غير مقبول، أسوة بأي تصرف آخر يعد غريباً عن المنظومة الأخلاقية في سوريا” بحسب أيهم المصري وهو مهندس معلوماتية يقيم في دمشق.
فيما يرى عيد الآغا أستاذ التاريخ في دمشق أن الموقف من هذا المجتمع لا يمكن أن يكون مجرداً من المفاهيم الدينية ونظرة المجتمع السائدة، “لأن ثمة قيوداً قيمية ومجتمعية ترفض بشكل صارم وواضح الممارسات الجنسية المخالفة للطبيعة كما وصفتها الأديان”.
وعلى الرغم من تباين الآراء والمواقف وتشددها في كثير من الأحيان ضدهم، وترافق ذلك مع إطلاق نعوت وصفات سيئة على الأشخاص المنتمين إلى مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBT، إلا أنه لا يمكن التغافل عن التحول الملحوظ الذي طرأ خلال السنوات الأخيرة على طريقة التعاطي معهم في سوريا. إذ لم يعد مستغرباً رؤية أشخاص مثليين، أو ممن يبدو على هيئتهم عدم وضوح في الهوية الجندرية، يتجولون في الشوارع، ويدخلون إلى البارات والمقاهي العامة. كما أن السوريين المنتمين إلى الـ”إل جي بي تي”/”LGBTباتوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً لعرض قصصهم على الملأ، انطلاقاً من فكرة أن تسليط الضوء على ما يتعرضون له من معاناة، قد يساهم في إيصال صوتهم، وتوضيح المغالطات التي تحيط بعالمهم.
فعلى الشبكة العنكبوتية الناطقة باللغة العربية، انتشرت الكثير من الحملات والتجمعات الافتراضية على غرار صفحة “إل جي بي تي بالعربي” التي أسسها فادي سليم عام 2017، وصفحة موالح سابقاً.
ويبدو أن الحرب لعبت دوراً إيجابياً لصالح بعض مجموعات الـ”إل جي بي تي” في سوريا التي أصبحت تمتلك جرأة وتعلن نفسها ومواقفها على العموم، وذلك نتيجة انحسار الرقابة الأمنية التي كانوا خاضعين لها فيما سبق، وانشغال السوريين عموماً بأوضاع كانت تعد مصيرية بالنسبة لهم.
لكن هذا لا يعني أنهم باتوا يعيشون بحرية ودون ضغوط، أن أن بإمكانهم إحداث تغييرات حقيقية للاعتراف بوجودهم، على غرار ما يحدث في بعض المجتمعات الغربية.
فالمجتمع السوري يعتبر من المجتمعات المتدينة والمحافِظة، التي ما يزال فيها الدين الإسلامي مصدراً أساسياً للتشريع، والدين الإسلامي يحرّم بشكل لا لبس فيه المجامعة الجنسية بـ”خلاف الطبيعة”، ويعتبرها من الكبائر، كذلك تعارض الكثير من القوانين هذا، كقانون الأحوال الشخصية، فضلاً عن أن المسيحية تنهي عن ذلك في إحدى الآيات الواردة في الإنجيل، وفيها “لا تضاجع ذكراً مضاجعة امرأة”.
كما أن مجتمعاً يعتبر حتى الآن ممارسة الفتاة للجنس خارج إطار الزواج مسألة “عرض وشرف”، ولا يزال الناشطون فيه يكافحون من أجل إصدار قانون يعترف بالزواج المدني الاختياري، لا يمكن التعويل عليه لتقبل مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBTبالصيغة التي يريدون. حتى أن قانون العقوبات السوري يعاقب على الممارسة الجنسية من نفس الجنس، بالسجن مدة ثلاث سنوات، علماً أن العقوبة غير معمول بها بشكل فعلي، لكنها تبقى تؤرق حياة المثليين، التي لا تخلو من حوادث ملاحقة واعتقال، كما أن القوانين التي من شأنها أن تمنح الحق بتغيير الجنس القانوني، غير واردة في الطرح، ولا يبدو أنها قد تبصر النور قريباً.
الخوف والتخفي
يتقاسم أفراد مجتمع الـ”إل جي بي تي” الهموم والمشكلات نفسها، مع بعض الاختلافات التي تفرضها طبيعة الحالة والتوجه الجنسي والهوية، فالتكتم والسرية خشية عدم كشف الأمر، يعد سمة مشتركة بين المثليين، إضافة إلى اتخاذ بعض منهم نمَطَي حياة مختلفين، يشكل أحدهما النمط “الشائع” في المجتمع، بينما يعبّر النمط الآخر عن كيانهم الحقيقي.
يتحدث فادي سليم، الشاب المثلي الذي كان يسكن في حي القصاع في دمشق عن التجربة التي مر بها، قبل أن يتخذ هو وزوجه الحالي القرار باللجوء إلى ألمانيا عام 2015. فمنذ نشأته الأولى، كان فادي يشعر باختلاف ما داخله إلا أنه لم يدرك حقيقة هذا الشعور حتى بلغ التاسعة عشر من عمره، وتأكد من ميوله الجنسية نحو الشباب.
ولم يكن من السهل لفادي أن يسير في رحلة الإدراك والكشف هذه، فقد عانى من نبذ الذات، وفكّر في الانتحار عندما كان طالباً في المرحلة الإعدادية، لأنه تبادل قُبلة مع أحد أصدقائه في المدرسة آنذاك، فشعر حينها أنه “شاذ وسيء الأخلاق”، لأنه عجز عن إثبات ذكورته، التي يتمثل حيز منها بأن يختار شريكاً مغاير الجنس. ولم يُجد فادي نفعاً من مواعدة إحدى الفتيات، للتغلب على الاضطراب الذي كان يعتمل في داخله، فهو لم يستطع أن يمارس الجنس معها، حتى أنها لم تكن تزور مخيلته أثناء ممارسته العادة السرية، إلا أنها ظلت صديقة له، وقد ساعدته على التظاهر أنهما مستمران في علاقتهما، من أجل التستر على هويته المثلية أمام عائلته والمجتمع المحيط به.
يروي فادي سليم: “إن التركيبة الشرقية للمجتمع السوري تساعد إلى حد كبير في عدم الكشف عن الميول المثلية، لأنه من الطبيعي وضمن المسموح به أخلاقياً واجتماعياً، أن يتشارك شابان أو فتاتان مكان السكن، وأن يتبادلا القُبلات عند المصافحة”. إضافة إلى أن آراء أخرى تفيد أن هذا المجتمع نفسه، يبدو أكثر تقبلاً للفتاة المثلية، مما هو عليه مع الشاب المثلي، علماً أنه ما من أدلة تثبت صحة هذه الفرضية، فحقيقة الأمر، أن المثليات يتعرضن للإهانة والاضطهاد، خاصة عندما يُكتشف أمرهن، أو يميل مظهرهن إلى الذكورة.
إلا أن النظرة الشرقية التي يغلب عليها الطابع الذكوري، “يميل جزء منها إلى الاعتقاد أن رؤية فتاتين أثناء المعاشرة الجنسية، هو حدث جمالي أكثر منه جنسي، لأن المرأة مثال للجمال، ولا يمثل جسدها العنف الذي يمثله الرجل بوجود العضو الذكري” كما يقول رفيف المهنا الطبيب النفسي.
ولا تقفالآراء النمطية المحيطة بالمثلية الجنسية في سوريا عند هذا الحد، فالموروث الثقافي يفرض على العائلات والأهل أن يغرسوا “أفكار الرجولة في أذهان الصبية الصغار، وعدم السماح لهم بالتصرف كالنساء، ومنع الفتيات من القيام بأفعال مسترجلة”، برأي قاسم العبدالله وهو من سكان حي المزة. بيد أن وسم المثليين عامة أن الجنس هو شغلهم الشاغل، وربط سلوكهم الجنسي بالدعارة في كثير من الأحيان، هو أكثر ما يزعج أفراد هذا المجتمع، علماً أن تصرفات بعض منهم تساهم في تكوين هذه الفكرة النمطية عنهم.
وهذا ما حدث مع سائق التاكسي عماد، عندما كان يقل راكباً إلى منزله في حي الميدان الدمشقي، فتودد له هذا الراكب مظهراً انجذابه الجنسي نحوه، دون أن يخطر في باله أنه سيلقى رداً عنيفاً من عماد.
إن ما يحيط بالمثلية الجنسية من مغالطات، ليس لها أي استناد علمي أو منطقي، يعود إلى هيمنة المنظور الأخلاقي على المنظور الطبي، فعلى الرغم من أن كمية كبيرة من الأبحاثالجنسية، أثبتت أن المثلية بعيدة عن كونها مرضاً وفعلاً شاذاً عن الطبيعة، وأن التأثيرات الهرمونية أثناء نمو الجنين، قد تؤثر على أجزاء معينة من الدماغ، وبالتالي تؤثر على التوجه الجنسي، إلا أن عدم الاطلاع على هذه الأبحاث، والإصرار على أن العلاج النفسي والإقناع قد يسهم في تحويل المثلية الجنسية، يعكس الرؤية السائدة للمنظور الأخلاقي والثقافي المهيمن في المجتمع السوري.
قصة عابر للجنس
يندرج العابرون جنسياً“ترانس سيكشوال”/”Transsexual people” تحت مصطلح المتحولين “الترانس جندر”/”Transgender people”، وهم يخضعون أو يحتاجون للخضوع لعمليات تدخل هرموني أو جراحي، لتكون أجسامهم متوافقة مع الهوية الجندرية التي يعبرون إليها. وقد لا ينفع التستر واتخاذ نمَطَي حياة مختلفَين مع العابرين جنسياً، الذين لا تتوافق هويتهم الجندرية مع الجنس البيولوجي عند الولادة بالتشريح أو الجينات، فهم لا يستطيعون إخفاء التغييرات التي تطرأ على مظهرهم الخارجي، وليس ثمة قوانين في سوريا تتعلق بالعابرين.
وبهذا يواجه العابرون جنسياً مجموعة إضافية من التحديات في المجتمع السوري، يتجسد معظمها في قصة جان، الذي لا يزال إلى الآن، يعيش ارتدادات فترات الاضطراب وعدم التوازن التي لازمته منذ الصغر. فالجسد الأنثوي الذي يرافقه منذ ثلاثة وعشرين عاماً، أرهقته مضادات الاكتئاب والهرمونات الأنثوية، التي دأب المعالجون النفسيون والأطباء على وصفها له، على اعتبار أن ما يمر به هو فترة اختلال مؤقتة، يمكن معالجتها عن طريق الأدوية. فأصبح يقضي معظم وقته نائماً، منفصلاً عن الواقع، مسلوب الإرادة عن فعل أي شيء في الحياة.
كان جان في السابعة عشر من عمره عندما أدرك أنه في حالة انفصال تام عن جسده، وأن هويته الجندرية بشكلها الأنثوي لا تمثله، فقرر حينها أن يوقف حياة الزيف والتظاهر التي كان يعيشها إرضاءً لأهله، وهم لا زالوا يصرون حتى الآن على التعامل معه على أنه فتاة، واستبدل الملابس النسائية وأدوات التبرج التي كان يستخدمها بناء على طلب المختصين، الذين ارتأوا حينها أن التمسك بالشكل الأنثوي سيحل المشكلة، وبدأ بارتداء ما يناسبه من الملابس الرجالية، والتمثل بالهوية التي يشعر أنها تعبر عن حقيقيته الجندرية، متحدياً عائلته والمحيط الاجتماعي في سوريا.
لا يشكل الصراع مع المحيط التحدي الوحيد لجان، فالحياة العاطفية لديه شبه معدومة، وتمثل العادة السرية بالنسبة له “تجربة مزعجة” على حد وصفه، فأعضاؤه التناسلية الأنثوية لا تلبي رغبته، ولا تمكنّه من الوصول إلى حالة النشوة والانفجار التي يشعر بها الذكر عند القذف، فضلاً عن أن الإحساس بعدم الانجذاب الجنسي نحو أي من الجنسين، لا يزال ملازماً له منذ فترة طويلة.
يتعرض جان أثناء خروجه إلى الشارع لكثير من عبارات السخرية والاستهزاء بمظهره، وتلاحقه نظرات المارة المليئة بالاستغراب والتساؤل، فشكله الخارجي أصبح خليطاً بين الأنوثة والذكورة، ورغم إخفائه لثدييه بقطعة قماش، إلا أنه لا يزال يحتفظ ببعض الملامح الأنثوية، وهذا ما جعل “التلطيشات الساخرة” كما يصفها، تكون أقرب إلى التي تُقال للمثليين.
إن مسألة اختلاف الهوية الجندرية، وعدم قدرة العابرين جنسياً على توثيق الهوية التي تمثلهم قانونياً، تضعهم أمام مشكلة يواجهونها في الدراسة والعمل، وهي تعتبر الأهم بالنسبة لهم. إذ لا يمكن لجان أن يوثق تخرجه من كلية الإعلام بهويته الذكورية، وهو ما جعله يتخلى عن دراسته الجامعية، وأفقده فرصاً للعمل في مجال تصميم الغرافيك الذي أتقنه بنفسه، كما أن عمليات التصحيح الجنسي في سوريا، تُجرى فقط في حالات التشوه الخلقي للأعضاء التناسلية، الأمر الذي يحتّم على جان السفر إلى الخارج، في حال أراد الحصول على المساعدة الطبية اللازمة وإجراء التصحيح.
وكما تلاحق الأفكار النمطية المثلية الجنسية، كذلك هو الأمر بالنسبة للعابرين، إذ إن الآراء السائدة تميل إلى الاعتقاد، أن التحول أو العبور إلى الجنس الآخر، هو خيار شخصي يتبع لمزاج الشخص وأهوائه. إلا أن حقيقة الأمرهي أن العابرين لا يستبدلون هويتهم الجندرية بهوية أخرى، لأنهم لطالما كانوا وسيظلون الجنس الآخر الذين عبروا إليه. وعليه، فإن خوف المجتمع من وجود الـ”إل جي بي تي”/”LGBT”، والإصرار على نبذهم، فيه كثير من الظلم والمبالغة غير المبنية على أسس منطقية وعلمية، لأن الميول الجنسية والهوية مسألتا وجود وتنوع أفرزته الطبيعة.
بواسطة Noha Alhasan | يناير 16, 2019 | Cost of War, Culture, غير مصنف
تغيرت حياة أبو عمر (٣٩عاما) من مدينة كفرنبل وانقلبت إلى أحسن حال بعد عثوره على أحد الكنوز الأثرية القريبة من مدينته، وذلك أثناء قيامه بالتنقيب عن الآثار في منطقة سرجيلا الأثرية،فبعد أن كان أبو عمر يعمل في تصليح الدراجات النارية، أصبح اليوم يمتلك الأراضي والعقارات. عن تجربته يقول أبو عمر: “تركت عملي في تصليح الدراجات بعد أن أصبح دخله لا يسمن ولايغني من جوع في ظل الغلاء الفاحش، و أصبحت أعمل في مهنة التنقيب عن الآثار، وقد شجعني على هذا العمل، عثور بعض أقاربي على تحف أثرية قيمة.“
واستغل تجار الحروب ما تمرّ به البلاد من خرابٍ وفوضى فضلا ًعن غياب الرادع الأمني، لتغدو المواقع الأثرية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وخصوصا في إدلب وريفها، مسرحاً للتنقيب العشوائي غير المشروع. ونشطت حركة التنقيب والتجارة في مجال الآثار عقب خروج مدينة إدلب عن سيطرة القوات الحكوميةمنذ آذار/مارس ٢٠١٥، حيث شرع المئات في عمليات الحفر العشوائية بحثاً عن قطعٍ نادرةٍ ضمتها تربة المحافظة والتي شهدت نهضة حضارية خلال العصور الكلاسيكية (لاسيما خلال الفترة الرومانية والبيزنطية) والإسلامية.
إن عملية البحث عن الآثار ليست بالأمر السهل، وإن حالف الحظ أبو عمر أحد بالعثور على لقىً ثمينة غيرت حياته، إلا أنه يوجد في المقابل العديد ممن يبحثون عن الآثار منذ مدة ولم يجدوا شيئاً حتى الآن. كحال الشاب حسام (٢٠عاماً) من بلدة حيش، والذي عانى من البطالة بعدما اضطر لترك دراسته في الجامعة بسبب الأوضاع الأمنية، فراح ينقب عن الآثار، منذ شهور يصعد التلال ويجوب الوديان عله يوفق بالعثور على لقىً أثرية تمكنه من تأمين متطلبات الزواج على حد قوله. الأستاذ خالد السيد (٣٥عاما) خريج قسم الآثار ينتقد التنقيب عن الآثار بشدة قائلاً: “لم يترك لصوص الآثار في المحافظة وريفها زاويةً إلا ونقبوا فيها بحثاً عن القطع الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة، فهم يتسابقون ويتصارعون على سلب تاريخ سوريا من أجل ملء جيوبهم.”
وعن أسعار بعض القطع الأثرية يحدثنا تاجر الآثار أحمد (٤٥عاما) من معرة النعمان قائلاً: “يتراوح سعر التماثيل الأثرية النادرة بين عشرة آلاف ومئة ألف دولار، أما أسعار العملات الرومانية فتتجاوز الألف دولار للقطعة الواحدة.“ ويقول أحد التجار بأنه باع إحدى القطع بمئة ألف دولار كونها نادرة جداً مشيراً إلى أن طريق التهريب كان يمر بلبنان، ولكن في الآونة الأخيرة شهد هذا الطريق تشديداً كبيراً، ما جعل الكثيرين يفضلون التهريب إلى تركيا، متجاوزين التدقيق العالي على المعابر.
هذا وقد طالت الآثار المدمرة للحرب في سوريا، الإرث الحضاري والتاريخي من متاحف وقلاع وتلال وأسواق ومدن منسية، إذ تعرضت الكثير من المواقع الأثرية للقصف العنيف والمتواصل من قبل الطيران الحربي التابع للنظام السوري وحلفائه، الأمر الذي أدى لهدم تلك العديد من المباني كلياً أو جزئياً وطمس معالمها الأثرية. محمد السعيد (٤٠ عاماً) من سكان قرية البارة الأثرية يتحدث بحزن عن قريته التي انقلبت بشكلٍ جذري عما كانت عليه سابقاً، وللبارة رصيد أثري يعود إلى العهود الرومانية والبيزنطية القديمة ومن بعدها العربية. يقول السعيد بغصة: “دمر القصف ما دمره من المباني الأثرية، أما ما بقي منها فقد شوه معالمه النازحون، حيث قصدت القرية عشرات العائلات النازحة وأسسوا فيها مسكناً لهم، وقاموا بتكسير حجارة تلك المباني وبنوا فيها حظائر للماشية من الجدران الإسمنتية.” كما أن جزءاً كبيراً من تلك المباني دُمّر إثر عمليات تجريب السلاح من قبل عناصر تابعة لفصائل عسكرية بحسب السعيد، فباتت الجدران القديمة مسرحا للتأكد من مدى صلاحية السلاح والذخيرة وفاعليتها، بعد ما كانت تلك المواقع سابقاً تحظى بأهمية كبيرة لدى السائحين الذين يتوافدون إليها من كل حدبٍ وصوبٍ. وتشكل آثار محافظة إدلب ثلث آثار سوريا حيث يبلغ عدد مواقعها الأثرية أكثر من ٧٦٠ موقعاً.
ونتيجة لهذه الفوضى العارمة والانتهاكات بحق الآثار، ظهر في إدلب نشطاء ومتطوعون أخذو على عاتقهم حماية مابقي من الآثار والحفاظ عليها، فبادروا بتأسيس مركز آثار إدلب. وحول الهدف من المركز وعمله تحدّث مؤسس المركز ومديره المختص بعلم الآثار الأستاذ أيمن النابو ( ٣عاماً) قائلاً: “تم تشكيل مركز آثار ادلب في النصف الثاني من عام ٢٠١٢ من أجل حماية آثار محافظة إدلب، من قبل عدد ٍمن الأكاديميين والمختصين في علم الآثار. وكان يقتصر العمل بدايةً على موضوع توثيق الانتهاكات ومن ثم تطور في السنوات الأخيرة ليشمل حماية القطع الأثرية التي تم جمعها من مناطق مختلفة والتي يبلغ عددها مايقارب الألفي قطعة أثرية، حيث يتم تغليف القطع بمادة (تايفك) التي تحميها من العوامل الجوية، بالإضافة لمادة الأكياس الفقاعية التي تحميها من الاصطدام والكسر نتيجة ظروف الحرب التي نعيشها.” كما أكد النابو أنه يتم أيضاً حماية اللوحات الفسيفسائية وترميم ما تعرض منها للأذى، ويختتم حديثه بأن المركز يسعى إلى توسيع النطاق الجغرافي لعمله ليمتد إلى ريف حلب وريف حماه الشمالي ريثما يتم إنشاء مراكز خاصة في كل محافظة. ويأمل العاملون في مجال الآثار توفر مناخ مناسب يسمح لهم بتقييم الأضرار وتوثيقها وترميم آثار هذا البلد العريقة والتي تعرضت لأضرارٍ جسيمة خلال سنوات الصراع.
بواسطة Hussin Shawish | يناير 14, 2019 | Culture, Roundtables, غير مصنف
كلما فكرت باليسار السوري قفزت إلى ذهني الجملة التي قالها لي رياض الترك في برلين، لدى زيارته الأولى لأوربا بعد خروجه من سجنه الثاني، عندما قدمت له ورقة بعنوان “هل بقي لليسار من دور يلعبه؟”. كانت الجملة: “لا يوجد يسار”. يومها اعتقدت أنّه حكم وجود واقعي. الآن، وبعد أن صار ما صار، أعتقد أنه كان حكم إعدام.
لخّص، بالنسبة لي، هذا التصريح من شيخ اليسار السوري آنذاك الجانب الذاتي من أزمة اليسار السوري. إنّه الفقدان المطلق للثقة بالنفس. وعندما يفقد المرء الثقة بنفسه يلتحق بأحد أولئك الشجعان الذين مازالوا يحتفظون بتلك الثقة. ويفترض المنطق أن يكون ذلك الملتَحَق به قريباً فكريّاً من المسكين الفاقد للثقة بنفسه. لكنّ حزب الشعب الديمقراطي لا علاقة له على ما يبدو بهذا المنطق، فاختار الإخوان المسلمين، أو لعلّه التحق به لهذا لسبب إيّاه؟
وعندما يرتكب المرء هذه الحماقة فلماذا نستغرب أن ينزلق إلى ما هو أكبر منها؟ كأن يدافع جورج صبرة عن جبهة النصرة مثلاً، في كلمته التي أصبحت من الشهرة بحيث لا أحتاج هنا لذكرها. فالتعاون مع الإخوان المسلمين يمكن تبريره بأنهم سبق أن شاركوا في انتخابات برلمانية ديمقراطية ذات يوم على الأقل، كما هو معروف، رغم كل ما يمكن أن يُقال عن ديمقراطيّتهم بأنها “ديمقراطية أدواتية”، أي أنها مجرّد أداة للوصول إلى الحكم، بدليل غيابها الكامل عن بنية الحزب وعلاقاته الداخلية المبنية على مبدأ الولاء المبني على البيعة الشرعية..الخ. أما جبهة النصرة فقد كانت وما زالت تعتبر الديمقراطية وحكم الشعب شركاً بالله، وهو منطق السلفية الجهادية نفسه الذي أعاد صياغته سيد قطب في كتبه الكثيرة وخاصة “معالم في الطريق” الذي أصبح “إنجيل الثورة الإسلامية” وخاصّة في فرعها الجهادي. وهنا أذكّر باختصار شديد أن الكتاب المذكور كان أحد أكثر ما يقرأه الإخوان أنفسهم، إلى درجة أنهم كانوا يختصرون العنوان بكلمة “المعالم” في أحاديثهم بسبب شهرته بينهم.
خيبتي تلك مع الرفيق رياض الترك تكرّرت مضاعفةً، عندما قرأت نص الكلمة التي ألقاها في احتفالية الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس بتاريخ 14/12/2018 حيث يتحدّث عن “صدمات صغرى” سبّبها النظام بإطلاق مئات السلفيين من سجونه ودفعه لهم لمصادرة الثورة وأسلمتها، لكنّ صدمته الكبرى كانت عدم التدخّل الدولي. إذن فالرجل لم يتعلّم من سبع سنوات فشل لإحدى أكثر الثورات مأساوية في التاريخ الحديث أي شيء.
ولكن ماذا كان يمكن لليسار أن يفعله واقعياً، حتى ولو لم يكن متأثّراً ب”مانديلا سوريا” الذي جعله السجن، على ما يبدو، يعتقد أن كل ما كان هو نفسه يدعو إليه من برنامج اجتماعي ووطني وقومي هو كلام نافل أو مؤجّل في أفضل الحالات وأن النضال الوحيد الذي يستحق التضحية بكل شيء هو القضاء على السجّان الحالي، حتّى ولو كان السجّان المقبل هو والي اردوغان في سوريا مثلاً؟
كان يمكن له أن يتعلّم من دروس جيرانه في إيران مثلاً، فيرى كيف يمد الإسلاميون يدهم للجماعات اليسارية قبل الثورة فإذا استلموا السلطة تخلّصوا منها، واحدةً بعد الأخرى. وقد كان من شأن هذا الدرس أن يجعل الرفاق يتذكّرون قصة “التخوم” التي كان لينين يركّز عليها باعتبار تحديدها قبل أي تعاون مع الآخرين شرطاً مُسبقاً لأي تعاون من هذا النوع. حتّى هنا كان اليساريون الثوريون السوريون يفتقدون لعذر كبير تمتّع به رفاقهم الإيرانيّون وهو أن الشاه كان صنيعة للإمبريالية الأمريكية بالمعنى الملموس (دور السي آي إي في الانقلاب ضد مصدق..الخ). هذا البعد العالمي للنضال لم يختفِ فقط من الخطاب اليساري الثوري السوري، بل ظهر عكسه بالضبط، أي الاستنجاد بالتدخّل العسكري الإمبريالي، إلى درجة أن عدم ذلك التدخّل شكّل “الصدمة الكبرى” للرفيق رياض الترك، كما قال هو نفسه.
أيّ يساري حقيقي كان يُفتَرَض أن تكون “صدمته الكبرى” هي هذا التصريح مثلاً في العام الثاني للثورة: ففي 13 كانون أول 2012 نشرت الحياة ما يلي على لسان معاذ الخطيب : “..كون الحراك العسكري إسلامي اللون بمعظمه هو شيء إيجابي..”. بالنسبة لمعاذ الخطيب كان ذلك إيجابياً طبعاً فالرجل نفسه “إسلامي”، لكنّ التصوّر العام عن مفهوم “اليساري” يجعل أي مراقب محايد يتوقّع من يساريي الثورة السورية في ذلك الوقت أن يعيدوا حساباتهم ويواجهوا جماهيرهم بالحقيقة المرّة وطرق التعامل معها. فماذا فعل هؤلاء فعلاً؟ لقد لجأووا إلى التكتيك النفسي المعروف “الإنكار”. وهو تكتيك يصنّفه المحلّلون النفسيون في خانة “آليات الدفاع النفسي”، كما نعلم. ولكي ينجح هذا الإنكار كان يجب اللجوء إلى “لغة إنكارية” بالكامل بحيث نستبدل عبارة “المجاهدين” بعبارة “الثوار” في المرحلة الأولى ثم بعبارة “المعارضة” في المرحلة التالية. فكلمة معارضة تنطبق على جبهة تحرير الشام تماماً كما تنطبق على “تيار اليسار الثوري” التروتسكي. ومن جهة أخرى نقتصر عندما نتحدّث عن أهداف الثورة على هدف إسقاط الدكتاتورية الحاكمة في دمشق، فهو أيضاً هدف الجولاني كما هو هدف رياض الترك.
هل كان اليسار يستطيع أن يفعل غير ذلك؟
لا شك. وهذا الجواب القطعي سببه ظروف اندلاع الثورة السورية: ممهّداتها (ربيع دمشق ودور المثقّفين الأقرب إلى اليسار فيه)، المسار الذي بدأت به الثورة السورية (شكل الحراك السلمي وشعاراته، الغياب التنظيمي شبه الكامل للإسلاميين في كوادر الثورة في مرحلتها الأولى، حسب كافة الباحثين)، طبيعة القيادة التي قدّمت أولى المبادرات السياسية في مرحلة مشاورات الدوحة المبكّرة، وأخيراً السمعة النضالية الخاصة التي كان رياض الترك يتمتّع بها بسبب تاريخه وشجاعته في مواجهة الديكتاتورية من داخل سوريا وليس من خارجها، والتي شكّلت له “رأسمالاً رمزيّاً” لدى الجماهير كان يمكنه استغلاله للمساهمة في ترجيح الكفّة في صفوف المعارضة لصالح اليسار..
فلماذا لم يفعل الحزب ذلك؟
أظنّ أنني أجبت على ذلك في بداية هذا المقال بشكل غير مباشر. فاليساري الذي يفقد الثقة ب”الرسالة البنيوية” لليسار، سيخدم اليمين في النهاية.
أما عن ماهية تلك “الرسالة البنيوية”. فهي يمكن استنتاجها فقط من مصدرين: الأول نظري يتناول تاريخ الصراع الاجتماعي ودور الذات الثورية فيه، والثاني تطبيقي يحلّل بنية المجتمع السوري في مستوياتها الثلاثة الكبرى الاقتصادية والسياسية والايديولوجية وكيف تتطوّر هذه المستويات الثلاثة أو كيف يعرقل تخلّف أحدها تطوّر الآخر، كما حصل ويحصل فعلاً وما هو “موقع” الذات الثورية في تلك البنية وكيف تعزّز موقعها في سبيل تحقيق برنامجها، الذي هو في النهاية برنامج “القوى الاجتماعية الساعية للتطوير” التي تمثّلها. وهذا كلّه موضوع دراسة يضيق هذا المجال عنها. لكنّ حزب الشعب الديمقراطي السوري فوّت على نفسه فرصة هذه الطريقة في “البرمجة” منذ مؤتمره السادس في أواخر نيسان 2005. رغم أنّ الدافع الواضح وراء مغادرة الأدلجة الماركسية اللينينية إلى غير رجعه كان يكمن خلف كل كلمة من كلمات برنامجه السياسي الصادر عن ذلك المؤتمر. وقد غادر الحزب تلك الأدلجة فعلاً وسار في اتجاه آخر. لكنّه كان إلى اليمين للأسف وليس إلى يسار جديد. وقد كان استمراراً لمسار بدأ في الثمانينات وسار ببطء إلى أن سرّعته الثورة السورية. الهدف السياسي الإجرائي المحدّد والملموس لذلك المسار كان التعاون مع الإخوان المسلمين (الحاضرين الغائبين في كل من مؤتمري حزبي البعث والشيوعي-المكتب السياسي في أواخر 1979 وفق تعبير ياسين الحاج صالح). وهذا التعاون هو المقصود بهذه الفقرة التي ننقلها هنا من البرنامج السياسي للمؤتمر السادس للحزب: ” لقد وضعنا هذا البرنامج، آخذين في الاعتبار الانفتاح على المجتمع وعلى الحركة الديمقراطية في سوريا بطيفها المتنوع، وضرورة الوصول إلى برنامج مشترك في أيّ لقاء أو مؤتمر وطني لأطرافها”.
أخيراً سأسمح لنفسي بهذه الملاحظة غير السياسية: لقد أثبتت خبرتي مع السياسيين العلمانيين العرب عموماً أنّ التصوّر الذي كان كامناً في لاشعورهم حول الإسلاميين كان دائماً يعاني من التشوّه. فهم إمّا يرونهم كمجموعة من الدراويش أو كحزب إسلامي تماماً كما أن الحزب الديمقراطي المسيحي في المانيا حزب مسيحي، أو كمجموعة من الأصوليين المتخلّفين والخطرين (وهو تصوّر حديث متأثر بسلوكيّات الجهادية السلفية). كل هذه التصوّرات لا تنطبق على موضوعها كما أصبح واضحاً بعد سبع سنوات من الثورة السورية، وإن كان ثمة ما هو صحيح في تلك التصوّرات جميعها في الوقت نفسه. أما ما هو التصوّر الأقرب إلى الواقع فمعرفته تتطلّب دراسة بنية التنظيمات الإسلامية وخاصة الجانبين التثقيفي والتنظيمي. ولكن ذلك بالذات هو ما لم يكن من الممكن لمعظم المناضلين ذوي الماضي الشيوعي أن يعرفوه، بحكم البيئة السياسية المختلفة كلّياً التي ترعرعوا فيها. لكنّ الممكن فعلاً، حتّى لمناضل لم يعرف في حياته غير الأوساط الشيوعية هو دراسة تجارب الآخرين من شيوعيي هذا العالم عندما تعاونوا مع الإسلاميين، كتجربة الإيرانيين مع الخميني مثلاً.
لكنّنا على ما يبدو لا نتعلّم إلاّ من كيسنا.
بواسطة Salon Syria Team | يناير 14, 2019 | Culture, Roundtables, غير مصنف
تهدف هذه الطاولة المستديرة التي أعدها لـ“صالون سوريا“ وأشرف عليها أسامة إسبر وباسيليوس زينو، والتي تحمل عنوان ”ما الذي تبقى من اليسار السوري؟“ إلى تسليط الضوء على واقع اليسار السوري بمختلف تياراته ودوره السياسي والثقافي والاجتماعي في سوريا، ومدى تأثيره في الأجيال الجديدة، وما الانتصارات التي حققها وأين فشل. كما تهدف الطاولة المستديرة إلى إلقاء نظرة من الداخل على اليسار السوري وتجربته وأين أخطأ وأين أصاب، ومن أجل هذا الهدف اتصلنا بعدد من الكتاب والباحثين وطلبنا منهم المشاركة في هذه الطاولة المستديرة انطلاقاً من تجربتهم، وخاصة من كان منخرطاً في السابق في أحزاب يسارية معينة، أو درس هذه التيارات وبحث فيها وتبنى موقفاً نقدياً منها.
دعت الطاولة المستديرة الباحثين والكتاب السوريين المهتمين إلى مناقشة الموضوع من زوايا مختلفة، كما قام بعض الصحفيين في هذا الإطار باستطلاع الآراء لمعرفة رأي الشارع ورأي الكتاب والباحثين بواقع اليسار الحالي، وطرحنا المحاور التالية للمشاركة:
١- منذ السنوات التي تلت استقلال سورية وحتى الثمانينات من القرن الماضي، برز العديد من المثقفين والمفكرين اليساريين الذين تميزوا بنضالهم واجتهاداتهم الفكرية رغم الخلافات العقائدية والتنظيمية والانقسامات التي شهدتها التيارات والأحزاب اليسارية. ما هي الخطوط الفكرية، البحثية والنقدية والتحليلية (إن وجدت) التي يعمل عليها اليسار السوري، وما مدى حضوره في الثقافة السورية وفي المجتمع السوري؟
٢- وسط الأوضاع الكارثية والدمار الذي أصاب البنية التحتية والاجتماعية والاقتصادية في سورية، هل توجد حركات أو محاولات ضمن سورية تسعى إلى إحياء الحياة الثقافية والفكرية والسياسية على نحوٍ يستجيب للتضحيات والتحديات التي بُذلت؟
٣- ما هي الأسباب التي دفعت بعض اليساريين أثناء مراحل انعطافية حاسمة للتعويل على ضرورة التحالف الاستراتيجي مع حركات أصولية إقصائية أو الدفاع عنها؟
٤- هل يمكن الحديث حالياً عن “يسار سوري” أو مجرد أفراد ذوي ميول يسارية؟ ما الذي تبقى من اليسار السوري على صعيد إنقاذ النظرية في ضوء الواقع السوري وعلى صعيد تنشيط عمل اليسار في إطار رؤية جديدة مختلفة عن السابق الحزبي والتبعي للمركز الذي انهار، وبعيداً عن التحول إلى فئة تحالفية للحصول على حصة من كعكة السلطة؟
٥- ما الدور الذي لعبه مفكرون ومناضلون ماركسيون خالفوا التيار الرسمي وأغنوا الفكر الماركسي على المستوى النظري لكنهم حوربوا على المستوى الحزبي أو كانت لهم وجهة نظر مغايرة مثل الياس مرقص ونايف بلوز وجلال صادق العظم، وغيرهم.
٦-كيف تشكل المكتب السياسي وما هي أطروحاته السياسية، وما طبيعة تحالفاته أو دعوته للتحالف مع الإسلاميين التي أثارت جدلاً؟ وكيف كان موقف التيارات اليسارية الأخرى منه، تجربة سجن رياض الترك والتحولات الأخيرة التي طرأت على أفكاره.
٧-كيف تأسست رابطة العمل الشيوعي، ما هي طروحاتها الجوهرية وكيف انتهت؟ أم هل ما تزل موجودة؟ وهل استطاعت أن تؤسس قاعدة شعبية حقيقية؟ وما هي مواقف الأحزاب اليسارية الأخرى منها؟ وهل ترى الآن أن الأفكار النظرية لهذه الحركة كان يمكن أن تقدم رؤية سياسية مهمة في السياق السوري؟
٨- موقف اليسار من الانتفاضة والحرب في سوريا، ولماذ لم يستطع اليسار استغلال الحدث السوري الكبير وترك الساحة للإسلاميين وتياراتهم الجهادية المتطرفة، وما هي مبرراته في اتخاذ الموقف الذي اتخذه.
سينشر موقع ”صالون سوريا“ المساهمات التي ترده تباعاً ويقوم بتفعيل الروابط:
الفرص الضائعة وسياسة الإنكار، حزب الشعب الديمقراطي
حسين شاويش
اليسار السوري إلى أين؟ هامشية سياسية وحضور ثقافي أغنى
د. كريم أبو حلاوة
اليسارالمتجدد سيظل موجوداً
وائل سواح
سلام الكواكبي: “اليسار إما مستقطبٌ سلطوياً أو نخبوي مرضي”
غسان ناصر
نايف بللوز /الماركسي المختلف (1931-1998)
الهيثم العطواني
اليسار السوري.. التباس الهوية والخطاب
عامر فياض
نحو مادية ديالكتيكية “مثاليّة” للضياع العربيّ الأخير!
د. علي محمد اسبر
رابطة العمل الشيوعي في سورية بعض ما لها وما عليها
جمال سعيد
اليسار السوري والمواقف المعاكسة للرؤى اليسارية والثورية
أمل نصر
مأزق اليسار السوري وغياب الديمقراطية
أنور بدر
اليسار السوري وسؤال الفعالية
غسان ناصر
حوار مع محمد (أبو علي) صالح (١): حزب العمل الشيوعي والاعتقال وربيع دمشق
محمد صالح
حوار مع محمد (أبو علي) صالح (٢): الطائفية ومجزرة الساعة في حمص
محمد صالح
اليسار التائه بين شعارات متنافرة
حسيبة عبد الرحمن
المنهج الماركسي ما يزال حياً وقابلاً للحياة
سحر حويجة
بواسطة الحسناء عدرا | يناير 9, 2019 | Cost of War, Culture, Reports
خرجت رزان (28 عاماً) من كنف مجموعة “القبيسيّات”، خلعت مانطوها الكحلي، مُبقيةً على حجاب الرأس رغماً عنها، ومع المانطو انتزعت “آخر انتماء دينيٍ أو طائفيٍ لتكتفي بالإنسانية وحدها كهوية أصيلة”، بحسب تعبيرها. وتعرف رزان عن نفسها بأنها “لا دينية أو لا أدرية، حيث لا أؤمن بالديانات السماوية جميعها، ولا أملك الأدلة الملموسة لوجود الله أو عدمه”. فقد أضرمت الحرب نار شكوك رزان حول العدالة الإلهية، تقول الشابة ” بدأت أتساءل عما إذا كان الله عادلاً، ولماذا يسمح بوقوع هذا الكم الهائل من الموت؟ وما الحكمة من وراء هذا الاختبار الشاق، سوى المزيد من البؤس والألم؟ ولماذا اختار لنا هذا المصير بينما هو قادر على تغييره؟”
وأعطت الحرب أيضاً فرصة لرزان لتكتشف الهوة الدينية بين ما تدعو له جماعة “القبيسات” التي تدّعي تمثيل الدين الصحيح، وبين المذاهب الدينية الآخرى، حيث فتح لها العمل التطوعي والمجتمعي الذي بدأته الشابة عام ٢٠١١ أبواباً جديدة لم تألفها.
تقول رزان “أتاح لي العمل التطوعي الفرصة لمقابلة أناس من مختلف المذاهب والأديان، ممن لم أكن أعرف بوجودهم، بسبب الخطاب الديني الأحادي لجماعة القبيسيات حينما كنت من المريدات لهن، فالجماعة متقوقعة على ذاتها وتحجب الرؤية عن الآخر. بالإضافة إلى أنني كنت أتساءل عن سبب هالة القدسية حول الشيخة، التي تتحول إلى وسيط إلهي بين الطالبات وربهن، مع ضرورة رضوخنا لتقديم فروض الطاعة العمياء لها والخوف من غضبها، عدا عن الصدّ الدائم لأي استفسار ديني يصدر مني، وتهديدي بالحرمان من مباركتها”.
إضافة للعمل التطوعي، شكلت النقاشات الدينية والرؤى المختلفة التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي نقطة تحول لرزان نحو اللاتدين، “فقد سهل الإنترنت وغرف الدردشة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التعرف على نماذج مختلفة من الأشخاص من كافة التوجهات والطوائف، وفتح الباب للنقاش أمام التفسيرات المتعددة للنص القرآني، وتقديم رؤى متنوعة عن بنية الكون ونشأته وتكوينه وتطوره” تشرح رزان.
أما منار (35 عاماً) الذي شبَ في حي القميرية أحد أحياء دمشق القديمة فقد أعلن إلحاده صراحة عام ٢٠١٤، قافزاً من ضفّة التدين الملتزم التي كان فيها، يقول منار: “أنا الآن لا أؤمن بوجود الله حتى يثبت العكس، و لم أصبح ملحداً بين ليلة وضحاها، إنما استغرق الأمر سنوات عديدة من البحث والقراءة، رافقها حوادث تراكمية وقعت خلال سنوات الحرب، إلى حين وُضعت أمامي معطيات ومعلومات قذفتني إلى عكس التيار الذي كنت أعوم فيه، إذ كنت ملتزماً دينياً شغوفاً، وكنت إقصائياً لا أتقبل اختلافات الآخرين الدينية وتفسيراتهم المغايرة لي، مؤمناً دوماً بصحة معتقداتي الدينية.”
شكل عام ٢٠٠٩ نقطة انعطاف لمنار نحو التشكيك في الدين، حيث وجد الشاب في غرف الحوار بين الأديان منفذاً لعرض أفكاره الدينية والتمترس خلف البراهين الدينية الجاهزة لمحاججة الآخر المختلف. يحكي منار كيف دخل في “مبارزة فكرية” مع فتاة سورية مسيحية مقيمة في أمريكا، “كانت غرف حوار الأديان فرصة لممارسة الدور التبشيري الإسلامي، فتعرفت على جميلة واستمر نقاشنا لمدة عامين، فكان كلانا يبذل قصارى جهده لإقناع الآخر بدينه وإشهار حججه الدينية إزاء مواضيع شائكة كالاختلاط والحجاب وتفاسير الآيات القرآنية، والعلاقات الجنسية قبل الزواج، ومقارنة القرآن الكريم بالإنجيل وإذ بها توجه لي سهام الأسئلة التشكيكية التي كانت تراودني وأقابلها بسوط النهي لئلا أتهم بالتعدي على الذات الإلهية، وأحياناً أجيب عليها بقوالب جاهزة دون براهين لأبدأ بعدها رحلة البحث عن الحقيقة.”
علاقة الحرب بالإلحاد
أما الحدث المفصلي الذي مهدّ لترك منار للدين والإيمان، فكان في شباط/فبراير عام ٢٠١٢ حينما استيقظ ليجد قرابة ألفي عنصر من جبهة النصرة يؤدون صلاة الفجر في الشارع، لتتوالى بعدها الخطب الدينية وفتاوى القتل والدعوات الجهادية والتكبيرات. يقول منار “على إثر ذلك قررت عائلتي الرحيل من الحي والنجاة بأرواحنا، وفي طريق الخروج تعرّضت سيارتنا لسبع رصاصات دون أن تسفر عن إصابات ونجونا بأعجوبة.” تزامنت هذه الحوادث المتراكمة مع تبحره في تاريخ الأديان والتاريخ، و نضجت وجبة شكوكه الدسمة على موقد الإسلاميين المتطرفين فبات يتساءل كيف يمكن لشخص يؤمن بالله ورسوله أن يدعو لقتل الآخر في آن معاً؟ أليس الله بقادرٍ على وضع حدٍ لهذه الحرب و إيقاف نزيف الدماء والأرواح التي زهقت ظلماً وبهتاناً؟
لم تكن الحرب سبباً أساسياً لتوجه محمد نحو (اللادينية ـ اللا أدرية) إلا أنها هيأت له الجو خلال السنة الثانية من اندلاعها للإفصاح عن اعتقاده القائل بأنه “لا يوجد دليل قاطع فيما يخص قضية وجود إله من عدمه” بحسب تعبيره. فالأمر بالنسبة لمحمد يعود إلى طبيعته التشكيكية، والغوص في المصادر التاريخية والعلمية واكتشاف حجم التعارض بين الدين و العلم، إذ يقول الشاب “العلم يقدم رؤية عميقة مدعومة بالأدلة الدامغة تجاه ظواهر جدلية كخلق الإنسان وعملية التطور وكروية الأرض وعمر الكون، في حين يقدمها الدين بطريقة عاطفية وبسيطة مكتفياً بنسبها إلى الله فقط دون براهين.”
يُصر محمد الذي يعمل في مجال التصوير والإخراج على ضرورة وضع تعريف دقيق لـ”الله” وتسميته بوضوح قبل أن يجيب على السؤال “هل تؤمن بالله أو لا؟” فباعتقاد الشاب أن هذا اللفظ اتخذ أشكالاً متطورة لدى العديد من الشعوب وصفات وتسميات متعددة عبر التاريخ، ما يرجح أن تعدد الآلهة هو فعل محض للشعوب موضحاً بنبرة احتجاجية “لايوجد إجماع عام وموحد حول الله فلكل دين سماوي أو أرضي إلهه. هذا التعدد في الآلهة في تاريخ الشعوب ينفي فكرة وجود تعريف موحد عن الله ويستدعي ضرورة توصيفه على نحو دقيق.” ويعقب قائلاً “باعتباري لا أؤمن بأي دين أو عقيدة ولأن العقيدة الإسلامية ترتكز على الإيمان بالله فهذا يجعلني تلقائياً شخصاً لا أؤمن بالإله الذي تعبده هذه الديانة.”
من جهته يرى باسيل أن الحرب ليست إلا مناخاً هيأ لتحرر بعض الشباب من الدين، بعد أن وجدوا فيها فرصة للتعبير عن رأيهم، ويقول” تسببت الحرب بخلق حالة من غياب الرقابة والمحاسبة الدينية والاجتماعية، فالأشخاص الميّالون نحو اللا دينية ولديهم الرغبة في التعبير عن رأيهم، وجدوا في الحرب فرصة سانحة للإفراج عن الأفكار المحظورة في مجتمع متدين، باعتبار أن الطاسة ضايعة،” مؤكداً أن الممارسات التي بدرت من التنظيمات الدينية المتشددة التي نشأت أثناء الحرب هي التي دفعت الشباب للابتعاد عن الدين.
كذلك كانت علاقة ياسر (32 عاماً) مع الأديان علاقة مشبوهة منذ المراهقة، إلا أن الحرب عززت هذه الشكوك لتضعها في دائرة اليقين، فيعرف الشاب عن نفسه بأنه لا يؤمن بالأديان لكنه يؤمن بوجود الخالق، ويوضح قائلاً “أرى أن الأديان الإبراهيمية ليست إلا من صنع البشر نتيجة التمايزات الطائفية في الدين الواحد، والتباينات الواضحة بين الأديان الثلاثة.” كرّس اتكاء الحرب على عكازة الدين لدى ياسر هذا المفهوم “فتجيير الدين في الصراعات السياسية -لما له من سلطة عليا في البلدان المتدينة- ساهم في ترسيخ القناعة القائلة بأن الأديان هي فعل ارتكبه البشر، فكيف نفسر حالة التجييش الديني والطائفي في الحرب وضلوع رجال الدين المتشددين في استقطاب المقاتلين والجهاديين من جميع أنحاء العالم بعد أن تمت أدلجتهم على الإرهاب والتكفير والقتل؟ ناهيك عن المفارقة الأزلية التي تحوم حول الدين فتراه يحرم الخمر على الأرض، في حين يبيحه بل ويبشر به في الجنة والأمر ينطبق على الجواري في الوقت الذي تعتبر العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج زنا.”
الأهل بين القبول على مضض والنبذ
ينتمي ياسر لمجتمع متدين ومحافظ، حيث كان جده من جهة والدته شيخاً قديراً في إحدى قرى مصياف التابعة لمحافظة حماه، ولذا حرص على عدم مضايقة أهله، وتفهم عدم تقبلهم لأفكاره الجديده، فاستمر بتأدية بعض الواجبات الأقرب إلى الاجتماعية منها إلى الدينية.
منار من جهته أخبر أسرته بأمر إلحاده، ولم تقطع علاقتها به، بل تقبلته “على مضض” كما يصف دون أن يتدخل أحدهما بالآخر، فيما تدعو أسرة محمد، المتدينة التي تنحدر من قدسيا، له بالهداية “والعودة إلى الصراط المستقيم”، ومازالت تجمع بينهم الزيارات العائلية والاتصالات بعد أن استقل عنهم.
إلا أن رزان تواجه خطر النبذ والقطيعة والرفض القاطع فيما لو عرفت أسرتها المحافظة المنحدرة من الصالحية، أنّ ابنتهم قد رفضت القيود الدينية وتفضل “عيش حياتها” وفق مفاهيمها الخاصة على أن تتحمل العواقب الوخيمة لمصارحتها، وتقول: “تناول مثل هذه النقاشات المشككة بالمسلمات الدينية في المنزل أمر مستبعد ومرفوض كلياً، وسيعرضني حتماً للكثير من الصراعات والمتاعب لذلك أتكتم عن رأيي وأحاول العيش وفق مفاهيمي الخاصة.” غير أن فسحة التعبير عن الآراء الدينية الحبيسة في المنزل يتم الإفراج عنها مع بعض الأصدقاء المنفتحين على الآخر “دون محاسبة أو صدامات عنيفة” كما تقول.
ربط الأخلاق بالدين فقط
“أول تهمة تلصق بي كملحد، هي أنني لن أمانع أن أمارس الجنس مع أمي أو شقيقتي، وهذا الأمر مرفوض كلياً وغير صحيح، فسواء كنت أؤمن بالله أو لا، فلن أفعل ذلك لاعتبارات جينية وأخلاقية وضعتها بنفسي لنفسي، وإن كان الدين وحده هو المصدر الوحيد للقيم الأخلاقية، كيف نفسر اغتصاب بعض الشيوخ للأطفال، واستغلالهم جنسياً للنساء، وتعدد العلاقات الجنسية للرجل المسلم المتزوج مع العلم أن دينه يسمح له بأربع زوجات؟” يقول منار.
أما بالنسبة لياسر فإنه يتفهم نظرة المجتمع له، عازياً السبب إلى أن الناس يرفضون بالفطرة كل من يناقش المسلمات الدينية أو يتجرأ على الخوض بها متخذين أحكاماً مسبقة عنه، وبناء عليه يرون في اللاتدين على أنه يمثل ممارسة مباحة لكل ما هو مشتهى مقموع بسوط الدين. فيما ترفض رزان فكرة احتكار الدين للمنظومة الأخلاقية بوصفه المنبع الوحيد للقيم، إنما هي المبادئ الخاصة التي يحددها الشخص لنفسه قائلة “لا يوجد رابط بين الدين والأخلاق، فأن تكون متديناً لا يجعل منك أبداً شخصاً أخلاقياً والعكس صحيح، فبالنسبة لي أتبع المبدأ القائل لا ضرر ولا ضرار كممارسة يومية في التعامل مع نفسي ومع الناس عامة “.