السوريون وحلم الجنسية التركية

السوريون وحلم الجنسية التركية

“هام جداً للسوريين الراغبين في الحصول على الجنسية التركية”، و”هذا ما عليك معرفته للحصول على الجنسية”، “كل ما تحتاج معرفته عن الجنسية التركية”، تبدو هذه العناوين الرنانة هي الأكثر جذباً اليوم للسوريين المقيمين في تركيا والذين يُقدر عددهم بثلاثة ملايين ونصف المليون، حصل نحو ٥٥ ألف منهم على الجنسية التركية حسب تقرير اللجنة الفرعية للاجئين في تركيا. ويسعى أغلب الباقين للحصول عليها أيضاً، وخاصة أن الدولة التركية تفتح المجال أمامهم لذلك مع إمكانية حفاظهم على الجنسية السورية.

وأصبح حلم المواطنة التركية أكبر الأحلام للسوريين المقيمين فيها، وخاصة في ظل الصعوبات والتعقيدات التي يواجهونها لاستخراج الوثائق الثبوتية، من إصدار جواز سفر جديد، أو تثبيت زواج أو تسجيل مولود، وما إلى ذلك، وقد أصبحت هذه الأوراق عبئاً ثقيلاً ومكلفاً ولعنة تلاحقهم أينما حلّوا.

“أرغب بالحصول على الجنسية لأن ذلك يساويني بالمواطنين الأتراك، وبالتالي أتخلّص من جملة من القوانين المعيقة لحرية التنقل والتملّك وغير ذلك”، هذا ما قالته الصحفية السورية سوزان محمد، والتي تقيم في مدينة بورصة التركية منذ حوالي الأربع سنوات، وتضيف سوزان “في المدى المنظور لا أمل لدي بالعودة إلى سوريا، وغالبية السوريين الموجودين هنا يرغبون بالحصول على الجنسية لأنها تمنحهم حقوق المواطن التركي وتضمن لهم الدخول لعشرات الدول بلا تأشيرة، فضلاً عن تخلّصهم من عبء القوانين الخاصة بالإقامات وأذونات العمل.”

ويمنح الجواز التركي حامله إمكانية السفر لـ ٧٠ دولة في العالم دون الحاجة للحصول على الفيزا، كما أن الحصول على تأشيرات الدخول لحامله لا تقارن بصعوبة حامل الجواز السوري.

وأثرت معيقات السفر هذه على العلاقات الاجتماعية بين السوريين المُهجّرين، إذ تقام كثير من الزيجات دون وجود الأهل، بسبب عدم مقدرة الأبناء على إقامة مناسباتهم في سوريا لأسباب أبرزها أمنية ومادية، وعدم قدرة الأهل على السفر بسبب التأشيرات الصعبة، كذلك لا يتمكن معظم الأهالي من رؤية أحفادهم من المواليد الجدد، سوى عبر برامج الاتصال المجانية مثل السكايب والواتساب التي تنقل الصوت والصورة وتسهم بتقريب المسافات.

أما عن الحياة في تركيا، فبعد خروج ملايين السوريين نحوها، بات الاندماج في المجتمع الجديد أمراً حتمياً عليهم سواء من حيث اللغة، أو الزواج، أو العادات والتقاليد، والبعض وصل به الأمر “حد التجانس والتطبع الكامل بطباعهم” بحسب الشاب محمد الحمصي الذي يقيم في اسطنبول، ويعمل في مجال تجارة العقارات، ويضيف محمد “بالفعل انجذب الكثير من الشبان للحياة في تركيا، وكان لكل واحد منهم سبب يخصه فمنهم من أعجبته مجالات العمل، وآخرون انبهروا بالحرية الشخصية، أو نمط الحياة المنتظمة، ناهيك عن الرفاهية التي شعروا بها سواء على مستوى تنظيم الشوارع أو وسائل النقل العامة، ووسائل الراحة الأخرى.”

ويتابع الحمصي “بالنسبة لي كشاب سوري حالي كحال الغالبية العظمى من المهجّرين من الوطن، نحبّه ونتعلق به لأننا لم نغادره طواعية بل مُكرهين، ولكن من الضروري لنا الحصول على جنسية أخرى لأن الكثير من الأمور حُرّمت علينا بسبب جنسيتنا كسوريين، الكثير من أصدقائي حصلوا على الجنسية التركية غالبهم طلاب لقد كانوا سعداء واستفادوا كثيرا منها، وآخرون من أصدقائي كان لديهم رأس مال بسيط واستطاعوا أن يشتروا بيتاً صغيراً يخلّصهم من أعباء الإيجار، وقسم منهم قام ببعض المشاريع دون أن يتم تسجيلهم كأجانب.”

العديد من السوريين حصلوا على الجنسية بالبحث عن أصول تركية ضمن أشجار عائلاتهم كما حدث مع السيدة نور والتي غيّرت كنيتها لتصبح أوغلو، بعد حصولها على الجنسية التركية منذ سنة. تقول نور إن جدّتها من طرف والدها تركية الأصل، ولدى العائلة أوراق تثبت ذلك، “قدمنا هذه الأوراق للحكومة التركية في ولاية غازي عينتاب حيث أُقيم، وبعد التحقق والتأكد من قِبلهم تمّ قبول الطلب، ولكن الموضوع أخذ طبعاً فترة ليست بالقليلة وقمنا بتوكيل محامي من أجل ذلك” تروي نور.

وتشير أوغلو إلى أن حياتها اختلفت كُلياً بعد حصولها على الجنسية، وخاصة أنها حرصت على تعلّم اللغة، وهي تعمل اليوم في إحدى المؤسسات التركية الثقافية، وبدأت فعلاً بالاندماج الحقيقي مع المجتمع الجديد غير مخفية إعجابها الشديد بالحقوق الواسعة التي يمنحها القانون للمرأة التركية.

ويتمتع السوري المجنس حديثاً، بجميع الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية التي يكفلها الدستور التركي للمواطنين الأتراك، من حق الانتخاب والترشح وتقلد الوظائف العامة والعمل وحق التملك، هذا إلى جانب إمكانية تعديل الشهادات وممارسة مهن محظورة على الأجانب مثل المحاماة، الصيدلة، البيطرة، القبالة، الأمن الخاص والعام للمنشآت، المهن البحرية، والتخليص الجمركي.

الصحفي عبد الحميد سلات والذي وصل الآن للمرحلة الرابعة في الجنسية التركية قال: “أنا مقيم في ولاية هاتاي منذ أربع سنوات وحصولي على إقامة العمل ساعدني كثيراً للحصول على الجنسية، حيث اتصلت دائرة الهجرة بي منذ سنة تقريباً، وطلبت مني تقديم أوراقي للحصول على الجنسية، أجريت مقابلة وتم إقرار منح عائلتي أيضاً الجنسية التركية كوني متزوجاً .

وينوّه سلات إلى أن أي سوري حاصل على إقامة العمل منذ أكثر من خمس سنوات يحق له قانونياً التقديم للجنسية، ولكنه يشير إلى أن الحظ حالفه واتصلوا به قبل إتمامه المدة المطلوبة، وهو ينتظر في الوقت الحالي الحصول على الجنسية التركية الاستثنائية.

أما الشاب حسين بصبوص الذي يقيم في اسطنبول فيقول “لو سألتني هذا السؤال قبل ست سنوات، عندما كانت الثورة في أوجها، لكانت الإجابة لا، لكن بعد الانكسارات التي حدثت والحالة السياسية والوضع المبهم الذي وصلت إليه البلاد، أصبحت أسعى فعلاً للحصول على الجنسية التركية، فكلمة لاجئ تحرم الكثير الإنسان من الحقوق، أهمها الضمان الصحي، حيث يضطر السوريون لدفع مبالغ كبيرة لقاء علاج بعض الحالات الصحية، لأن الدولة لاتتكفل بها.” ويضيف بصبوص “نحن كسوريين لا نعلم ماذا ينتظرنا، وبالنسبة لي فسأنتمي إلى أي منطقة تعطيني الأمان والعمل والحياة الكريمة، سوريا حرمتني كل شيء للأسف.”

وحول فتح باب التجنيس للسوريين من قبل الدولة التركية، يقول رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار، المحامي علي رشيد الحسن: “تقوم تركيا بالانتقال تدريجياً من مرحلة الضيافة للسوريين إلى مرحلة الدمج المستدام، وخاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يملكون شهادات علمية عليا وخبرات ومؤهلات مهمة في سوق العمل، لأن ذلك يؤدي بالضرورة للتأثير إيجاباً على الاقتصاد التركي وخاصة بعد دخول السوريين في الأسواق التجارية والصناعية، وضخ رؤوس أموال كبيرة من قِبل التجار، ما جعل تركيا تسرع في تجنيس السوريين.”

ويشير الرشيد إلى أن موضوع تحديث البيانات الذي طلبته دائرة الهجرة من السوريين مؤخراً، كان بهدف معرفة حملة الشهادات ومعرفة الأشخاص والعائلات من أجل ترشيحهم للحصول على الجنسية الاستثنائية، لافتاً إلى أن أكثر الأشخاص المؤهلين للجنسية هم أصحاب الشهادات وإقامات العمل، وإضافة الى معيار التزكية الجديد، هذا بالنسبة للأشخاص العاديين.

معلومات حول الأرقام التي تم ذكرها في المادة إضافة إلى بعض الصور من دائرة الهجرة حول الجنسية التركية.

العنف الأسري وآثار الحرب في محافظة إدلب

العنف الأسري وآثار الحرب في محافظة إدلب

لم تعد ليلى (٣١عاماً) من ريف إدلب تطيق العيش مع زوجها الذي يعنفها باستمرار، لذا قررت أخيراً مغادرة المنزل والتوجه للعيش مع أهلها، واتخذت ليلى هذا القرار بعد الكثير من التردد والتحمل والصبر على أذية زوجها لها.

تروي ليلى ما حصل لها فتقول: “تعرضت إلى كل أنواع العنف من قبل زوجي، فهو يصفعني وينهرني باستمرار أمام أولادي، وكثيراً ما بقيت حبيسة المنزل لأيام، حتى لا يلاحظ أحدهم آثار الضرب على وجهي”، وحاولت ليلى مراراً إخفاء مأساتها و عدم الكشف عما تتعرض له من عنف منزلي من أجل أبنائها، ولئلا تخسرهم.

وفي قصة مشابهة، تحملت آلاء (٢٦عاماً) من مدينة ادلب هيمنة الثقافة الذكورية، وخشيت من التبليغ عن العنف الممارس ضدها بسبب الضغوطات المجتمعية، حيث تحملت جنون زوجها ومزاجه الصعب حتى لا يقال عنها كلمة “مطلقة” وعن ذلك تتحدث قائلة: “كان زوجي يعنفني بشدة من ضرب وإهانات وكلما تحدثت إلى أهلي عن وضعي المأساوي طلبوا أن أكبح مشاعري وأقبل مصيري المرير، لأن المجتمع لا يرحم المطلقة، ولا تتوقف ألسنة الناس عن الخوض في الحديث عنها. “تبين آلاء بأن زوجها استغل سكوتها المتكرر عن كل ما يفعله بها ليصل به الأمر أخيراً إلى طعنها بسكين في بطنها، قبل أن يقوم بإسعافها إلى أحد المشافي والفرار هارباً، واضطر الأطباء لاستئصال الطحال وجزء من الأمعاء من جسدها، لتعيش بقية حياتها طريحة المرض بعد أن كادت تفقد حياتها.

ولا تقتصر معاناة السوريات على عنف الزوج فحسب، فبين أب صارم ومجتمع مجحف وقوانين تحرم المرأة الكثير من الحقوق، عانت خديجة (١٥ عاماً) من إحدى قرى ريف إدلب من العنف الأسري بسبب والدها الذي أجبرها على ترك المدرسة والزواج في سن مبكرة وعن ذلك تقول: “اضطررت لتوديع عالمي الطفولي وترك تعليمي لأجبر على الزواج من رجل يكبرني بعشر سنوات، لأن أبي يردد دوماً أنه ليس للمرأة في الحياة سوى منزل زوجها.”

ألقت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الأسرة السورية خلال سنوات الحرب بظلالها على علاقة أفراد الأسرة مع بعضهم، وأدت لتنامي ظاهرة العنف الأسري وتنوعت أشكاله من الإهمال والتوبيخ إلى الضرب والتعذيب. وقد ازدادت في الآونة الأخيرة ظاهرة تعنيف المرأة والطفل في المجتمع السوري بسبب عوامل نفسية وموروثات اجتماعية إضافة إلى الضغوط المعيشية المرتبطة بالحرب والتبدلات الثقافية والاجتماعية. ويتم العنف الأسري عبر ممارسات عديدة كالاعتداء الجسدي مثل الصفع والضرب والتهديدات بواسطة السلاح والاعتداء الجنسي، كما يشتمل على الإساءة النفسية كالتخويف والاضطهاد والإيذاء الاقتصادي كالحرمان من الأموال والغذاء والاحتياجات الأساسية والرعاية الصحية والعمل.

تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة ريم الكرزي (٤١عاماً) من معرة النعمان “يعد العنف الأسري من أخطر أنواع العنف الذي تتعرض له المرأة، وخصوصاً أنه يحصل عادة في المنزل وهو المكان الذي يفترض أنه الحيز الأكثر أماناً بالنسبة لها، وهو يؤثر سلباً على حياتها وصحتها الجسدية والنفسية، ولكن في ظل الثقافة المجتمعية السائدة يظل العنف ضد المرأة أمراً عائلياً بحتاً، ولا يتم التبليغ عن معظم حالاته، وفي حال تم ذلك غالباً ما يفلت الجاني من العقاب.”

الأطفال أيضاً لا يسلمون من التعنيف الأسري، الذي ازدادت شدته وقسوته مع ظروف الحرب الضاغطة التي خلفت آثار سلبية إضافية على نفسية الأطفال وشخصياتهم وتأخرهم الدراسي.

فمثلاً يتحدث الطفل وليد (١٠ سنوات) من ريف إدلب بحزن عميق عن معاملة والده السيئة له وخاصة بعد انفصاله عن أمه وزواجه من أخرى تكره وليد وتعامله بقسوة فيقول: “انفصل أبي عن أمي منذ سنتين وتزوج كل منهما، وكنت من نصيب والدي الذي يضربني ويسيء معاملتي، وليست معاملة زوجته لي بأفضل حال منه.”

أما الطفل كامل (١٢ عاماً) من ريف إدلب فيعيش في كنف عمه بعد وفاة والديه في الحرب، ويشكو من سوء المعاملة قائلاً: “عمي لا يحبني ويعاملني معاملة سيئة تختلف عن معاملته لأولاده، كما أجبرني على ترك المدرسة لأتوجه نحو العمل لمساعدته في إعالة الأسرة، فأصبحت أعمل في ورشة لتصليح الدراجات النارية، لكنني أعمل لساعات طويلة بأجر زهيد، كما أتعرض باستمرار للضرب والتوبيخ من قبل صاحب الورشة، فهو يستغل كوني صغيراً ويتيماً وغير قادر على المطالبة بحقوقي.”

ويتعرض الأطفال للعنف الأسري في ظروف النزوح بشكل خاص، حيث يُسبب الخوف وانعدام الأمان للكثير من الآباء والأمهات اضطرابات نفسية ينقلونها إلى أطفالهم بالتعنيف الجسدي أو اللفظي. وينقل الأطفال أيضاً فيما بينهم هذه المشاعر السلبية فتغلب العدوانية على صفاتهم، وهي التي تشكل أحد أسوأ انعكاسات العنف الذي يمارس ضدهم.

يتحدث عبيدة أبو زيد (٣٩عاماً) وهو أخصائي صحة مجتمعية وأحد المسؤولين عن مركز للتأهيل النفسي بريف إدلب عن خطر العنف ضد الأطفال قائلاً: “لا بد أن يحصل الطفل خلال مرحلة الطفولة على كافة حقوقه، ويجب الابتعاد عن العنف في معاملته، فالعنف ضد الطفل سواء بشكل معلن أو غير معلن يهدد أمنه وسلامته، وسوف يبقى راسخاً في ذهنه مدى الحياة، ويتسبب له بمشاكل عديدة وأزمات نفسية كالعدوانية والاكتئاب والانطواء على الذات.” ويشير أبو زيد إلى ضرورة القيام بحملات توعية للأهل لتعريفهم بالعنف الأسري وخطورته على أطفالهم، إضافة إلى إخضاع الأطفال لدورات علاج نفسي للتخفيف من معاناتهم.

وعن أساليب علاج الأطفال الذين وقعوا ضحية العنف الأسري، فيبين أبو زيد أن العمل مع الأطفال يتم وفق نوعين من الجلسات: جلسات جماعية تتضمن ألعاباً تفاعلية وإرشادات عامة حول السلوكيات الصحيحة، إضافة إلى جلسات فردية، تقوم على تقديم الإرشادات والتوجيهات الضرورية لتعديل أي سلوك خاطئ لدى الطفل، وتزرع فيه الطمأنينة والأمل، وخاصة أن أعوام العنف وإراقة الدماء في سوريا أدت إلى أزمة في الصحة العقلية بين أطفال سوريا سيستمر تأثيرها لعشرات السنين. إذ يعاني الأطفال على نحو متزايد من الخوف أو الغضب وخاصة من فقدوا أقرباءهم أو تعرضت منازلهم للقصف أو تعرضوا للإصابة، حيث تظهر عليهم أعراض اضطراب شديد في المشاعر ويفتقرون إلى الدعم النفسي.

وأطلق العديد من الناشطين والحقوقيين صرخاتهم للحد من ظاهرة العنف الأسري، والمطالبة بالعدالة والمساواة التي كانت من أولى مطالب المحتجين منذ انطلاقة الثورة السورية. فقد حاربت الشابة آلاء الخضر (١٨ عاماً) العنف الأسري بطريقتها الخاصة، حيث خصصت معرضها الذي أقيم في مدينة الباب بريف حلب الشمالي في شهر يوليو/حزيران من العام الحالي لموضوع العنف الأسري وعن ذلك تتحدث قائلة: “ضم المعرض ١٢ لوحة رسمتها بأسلوب تعبيري، لتظهر أشكالاً مختلفة من العنف الأسري، وبخاصة الممارس ضد الأطفال والنساء.”
وعن سبب اختيارها لهذا الموضوع تضيف الخضر: “رأيت العديد من الحالات المتعلقة بالعنف الأسري سواء الجسدي أو اللفظي، لذلك أردت تناول هذا الموضوع الذي يؤثر بشكل سلبي على المجتمع من خلال لوحات بسيطة فنياً وتقنياً، ولكنها في الوقت نفسه تحمل الكثير من الدلالات والأفكار.”

وأصبحت حقوق المرأة والطفل في ظل الحرب السورية عبئاً ثقيلاً على آذان الكثيرين، لكن ظروف الحرب القاسية وآثارها السلبية على الصحة النفسية والجسدية لأفراد الأسرة تستوجب الانتباه لقضية العنف الأسري وتشكيل آليات لمحاولة التخفيف من هذه الظاهرة ومساعدة ضحايا هذا النوع من العنف على الشفاء والاندماج بالمجتمع، فمحاربة العنف الأسري يساهم بتعافي كافة المجتمع.

الواقع الجديد لجنوب سوريا

الواقع الجديد لجنوب سوريا

سيطر النظام السوري في نهاية يوليو/تموز الماضي ٢٠١٨على كامل جنوب غربي سوريا بدعم جوي روسي، وتخلل العمليات التي استمرت لمدة شهرين ونصف اتفاقيات مع فصائل المعارضة جنوب سوريا.

وترافق تراجع الأعمال العسكرية في المناطق الجنوبية مع انتشار حواجز لقوات النظام على مداخل ومخارج معظم القرى والبلدات التي سيطر عليها، مما أثار قلق الأهالي من ارتكاب قوات النظام لمداهمات واعتقالات بحق المدنيين، كما حصل في قرى وبلدات الحارة واللجاة في درعا.

وأدت الأعمال العسكرية التي سبقت سيطرة النظام على الجنوب لنزوح مئات العائلات عن قراها، خوفاً من القصف والمعارك التي كانت مشتعلة في المنطقة قبل اتفاق فصائل المعارضة على التسوية مع الجانب الروسي. يقول أحد سكان ريف درعا “إن غالبية الأهالي التي كانت مهجرة من قراها وبلداتها عادت إلى منازلها، وسط نقص حاد بالخدمات الصحية، والبنية التحتية؛ فالقصف والمعارك في المنطقة خلفت دماراً هائلاً، سواء بالأبنية السكنية أو المرافق العامة كالمدارس والنقاط الطبية، وتسببت بتقنين الكهرباء وتدمير عدد كبير من المنازل والمدارس، كما تعرضت منازل المدنيين لعمليات التعفيش والسرقة”.

و لم يف النظام بالوعود التي قدمها خلال عمليات التفاوض بإدخال الخدمات إلى المناطق التي سيطر عليها، فالكثير من المدارس المدمرة مازالت تنتظر عمليات الترميم، كما تحتاج البنية التحتية للإصلاح كالكهرباء. فرغم عمل ورشات الكهرباء على إصلاح العديد من محطات التوزيع إلا أن الكهرباء مازالت تعمل وفق نظام تقنين قاسي، حيث تحصل كل منطقة على ساعات محددة من الكهرباء لتنقطع بقية اليوم. وأما الطحين، فهو يصل إلى المناطق الجنوبية، إلا أن الأفران التي تعرضت للتدمير نتيجة القصف لم تُرمم بعد، وبهذا لا يمكنها تأمين الخبز الكافي للسكان، مما يفرض عليهم السفر يوماً إلى المناطق المجاورة لتأمين الخبز. ويعترض حاجز النظام من يحمل كمية كبيرة من الخبز لمنع بيعه داخل درعا.

المحروقات أيضاً يتم توزيعها على المحطات المتواجدة في المناطق الخاضعة لاتفاق المصالحة والتسوية بشكل غير منتظم، حيث تحصل بعض الكازيات على طلبها دون مناطق أخرى، وتتدخل المحسوبيات والواسطة لحصول صاحب الكازية على طلبيته والاستعجال بها.

ومازال الأهالي في بعض المناطق يعتمدون على شراء مياه الآبار للشرب، فشبكات المياه لم تتم صيانتها حتى الآن.

أما الحركة التجارية في جنوب سوريا فهي تقتصر على المواد الغذائية والتموينية، نتيجة سهولة وصولها من العاصمة دمشق، إلا أن أسعارها مازالت كما كانت أثناء الحصار فما يزال بعضها يباع بضعف سعرها الحقيقي.

حركة إعادة الإعمار تبدو بسيطة وخفيفة في بلدات ريف درعا وهي تقتصر على ترميم منازل بجهود شخصية وعمدت بعض العائلات التي دمرت بيوتها بالكامل للسكن في منازل المغتربين في المنطقة، أو إلى استئجار منزل آخر.

يقول أحد سكان درعا إن “الوضع الأمني حتى غير مستقر”، فقد اعتقل النظام خلال الأشهر الأولى من سيطرته حوالى ١٣٠ شخصاً بحسب مصادر محلية، منهم عناصر من فصائل التسويات أو مدنيين وجلهم من منطقة اللجاة.

يبرر النظام الاعتقال بعد “تسوية الوضع” بوجود ادعاء شخصي على المعتقل، ومسألة الادعاء الشخصي لا تشملها التسوية الأمنية للشخص.

وتقول الفصائل المفاوضة إنها تضغط على الجانب الروسي للمطالبة بالمعتقلين، إلا أنه لم يتم الإفراج إلا عن بضعة معتقلين من مناطق الجنوب آخرهم الشاب علاء أحمد الصياصنه ابن الشيخ “أحمد الصياصنه” خطيب الجامع العمري في مدينة درعا البلد، وأفرج عنه بعد اعتقال دام سبع سنوات.

روسيا في الجنوب

فيما يتعلق بالوجود الروسي، تجوب شوارع درعا بشكل شبه يومي دوريات الشرطة العسكرية الروسية.

ومن اللافت أيضاً مشاهدة عناصر من فصائل المعارضة سابقاً يجلسون على حاجز مع قوات النظام السوري في معظم المناطق التي خضعت للمصالحات. يقول أحد عناصر هذه الفصائل “إن بعض العناصر فضلوا البقاء ضمن الفصيل و في بلداتهم بدلاً عن تهجيرهم إلى إدلب، ولحماية المدنيين من تجاوزات حواجز قوات النظام السوري التي انتشرت في المدن والبلدات.”

وتلقت فصائل المعارضة بعد سيطرة النظام، عروضاً لجعلها قوات رديفة للجيش السوري، إما بانضمامها لـ”لفيلق الخامس اقتحام” الذي تشرف عليه روسيا، أو الانضمام إلى “الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، أو “قوات الهجانة” حرس الحدود، أو الانضمام بعقود مؤقته لمدة سنة إلى فرع الأمن العسكري.

ويقول العنصر إن روسيا سعت لكسب الفصائل التي وقعت على التسوية في الجنوب نظراً لبقاء عدد كبير من عناصرها في درعا ورفضهم التهجير ولإبعاد ميليشيات إيران و”حزب الله” عن المنطقة بحسب التعهدات الروسية التي قدمتها قبل الاتفاق.

ووافقت روسيا على طلب فصائل بريف درعا الغربي يقودها أبو مرشد البردان بتشكيل قوات من الفصائل بإدارة مباشرة من قاعدة حميميم ومستقلة عن “لفيلق الخامس – اقتحام” الذي تشرف عليه روسيا في سوريا، كما سمحت للمدنيين بالانتساب إلى هذا الفصيل الجديد، سواء من المتطوعين أو المتخلفين عن الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في جيش النظام السوري.

ويتلقى هذا التشكيل الجديد أوامره مباشرة من قاعدة حميميم الروسية، أما شرط روسيا للموافقة على هذا التشكيل فهو مشاركته في قتال تنظيم داعش في كافة الأراضي السورية.

أما الفصائل في ريف درعا الشرقي فيقودها أحمد العودة الذي انضوى وعناصره ضمن الفيلق الخامس اقتحام، وشاركت عناصره في المعارك الدائرة في بادية السويداء ضد تنظيم داعش.

وتسعى روسيا لإعادة فصائل الجنوب إلى إدارتها لعدم ترك الساحة في الجنوب لأطراف أخرى، ورغبة منها في أن يكون جنوب سوريا نموذجاً للدفع بعجلة المصالحات في بقية المناطق الحدودية التي لا تزال خارج سيطرة النظام، وخاصة بعد أن باتت الشرطة الروسية تسيطر على معابر بين مناطق المعارضة في إدلب ومناطق النظام شمال سوريا ووسطها.

القبيسيات والثروة

القبيسيات والثروة

الجزء الثاني من بحث القبيسيات في السياق المجتمعي السوري

تمهيد

تناول الجزء الأول من هذه الدراسة نشأة القبيسيات التي يرجح أنها بداية سبعينيات القرن الماضي1، كما تناول انتشار هذه الظاهرة، أو امتداداتها، في عدد من الدول العربية (السحريات في لبنان جمعية “بيادر السلام” المعروفة في الكويت و”الطباعيات” في الأردن وبنات فدوى في فلسطين، أما في مصر فيُعتقد أنهن يعملن تحت اسم “جمعية الزهروان”)، إضافة للإضاءة على بداية نشاط عدد من القبيسيات السوريات اللواتي لجأن إلى لبنان بين اللاجئات السوريات في البقاع.

كما توسع الجزء الأول من تسليط الضوء على العقيدة التي تعتنقها الدعوة القبيسية من “الصوفية النقشبندية” التي أخذتها منيرة القبيسي عن مفتي سوريا السابق الشيخ أحمد كفتارو؛ إلى المكانة الكبيرة “للخالة الكبيرة” ومن بعدها “للآنسة” نظرا إلى الدور الكبير الذي يلعبه الشيخ/ة عند الصوفيين عامة، والنقشبندية منهم خاصة، انتهاء بتساؤلات جدية عن السمة الملاصقة للصوفية وهي “الابتعاد عن السياسة” وابتعاد القبيسيات، وبالتحديد قياداتهن، عن السياسة وقد كنّ ينشطن بظل تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة في المجتمع السوري كنكسة حزيران وهيمنة مطلقة للنظام الشمولي في سوريا بعد ١٩٧٠ و”توريث” رئاسة الجمهورية عام ٢٠٠٠ وهيمنة التيار الديني الأصولي الذي كان يمثله الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، وصولا إلى انتفاضة ٢٠١١ بكل إفرازاتها. نتساءل من جديد: من هن القبيسيات؟

القبيسيات والثروة

من الملفت سرعة تأقلم القبيسيات مع التطورات الاقتصادية التي كانت تحدث في سوريا، وتحت هذا العنوان يمكن دراسة السياق الاقتصادي عند نشوء الحركة واستهداف النساء الغنيات إضافة لاستخدام المال والنفوذ كعصب لحياة الحركة.

فيما يتعلق بالسياق الاقتصادي عند نشوء الحركة، ذكرنا سابقاَ أن حركة السيدة منيرة القبيسي نشأت في ظروف سياسية معقدة تفاعلت مع تغيرات اقتصادية تسببت بقلب الواقع رأسا على عقب. تمثلت هذه التغيرات بسياسات الإصلاح الزراعي والتأميم التي بدأت في عهد دولة الوحدة بين مصر وسوريا (١٩٥٨-١٩٦١)، وتعمقت أكثر بعد وصول حزب البعث للسلطة عام ١٩٦٣، خاصة بعد حركة ٢٣ شباط/فبراير ١٩٦٦ التي كانت مغرقة في “يساريتها” و شموليتها، وهي التي بدأت بتأسيس المنظمات الشعبية من أجل احتكار العمل المجتمعي وتسخيره لخدمة “أهداف الثورة” بعد أن احتكرت السياسة والاقتصاد.

المواقف المناهضة لسياسات الإصلاح الزراعي والتأميم ارتدت عدّة لبوسات سياسية واقتصادية ودينية، وكانت تختلف بحسب “الحجة” الأكثر مناسبة لـ “تجييش الرأي العام”، إلا أن الثابت بينها هو اللبوس الديني القادر- دائما- على استنهاض “الغضب والنقمة” عند شرائح المؤمنين. ينسجم هذا اللبوس مع الموقف الديني المدافع عن الملكية الخاصة، والذي يرى في الإصلاح الزراعي والتأميم “حربا حكومية شرسة، ضد الملكية الخاصة للأراضي السنية التي ورثها أصحابها عن الآباء والأجداد2. ومع أجواء “الانفراجات الاقتصادية الخجولة” التي جاءت مع استيلاء الرئيس حافظ الأسد على السلطة (١٩٧٠)، والتي عبر عنها تجار سوق الحميدية بشعار “طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد”، بدأت القبيسيات باستهداف النساء الغنيات.

استهداف النساء الغنيات

لم تكن منيرة القبيسي بعيدة عن نساء الطبقات التي خسرت جراء سياسات الإصلاح الزراعي والتأميم، كانت منهن ولا تختلف عنهن إلا بصفاتها الشخصية المتميزة التي أهلتها لتلعب دورا رائدا ومحوريا في إنشاء التجمعات النسائية الدينية لتوحيد النساء المتطلعات للتأقلم مع الأوضاع الجديدة والحفاظ على قوة مؤثرة في المجتمع، وربما لاقتناص الفرص من أجل التأثير في الاقتصاد، ولاحقا في السياسة.

تقول سلام إسماعيل في هذا الخصوص “ازدادت القوة الاقتصادية لجماعة القبيسيات أثناء الحصار الاقتصادي على سوريا في ثمانينات القرن الماضي، حيث قامت الحكومة خلال تلك الفترة باعتقال وتصفية جميع مكتنزي الأموال المشهورين من الرجال بحجج أمنية، فبقيت نساء تلك الجماعة مع ثروة هائلة غير معلنة تحت تصرفهن، وظَّفنَها لدعم انتشار الجماعة عن طريق المشاريع والنوادي الاجتماعية والأعمال الخيرية في سوريا والخليج العربي3.”

وتشير السيدة ك إلى أن القبيسيات يجتهدن في الاحتفاظ بعلاقات جيدة وتواصل دائم مع المريدات الغنيات حتى ولو سافرن خارج البلاد، “وتقول رغم أنني تركتهن إلا أن التواصل بيني وبين آنستي لم ينقطع، وهذا ما شدني إليهن ثانية عندما واجهت مصاعب في حياتي الزوجية؛ كما استطاعت القبيسيات أيضا المحافظة على تواصل ممتاز مع الشيخة منيرة زوجة الأمير مشعل بن عبد العزيز4.” وعلى الرغم من أن هذا التنظيم بات يستقطب جميع الفئات الاقتصادية، ولم يعد محصوراً ضمن الطبقة الغنية كما كان سابقاً، غير أنه ما زال مرتبطاً بعلاقات قوية مع التجار وأصحاب رؤوس الأموال في دمشق، كما تؤكد السيدة ك. كما أن المكانة البارزة للنساء الغنيات بين القبيسيات لم تمنع بعض السيدات غير الغنيات من الوصول إلى مراتب متقدمة في الحركة، وكانت أولئك السيدات يستندن إلى مريداتهن الغنيات للتقرب من النساء الجديدات. تروي ك “في مرة من المرات طلبت آنستي مني شراء هدية ولادة لنقدمها لسيدة بدأت بالمشاركة في حلقاتنا5. وتنوه السيدة ك أيضا لوجود تمييز طبقي داخل حركة القبيسيات كأن تجلس “الغنية على الكنبة بينما تجلس الفقيرة على الأرض6.

المال والنفوذ، عصب الحياة

قد يبدو أن هناك تعارضاً صارخاً بين عقيدة القبيسيات (الصوفية) التي تتسم بالزهد والترفع عن مباهج الحياة، وبين إقبال القبيسيات على استهداف النساء الغنيات اللواتي يتبارين فيما بينهن بالبذخ على ما يظهر من لباسهن، وتحديدا الحقائب والأحذية7؛ إلا أن الحقيقة تشير إلى أمور ثلاثة لا بد من أخذها بعين الاعتبار. أولها أن صورة المتصوفين في المشرق العربي باتت تختلف كثيراً عن الصورة النمطية للمتصوفين الزاهدين، وإذا استثنينا الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي8 فمن الصعوبة بمكان حصر الثروات التي يملكها أبرز المشايخ المنتمين لهذه الطائفة؛ وثاني هذه الأمور هو المنبت الطبقي للسيدة القبيسية؛ أما ثالثها فيتلخص في أن الحصول على المال ليس غاية بحد ذاتها عند الحركة القبيسية، بل هو أداة فاعلة في استقطاب المزيد من النساء وفي توسيع نشاطات هذه الحركة.

في بلد مثل سوريا المال وحده لم يكن كافياً للحركة، فالحصول عليه  يحتاج لشراكات مع المتنفذين في مواقع صنع القرار، كما أن الانفتاح الجديد باتجاه نساء المتنفذين في الدولة والحزب من أجل الجمع بين قوى الهيمنة المختلفة كان يتطلب المال أيضا، بل المزيد من المال، من أجل تقديم هدايا باهظة الثمن لنساء المتنفذين أو للمتنفذات أنفسهن9 مقابل المنافع التي قد تبدو بسيطة كتأمين الموافقة على تأسيس مدرسة خاصة أو تيسير الترخيص لجمعية غير حكومية، إلا أن تراكم هذه “المنافع البسيطة” كان قادرا على توفير أرضية مؤسساتية شرعية، ولدت فضاءات جديدة للقبيسيات للعمل بشكل رسمي ودون خوف من أية ملاحقات أمنية.

كما أن المال شكل وسيلة فعالة في العمل المجتمعي لكسب ود الفقراء بعد أن ازداد عديدهم وتعمّق فقرهم، خاصة بعد الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي واجهتها سوريا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، والتي أعقبتها سياسات الانفتاح الاقتصادي التي بدأت في ١٩٩١ وبدأت بالانهيار بعد عام ٢٠٠٠ مع بداية تحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد احتكاري. وبهذا أصبحت المساعدات المادية والغذائية التي تقدمها الجمعيات الخيرية- التي تسيطر عليها القبيسيات- سندا كافيا لسد احتياجات ملحة عجزت الحكومات المتلاحقة عن تلبيتها، بل فاقمتها أكثر وأكثر، ولم تسمح بوجود أي آلية من آليات الضمان الاجتماعي الوطنية، وأصبحت مساعدات هذه الجمعيات هي الملاذ الوحيد لأولئك الفقراء، وبالمقابل يحصل مقدمو/مقدمات، هذه المساعدات على ولاء كبير.

ولم تكن هذه المساعدات تقدم بدون مقابل، بل كانت مشروطة بطلبات الواجبات الدينية من قدوم إلى الجامع والمواظبة على الدروس والالتزام باللباس الديني (الحجاب والمانطو)، وتتعداها أحياناً إلى اشتراطات بعدم العمل أو عدم الزواج بعد ترمل المرأة. ففي حادثة تلخص ما سبق ذكره اشترطت السيدة “أم د” (من جمعية حفظ النعمة) على السيدة التي توفي زوجها وترك لها ستة أطفال صغار ألا تعمل ولا تتزوج مرة ثانية مقابل شراء بيت لها في عين ترما وأخذ ثلاثة من أولادها للميتم وتأمين معاش شهري حتى تتمكن من إعالة الأطفال الثلاثة الباقين10!

وربما، توضح هذه الشروط واحدا من أسباب انخفاض نسب مشاركة النساء في قوة العمل في سوريا، والتي كانت تتناقص على الرغم من ارتفاع نسبة النساء المتعلمات، ووصلت إلى أقل من ١٤% عام ٢٠١٠ في الوقت الذي كانت تخطط الحكومة في خطتها الخمسية العاشرة (٢٠٠٥-٢٠١٠) لرفع النسبة إلى ٢٤%.

وتضاف هنا تساؤلات جديدة عن هذه الحركة التي “لا تعمل بالسياسة” ولكنها تملك مفاتيح أبواب عصية على الفتح  في وجه الكثير ممن يُفترض أنهم متنفذون أو قريبون من المتنفذين، ولكنهم يختلفون عن أولئك القبيسيات بتوجهاتهم العلمانية. ولو افترضنا أن هناك انتخابات حقيقية ستقوم في البلاد، ودون التدخلات الأمنية، فعلى الأرجح، إن لم يكن من المؤكد، ستذهب أصوات معظم الناخبين والناخبات، خاصة الفقراء، إلى مرشحي ومرشحات من يقدّم المساعدات السخية والعديدات منهم من الحركة.

كذلك توظف حركة القبيسيات المال والنفوذ في مجال لا يمكن للاستثمار فيه أن يخيب، وهو التعليم، مما يضيف لعمل ونشاط القبيسيات بعدا استراتيجيا هاما ومؤثرا في تشكيل الهوية الفردية، وربما الهوية الجمعية عندما يتضافر هذا البعد مع نشاطاتهن الأخرى.

ولهذا سيكون التعليم موضوع الحلقة الثالثة من هذا البحث الذي يتكون من أربع حلقات، فيما ستتطرق الحلقة الرابعة لأهم الانتقادات التي توجه إلى القبيسيات من الحلفاء والخصوم، ومجموعة الاستخلاصات التي سيخرج بها البحث.

الهوامش:

1 أشار الباحث د. نبيل مرزوق، بعد قراءته للجزء الأول من هذا البحث، إلى أنه التقى بالسيدة منيرة القبيسي عام 1970 خلال عمله على جمع بيانات إحصاء عام 1970 في دمشق، وجاء لقاؤه بها في زيارته الثانية لمسكنها بعد زيارته الأولى التي فتحت له الباب وقتها شابة محجبة وقالت له: “الآنسة مو موجودة بالبيت هلق ولازم ترجع مرة تانية حتى تجاوبك”. وتؤشر هذه الشهادة إلى أن عمل السيدة منيرة القبيسي قد بدأ قبل سبعينيات القرن الماضي، ولكننا لم نصل بعد إلى التاريخ الدقيق لبدء الدعوة القبيسية.
2- ahmadjoma.blogspot.com/2013/07/blog-post
3- سلام إسماعيل، مركز برق للأبحاث والدراسات، جماعة الأخوات القبيسيات، دراسة تحليلية لنشوء وانتشار الظاهرة وتأثيراتها على المجتمع العربي ي والإسلمي
4- المرجع السابق، مقابلة خاصة لغرض هذا البحث، أجريت مع السيدة ك التي انخرطت مع القبيسيات لفترات متقاطعة، ورفضت الإفصاح عن اسمها الصريح
5- لمى راجح، رحلتي مع القبيسيات، موقع الجمهورية، عيون، 18 كانون الثاني ٢٠١٧
6- المرجع السابق، مقابلة خاصة لغرض هذا البحث، أجريت مع السيدة ك التي انخرطت مع القبيسيات لفترات متقاطعة، ورفضت الإفصاح عن اسمها الصريح.
7- قالت لي سيدة حضرت عدة لقاءات للقبيسيات إن “الآنسة صرخت مستنكرة غلاء الأحذية التي تنتعلها المشاركات في هذه الحلقة، وقالت: الكندرة مو ضروري تكون ب 500 أو 700 دولار أو أكثر، من شو بتشكي أم الميتين دولار؟! صار لي سنة ونص لابستها وعم خفق فيها من بيت لبيت ولساها جديدة.”
8- كثيرا ما يتردد في الأوساط الاجتماعية والدينية الحديث عن حالة الزهد التي كان يعيشها الشيخ البوطي وتعففه عن الحصول على الهدايا الثمينة والأموال.
9- جرت محادثة عام 2006 ضمت عضوة مجلس شعب (أ.خ) ورئيسة جمعية الندى، جمعية تديرها سيدة قبيسية (م.ر) وكاتبة البحث وجرى الحديث فيها عن تقديم هدايا ثمينة (ألماس) في مناسبات عديدة من رئيسة جمعية الندى لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وقتها من أجل “تمشاية الشغل” بحسب قول رئيسة الجمعية.
10- مقابلة مع سيدة حصلت أختها على معونة من جمعية “حفظ النعمة”.

Announcing the Syria Quarterly Report

Announcing the Syria Quarterly Report

Announcing the Salon Syria Quarterly Report: 

A new project by Salon Syria, Tadween Publishing, and Jadaliyya.

The Syria Quarterly Report is a collection of articles, summaries, and links curated by Salon Syria and Jadaliyya. This report is a collaboration that includes Salon Syria’s weekly summaries and Jadaliyya’s weekly media roundups that address the main events of that week, as well as articles about them, in relation to the Syrian conflict. The Syria Quarterly Report aims to assist in creating a selective but foundational archive of materials from 2018 onwards.

إن هـذا التقريـر الفصلـي عـن سـوريا هـو مجموعـة مـن المقـالات والملخصـات والروابـط التـي اختارهـا كل مـن موقـع صالـون سـوريا وجدليـة. وهـذا التقريـر عبـارة عـن تعـاون يشـمل الملخصـات الأسـبوعية لصالـون سـوريا والتقاريـر الأخباريـة الأسـبوعية لجدليـة التـي تعالـج الأحـداث الرئيسـية التـي تجـري أسـبوعيًا، بمـا فيـه المقـالات المكتوبـة عنهـا والتـي تتنـاول الصـراع فـي سـوريا. ويهـدف التقريـر

الفصلـي السـوري إلـى المسـاعدة فـي بنـاء أرشـيف انتقائـي وتأسيسـي للمـواد بـدءًا مـن ٢٠١8 فصاعـدًا.

 

تحديات صفقة ادلب

تحديات صفقة ادلب

خاص صالون سوريا

تضمن الاتفاق الروسي – التركي حول إدلب مقايضة موافقة موسكو على “إبقاء الوضع القائم” مقابل موافقة أنقرة على “التخلص من المتطرفين” في المنطقة الآمنة شمال سوريا، لكن لا تزال هناك تحديات وعقد أمام تنفيذ هذا الاتفاق؛ وإن كانت فيه إيجابيات، ما يدفع إلى القلق من ان اتفاق سوتشي لن يسهم سوى في استقرار الوضع في إدلب لبضعة أشهر لأنه لا يعدو تأجيلاً للمعركة وليس وأدها.

الاتفاق الذي أعلن بعد لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في سوتشي في 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، تضمن 10 نقاط بينها: إبقاء منطقة خفض التصعيد بموجب اتفاق آستانة في مايو (أيار) الماضي، وتحصين نقاط المراقبة التركية الـ12، ومنطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومتراً، والتخلص من جميع الجماعات الإرهابية في هذه المنطقة في 15 من الشهر المقبل بعد سحب السلاح الثقيل من هذه المنطقة قبل 10 من الشهر المقبل.

كما نص على قيام الجيشين الروسي والتركي بتسيير دوريات مشتركة في المنطقة الآمنة، إضافة إلى “ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية”، وفتح طريقي حلب – اللاذقية وحلب – حماة قبل نهاية العام.

في الايجابيات يمكن الحديث عن ستة

١- أدى اتفاق الحل الوسط الروسي – التركي إلى تجميد خطط دمشق لشن هجوم عسكري والبناء على الدينامية بعد السيطرة على غوطة دمشق والجنوب السوري وسط أنباء عن حشد ٢٢ تنظيما مواليا لإيران عناصرهم حول ادلب.

٢- الإبقاء على “الوضع القائم” بما في ذلك المجالس المحلية والوضع الخاص لإدلب التي تضم نحو ٣ ملايين شخص. ولا شك في أن هذه التسوية أنقذت أرواح كثير من المدنيين وجنبت آلافا احتمال النزوح والهجرة والدمار.

٣- كان يمكن لروسيا مواصلة دعمها للهجمات العسكرية السورية على المنطقة لكنها فضلت تجنب مواجهة نقاط المراقبة التركية التي عززتها أنقرة. ونظرا لخطورة الضربات العرَضية ضد القوات التركية وما يترتب عليه من ضرر للعلاقات مع تركيا، سعت موسكو إلى حل وسط مع أنقرة.

٤- بتحاشي القيام بعمليات عسكرية، قلصت موسكو من فرص شن اعتداءات بالأسلحة الكيماوية في إدلب وتجنب الضربات الخطرة التي يمكن أن تنفذها الولايات المتحدة أو حلفاؤها، خصوصاً أن واشنطن رسمت “خطا أحمر” بأن الرد سيكون “أقوى وأعنف” مما حدث في أبريل (نيسان) ٢٠١٧ و٢٠١٨.

٥- أنقذ الاتفاق عملية السلام التي يقودها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا عبر تشكيل لجنة دستورية من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. ويتوقع أن يستعجل دي ميستورا تشكيل اللجنة بعد عودة المسار السياسي إلى الحياة.

٦- منع أو تأجيل “الانتصار الكامل” الذي تسعى دمشق إلى تحقيقه وفرملة الماكينة العسكرية، قد يعزز موقف الراغبين بالتسوية السياسية في دمشق وغيرها، وإن كانت من مدخل الدستور وأن “لا حل عسكريا للأزمة السورية.”

في المقابل تضمن الاتفاق كثيرا من النقاط الغامضة ما لم تكن هناك ملاحق سرية بين موسكو وأنقرة، لذلك فإن هناك اعتقادا بأن “الشيطان لا يزال في تفاصيل” هذا الاتفاق:

١- كيفية “التخلص” من المتطرفين من المنطقة الآمنة، خصوصاً أن هذا يجب أن يتم خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. هل هذا سيتم بـ”الفصل” أم بـ”التهجير” أم بـ”العمل العسكري” ومن سيقوم به؟

٢- صعوبة الفصل بين “هيئة تحرير الشام” التي تضم “فتح الشام” (النصرة سابقا) التي تضم نحو ١٠ آلاف عنصر و”الجبهة الوطنية للتحرير” التي تضم ٣٠ ألفا، إضافة إلى أن “هيئة التحرير” رفضت الاتفاق وانتقدت تركيا وشبهت موقف أنقرة في إدلب بموقف الأمم المتحدة في سريبرينيتشا التي تعرضت لمجزرة في التسعينات. وهناك صعوبة في الفصل بين المقاتلين الأجانب المحسوبين على “القاعدة” الذين يزيد عددهم على ألفين، وباقي المقاتلين السوريين.

٣- إحدى الأفكار المطروحة نقل رافضي التسوية من “المنطقة الآمنة” إلى مناطق النفوذ التركي شمال سوريا واحتمال نقل آخرين إلى مناطق كانت ذات أغلبية كردية، لكن كيف سيتم تنفيذ هذا عمليا خلال فترة قصيرة؟

٤- تضمنت الخطة فتح الطريقين الرئيسيين بين حلب وحماة وبين حلب واللاذقية. من سيحمي الطريقين؟ من سينشر نقاط التفتيش؟ ينطبق هذا على نقاط “التجارة” بين مناطق المعارضة في إدلب ومناطق الحكومة.

٥- ستعود السيادة السورية رمزيا إلى الشمال بما في ذلك العلم وبعض المؤسسات، لكن ماذا عن الوجود العسكري لدمشق؟

٦- يعتقد باحتمال شن الجيشين التركي والروسي ودول أخرى معارك ضد المتطرفين في حال رفضوا التسوية، خصوصاً أن موسكو لديها خطة للقضاء على ألفي مقاتل أجنبي، كيف سينعكس ذلك على وضع باقي الفصائل المعارضة؟ ما رد الفصائل الإسلامية؟

بعد توقيع الاتفاق عكف مسؤولو الاستخبارات في روسيا وتركيا على تبادل المعلومات ورسم حدود المنطقة العازلة بالتزامن مع بدء فصائل الشمال اعلان موقفها بين مؤيد بحذر وداعم بتحفظ ورافض في شكل كامل.

لا شك في أن تنفيذ الاتفاق يتضمن تحديات يومية ويشكل اختبارا دائما بين موسكو وأنقرة، لكن في الوقت نفسه فإن دمشق وطهران تراهنان على فشل خيار التسوية للعودة إلى الحل العسكري وجر موسكو إلى الحسم العسكري كما حدث في تجارب سابقة… والعودة إلى معركة إدلب المؤجلة.

مايعزز هذه الشكوك رفض المتطرفين للاتفاق وترقب دمشق واعلان قاعدة حميميم ان الاتفاق يعطي صلاحية للطائرات الروسية بـ “قصف الارهابيين” بضربات جراحية. عليه، يمكن فهم قول يان إيغلاند، رئيس بعثة الأمم المتحدة للعمل الإنساني:”هذا ليس اتفاق سلام. إنها صفقة تبعد حرباً شاملة. أرى احتمالاً كبيراً لاندلاع كثير من المعارك. نشعر بالقلق حيال المدنيين في هذه المناطق، لذا، فإن الأمر لم ينته بعد.”