رنين اليقظة

رنين اليقظة

( كونشيرتو الكمان ليوهان برامز/ الحركة الأولى)

بماذا تَعِدني الموسيقى؟

أهي هروبٌ، شفاءٌ، تَخَطٍّ؟ أمْ ألَمٌ واستبصارٌ وتِيْه؟

تلطمني، ترجُّ صدغيَّ، تفتل قامتي، تنشر ذراعيَّ في العراء، تمسِّد ما ضاع وتَنْفُضُ ما تبقّى. أسلاكٌ دافئة بين القلب والأنامل، حطّت عليها طيور وغادرتْ أخرى. تَبرد فروةُ رأسي، تَخِزني أنفاسي، أكاد- في الهنيهة الفاصلة بين السكون والرنين- أَخْمشُ كلَّ شيء، ألوِّحُ لأيِّ شيء، أتّكئُ على لا شيء.

تتراجف الأوتار مثلما تستقبل شفاهُ المحمومين الفجرَ،

مثلما تستجمع يدُ العائد لهفتَها لتَعبرَ الصقيعَ الفاصل بين جيب المعطف وقفلِ بابٍ ليس خلفه أحد.

تتردّد الخطوات قبل أن تزيح الأشواكَ النامية على العتبة،

ترفرف الأجفان عازمةً على تأثيث الفراغ بظلالِ مَن غابوا.

الانبعاثُ من العدم سيرٌ إلى الموت، الركضُ على المرج زحفٌ إلى الهاوية. الخَلْقُ نَفْخٌ، والنفخُ نقصان. لهذا يتولّى البوقُ مهمّةَ البدء. ألسنةُ لهبٍ تشقّ قميصَ الليل، كلّما صدَّت لفحةً جذبتها الأحطابُ إلى سرير الرماد. طفلٌ غادر القبوَ بلا ذاكرة. بَردانٌ، وتقوده الشمس إلى رأس التلّ. يتمرّغ، يتدحرج غيرَ مُبالٍ: أَواكَبَهُ إلى السفح هديرُ الشلّالِ، أم فحيحُ الأفعى.

تعترض النفخةَ همهماتٌ من عدّة جهات.

بعضُها محاوَلةُ الموجِ فتْحَ ثغرةٍ في سور المَحرقة،

بعضها تَشابُكُ الأكفِّ قبل أن تُطْبِق السقوفُ على الأضلاع،

بعضها تَلاطُمُ الأشباحِ فوق شظايا القارب.

عتابٌ على البحر، فرارٌ من السماء، وعدٌ للأرض.

لأنّ( الفلوت) سؤالٌ مرير مثل لماذا؟ مديدٌ مثل أين؟  مرتابٌ مثل متى؟

بحَّتُهُ غامضة لكنْ كاشفة، صفيرُه مقيَّدٌ لكنْ ممزِّق. من تموُّجِ الهواءِ بين العتمة والضوء، من دأْبِ الرئتين الورديّتين على تضميد جراح المعدن؛ يصير للشهيق رنينُ اليقظة وللزفير صدى انكسار القيد.

حين أُزيحت الستارة لَيَّلَ الضباب، لحظةَ انشقَّ الأصيص ارتطمت البراعم بالزجاج.

من عدّة جهات. لأنّ شَجاهُ كامنٌ في كلِّ متحرّك، وخوفه مطوِّقٌ كلَّ آمِل، وحيْرَتهُ رائدُ كلِّ بصير.

تُزَمُّ الشفتان: فكثيرٌ من الشرفات لم يحتمل أمسِ لوعةَ الناجين،

تجنُّ الأصابع: فقد اشتعلتْ غابتانِ اليومَ،

تنقبض الأحداق: فغداً سيَغشانا الدم.

هاهي الكمنجات، وقد استيقظتْ ذاهلةً، تكرِّر آخرَ صرخات الجريح. تُضخِّمُها، تَطوف بها على الأرصفة، تضيء الأقبيةَ، تمزجها بكلِّ نسمةٍ، وتبدِّدُ يقينَ كلِّ غيمة.

لكنّ دَورها أبعَدُ من نواح الجوقة المُظلِّلة حوافَّ المشهد. إذْ لا منصَّةَ هنا غير حطام الأعمدة، لا شهود إلّا أطفالُ المكان الذين بَرَدَ بهم الزمانُ مخالبَه.

دَخَلْنا في الليل، أُلْبِسْنا معطفَه المقلوب، والتفَّتْ علينا الأكمام. ولنا، إلى أن يحين موعد الصدمات الشافية، أن نهذيَ بما نشاء.

مَن ذا يبالي بما كان لنا من أسماء وبيوت؟

مَن ذا يُصدِّق أننا شهدنا، مِراراً، ينابيعَ تفور وأشجاراً تُزهر؟

هي لا تمهِّد للكمان المنفرد مثلما تحفُّ الحاشية حول موكب سيّدِها، بل هو يبزغ من مركز الدوّامة، يشقّ طريقَه ملتاعاً من دون أن يزيح أو يزاحم. وبين موجةٍ وأخرى، ينزوي في ركن، منكبّاً على جراحه.

صِرْ يا قوسُ شَفرةً، إلى أن يحرق الأنينُ قشورَ هذه الجدران الرطبة.

ضجّي يا أوتارُ بما واجهَتْ به الأعشاشُ صليلَ الفؤوس، حتى تصهر الشمسُ حديدَ هذه الكُوى.

إذا أسَّسَ الفجرُ قريةً آمنة بين رُكبتَي تمثال، فلأنّ الكَمانَ سهران.

إذا تعثَّرَ الرعدُ بسقفِ مَنارةٍ قبل أن يلقي علينا رسائلَه، فلأنّ الكمان يَغرق.

إذا ردَّدتْ صنوبراتُ الجبالِ هديرَ قطاراتِ المنفى، فلأنّ الغيمَ سميعٌ للكمانِ مُجيب.

عاهدتُ الأرضَ، منذ كستني الموسيقى أجنحةً، ألّا أزيد جراحَها بخُطاي.

ورثتُ من نهر الطفولة أبوَّتَه للسواقي: يطلِقها في الحقول، ويسبقها إلى المَصَب.

عرسٌ سوريٌّ: كتابٌ وفيلمٌ لِلاوْرا تانْغِرْلِيني

عرسٌ سوريٌّ: كتابٌ وفيلمٌ لِلاوْرا تانْغِرْلِيني

ليس مجرَّدَ عرسٍ؛ إنَّه سِفرُ رؤيا إنسانيَّةٍ مليئةٍ بالعديد من القصص الصَّغيرة والرَّهيبة التي جمعَتْها لاوْرا تانْغِرْليني بكثيرٍ من الحبِّ والحنان.

هو قصَّة شهر عسلٍ خيريٍّ قامتْ به لاوْرا مع زوجها، المؤلِّف الموسيقيِّ والمغنِّي الرُّومانيِّ ماركو رو، للاستماع إلى أصوات وشهادات اللَّاجئين السُّوريِّين في مخيَّمات لبنان وتركيا.

هو قصَّةُ حُبِّ المؤلِّفة الجارف نحو زوجها من جهةٍ، ونحو سوريا وشعبها من جهةٍ أخرى؛ حُبٍّ مزدوجٍ ترويه لنا بكثيرٍ من النَّشوةِ والعذوبة، وأحياناً بسخريةٍ خفيفةٍ، ولكن في الوقت نفسه، وبطبيعة الحال بسبب الحرب الدَّائرة هناك منذ سنة 2011، بصرامةٍ وإصرارٍ يبغيان رفعَ الحجاب للقارئ عن العواقب الفائقة القسوة التي نجمَتْ عن خراب أرضٍ كانت ذات يومٍ أشبه بفردوسٍ مفقود، عواقبٍ يتظاهر العالَم، الذي هو متواطئٌ في بعض الأحيان ولامُبالٍ في أحيانٍ كثيرةٍ، بعدم رؤيتها.

هذا الرِّبورتاج الذي أعدَّته لاوْرا عن المأساة السُّوريَّة (وهو يوميَّاتُ رحلةٍ، وقبل كلِّ شيءٍ، أضمومةٌ من أقوال وشهادات لاجئين التقَتْ بهم) إنَّما يمثِّل “نافذةً متفرِّدةً وهامَّةً، مفتوحةً على عالَمٍ لطالما عتَّمَتْ عليه وسائل إعلامنا هنا” على حدِّ قول الصَّحفيَّة آنَّا كافِسْتري في معرض حديثها عن هذا العمل.

وكانت لاوْرا، في الأسابيع التي سبقت الزِّفاف، قد حلَّتْ في لبنان لتوثيق حالةِ بلدٍ يرزح تحت مدٍّ مديدٍ من موجاتِ اليائسين السُّوريِّين والفلسطينيِّين الهاربين من الحروب والعنف والدَّمار، فإذا بالعروس المستقبليَّة تتحوَّل إلى شاهدٍ على الظُّروف القاسية والوحشيَّة التي يعيشها اللَّاجئون داخل مخيَّماتٍ أقيمَتْ في بلدٍ يبدو، بموارده المحدودة وبناه التَّحتيَّة غير الكافية، أكثر ترحيباً بالأثرياء والأصحَّاء منه بأولئك البؤساء.

يضمُّ الكتاب الصَّادر بالإيطاليَّة عن منشورات إينفينيتو، والذي يقع في 189 صفحة، توطئةً بقلم جان أنطونيو إسْتِلَّا ومقدِّمةً بقلم كورَّادينو مينْيُو.

وقد قام بإنجاز التَّسجيل الصَّوتيِّ للفيلم الذي حملَ العنوانَ نفسَه “عرسٌ سوريٌّ”، وتضمَّنَ أربع أغانٍ غير منشورةٍ سابقاً، كلٌّ من لاوْرا تانْغِرْليني وزوجها ماركو رو الذي وضعَ بدورِهِ موسيقى جميع أغاني الفيلم وكتب كلماتها (باستثناء اثنتين منها شاركتْه في كتابة كلماتهما زوجته الصَّحفيَّة).

وبالنَّتيجة، فإنَّ ما ينبثق عن هذا العمل المتوقِّدِ عاطفةً وحماساً، بالإضافة إلى حبِّ الكاتبة للشَّعب السُّوريِّ وحزنها على مصيره المضطرب وغير العادل، هو سيناريو دراميٌّ يستصرخُ الضَّمائر الصَّامتة للشُّعوب الأوروبِّيَّة وبقيَّة شعوب العالَم، داعياً إيَّاها إلى الاستيقاظ والعمل لوقف، أو على الأقلِّ لتخفيف هذه المأساة الإنسانيَّة الكبرى.

“بكلماتها الصَّريحة والقاطعة”، يقولُ الصَّحفيُّ كارلو كراكُّو، “تجعلنا لاوْرا جزءاً من تلك الأحداث المشحونة بالعواطف والمشاعر الإنسانيَّة، العامَّة والخاصَّة، صفحةً تِلْوَ صفحة. وهي بذلك إنَّما تسلِّط الضَّوء، مِن أعماق صورةٍ مظلمةٍ ومأساويَّةٍ، على بذور الأمل الثَّمينة المرصودةِ لبناء جسرٍ، مجازيٍّ وملموسٍ في آنٍ واحدٍ، نحو مستقبلٍ أكثر إشراقاً من هذا الحاضر العديم الرَّحمة والقاتم.”

ويواصل: “السُّوريُّون، من لبنان وتركيا، ومن البلدان الأوروبِّيَّة التي وصلوا إليها بشقِّ الأنفس، يحلمون بالعودة إلى ديارهم، إلى سوريا جديدة يعمُّها السَّلام والهدوء والتي لم تعد موجودةً وهي اليوم تكافح من أجل استعادة حقيقتها أو العودة إلى حقيقتها.”

تشرحُ الكاتبةُ أنَّ هذا المشروع، وهو المرحلة الأخير من مسار التَّوعية الذي كانت تقومُ به لسنواتٍ حول مسألة اللَّاجئين السُّوريِّين، في البداية وحدها ككاتبةٍ وصحفيَّةٍ، ثمَّ صحبةَ زوجها كمغنٍّ ومؤلِّفٍ موسيقيٍّ، إنَّما يريدُ أن يعطي وجهاً وصوتاً للكثير من المهمَّشين الذين قابلَتْهم في رحلتيهما إلى تركيا ولبنان بُعَيدَ زفافهما، ذلك الزِّفاف الخيريِّ الذي أرادتْ من خلاله أن تقدِّمَ مساعدةً ملموسةً وسُوَيعاتٍ من التَّرفيه للعديد من اللَّاجئين السُّوريِّين، ومعظمهم من الأيتام.

فعلى وجه الخصوص، تقول، “لقد قدَّمنا قبلَ زفافنا مساعدةً ماليَّةً عن بُعدٍ لمؤمن وهو لاجئٌ سوريٌّ صغيرٌ يتيمُ الأب يعيش الآن في لبنان مع أمِّه واثنين من أخوته الخمسة، ويعاني مشاكل سلوكيَّة بسبب فقدان الأب وصدمة الحرب.

وتهدف تلك المساعدة إلى السَّماح له، ولأخوته أيضاً، بالدِّراسة. وقد التقينا به عندما سافرنا إلى لبنان لقضاء يومٍ معه”.

لاوْرا التي ما إن انتهَتْ شعائرُ زفافها في إيطاليا حتَّى ركبَتْ الطَّائرة مع زوجها، واستثمرَتْ معظمَ هدايا الزِّفاف التي حصلا عليها في شراء القرطاسية ولعب الأطفال وزجاجتَين من المشروبات الباردة مع كعكةٍ كبيرةٍ وخمسٍ وسبعين سترةً شتويَّةً من أنطاكية وحملاها شخصيَّاً إلى الرَّيحانيَّة للأطفال السُّوريِّين نزلاءِ دار الأيتام هناك، تضيفُ قائلةً: “الآن لا نريد التَّوقُّف عند هذا الحدِّ، بل نريد أن نفعل المزيد. نريد من ناحيةٍ أخرى أن نخصِّص عائدات حقوق النَّشر الخاصَّة بهذا المنتَج الأدبيِّ والسَّمعيِّ والبصريِّ لصالحِ مشاريع أخرى تدعم السُّوريِّين.”

من الكتاب:

… ماذا كنت تودُّ أن ترى لو كانت لك عينان ثاقبتان؟ “بودِّي لو أرى حارتي مرَّةً أخرى… فبعد أربع سنواتٍ لم أعد أتذكَّرها جيِّداً… وبودِّي لو أرى ما بقي من بيتنا” كانت عيناه تتلألآن ببريق الذِّكرى، وكذلك كانت عيناي منذ بضع دقائق وأنا أستمع إليه…

… كانت الموسيقى الانتصاريَّة قد بدأتْ بالفِعل، منطلقةً من الصَّناديق المكنونةِ بين زُحلوقةٍ وأرجوحة. الأطفالُ في ملابسهم الاحتفاليَّة يرفعون البالونات الملوَّنة وينتظرون مرور العريسَين. ها قد بدأ عرسُنا السُّوريُّ، بين السُّوريِّين، ولأجل السُّوريِّين…

“… سوريا كلُّها قد تغيَّرَت. منازلُ لا يُحصَى عديدُها قد تهدَّمَت. حتَّى أنَّ أنفاسَ النَّاس هناك قد تغيَّرَتْ، فرائحة الدَّم تبلِّلُ الهواءَ في كلِّ مكان. كلُّ شيءٍ كان جميلاً، كلُّ زاويةٍ، كلُّ شارعٍ، كلُّ زقاق… ما كنتُ لأرحلَ عنها لو أنَّني استطعتُ إلى ذلك سبيلاً…”

“… اتركونا وشأننا. هذا هو ما تحتاج إليه سوريا. إنَّنا أناسٌ طيِّبون، نحبُّ العالَم كلَّه، ولكنَّ العالَم لا يحبُّنا…”

… بعد لحظةٍ من ذلك دخلَتْ إحدى اليتيمات لتعطيني وشاحاً صوفيَّاً يضرب لونه إلى الحُمرة، واحداً من تلك الأوشحة التي كنَّ قد صنعنَها بأيديهنَّ خلال بعض الأنشطة التَّرفيهيَّة. مرَّةً أخرى، تتحرَّك مشاعري بقوَّةٍ لا قِبَلَ لي بها. إنَّها أجمل هديَّةٍ تلقَّيتُها في عرسيَ السُّوريِّ هذا…

“… أتخيَّلُ أنَّني في سوريا، ولكنَّني لا أرى أحداً هناك؛ وحيداً أسيرُ في الشَّوارع الخالية، ذلك أنَّ الجميع قد ماتوا”. مرَّةً أخرى أشعرُ بلكمةٍ عنيفةٍ على معدتي…

* * *

عن لاوْرا تانْغِرْليني: صحفيَّة بدأت مسيرتها المهنيَّة عام 1998. حاصلة على شهادة في علوم الاتِّصال من جامعة لاسابْيِينتزا في روما. وتدير منذ عام 2008 قسمَ الأخبار في قناة راي الإخباريَّة. باحثة في اللُّغة والثَّقافة العربيَّة، تناولَتْ في عملها مراراً وتكراراً الوضعَ في الشَّرق الأوسط، ولا سيَّما المأساة السُّوريَّة التي كتبت عنها ثلاثة كتبٍ هي: “سوريا الهاربة” 2013، وحصلت عنه على جائزة فيودْجي ستوريا، المرتبة الأولى؛ و”لبنان في هاوية الأزمة السُّوريَّة” 2014، وحصلت عنه في عام 2015 على جائزة تشِرُّوليو عن فئة الدِّراسات النَّقديَّة؛ و”عرسٌ سوريٌّ” 2017. كما حصدَت العديد من الجوائز لعملها الصَّحفيِّ والتزامها الأخلاقيِّ تجاه الشَّعب السُّوريِّ.

كوميديا سوداء على الملاعب السورية

كوميديا سوداء على الملاعب السورية

قد يحظى المونديال الكروي في روسيا بمتابعين ومشجّعين كُثُر حول العالم، ومن بينهم الكثير جداً من السوريين، فهي البطولة الرياضيّة الأشهر في العالم ولا ريب، ولكن ربّما من المفيد لنا أن نسلّط الضوء على “المونديال” الحقيقي الذي يجري على أرضنا وبين جمهورنا، وبمشاركة فعّالة ومؤثرة من منتخبات: قطر والسّعودية وتركيّا وإيران وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والأردن وإسرائيل ولبنان والعراق ومصر وألمانيا والصّين، وبمشاركة بعض الدول القلقة على حقوق البث واللّعب النظيف، مثل سويسرا وهولندا والنرويج وكندا.

كان من أبرز المحطّات في المونديال السّوري، خروج المنتخب القطري على يد المنتخب السّعودي في الدور الثاني، رغم أنه كان من أبرز المنتخبات اللاعبة على مستوى بطولات الرّبيع العربي وفي التصفيات المؤهّلة للمونديال السّوري، وبالتالي كان مُرشّحاً قويّاً للفوز، خاصّة مع وجود لاعبين أساسيين في صفوفه من الإخوان المسلمين وحزب الشّعب الديمقراطي، في حين خرج المنتخب السّعودي من الدور ربع النهائي، على الرغم من أنه قاد اللعب لصالحه فترة من الزمن، بعد أن أطاح بالمنتخب القطري القوي آنذاك، وتُعزى أسباب خروجه المبكّر إلى تركيز طاقمه الفني على بطولة “كأس الخليج” المحليّة، كونها ذات أهميّة أكبر للمنتخب السّعودي مقارنة بالبطولات الأخرى، وخاصّة بعد مشاركة غير مُتوقّعة من المنتخب الإيراني (الخصم التقليدي) في البطولة الخليجية، وللعلم تجري مباريات هذه البطولة على الملاعب اليمنية، وفي قسم منها على الملاعب المحيطة لقطر بمشاركة المنتخب المصري.

بعد مباريات شديدة الصّعوبة في المونديال السوري، وصل إلى نصف النهائي كل من منتخبات: روسيا وأمريكا وتركيا وإيران، وكما هو واضح، تمتلك هذه المنتخبات حظوظاً قريبة من بعضها بحيث يصعب التكهّن بمن يستطيع الوصول إلى المباراة النهائية وإحراز اللقب، فالمنتخب الرّوسي أصبح كمَن يلعب على أرضه وبين جمهوره، مع مساندة واضحة من المنتخب السوري وبعض الأندية والفرق المحلية واللبنانية والعراقية الموالية، والمنتخب التركي صنع أرضية مناسبة له للعب في الشمال السوري، وبمساعدة كبيرة من فرق المعارضة السّورية، والغريب أنه لا زال محتفظاً بجمهوره ومشجّعِيه السوريين، على الرغم من أنه أصبح يلعب لصالح الطرف الآخر في البطولة، كما أنّه غيّر تكتيك لعبه من تسجيل الأهداف إلى المراوغة ومحاولة السيطرة على أرض الملعب، ثم الاحتفاظ بالكرة لأطول فترة ممكنة، وذلك مع نهاية الدور الأول.

بينما يمتلك المنتخب الأمريكي حظوظاً قويّة لفرض إرادته داخل الملعب السوري، سواء في الشّمال أو الجنوب، داعماً صفوفه بلاعبين مخضرمين ومحترفين من بعض الدول الغربية التي لم تكن تمتلك منتخباتها حظوظاً للفوز في البطولة من دونه، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل، وأيضاً استثمر في بناء “أندية” خاصة له في شمال شرق سوريا، كما قام بدعم وتدريب فريق سوري محلّي، استطاع أن يحقق إنجازاً جيداً على صعيد البطولة المحلية، ولكنه بات يظن بأنه قادر على تكوين منتخب قومي قادر على المنافسة في البطولات العالمية.

في حين أصبحت حظوظ المنتخب الإيراني أقل لبسط سيطرته على ملاعب الجنوب، بعد شبهات واضحة من التنسيق بين المنتخبين الأمريكي والروسي، وتعاونهما لحيلولة وصوله إلى المباراة النهائية، على الرغم من التنافس الشديد بين المنتخب المذكورين على إحراز اللقب.

يُذكَر بأنّ سوريا وجدت نفسها تستضيف المونديال العالمي على أراضيها بدون تخطيط مسبق، في حين خرج منتخبها الوطني من التصفيات المؤهلة للبطولة، في سابقة هي الأولى من نوعها، بينما يتسابق لاعبو وفرق المعارضة السّورية للعب لصالح بعض المنتخبات الإقليمية والدولية المؤثرة، وبعقود سيئة كما وصفها الكثير من المحللين والمتابعين.

وكما جرت العادة، يعاني الاتحاد الدولي للعبة من هيمنة المنتخبات الكبرى، حيث أصبحت اجتماعاته وقراراته جسراً لتنفيذ رغباتها، وبالتالي ضاعت هيبة حكامه الُمنَتدبين، وفقدوا كل إمكانيات فرض قوانين اللعبة المعتمدة، وخاصة فيما يتعلق باللعب النظيف.

ومن غرائب هذا المونديال، بأنه بدأ كبطولة محلية بحتة وبشعارات جيدة، لكن ما لبث أن توسّعت دائرة المشاركة بعد عدة أشهر لتدخل إليها منتخبات إقليمية وعربية إلى جانب فرق المعارضة وأخرى إلى جانب منتخب النظام، لتصبح البطولة إقليمية شديدة الضراوة على الملاعب السورية، وتحت شعارات طائفية تجاوبت معها أغلب الأندية المحلية وبعض الجمهور السوري، الأمر الذي جذب اهتمام بعض الفرق الأجنبية المتشددة، والمسجلة على القائمة السوداء للاتحاد الدولي للعبة، حيث تسلل لاعبوها من كل حدب وصوب إلى داخل الملاعب السورية، وفرضوا إيقاعهم على اللعب بعيداً عن قوانين الاتحاد الدولي، مما حدا بالمنتخبات الكبرى في العالم للزجّ بمنتخباتها الوطنية في محاولة منها إلى إعادة ضبط إيقاع اللعب، وتجريب الحديث من خططها ومهاراتها، ثم التنافس لتحقيق لقب عالمي جديد، وبالتالي تحوّلت البطولة المحلية إلى مونديال عالمي مفتوح لكل من يرغب في المشاركة ويجد بأن لديه حظوظاً وقدرة على الفوز.

ونظراً لكثرة المشاركين، ورعونة اللاعبين، تضررت الملاعب السورية كثيراً، وفقدت الجماهير السورية حماسها للبطولة، وبدأت عملية النزوح بعيداً عن الملاعب في الداخل، أو الهجرة خارجا لأجل البحث عن مستقبل لا تفسده تلك اللعبة ورُعاتها.

“اللامعنى وبطولة اللغة في رواية “اختبار الندم

“اللامعنى وبطولة اللغة في رواية “اختبار الندم

تبدو “اختبار الندم” للروائي السوري خليل صويلح والحائزة على جائزة الشيخ زايد للرواية خرقاً للسرد التقليدي، من خلال ابتداع سرد يقوم على بناء المعنى وتحطيمه في مشهدية تتكئ على مفهوم الصورة عند بودريار فكل صورة تؤسس لأخرى وتنزاح لتترك لها فضاء جديداً.  

وقراءة أعمال صويلح ليست نزهة في غابة السرد، بل تحتاج لمهارة اقتفاء أثر الأسئلة المصاغة بنكهة عدمية “فالشعر هنا يبدو مجرد قناع لجعل العدم يتلألأ.” والثيمة الأساسية التي تتكشف في أعماله من “وراق الحب” و”دع عنك لومي” إلى “زهور وسارة وناريمان” و”جنة البرابرة”، “حتى اختبار الندم” هي تتبع خيط الرغبة وسط ضباب الحرب والانتهاك اليومي، والضياع بين عشوائيات المدن وينطبق على نصوصه ما يسميه بودريار”تآكل المعنى بسبب تخمته.” فبالرغم من أن رواياته لا تتجاوز المئة وخمسين صفحة إلا أنها تحفل بالمعاني لدرجة أن القارئ يصعب عليه الإمساك بالمعنى الحقيقي. فنصوص صويلح متخمة بالمعاني، كالرغبة والحب والجسد والتاريخ والغثيان بالمعنى الوجودي، التي يدمرها الراوي عمداً لخلق غيرها، إضافة للإحالات إلى كتب أدبية ومقاطع شعرية وعناوين أفلام.

وهذا أساس العدمية التي تتسلى “بالتدمير والبناء ثم الهدم” والرابط بينها رائحة الرغبة المراوغة التي تبدو حيلة لجذب القارئ وإيقاعه في عسل النص غير متنبّه للخيبة والكآبة التي تنتظره والتي تشيع فيه، والدافع الوحيد الواضح خلف ضباب الرغبة هو الضجر. فالضجر هو الصمغ الأسود الذي حط على روح الراوي.

لكنّ الهاجس الأساسي منذ “وراق الحب” هو الكشف عن الجسد عبر لغته والجسد يكتشف ذاته عبر أمرين هما “الرغبة و الألم”، وترى ميشيلا مارزانو: “أن الجسد هو قدرنا ليس لأن الكائن البشري ليس حراً في اختيار الحياة التي تناسبه أكثر، وأنه مصمم وراثياً لإنجاز بعض المهام أكثر من غيرها بسبب طبيعته الجسمية، بل لأن الجسم وبمعزل عن كل خيار وكل قرار هو حاضر دائماً، وغير قابل للتجاوز.”     

ويحضر الجسد بكثافة من خلال عملين يبدوان امتداداً لبعضهما: “زهور وسارة وناريمان” 2016، و”اختبار الندم” 2017.

ولعل الرابط بين أعماله بالمجمل هو البحث الذي لا يهدأ عن نجمته؛ ففي “ورّاق الحب” هو كاتب يبحث عن فكرة رواية، وفي “زهور وسارة وناريمان” هو مصور يبحث عن مشروعه، وفي “اختبار الندم” هو مدرب لورشة سيناريو.

في “اختبار الندم” يعمل الراوي على إظهار نضوج شخصيات العمل؛ فزوج زهور العسكري المعطوب الذي كان يفرد خرائطه ويضع خططاً حربية سيعود بهيئة كمال علون في “اختبار الندم” وهو يتأبط  مشروعه الكتابي بل إنه قادم هو الآخر من الثكنة فالأول عسكري قديم والثاني كان يعمل مراسلاً حربياً.

والتحرر الجسدي في زهور وسارة وناريمان والمتمثل بثورة زهور على زوجها المعطوب، بعد أن اكتشفت جنة كانت محرومة منها في أحضان الراوي، يصبح فعل تحرر لغوي في اختبار الندم،  فمدرب ورشة السيناريو قد بلغ حكمة “أن التحرر الجسدي لا معنى له دون تحرر لغوي.” فأسمهان في عزلتها في الجنوب السوري تبدو استمراراً لزهور المنفية مع رجل عنين، زهور تحررت بجسدها لكنها الآن أسمهان وقد أصبحت شاعرة صوفية سوف تطلّق زوجها وتقيم علاقة مع الراوي الذي ينصحها بتحرير اللغة من صمغ العبارات الجاهزة “إثر عودتها إلى قريتها في الجنوب أمطرتني نصوصاً جديدة انتبهت إلى أنها خلعت عباءة الصوفية التي كانت تتدثر بها، في نصوصها القديمة” فنحن نحتاج إلى نفض الغبار عن اللغة”، فهي وهذا ما يصف به الراوي أسمهان مشعل “لم تعد تختبئ خلف مجازات نصوصها،  بل تقف على أرض مكشوفة أولاً.”

أما نارنج التي تبدو وكأنها مهجة الصباح البريئة في رواية “وراق الحب” فقد تحولت من امرأة ساذجة إلى  مهزومة، فقد اغتصبت واعتقلت وهي مصابة في عمق روحها حتى أنها تمارس العادة السرية متخيلة مغتصبها.

ويحافظ الراوي على مسافة الأمان معهن بممارسة أقصى حالات اللامبالاة “الأن باللامبالاة وحدها بنظره تكون حرة” فهو أشبه ببطل كامو في رواية “الغريب” تستوي عنده كل الأمور وثمة مسافة تفصله عمن حوله “أحسست بمسافة تفصلني عن الجميع، بمن فيهم سارة قطان ذاتها، ها أنا أكتشف نمطاً آخر للحياة لا مكان فيه لكآبتي التاريخية.”

في رواية “زهور وسارة ناريمان” ثمة امرأة غائبة هي “امرأة المنام” والتي يبدو حضورها طاغياً… وتمتد مستحوذة على تفكيره ولا يجد بينهن من توازي سطوتها، أما في اختبار الندم فهي تتحول إلى كائن افتراضي تارة وكائن من لحم ودم تارة بإسمين مختلفين أسمهان مشعل “المتشاعرة” كما يطلق عليها الناقد محمد برادة، وآمال ناجي في العالم الافتراضي.

في “زهور وسارة وناريمان” يحركه الأمل بالعثور على امرأة المنام، أما في “اختبار الندم” فيلغلق الكاتب نافذة الضوء حيث تضيق المسافة بين الحلم والواقع بخلق واقع ثالث افتراضي لا محل للأمل فيه… فقط رغبات وشهوات مبتورة…

وفي كلا العملين فإن “بحيرة الجليد” تقف حائلاً بينه وبين نسائه، وهي تتسع  لتمنع المؤلف لا الراوي فقط من سبر الأعماق الداخلية لبطلاته. فجاءت شخصياته تفتقر للعمق في بعض جوانبها. فهو يكتفي بتمرير مسباره الكشفي على وجه شخصياته. وتمنعه بحيرة الجليد أو اللامبالاة من تفهمها مما اضطره للبوح بالنيابة عنها. حتى المونولوج في النص، على ندرته، تفوح منه رائحة المؤلف لا رائحة الشخصية التي تتحدث.

والمرأة هنا هي ليست المشتهاة ولا المعشوقة، إنها  مهزومة بجسد ضائع بين الحرمان والعفة والاغتصاب، أو هي أسيرة ثقافة البورنوغرافيا وهي مشغولة في المقهى أين يمكن لها أن تضع الأقراط المصنوعة من الذهب أو الفضة او النيكل على أنفها أو على المناطق الحساسة؟

وإذا كان بيكيت يتحدث عن الجسد المخفي وباختين عن الجسد المشفر، وهناك الجسد المشرح الذي أعيد تشكيله في (وحش فرانكنشتاين)، والجسد المروض والمطيع عند (فوكو)، الجسد العاري، الجسد المشلول، الجسد المصلوب… فإن الجسد يبدو في أعماله كالسجن أو الأسر وهذا المعنى ملازم للحداثة حيث تنتهي أغلب الشخصيات بالانتحار أو السفر كانتحار الفتاة التي تركها حبيبها، انتحار حارس القباني وفتاة حي الشعلان،  وانتحار فتاة مشروع دمر.

فالجسد هو أرض  الجراح، وهو حمل ثقيل ينبغي التخلص منه وهذا يظهر بوضوح في “اختبار الندم” وإذا كانت الحرية تتجاوز التحرر بمعناه الجسدي واللغوي إلى القدرة على أن يعرف المرء ويختار، فإن الراوي يلغي أي إمكانية لشخصياته أن تفلت من قيد الجسد وقيد الحرب إلا بالهرب أو الموت. واللافت غياب الوجه وتبدو أغلب الوجوه غائبة ماعدا إشارة عابرة لعيني نارنج الشبيهتين “بغابتي نخيل” ماعدا ذلك تبدو الملامح مختفية  بشكل متعمد، جسد زهور دبابة من اللحم، سارة قطان فراشة.

مقابل جسد مشوه ومتعب لناريمان، بخلاف ذلك جسد نارنج غائب ولا نعرف منها سوى أذنها المشوهة، وهذا أمر له دلالة رمزية، وبالنهاية ما الفرد وأين توجد هويته؟ أليس الوجه علامة حريتنا وعما يكشف غيابه؟

والسؤال: من دون السقوط في التعداد الساذج لنماذج الجسد؟ كيف نبني فلسفة للجسد قادرة على إبراز المعنى والقيمة الجسمية؟ وهل بمقدور المرء حقيقة، أن يضع جسده على مسافة منه؟  يبدو أن خليل صويلح رفع الغطاء فقط وترك لأفاعي الخيبة السامة أن تتكفل بلدغ قارئه.

أما الرغبة فهي الكاشف عن محدودية هذا الجسم وعذاباته ولا معنى وجوده والرغبة هي التي تكشف لنا عن أجسادنا، فبحسب مارزانو أن “كل واحد منّا متواطئ مع رغبته وعبر هذه يرد كونه جسماً.”

وهي تبدو في اختبار الندم حالة “كشف ومعرفة “،  أكثرمن كونها رغبة ايروتيكية وبعد أن كانت فعل تحرر في “زهور وسارة وناريمان” أصبحت خاوية ومبتورة وتخضع لجمالية اللامبالاة وهذا ما يشكل عنصر جذب للقارئ؛ فهي  “تلقي بنا خارج ذواتنا” بحسب ميشيلا مازارانوفا.

إنها الرغبة المحررة “التي تعيش حياة بداوة وترحال في ظل الحداثة حسب ويلهم رايش.” وأي علاقة شهوانية هي مجرد طوق نجاة من صمغ الضجر ورتابة الأيام وقسوة الحرب في “زهور وسارة وناريمان” يتساءل: لماذا تبددت سارة قطان هل هي بقايا من نذالة ذكورية؟  وفي اختبار الندم يجيب “فما معنى أن أشتهي جمانة سلوم بوجود أسمهان مشعل التي كنت مغرماً بها منذ ساعة واحدة فقط” وهذه الجملة تبدو كتقرير أو استنكار أكثر منها استفهام فهي ما إن تنبثق حتى تفنى وهذا ما يشيع روح الكآبة في النص فـ”الكآبة هي سمة ملازمة لنمط زوال المعنى” بحسب ميشيلا مارزانو  و “رغبة لا تتأسس على ذاتها ليست رغبة” بل تتأسس على الضجر وحالة الفقد والعدم.

وهي تتخذ معنى الفقد لا الوصول إلى الآخر وتنتهي عند زهور بالانتحاب والبكاء، وعند سارة بالأفول، وعند الروائي هي حنين للأم، فماذا يبرر تعلقه بزهور التي لها مظهر أم؟ وهو يردد في أكثر من موقع مرة مع زهور ومرة مع نارنج أنها نظرت له كأم خسر ابنها موقعه لكنه لم يخسر المعركة ربما هو “شوق للأم في المرأة و الأم هي الجنة المفقودة.

بطولة اللغة… و المكان

الشعرية بحسب فاليري “حيث تكون اللغة في آن واحد الجوهر والوسيلة” واللغة وهي نسق من الرموز تتحول في “اختبار الندم” إلى لغة شعرية وعالية وكثيفة ويتحقق فيها المعنى السابق للشعرية، ولها دور البطولة على حساب الشخصيات، بل يمكن لعبارة أن تترك على حواس القارئ سطوة أكثر من معاناة الشخصيات نفسها بحيث تضيع وحدة وأشواق اسمهان ناجي خلف لغة الراوي، وتبدو عذابات حارس سينما القباني محتجبة خلف اللغة التي تصف هذا العذاب.

وتفقد معاناة نارنج معناها خلف جمل تتسم بإشراق عبارته ونصاعتها، وتبدو اللغة كإطار متسع يظهر ضآلة الشخصيات، وهي تحجب معاناتهم خلف بلاغة متعمدة. وتنتهي فصوله القصيرة كلها بجمل شعرية وسطوة اللغة عنده تفرض نفسها على القارئ، بل يبدو أحياناً أنها تكتفي بذاتها كرمز لمعنى، وفي هذا الاكتفاء يتحقق عدم المعنى، وهكذا تلعب اللغة والصورة والمشهد البطولة  كإطار ضخم لا تستطيع الشخصيات ملأه.

ومن جماليات اللغة  “كنت تشعلين الوقود بعود ثقاب غير مرئيّ، ثم تطفئين النار بعبارة مضادة لا تخص ّ الحطب الذي جمعناه معاً من غابة الغواية المجاورة” أو”نكتب لنحول ثاني أكسيد الكربون إلى أوكسجين والفحم إلى ثمار بريّة بمذاق حرّيف، ولترويض آلام الجسد وخطاياه.”

وبهذا يخلص الكاتب لفكرته الأساسية حول لغة مشتهاة “اللغة المشتهاة أن نحصل على مسك الغزال، لحظة تفجر كيس سرته فوق صخور الجبال العالية.” وهذه هي الرسالة التي يرسلها الروائي إلى نفسه لتعرية روحه فهو مؤمن بأن السرد “هو شرف الكاتب” بحسب زافون لذا تتفوق اللغة على الشخصيات في اختبار الندم.

أما التاريخ فهو حفنة من الأوهام والأكاذيب والقسوة ويقابله لا بالتهكم ولا الهجاء ولا السخرية، بل بالدعابة اللانهائية فبالدعابة وحدها بحسب هيغل “يمكنك أن تراقب تحتك غباوة الناس الأبدية وتسخر منها.”

فكلما كنت تغوص في وحل اللحظة الراهنة، أكثر، عليك أن تشمخ برأسك عالياً، ففي أسوأ الاحتمالات أنت حفيد صلاح الدين وزنوبيا، ويوسف العظمة.”  فالتاريخ وهم، والرغبة هي ليست إلا الشهقة الأخيرة لجثث مبتورة، واللحظة غارقة في لزوجة الضجر اليومي، والحياة أمر عارض، والعرضي يوازي الموت والعدم الذي ينبغي مواجهته بمعول الهدم… لذا ستتبلور فكرة التحطيم في منجزه ضد المكتبة الذي يهدف للهدم بمعناه المجازي والرمزي، ليس بإشعال النار في الكتب بل حتى في الكلمات والحبر الذي كتبت به.

في دمشق يتقبل الناس سقوط قذيفة بنفس الطريقة التي يتقبلون بها زخة مطر، لا بأس أن تطيح بك قذيفة في مدينة المدن وجنة البرابرة، فماذا يعني أن تسقط القذيفة فوق جسد مهشم بالأساس؟

لم تعطه جنة البرابرة سوى هذه الكآبة التاريخية وكأنه يقول مع بودريار الآن حيث صحراء المدن تعادل صحراء الرمال، سألتفت نحو الصحراء لا بل ربما بدت الصحراء بمثابة جنة مفقودة سيستعيدها في الذاكرة.

 أليست الذاكرة هي “المكان الحميم الذي يمكن للذات والماضي أن يصفيا الحساب على أرضه؟” وكأنه يعاتب الماضي قائلاً: أنا الذي مشى فوق الرمال الحارقة بقدمين حافيتين، وأنا من شرب الماء الذي ترى به الجراثيم بالعين المجردة.

الدراما السورية في موتٍ سريري

الدراما السورية في موتٍ سريري

مرةً أخرى تعود الدراما السورية في هذا العام، لتتلقى سهام النقد، من قبل أغلب المهتمين والمتابعين للحدث الدرامي، نقدٌ طال أهم وأفضل الأعمال وحوَّل بعضها إلى مادةٍ للسخرية والتهكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض البرامج الكوميدية. لذا نجد اليوم عدداً كبيراً من جمهورها قد آثر العودة الى ماضيها الجميل، حين كانت بأوجها وألقها، لمشاهدة أعمالٍ قديمة تحظى بقيمةٍ فنيةٍ جيدة.

دراما خارج سيناريو الواقع

حاولت معظم أعمال الدراما السورية في الآونة الأخيرة التغريد خارج سرب الواقع السوري، لتحاكي ظروفاً وأحداثاً وأمراضاً تعيشها المجتمعات المثالية في أوقات السلم، بينما غفلت عن ملامسة معظم الأمراض والكوارث التي أفرزتها الحرب.

أعمالٌ ترصد حالات البذخ والثراء في المجتمع، تم تصويرها في أماكن فارهة وبيوتٍ واسعةٍ فخمةٍ، في وقتٍ أصبحت فيه معظم عائلات المجتمع السوري تعيش تحت خط الفقر، ويسكن بعضها في بيوتٍ مقفرةٍ ضيّقة، وأحياناً في غرفةٍ واحدة تضم عائلتين وأكثر.

تتحدث معظم الأعمال عن مشاكل الشباب في الحب والزواج وفشل الدراسة، وتغمض أعينها عن معاينة همومهم اليومية التي ولدت في سنوات الحرب، كهموم الهاربين من معارك القتال أو المنخرطين فيها رغماً عنهم، والمتوارين عن الأنظار خوفاً من اعتقالهم أو سوقهم إلى الخدمة العسكرية، والذين تم سحبهم من الحواجز إلى الجبهات وماتوا قبل أن يتعلموا لغة السلاح. قد يقول قائلٌ إن لسلطة الرقابة دوراً في منع الدراما من رصد ما سبق، ولكن أين هي من الواقع الإنساني الحياتي الذي تعيشه أغلب شرائح وأطياف المجتمع ويراه القاصي والداني؟

يمكن القول إن بعض الأعمال حاولت أن تلامس شيئاً من جوانب الواقع (من وجهة نظرها) فتناولت مواضيع عامة كالفقر وأحوال النازحين ميسوري الحال وجزءاً من آلام الناس ومعاناتهم مع بعض مافيات وسلطات الحرب والمتنفذين.

ولكن ذلك التناول كان، برأي البعض، خجولاً وسطحياً وهامشياً، يتجاهل كوارث وأزمات كبيرة وصورته لا تشبه ما نراه في حياتنا اليومية، أما الممثلون فقد كانوا بعيدين عن شخوص الواقع حد التناقض، مشهدٌ يؤكد أن صناع تلك الدراما مغتربين عن الواقع ولم يلامسوا حقيقته ومأساته عن كثب. حتى اليوم لم نجد مسلسلاً رصد معاناة النازحين بشكلٍ متكاملٍ وحقيقي، في مساكنهم البائسة داخل (شقق العظم) ومراكز الإيواء، أو تناوَل موضوع التحرش الذي تعرضت له بعض النساء والأطفال هناك.

أين أعين الدراما من رؤية أطفال الشوارع المشردين والمتسربين من التعليم نحو التسول وسوق العمل المليء بالمستغلين والوحوش؟ ماذا عن العصابات التي تقوم بتشغيل الأطفال بأعمال التسول والسرقة ونقل المواد الممنوعة، لتحوّلهم إلى كتلةٍ من الأمراض وتجعل منهم مشاريع مجرمين؟ ماذا عن النساء اللواتي يفترشن أرصفة دمشق، في مشهدٍ بات مألوفاً، ليبعن على البسطات بضائع بائسة توفر لهن لقمة عيشٍ مريرة؟

دراما تفتقر إلى المهنية ومقومات الفن

بنظرة سريعة على مسلسلات هذا الموسم سيبدو واضحاً حجم تردي المستوى الفني والمهني لمعظم الأعمال، نصاً وأداء وإخراجاً، وهو ما أبعد بعض الأعمال السورية خارج مضمار المنافسة الرمضانية لتحل مكانها أعمال مصرية وخليجية حققت شروطاً فنيةً أفضل ولاقت قبولاً من قبل محطات العرض.

يتحدث المسلسل الكوميدي “الواق واق” (للكاتب ممدوح حمادة والمخرج الليث حجو) عن سبعة عشر رجلاً وامرأة غرقت سفينتهم فاجتمعوا على جزيرةٍ منعزلة محاولين بناء مجتمعٍ مثالي. بالرغم من أن العمل يحظى بمشاهدةٍ كبيرة، لكنه لم ينج في أعين النقاد، كونه لم يأت بفكرةٍ جديدة– الفكرة تم تناولها كوميدياً وتراجيدياً عبر أعمالٍ غربيةٍ وعربيةٍ، منها فيلم” البداية” ومسلسل “في اللا لا لاند”.

أيضاً تنحو بعض شخصيات المسلسل نحو التهريج والسذاجة، وبعضها الآخر يبدو فنتازياً أو قادماً من كوكبٍ آخر، كما أن تكرار معظمها لثيماتٍ تعبيرية إيمائيةٍ وفكاهيةٍ وترديدها لعباراتٍ ومفرداتٍ، تُبرز من خلالها هويتها الكوميدية، قد منحها صفةً وصبغةً نمطيةً، تُذكرنا بمواقف وأداء (كاركترات) شخصيات مسلسلاتٍ أخرى حملت توقيع الكاتب ذاته، وهي سمة باتت مستنسخة في بناء شخصيات ممدوح حمادة.

تمر أحداث العمل بشكلٍ رتيبٍ ورتمٍ بطيء ينقصه التصعيد والتجدد، تُعاد فيه بعض المواقف والحوارات والدعابات بشكلٍ ممجوجٍ وممل يُظهر عجز معظم الحلقات عن خلق تنوعٍ وتميزٍ في محتوى قصصها. من جهةٍ أخرى، يتساءل البعض كيف لهذه الجزيرة المعزولة أن تتوفر فيها كميات كبيرة من الأطعمة المعلبة والأواني المتنوعة والفرش والأغطية وبعض متطلبات العيش الرغيد وأشياء أخرى؟ هل يمكن لهاربٍ من الغرق أن يصطحب معه كل تلك الأشياء؟

يحاول المخرج ايجاد مَخرجٍ درامي، فيرينا أن البحر قذف إلى الشاطئ ببعض صناديق المعلبات، لكن هذا، برأي البعض، لم يكن إقناعاً درامياً كافياً لحضور معظم متطلبات الحياة إلى شاطئ الجزيرة في زمنٍ قصير.

صُنف المسلسل الواقعي “فوضى” (للكاتبين حسن سامي يوسف ونجيب نصير والمخرج سمير حسين)، من ضمن أفضل مسلسلات هذا العام، لكنه رغم ذلك لم يكن عملاً متكاملاً وتلقى بعض الانتقادات، فهو يفتقر إلى التنوع في الحدث والحبكة والصراع، حيث تتشابه معظم خطوطه الدرامية ومسارات شخصياته وصراعاتها، لتبدو قصص ومعالم تلك الشخصيات مطابقة لبعضها البعض في معظم الحلقات.

فمثلاً، يتناول العمل موضوع العلاقات العاطفية عند النساء من خلال أغلب الشخصيات النسائية في العمل، فيُخضعهن بمجملهن لنفس المواقف والظروف، ويظهرهن جميعاً، بما فيهن الفتيات المراهقات، كأنهن يعانين من مشاكل في العلاقات العاطفية والبحث عن الرجل بشتى السبل، لتنحصر جميع أدوارهن وصراعاتهن فقط في إطار العلاقة المعقدة مع الرجال. يتكرر الأمر ذاته في موضوع العلاقة المتأزمة بين الأهل وأبنائهم، إذ يُقحم العمل جميع شخصيات الأبناء في التعبير عن هذا الموضوع، فتحاكي بمجملها واقع الصراعات والخلافات ذاتها التي تقع بين الابن وأمه أو أبيه حول المفاهيم ذاتها كالتربية الصالحة والحياة المثالية وصراعات الأجيال، لتتكرر القصص والمواقف والأحداث بين شخصيات هذا الخط الدرامي، وتبدو وكأنها شخصية واحدة تعيش في بيوتٍ مختلفة.

لا يقتصر موضوع التشابه والنمطية على طبيعة الشخصيات وقصصها، بل يشمل أيضاً لغة وطبيعة الحوار، إذ نجد أن معظم الحوارات تتشابه في مضامينها وفحواها وأحياناً مفرداتها، لتبدو الشخصيات وكأنها تقمصت أحاديث بعضها البعض وتماهت حواراتها فيما بينها، أو تبدو وكأنها تعلمت لغةً مشتركة ونهلت من منبعٍ ثقافيٍ اجتماعيٍ واحد ومدرسة حياةٍ واحدة.

رغم انحدار مستواها الفني في السنوات الماضية عادت دراما البيئة الشامية هذا الموسم بغزارةٍ إلى الشاشات عبر أعمالٍ مترهلةٍ ومتوارثةٍ عن بعضها البعض، لتعيدنا إلى قصص الحارات وصراع العائلات والخلافات النسائية على أمورٍ تافهة، إضافة لبطولات الزعيم والعقيد ورجال الحارة في محاربة الشر لينتصر الخير في النهاية.

ولأن هذه الدراما تحظى بتسويقٍ جيدٍ عبر المحطات اللبنانية والخليجية، واصل صناعها ومنتجوها استنساخ مسلسلاتها كيف ما اتفق وشحنها بأجزاءٍ جديدةٍ، مفضلين المعايير التجارية الربحية على المعايير الفنية والمهنية، على الرغم من إساءة معظم تلك الأعمال للتاريخ السوري وإظهارها للمرأة كجاريةٍ وعبدةٍ لسيدها الرجل، وإظهار الأخير كرجلٍ غوغائي لا يفكر سوى بقيم العرض والشرف، المحصورة عنده بجسد المرأة، ولا يتقن سوى لغة العضلات والخناجر والعنتريات.

“وردة وشامية” عملٌ وحيد حاول الخروج، نسبياً، عن السيناريو المعتاد لأعمال البيئة الشامية، حيث استمد تفرده من كونه مقتبساً عن “ريا وسكينة” الحكاية المصرية المعروفة التي قُدمت سابقاً كمسرحيةٍ ومسلسلٍ، لكن ذلك لم يشفع له ليرقى إلى المستوى الفني المطلوب؛ فهو يفتقر إلى عنصري التشويق والإثارة وتبدو صراعاته وأحداثه متوقعة سلفاً تخلو من عنصر المفاجأة، ليبدو العمل لبعض المشاهدين وكأن “ريا وسكينة” تقتحمان دراما البيئة الشامية.

أما المسلسل التاريخي “هارون الرشيد” العمل الأضخم إنتاجياً، فقد كان حديث النقاد الأول، فهو، بحسب آراء كثيرة، يشوِّه حقيقة تاريخ الخليفة العباسي ويقع في هفواتٍ تاريخيةٍ كبيرة، إذ يتجاهل تناول محطات التطور ومظاهر الحضارة والازدهار التي شهدها عصر الرشيد أو الفتوحات والمعارك التي خاضها الخليفة، لتزدحم الحلقات بقصص النساء والجواري والجلسات الغنائية والمؤامرات المحاكة من أجل النزاع على سلطة الحكم، وذلك على حساب أحداثٍ تاريخيةٍ هامةٍ، ما جعل بعض الساخرين من العمل يمنحونه عنوان “جواري هارون الرشيد.”

يفتقر العمل إلى الغنى والإقناع البصري، حيث تنحصر معظم مشاهده في كوادر داخلية ضمن القصر وأروقته وعبر لقطاتٍ قريبة وهو ما ظهر كضعفٍ إخراجي يتجنب المشاهد الخارجية التي تحتاج إلى جهدٍ فنيٍ تقنيٍ كبير وبراعةٍ في الرؤيا، بالإضافة إلى كوادر بشرية وديكورات ضخمة وإكسسوارات وغيرها. كما يقع العمل بأخطاءٍ مهنيةٍ أخرى منها الأخطاء اللغويةٍ وأخرى تتعلق باختيار ممثلين لا يعبِّرون عن العمر الحقيقي للشخصيات، وليس آخراً الخطأ الذي أثار ضجةً كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، “هارون الرشيد يلقي قصيدةً للشاعر المصري المعاصر هشام الجخ!”    

دراما بعينٍ واحدة  

يرى كثيرٌ من السوريين، جمهوراً ونقاداً ومهتمين، أن الدراما السورية قد فقدت هويتها، وصار بعضها مسيَّسا وتابعاً، فهي ترى بعينٍ واحدة، عين الإعلام السوري الموالي للنظام، وتنطق بلسانه وتبث رسائله السياسية، وتتبنى الحقائق من وجهة نظره. ففي السنوات الماضية أنتجت أعمالاً كثيرة حاولت من خلالها إظهار جميع المعارضين للنظام كإرهابين تكفيرين أو عملاء أو مغرراً بهم، وحمَّلتهم مسؤولية القتل والخراب والدمار الحاصل في البلاد. من هذه الأعمال: مسلسل “تحت سقف الوطن” لنجدت أنزور، “عناية مشددة” لأحمد ابراهيم أحمد، و”شوق” لرشا شربتجي وغيرها.

واليوم تواصل تلك الدراما مهمتها الإيديولوجية لتطل هذا الموسم عبر أعمالٍ تحاكي سابقتها، من بينها عملان لقيا جدلاً وانتقاداً واسعاً من قبل بعض النقاد والمشاهدين، الأول “روزانا” لمخرجه عارف الطويل، والآخر”يوميات المختار” لمخرجه علي شاهين.       

يتحدث “روزانا” عن عائلةٍ حلبيةٍ كانت تملك معملاً صناعياً دمّرته “المجموعات الإرهابية”، التي قصفت المدينة بالقذائف، وخلال نزوح العائلة هرباً من الحرب نحو دمشق، يلاقي كل فردٍ من أفرادها مصيراً مختلفاً، ليتعرض أحدهم للقنص من قبل “إرهابيين”. يرى منتقدو هذا العمل أنه يروج لخطاب الإعلام السوري حول نظرية “المؤامرة والإرهاب” و”الصمود الوطني الأسطوري للشعب في مواجهة الإرهاب”، ويُحمِّل المعارضة مسؤولية ما جرى في حلب من قتل ودمار، بينما يغفل عن تناول موضوع الأبرياء الذين ماتوا جراء قصف الطيران أو الذين قضوا في المعتقلات دون ذنب، كما يتجاهل ذكر البيوت التي دُمِّرت فوق ساكنيها أو التي تم (تعفيشها).   

“يوميات المختار”، عُرِّف عنه بأنه (مسلسل كوميدي)، يطل فيه الفنان زهير رمضان عبر شخصية المختار “عبد السلام بيسه” المقتبسة من مسلسل “ضيعة ضايعة”، ليتحدث عن الوضع السوري من وجهة نظر النظام ومؤيديه.

لاقى العمل نقداً وسخريةً كبيرة من قبل بعض المشاهدين، فهو من حيث القالب لا يمت للدراما بصلة، إنما يشبه برنامجاً تلفزيونياً سياسياً، ويظهر الممثل كمقدم برنامج أكثر من كونه ممثلاً.

أما من حيث المضمون فهو لا يخرج عن كونه تهريجاً خطابياً يُقدم دروساً وطنية تلقينية فجة، تستقي مواضيعها من لغة وإيديولوجية الإعلام السوري وتتشبه بنشرات أخباره وتذكرنا بمادة التربية القومية.

يتحدث العمل عن شكل التعايش بين السوريين قبل “الأزمة” بشكلٍ أقرب إلى من يلقي محاضرةً في الوطنية، ويستغل حجم المناطق المدمَّرة في سوريا ليحاول الرقص على جراح الناس، فيطل “المختار” من وسط الدمار في بعض الحلقات سارداً ما فعله “الإرهابيون التكفيريون” وكيف دمروا الجوامع والكنائس والبيوت.

كما يلقي العمل في معظم حلقاته باللوم على السوريين وتحميلهم مسؤولية الحرب الدائرة في بلادهم ومسؤولية تردي الوضع الاقتصادي وغلاء الأسعار، دون ذكر تجار ومافيات الحروب التي نهبت البلاد طولاً وعرضاً.

ولأن مسلسل “ترجمان الأشواق” قد حاول أن يرى بعينٍ درامية أخرى ويبصر شيئاً من حقيقة الواقع، لم يخرج إلى النور.

فقد أثار العمل جدلاً واسعاً بعد منع عرضه من قبل الرقابة التي وافقت على تصويره في البداية. تلك الرقابة التي قمعت أعين وخيال صناع الدراما لم تتوان حتى عن قمع نفسها.

المنع جاء بناءً على اعتباراتٍ سياسية، لأن العمل حاول التطرق للفساد والأحزاب السياسية وتحدث عن شخصيات بعض المسؤولين، ولم يشفع له وجود ممثلين مؤيدين للنظام كعباس النوري وفايز قزق وغسان مسعود وغيرهم.

الهروب نحو الدراما المشتركة

خلال السنوات الماضية هرب كثيرٌ من صناع ونجوم الدراما السورية من محاكاة الواقع السوري بتوجيه بوصلتهم نحو لبنان، لإنتاج ما يسمى بالدراما المشتركة التي تحظى بالطلب والتسويق، فكان لهذه التوأمة تأثيرها السلبي على الدراما السورية إذ خطفت معظم نجوم الأخيرة عن ساحاتهم الفنية وقزّمتهم وحدت من نجوميتهم لتنهض الدراما اللبنانية بفضل جهودهم وعلى حساب نظيرتها السورية، حتى أصبحت بعض الأعمال (المشتركة) تنسب للدراما اللبنانية، من قبل بعض النقاد والفنانين، لمجرد أنها أُنتجت في لبنان وضمت بعض فنانيه، على الرغم من أن كتابها ومخرجيها وأهم ممثليها سوريون.

أنتجت هذه الشراكة أعمالاً تفتقد إلى هويةٍ واضحةٍ أو بصمةٍ فريدة، فعند مشاهدتها ستبدو للوهلة الأولى وكأنها دراما تركية مدبلجة، كونها وبشكلٍ ببغائي تحاول محاكاة وتقمص الدراما التركية والمكسيكية وغيرهما، من حيث حركات الكاميرا وشكل الإخراج واختيار أماكن التصوير وانتقاء الممثلين، فهي تستدرج المشاهد من خلال الحضور الملفت والإطلالات المثيرة لشخصيات العمل، المبالغ في جمالها وأناقتها المفرطة وكأنها في مهرجانٍ لعرض الأزياء،  وأيضاً من خلال منازلها وسياراتها المترفة بالفخامة والثراء، فلا عجب أن يحظى مسلسل كـ “الهيبة” بتلك المشاهدة لمجرد حضور نجم وسيم كتيم حسن ونجمة مثيرة كنيكول سابا، ومثله مسلسل “طريق” الذي يضم النجمين عابد فهد ونادين نجيم.

تطل هذا الموسم عبر الشاشات أكثر من خمسة أعمالٍ (مشتركة). بنظرةٍ سريعةٍ عليها ستكتشف كم التشابه بينها من حيث مضمون السيناريو وحبكة الحدث والمشهد البصري، لتتداخل أحداثها في رأس المشاهد ولا يكاد يميّز بين عملٍ وآخر، فهي بمعظمها تتحدث عن حالات الخيانة الزوجية وقصص الحب الخيالية، التي تحدث في مجتمع الطبقات المخملية، بالإضافة لبعض القصص البوليسية التي تحمل طابع الآكشن.

مشهدٌ يؤكد مجدداً افتقار أعمال الدراما المشتركة إلى سيناريوهات ناجحة، تحظى بشيءٍ من الحرفية والتشويق، واعتمادها على المشهد البصري وأداء بعض النجوم لملء الفراغ الذي يخلِّفه ضعف السيناريو، ضعفٌ يتجلى بلجوء معظم الأعمال إلى تقمص سيناريوهاتٍ جاهزة والاقتباس من أخرى أو تعريب قصصٍ مسلسلاتٍ وأفلامٍ غربية، أو اللجوء إلى بعض الروايات والقصص وإعدادها درامياً.

وهذا ما شهدناه عبر  فيضٍ من أعمال السنوات الماضية، فمسلسل “تشيلو” اقتبس من الفيلم الأجنبي “عرض غير لائق”، ومسلسل “لو” من فيلم “الخائنة”، بينما اقتُبس مسلسل “نص يوم” من فيلم ” الخطيئة الكبرى”.

يتكرر الأمر في هذا الموسم لنجد أن مسلسل” تانغو” مأخوذ عن المسلسل الأرجنتيني”حب بعد حب”، بينما اقتُبس سيناريو مسلسل “طريق” من روايةٍ لنجيب محفوظ، أما مسلسل “الهيبة” فقد اتهمه بعض النقاد بأن معظم مشاهده مقتبسة من فيلم “العراب”، واتهمه آخرون أنه يحاكي المسلسل الأمريكي “ناركوس” وأن شخصية  “جبل/ تيم حسن”، هي ذاتها شخصية “اسكوبار” بطل مسلسل “ناركوس”.

تم تصوير تلك المسلسلات بمحاذاة مخيمات اللاجئين السوريين، المكتظة بأحداث الدراما الملحمية، وفي حاراتٍ وبناياتٍ يقطنها سوريون مهجرون يعيشون كل يومٍ عشرات القصص الدرامية التراجيدية.

لماذا أشاح صناع الدراما المشتركة بوجوههم عن رصد ظاهرة الوجود السوري في لبنان خلال سنوات الحرب، على الرغم من أن هذه الظاهرة يمكنها إنتاج عشرات السيناريوهات المليئة بالأحداث والصراعات؟

أين هم من أوضاع اللاجئين والعمال والمتسولين في الشوارع ومن ظاهرة استغلال النساء السوريات والاتجار بهن وتشغيلهن في بيوت الدعارة؟

يبدو أن الأمر متعلقٌ بسوق العرض والطلب، فالاعتبارات التسويقية الربحية ورؤية المحطات التلفزيونية هما من يتحكمان بخيال الكاتب وكاميرا المخرج، بعد تخلي الدراما عن مهمتها الإبداعية والفنية وتحولها إلى تجارةٍ تحكمها أسواق المنتجين.

رواية بيت حُدُد بين عالم الثورة وعالم السلطة

رواية بيت حُدُد بين عالم الثورة وعالم السلطة

يثير اسم الرواية التباساً أوّليّاً، فهل الرواية تتحدث عن إلهٍ أسطوري، أم عن دمشق وسورية، وما يعتمل بها بدءاً من ثورة 2011؟ الرواية تريد قراءة السنوات السبع الأخيرة، فلماذا الإله حدُدُ؟ أزمنة الرواية ليست خطية وتبدأ بالتاريخ السابق الذكر وتتصاعد، بل هي تتعدد بتعدد شخصياتها، وبتعدد الأماكن وبالاستطرادات الكثيرة، والتي لا يجد المرء سبباً مقنعاً لوجودها في حبكة العمل الروائي، كالإسهاب عن حياة فيديل في بريطانيا وزواجه المتعدد، أو في دبي كفصل الشم أو الحلاج مثلاً.

فضاء رواية بيت حدد متغيرٌ بتغير الشخصيات فهو تارة لندن، وتارة دمشق، وتارة دبي، وهكذا. بل يتغير مع تغير الحوار وفصول الرواية. المكان هذا، تنقلنا فيه الرواية بين الماضي والحاضر، فحين يعود الدكتور أنيس من لندن لبيع بيت خاله، باعتباره الوريث الوحيد، ويتعرف على أهمية البيت من خلال المحامية سامية والشاعر “الفاشل” والسياسي المعتقل عيسى، والباحثين الذي جلبتهم سامية لتقييم منزل خاله من الناحية التاريخية والمالية؛ حينها يعود بنا الروائي إلى أزمنة وأمكنة قديمة، ويستعرض ذلك بإسهاب كبير، وبحديثٍ طويل عن بيت حدد وسيف الإله حدد، والذي لا يُقهر أبداً من يحمله، ويفترض بالرواية هنا أنها تسرد أصل الإله “الماضي” ليكون عوناً للثورة السورية “في الحاضر”، ولكن ذلك لا يحصل؟

نجد الإله حدُدُ ثانية في الجامع الأموي، حينما تذهب إليه الدكتورة ليل، المخذولة من زوجها وأسرتها، حيث تتعرض لمحنة كبيرة، بسبب دعوة عشاء ومشاعر عاطفية مفاجئة وقبلة وحيدة على جبل قاسيون. مشكلتها تبدأ مع مراقبة الأمن لها من قبل عناصر الطبيب سابقاً وضابط الأمن لاحقاً عباس جوهر، ومن ثم تسريب المعلومة لكل من الدكتور سعد الدين وزوجها عادل، وهنا تصبح ليل مخذولة من الجميع، وعليها أن تدفع ثمن ذلك لزوجها وترضي شهوات الدكتور سعد الدين، والذي يَعدُ زوجها بشراكةٍ في مشفى جديد، وسيعود عليه بأموالٍ طائلة. الإله حدد أيضاً يوجد له مقام في الجامع الأموي، والذي تخرج منه مظاهرة للإطاحة بالنظام. لندقق هنا: فبيت خاله يصبح مكاناً لخلية من الشباب الثائر، ومن الجامع تخرج مظاهرة كذلك، وبالتالي ربما أراد الكاتب هنا إيجاد رابط بين المكانين، والقول إن الإله حدد يثور مجدّداً، ولا بد أن ينتصر. طبعاً نهاية الرواية تعاكس تماماً أهمية الإله حدد؛ فالمنزل يباع من قبل الدكتور أنيس لرجلٍ إيراني “كراماني” وكأنّ الكاتب يريد القول لقد فشل الإله حدد حامي دمشق، واستولى الإيرانيون على البلد؛ هنا يبدو في الأمر تناقض، فكيف يفشل الإله حدد في الوقوف مع أهل دمشق وينصرهم؟

تسير الرواية بعدّة خطوط سردية، وتتحكم بها شخصيات أساسية وهي الدكتور أنيس من ناحية، والمخرج الإعلاني فيديل/فضل من ناحية أخرى. تعيش الشخصيتان خارج سورية وتعودان لأسبابٍ مختلفة. أنيس لبيع منزل خاله، وهنا يتعرف على التاريخ والثورة، وواقع البلاد الغارقة بالفساد والطائفية والهيمنة الإيرانية، وتنشأ علاقة حب مع المحامية سامية تبقيه في البلاد، ويعايش سنوات الثورة، وتحولها إلى مسلحة، ولاحقاً إلى مناطق محكومة من أصوليين متطرفين وجهاديين أكثر تطرفاً. فيديل المتخم بالملذات في دبي، له حكاية أخرى وتتطوّر علاقته بليل لتكون عشقه الحقيقي وكذلك تبادله ليل ذلك في دبي وتعود لاحقاً إلى سورية لتنقذه من داعش، ولكنه الأخير يقتله بينما يتم تهريب ليل، وتكون قد حملت في أحشائها ابنا لها وتنجبه في لندن وتسميه فيديل. قد يستغرب القارئ كثرة السرد الخاص به؛ فمنذ لحظة ولادته لأبٍ شيوعي وأم تقليدية عائلتها متدينة، الأب ذاك يتعرض للاعتقال، ويخرج لاحقاً مهيض الجناح، وينتحر أخيراً. فيديل يسميه والده على اسم فيديل كاسترو، ولكن والدته وأخواله يسمونه فضل، لأنه وُلد سليماَ ولم يمت أو يكون بمرض كأخوته. استطرد الكاتب هنا، فهو يلاحق فضل منذ ولادته، وكيف تتصارع الشخصية الدينية والعلمانية داخله. لا أعرف لماذا هذا الاستطراد بشخصية فيديل، رغم أنه لا ينتمي إلى الثورة، بل وحتى حينما عاد في المرة الثانية ليخرج عنها فلماً ويكفر فيه عن مجيئه الأول لسورية من أجل تغطية إطلاق مشفى لكبار رجالات السلطة! وحتى في زيارته الثانية هذه، يقبل عرضاً من تنظيم داعش ليخرج له أفلامه وإعلاناته؛ أي أن فيديل يمثل ذاته ولا يمثل نموذجاً للمجتمع أو للثورة، ولكن دون شك شخصيته وفقاً للرواية محبوكة بشكل متميز، وخطها الدرامي ليس متضارباً.

الدكتور أنيس بدوره ليس له دور فاعل في الثورة، وكل ما عاناه بسبب علاقته بالمحامية سامية. يتم اعتقال أنيس في المرة الثانية بسبب زيارته إلى سامية في الغوطة بعد أن اضطرت للهرب خوفاً من الاعتقال. سامية محامية علوية، وباكتشاف أن علاقة الدكتور والمحامية ليست شرعية أي زواج، يتم تهديدها وكذلك وبوقتٍ أخر، تهّدد لأنّها علمانية وعلوية؛ يعود أنيس لدمشق فيُقبض عليه، وهنا لا يخرج أبداً من الاعتقال إلا بصفقة تبادلٍ، وذلك بعد أن يمضي أوراق بيع بيت حدد للإيراني السيد كراماني. طبعاً أنيس يتعرض لتعذيب وحشي، ثم يُجبر على العمل مع شخص اسمه الشيف، والذي سيُقتل لاحقاً كما يرد في آخر الرواية، وتُلصق به تهمة “إرهابي يمارس تجارة الأعضاء البشرية”، وذلك لأنه يجرد السجناء من أعضائهم الداخلية، ولصالح مافيات في السلطة؛ فيتدبر الشيف له صفقة يبيع بموجبها المنزل، ويبادله بسامية التي أصبحت معتقلة لدى جماعة متطرفة ربما النصرة، فيسلم أنيس لداعش ويُطلق سراح سامية.

الحقيقة أن الرواية لا تقارب الواقع قبل الثورة إلّا من زاوية السياسة، ولهذا توثق للمظاهرات الأولى ولمن قام بها، وكيف بدأت الثورة في الداخل والصفحة التي حاولت إدارتها من الخارج؛ ولكن تلك القضايا لا يتم التطرق إليها إلا بشكل عرضي وهامشي، وعبر جمل محدودة في بعض فصول الرواية؛ كالكلام عن الجفاف ووجود ثلاثة ملايين سوري مفقر في الرقة وكذلك عن بيع العقارات في درعا، وكذلك مجموعة الشباب في بيت حدد وهم يناقشون أوضاع الثورة وتغطيتها، ولاحقاً من خلال المجموعة الثورية التي تذهب إليها سامية، ولاحقاً تذهب ليال إلى مجموعة أخرى لتصل إلى فيديل عند داعش.

تكاد لا تظهر أسباب ما قبل الثورة وفعاليات الثورة في الرواية. فلنلاحظ مثلاً المجموعة التي تستقبلها ليال في منزلها؛ فهناك عباس الطبيب وقد أصبح ضابط أمن، وعادل زوجة ليال ولا علاقة له بالثورة بشكل مطلق، وكذلك عيسى وسامية وزوجة عباس؛ المجموعة هذه تفرقها انتماءاتها للثورة أو السلطة. ورغم محاولة رسم شخصيات روائية أساسية كسامية وعيسى مثلاً، وشخصيات سلطوية كسعد وعباس، فإن الرواية لا تقنعنا بأنها تقدم أسباباً للثورة؛ لا نتكلم هنا عن الواقع الحقيقي بل عن الواقع الخيالي الذي يصنعه الروائي.

صحيح أن الدكتور سعد الدين فاسد، وطائفي، وعباس ضابط أمن ومنحاز للسلطة، والاثنان يعملان مع الإيرانيين كما أوضحت الرواية، لكن الرواية لا تقدم أسباباً كافية لانطلاقة الثورة وتطوراتها؛ وهنا تفشل خيوط الرواية في تقديم أفكار وتصورات مقنعة للثورة ولتطوراتها. ولنلاحظ مثلاً الخطأ الذي يقع به الكاتب، فيقول إن كل ضابط في الأجهزة الأمنية ليتم ترفيعه من عقيد لرتبة عميد يجب أن يخضع لدورة دينية ويجب أن يكون علوياً، فبينما لا شيء من هذا الأمر صحيح بالواقع؛ فهناك احتكار لقيادات الأجهزة الأمنية لأفراد محددين من الطائفة العلوية، ولكن ذلك لا يتم بعد دورة دينية.

تتضمن الرواية كلاماً على لسان شخصياتها وتتناول قضايا كثيرة تخص الثورة وتطوراتها، وكثير منها مكتوب بشكل تقريري، وحينما يسرد الروائي قصصاً تخيلية تظل بعيدة عن إقناعنا كأسبابٍ لاندلاعها، كما الحال حين يسرد واقعة كتابة الأطفال على الجدران في درعا، والحريق الذي يشتعل بسبب ماس كهربائي، ثم يتطور الأمر نحو اعتقالات الأطفال، ويليه سرد كيفية بدء الثورة في درعا. كان بإمكان الرواية أن توثق أو تقدم الأمور بشكلٍ تقريري وبشكل أدق، ولكن هذا أمر صعب على من لم يعايش الثورة في سورية. إن المراوحة بين التقريري والتخييلي لا يُقدم لنا أية أفكار جديدة أو حبكة قصصية أو إثارة للقارئ تدهشه أو تفرض عليه متابعتها بشكلٍ حثيث. ربما كان الكاتب يريد عرض الواقع، ولكن ذلك ظل هامشياً لأن الكاتب لم يتطرق لأسباب الثورة كما ذكرت، والواقع الذي كان يعيشه الناس، ولم يظهر ذلك على لسان الشخصيات بكل الأحوال؛ بل لا نجد شخصية واحدة تمثل مدينة درعا مثلاً.

يهرب الروائي عبر تقطيع عمله إلى فصول، وربما هذا أمر أكثر عملية كي لا يكون نصاً متصلاً، ويقوم بدلاً من ذلك بكتابة روايته على شكل مشاهد سينمائية. وهو ما يُسهل له القطع والوصل والانتقال عبر الأزمنة والأمكنة والشخصيات بسهولة بالغة. أقصد هنا أن الرواية تتطلب التفصيل بينما السينما تكتفي بالتكثيف، فهي قائمة بذاتها، بينما النص السينمائي ليس كذلك.

يخطئ الروائي بتسمية روايته ببيت حدد لما عرضناه أعلاه، وليس من شخصيات تمثل الثورة إلا نادراً وتحديداً سامية وعيسى. ولكن الرواية ربما تقدم لنا نصاً يوضح بعض ممارسات السلطة، وما فعلته. ربما يمكننا القول إن الرواية تمثل عالم السلطة أكثر مما تمثل عالم الثورة، وذلك من خلال السرد الطويل عن المحامي وعباس وسعد والشيف وعمران وحتى فيديل.

الرواية صادرة عام 2017، وعن دار الآداب اللبنانية، ورُشحت لجائزة بوكر عن القائمة الطويلة للروايات،. كاتبها الشاعر والروائي والإعلامي السوري فادي عزام.