بواسطة Jamal Saeed | مايو 21, 2019 | Culture, غير مصنف
ناداني خليل معتوق من داخل مقهى الهافانا، كان برفقة آخرين. خلال الدقائق القليلة التي أمضيتها معهم بدا خليل وكأنه يحتفي باحتمالات جديدة تلوح في الأفق السوري بعد طول يباس. سألني خليل عن توقعاتي، وفهمت منه أننا بدأنا بعبور الجسر نحو دولة القانون والمواطنة. كان خليل يرغب أن يشاركني بهجة تحتل روحه وكيانه: “مانك حاسس إنو الهوا صار مختلف”. غادرت المقهى، لم تكن شوارع الشام كعادتها! غاب الزحام البشري الذي يميز أرصفة الصالحية. بضعة أشخاص ونسمات باردة، نحن في أوائل نيسان 2011 . أتاح لي العدد القليل من المشاة على الأرصفة رؤية الطيب تيزيني على بعد أمتار أمام ساحة المحافظة، اتجهت إليه وصافحته لأول مرة وهنأته بالخروج من المعتقل بالسلامة، وعبرت عن تعاطفي وأسفي لما حدث له يوم جرجروه على إسفلت الطريق. شكرني بلطف، وبدا وكأنه يحاول أن يتذكر من أكون، انضم إلينا عبد الكريم أبا زيد وكأنه عاصفة صغيرة نبعت من الرصيف، كان عبد الكريم غاضباً وبدأ يحدثنا عن حقيقة ما يجري في درعا، فتح عبد الكريم حقيبة صغيرة سوداء يحملها في يده، وأعطانا بياناً يشرح فيه ما ترتكبه السلطة في درعا من جرائم بحق المتظاهرين، قال عبد الكريم أبا زيد: أريد جريدة تنشر هذا البيان، ألا يصدر رفاقك في الرابطة جريدة؟ سألني الطيب إن كنت من الرابطة، قال عبد الكريم: ظننتكم تعرفون بعضكم، صديقنا جمال أمضى أكثر من نصف عمره في السجون، صححت ضاحكاً: بل الثلث. حدق الطيب في وجهي، صافحني من جديد ، وعانقني وقال: “تشرفت بمعرفتك” ثم بدأ يتحدث بثقة عن ضرورة تفكيك الدولة الأمنية، وتجاوز الاستبداد، وتفكيك الألغام الطائفية. سألني الطيب ما رأيك؟ قلت له إنني لا أختلف معه من حيث الجوهر. بماذا نختلف من حيث الشكل؟ سألني الطيب، قاطعه وقاطعني عبد الكريم وقال: “خلينا نأجل الخلاف على الشكل هالسا [حالياً]… ما عندكن جريدة؟” مازحت عبد الكريم: “لماذا لا تنشره في النور، جريدتكم؟” قال لي:”هظولا [هؤلاء] لا للسيف ولا للضيف..” مازحته من جديد: وقلت بلهجة حورانية:”هظولا متحالفين مع غدرات الزمان” ابتسم الطيب، ولكن عبد الكريم قال بمنتهى الجدية: “والله العظيم صحيح! والله متحالفين مع غدرات الزمان”.
بدا لي الأمر وقتها وكأني في حلم، حديثٌ وتبادل بياناتٍ في مركز مدينة دمشق! خليل يتحدث بصوت عال في المقهى، وعبد الكريم يبدو لوحده مظاهرة. أما كان ينبغي أن أثق وقتها بأن آفاقاً جديدة تلوح في أفق البلاد. دخلت إلى كافتريا المركز الثقافي الروسي في شارع 29 أيار، وقرأت البيان. يحمّل البيان بلغة صريحة وواضحة النظام المسؤولية عن الجرائم التي بدأها فرع المخابرات العسكرية وتلاه فرع الأمن السياسي. ثم يشير إلى جرائم قتل ارتكبها النظام في درعا ويصفها بأنها (ضد الوطن وضد الشعب السوري)، إذا لم تخني الذاكرة، ويفند تلك الجرائم ويذكر أسماء المتظاهرين والمشيعين الذين قضوا برصاص النظام، ويرى أنّ سلامة المجتمع السوري تقتضي التخلص من النظام. عبد الكريم أبا زيد، الصحفي الذي يعمل في صحافة النظام وعضو الحزب الشيوعي (جناح يوسف فيصل) المتحالف مع النظام، يكتب بياناً باسمه ويوزعه في قلب العاصمة، قلت لصديقي إياد شاهين في مساء ذلك اليوم: “بدأت أرى العلامات الصغرى والكبرى لقيام الساعة في سورية!”
في اليوم التالي صادفت الطيب تيزيني أيضاً، قرب فندق الشام، كان برفقة شاب أنيق بعمر أولاده، لوحت بيدي فاستوقفني: “ما رأيك ببيان عبد الكريم؟” أجبت: “مكتوب بماء القلب”. ربت على كتفي بحنان الآباء وقال لي: “إنه يثير الشجن، وعلينا أن نعرف ما الذي ينبغي علينا فعله، أنه بيان قوي ويحدد الملامح العامة لما يجب فعله وعلينا أن نناقش الكيفيات”.
كنت من بين الذين اعتبروا اللقاء التشاوري الذي أقامه النظام (مؤتمر صحارى) مجرد محاولة من السلطة لالتقاط الأنفاس وتدجين تباشير الحراك في سورية. لم أثق بأن الممثلة التي دعت إلى إعادة الاعتبار للدروس العسكرية في المدارس، والشيخ الذي ينتقد بكياسة معهودة سلوك النظام، والشيوعي الذي يؤمن بعمق بدكتاتورية البروليتاريا ويعيد نشر الكتب التي تلمع صورة ستالين، ونائب رئيس الجمهورية المغيب قد اتفقوا فعلاً على تكوين دولة مدنية عصرية وديمقراطية. ولكني توقفت عند ما قاله الطيب تيزيني: “لا بديل عن تفكيك الدولة الأمنية المهيمنة في سورية، لا بد من دولة القانون، لا بد من البدء بإطلاق سراح جميع سجناء سورية”.
أورثنا مسار الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد أشياء عديدة من بينها دمعة عزيزة وجليلة ذرفها الطيب بالنيابة عن الكثيرين منا على أطلال بلاد تمضي نحو قاع بعد قاع من قيعان الحضيض، وعبارة عاقلة قاسية تطفو على بحر من المرارة والإحباط قالها الرجل: ” كل ما كتبته في حياتي بحاجة إلى إعادة نظر”. وأرى أن هذه العبارة الأخيرة تصلح لأن تكون وصية لنعيد النظر في كل ما قرأناه وكتبناه.
بواسطة Fadia Afashe | مايو 18, 2019 | Culture, غير مصنف
مرت قرون من كراهية النساء حجبت ذكر أي فضل لهن في بناء التاريخ الإنساني، حيث اقتصر دور المرأة وفقاً للسرديات التاريخية المهيمنة على مساندة الرجل والوقوف إلى جانبه. هذا التغييب لدورها هو انعكاس لرؤية المجتمع الذي أنكر عليها جهودها وفضلها في جوانب الحياة الشتى. فأضحت المرأة نفسها ترضى بما يقسمه لها مجتمعها دون التفكير بالمطالبة بحقها والاعتراف بفضلها في المساهمة في أي عمل كان. باتت المرأة التي تطالب بذكر اسمها والاعتراف بعملها نشازاً.
ما حل بالنساء السوريات مؤخراً جعلني أراجع ليس فقط تاريخ هذه الممارسة فحسب، إنما دفعني لدراسة سلوك النساء فيما حولي بما في ذلك سلوكي الذاتي. كفتاة وفنانة سورية تأثرتُ بما فرضه السلوك العام في مجتمعي، فأجحفتُ بحق نفسي مراراً دون أي إدراكٍ مني أن من حقي أن أطالب بالاعتراف بجهودي وإنجازاتي. أذكر أنني لم أهتم عندما كنت أعمل جاهدة لإنجاز لوحاتٍ من الفن التشكيلي بالتوقيع عليها؛ فلم أكن أعي حينها أهمية التوقيع على أعمالي وأن أعتز بما أنجزت. كنتُ أعمل لمجرد متعة العمل ذاته، حتى أثناء الدراسة ضمن مجموعات من الطلاب لم أكن أمانع بالعمل أكثر من زميلي الشاب رغم تقاسمنا نفس علامة المشروع النهائية. لكن تجربة اللجوء في الولايات المتحدة الأمريكية التي مررت بها والعيش في مجتمع مختلف جعلني أقارن بين سلوك المرأة وتعامل المجتمع معها في كلا المجتمعين الأمريكي والسوري.
أصبحتُ أدرك أن ما اعتدت عليه هو إجحاف بحقي، وبدون أن أطالب بالاعتراف بحقي في عملي لن أستطيع التقدم والعيش في مجتمع جديد، لقد ذقتُ مرارة تجربة اللجوء، لكنها علمتني كيف أنصف نفسي التي غُبنت لعقود. لاحظتُ أن المجتمعات الغربية قد بدأت بتغيير ما درجت عليه سابقاً للخروج من عصور اعتادت على تنحية دور المرأة. حيث تم تبني نظام اقتصادي عالمي جديد فرض طريقة جديدة في التعاملات من خلال ابتكار مفهوم يسمى “the credit” أي مفهوم الائتمان حيث يسعى أفراد هذا المجتمع لتجميع نقاط تدل على إنجازاتهم أو التزامهم بالقوانين ويعطي مؤشراً على مدى أمانتهم لكي يثبتوا من خلال هذا الرصيد من النقاط التي جمعوها في أي مجال كان اقتصادياً أو دراسياً أو في مجال العمل أنهم أهل للثقة أو أصحاب فضل في بناء مشروع ما وذوي خبرة في مجال آخر. هذا المبدأ الجديد في التعامل غيّر من سلوك المرأة في هذه البلاد فبدون أن يملأ الشخص رصيده بنقاط تدل على أهليته وقدراته لا يستطيع أن يعيش في هذا المجتمع. لذا فالمرأة في هذه المجتمعات المتطورة تسعى بشكل طبيعي للمطالبة والاعتراف بفضلها في المساهمة في أي عمل كان، لكن رغم هذا التطور مازالت المرأة وفقاً لبحوث شتى لا تحسب لنفسها الفضل كما يحسبه الرجل، فما زالت المهمة الأصعب لها هي الحصول على الفضل في العمل الذي تقوم به، خاصة عندما تعمل لخدمة الأسرة أو في مجموعات.
في دراسة أجرتها ميشيل هاينز عن مفهوم الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل) قالت “لقد أعطت النساء الفضل لزملائهن من الرجال أكثر مما أعطين لأنفسهن، فقد أبخسن حقهن من الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل) فإذا لم يكن دورهن في تحقيق نتائج الأداء أو المهمة التي قام بها الفريق واضحاً بشكل لا يمكن دحضه لا تطالب النساء بأي فضل في العمل”. وفقاً لهذه الدراسة فإن هذه الظاهرة تكون أقل عندما كانت النساء تعملن مع نساء أخريات. وعند مقارنة هذه النتيجة مع مجتمعاتنا العربية نجد أن أمام المرأة العربية طريق أطول لتصل فقط لما وصلت إليه مثيلتها في العالم الغربي. رغم أن المرأة الغربية لم تحقق بعد العدالة الكاملة في المطالبة بحقها، ووفقاً لدراسات متعددة ما زالت متأثرة بشكل أو بآخر بالموروث الذي يحد من شأنها ويشوه نظرة المجتمع إليها ونظرتها لذاتها ويمنعها من المطالبة العادلة بالفضل فيما تساهم به.
لم تتعرف المجتمعات العربية بشكل عام بعد على مفهوم الائتمان\credit (الفضل في إنجاز العمل)، والمرأة بشكل خاص لم تعتد المطالبة بحقها في الفضل في إنجاز الأعمال التي تقوم بها. عمقت المأساة السورية هذا الاجحاف الذي يطال المرأة وزادت من أعبائها، وفي المقابل زاد الظلم الذي يقع على المرأة حيث بات جهدها الجبار خفي لا يعترف به أحد. فنتيجة الظروف الصعبة باتت المرأة في كثير من الأحيان هي المعيل الوحيد للأسرة، لكن كل هذه الجهود التي تقوم بها المرأة تبدو غير مرئية في عين المجتمع حيث لا تطالب المرأة بالاعتراف بأي فضلٍ لها فيما تبذله من جهدٍ، خاصةً ما تبذله في سبيل إنقاذ عائلتها.
لاحظتُ من خلال معايشتي لمجتمع اللجوء أن المرأة أكثر مرونة من الرجل في التأقلم مع الظروف الجديدة؛ فهي قد تفعل المستحيل وتقوم بأي عمل مهما كان صعباً ومردوده قليل بعكس العديد من الرجال الذين لا يرضون بأي عمل مهما كانت ظروف العائلة مريرة. لقد سمعتُ مراراً وتكراراً من كثير من الرجال عبارة (أنا لا أعمل إلا في اختصاصي)، لكني قلما سمعتُ هذا من النساء اللواتي يعملن بصمت لتأمين لقمة العيش لأطفالهن. إن الاجحاف الحقيقي بحق المرأة هو نكران كل ما تفعله وعدم الاعتراف بفضلها في إنقاذ عائلتها، فهي سر الاستمرار في الحياة واليد الخفية التي ما زالت ترسم لوحة الحياة في زمن الموت، علّها تدرك مثلي يوماً ما أن من حقها أن تُدرج توقيعها على تلك اللوحة وهي مرفوعة الرأس.
* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات
بواسطة سلوى زكزك | مايو 14, 2019 | Cost of War, Culture, غير مصنف
يلقي أحمد (اسم مستعار) بحمولته من أكياس المحارم الورقية على الرصيف، ويختبئ بين سيارتين ليدخن سيجارته، هرباً من أعين المارة ومديره، فـ”الدنيا رمضان ، وإذا دخّنت علناً قد يتراجع بعض المتسوقين عن الشراء منك تحت ذريعة تدخينك” بحسب قول صاحب المحل.
يقترب شريك أحمد منه ويقول له: “لا داعي للاختباء، لقد رأيت فتاة تشرب الماء علناً، وسيدة تضع حبة سكاكر في فمها، ورجل غيرك يدخن أيضا!”.
ويظهر تبدل جلي في السلوك اليومي للمقيمين في دمشق تجاه الصيام في شهر رمضان، لا يقتصر على إشهار المفطرين لأنفسهم فقط، فحتى غالبية محال بيع الطعام الجاهز والعصائر لم تغلق أبوابها في شهر الصيام.
على عكس أحمد، لدى أم منار ثلاثة أبناء يشهرون إفطارهم علناً، لكنها ومن منطلقها الإيماني، تصر على دفع دية إفطارهم طيلة شهر الصوم، في السابق كانت أم منار تدفع كفّارة إفطارهم نقداً للعائلات الفقيرة عبر الجمعيات الخيرية أو أحد الشيوخ.
ويحدد المرجع الشرعي في وزارة الأوقاف هذا البدل سنوياً، وهذا العام قدّره بمبلغ مقداره ما بين ثمانمائة وألف ليرة، وهو قيمة وجبة لجائع على من أفطر دفعها. لذلك قررت أم منار هذا العام بمشاركة صديقتها لشراء كرسي متحرك لطفل فقد ساقه في الحرب، وبصورة مباشرة دون اللجوء إلى أية وساطة. ويعكس قرار أم منار هذا التغيير الذي يختلط فيه الإنساني مع الإيماني والتفاعل مع الحاجات الجديدة الأكثر إلحاحاً في زمن الأزمات.
وليس أولاد منار حالة فريدة في دمشق، فأغلب الموظفين في الدوائر الرسمية والخاصة يواظبون على تناول إفطارهم اليومي في أماكن العمل. تقول سامية إن زميلتها في العمل لا تصوم، لكنها تراعي مشاعر الصائمين بالتوقف عن إعداد القهوة في مكان العمل وخاصة لما لها من رائحة نفاذة تبعث الشهوة القوية لها، وتضيف سامية “حتى أن بقية الزملاء لا يأكلون الخيار أو البيض أو الفلافل في وجباتهم الصباحية خلال شهر رمضان، لرائحتهم الشهيّة والقويّة أيضاً”، أي أن المراعاة لا تتجاوز فعل التوقف عن أكل ما تطغى رائحته لتجنّب إيقاظ جوع أو شهوة الصائمين.
وحول هذا الموضوع، ينص القانون السوري في المادة 517 من قانون العقوبات، على معاقبة كل من يشهر إفطاره علنا في شهر رمضان بالحبس لمدة شهر كامل! مع الإشارة إلى أن نص الحكم لا يتضمن عبارة إشهار الإفطار أو عدم الصيام، وإنما التعرض للآداب العامة وعدم مراعاتها في شهر رمضان، وهي مادة شبه معطلة حاليا، ولم يصدر أي حكم بموجبها طيلة فترة السنوات الثماني الماضية.
وفي حال غياب أية مواد قانونية صريحة وواضحة تعاقب على فعل الإفطار أو إعلانه، فإن الأحكام الحقيقية المجتمعية المتداولة هي الأكثر تأثيرا.
التبدل أيضاً يبدو في صورة جديدة مرعبة دخلت حياة السوريين، فعلى إحدى مجموعات “الواتس آب” النسوية، وهو وسيلة التواصل الأكثر رواجا في سورية، تبارك رويدة بقدوم رمضان، لكن مباركتها النمطية التي لا تتجاوز كونها بروتوكولاً اجتماعياً، تصطدم بردود عنيفة من قبل بعض عضوات المجموعة، إذ تقول إحداهن “رمضان وصيام والجوع ينهش في جسد السوريين!”، فيما تنهرها أخرى وتربط بين المباركة بالصوم والاحتفاء بقيم داعش!
من جهة ثانية، وفي ظل التردي الكبير لأحوال السوريين الاقتصادية، انطلقت في رمضان عدّة مبادرات جديدة في طرحها، بدت على جدران الشوارع ومراكز التجمعات العامة، كالدعوة إلى إعفاء المستأجرين من إيجار بيوتهم في شهر رمضان، والإصرار والتكرار على السوريين في الخارج لإرسال ما تيسر للأسر المحتاجة في هذا الشهر لردم الفجوة الكبيرة بين القدرة الشرائية الضعيفة عند السوريين وبين حقيقة وحجم المتطلبات الأساسية للعيش، وخاصة الدواء والسكن والطعام.
ومن الظواهر القديمة التي لم تعد مقبولة، هي ارتداء بعض السيدات للحجاب أو الجلباب في شهر رمضان حصرياً، إذ بات يشار لهذا التصرف على أنه نفاق اجتماعي، وإن كان مؤقتا، لكنه يعكس هشاشة عميقة تتأمل في دواخلها رحمة أكبر، وسلم حسنات أكثر توازنا يمنح اللاجئات إليه سلاما داخليا ورضاً يحتجنه.
وإن كان لرمضان تعريف خاص ورائج، فهو ما يأتي به من وجبات الطعام الغنية والمنوعة، حيث تجهد الوسائل الإعلانية لترويجها رغبة في مكاسب اقتصادية مباشرة. لكن هذا تغيّر كلياً، الحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها السوريون وانخفاض القوة الشرائية هي أحد الأسباب فقط، يُضاف إليها تغيير النظرة نحو الأولويات الأساسية، وحول جدوى نمط العيش الغارق في تفاصيل مرهقة ماديا وجسديا ومعنويا .
إذ باتت موائد الإفطار تقتصر على نوع واحد من الطبخ، إضافة لصحن من السلطة أو الحساء وآخر من الفول أو الفتة، فيما بات التنوع المبالغ به إسرافاً غير مرغوب به.
وحتى الدعوات العديدة التي اعتاد أفراد العائلة على تبادلها على موائد الإفطار الجماعية، باتت أمراً مكروهاً، وغالبا ما يتم اختصارها بدعوة واحدة، تلبية للشرط العائلي وتثبيتا لحالة انفكاك باتت مقبولة عن التقاليد العائلية.
وكما تحمل كل الشهور تبدلات تتعمق في حياة السوريين بفعل الحرب وشروخها العميقة وتكلفتها الباهظة، يأتي شهر رمضان ليثبَت هذا، من التغيّر في الوظيفة المجتمعية، أو في وظائف الأفراد، حيث يبدو أنها تتعرّف من جديد وفق هويات أقل ضيقا أو تشنجاً، لتصبح ظائف أقل إلزامية، تخفف الخناق المقيّد على الأفراد وإن بفسحة ضيقة، لكنها تتسع.
بواسطة رباب هلال | مايو 11, 2019 | Culture, غير مصنف
أسّست هنادي زرقه، منذ ديوانها الأوّل “على غفلة من يديك” 2001، خصوصيّتها المميّزة، في المشهد الشعري السوريّ والعربيّ. نال ديوانها الثاني “إعادة الفوضى إلى مكانها” 2006 الجائزة الأولى في مسابقة محمد الماغوط للشعر، وزارة الثقافة بدمشق للعام 2004. تلاه “زائد عن حاجتي” 2008. وخلال الحرب أصدرت “الزهايمر” 2014، “الحياة هادئة في الفيترين” 2016، وأخيراً صدر لها “رأيت غيمة شاحبة، سمعت مطراً أسود” 2018. تُرجمت قصائدها إلى لغات عدّة، بينها: الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية، الدنماركية والإسبانية.
أتحدّث هنا، عن ديوانيها الأخيرين الصادرين عن دار النهضة العربية ببيروت، نظراً للقواسم المشتركة العديدة بينهما، أبرزها الحرب، ثمّ الحب، الموت، الوحدة، المرأة، وذكريات الطفولة والعائلة.
تُجسّد قصائد هنادي كتابة نسويّة بامتياز، ومن غير تطرّف. الرجل ليس عدوّاً لها، هو الجبيب، والأب والأخ. وهي، أنثى مثقّفة، متمرّدة وحرّة، رغم أنّ القيود تحاصرها، والآلام تنهكها، البطريركيّة تقصيها، الحبّ يخذلها، والحرب تؤطّر المشهد التراجيدي وتكمله. بمبضعها الأنيق تُشرّح هنادي العالم حولها، وبعين ثاقبة ونقيّة ترصد الأحداث حولها، كما ترصد ذاتها. تكشف، تعرّي وتفضح. حضورالذات الأنثويّة سمة من أبرز سمات الكتابة النسويّة. عبره تُجابه النساء الكاتبات تغييب ذواتهن المزمن. هنا، تبرز ذاتٌ فاعلة، لا تنفصل عن الخارج، تعيشه، تتماهى معه، يرهقها، فتتحايل عليه: (ثمّة حبلٌ سرّة وهميّ/ يشدّني إلى هذه الأرض/ أخاف أن ينقطع/ أربط خصري به/ أشدّه بإحكام/ ثمّة قذيفة لا أعرف أين ستقع/ ورصاصة طائشة قد تقطع هذا الهواء السميك).
وحيناً آخر تُفكّك الذات الخارج لتعيد بناءه من جديد بعين المرأة وبيديها. تروم أملاً ما. إلّا أنّ الحرب تُفشِلها. تقاومها هنادي بسخرية سوداء، وأحرف عطف متواترة، كي لا ينقطع النَفَسُ والعزيمةُ: (ليست الأمور سيئة إلى هذا الحد/ ما زال بإمكاني أن أنهضَ صباحاً، وأشتُمَ الحياةَ/ وأركلَ الطرقات أمامي/ وأطيلَ التأمّل في النعوات الجديدة/ وبنظرة هازئة إلى السماء/ أبحث عن معنىً لهذا العبث كلّه).
تتجاوز هنادي قوانين البطريركيّة، تابوهاتها المجتمعيّة والدينيّة، وتعلن بقوّة الحبّ والشهوة للجسد المستلب. الجسدُ الملعون بسببه ولأجله ثارت نساءُ العالمِ ورجالُه المتنوّرون. الجسدُ الذي جُرِّد من قيمته الإنسانيّة، أنجب النظريات النسويّة المختلفة. ليس إباحيّاً، ولا مجّانيّاً ما تكتبه هنادي، الجسد والروح لديها لا ينفصلان. هنا الجسد القيمة، يبدو مثل قطعة “بزل\puzzles”، لن تكتمل اللوحة بنقصانها: (كما أنني أحبكَ/ “يحدث في الحرب”/ وهذا يكفي لولادة إله جديد/ لا أحتاج ملاكاً ينفخ بين فخذيّ/ قل: أحبكِ/ وسيحفل الوعر بالتفاح/ يا حبيبي لم أعد صغيرة).
وفي مكان آخر تقول: (يذهب الرجال إلى الحرب/ وتفرغ الأسرّة من الشهوة/ تاركين نساءً لا يكففن عن الصراخ/ وضرْب الأولاد/ يذهب الرجال إلى الحرب/ والحربُ شهوةٌ أيضاً!). وهنا تؤكّد هنادي رؤية عالم النفس فرويد في النساء المحرومات من الجنس أو المكبوتات، فإنّهن يقضين الليالي في الصراخ. وتؤكّد أيضاً على شهوة الذكور للقتل.
تتخلّى هنادي عن عنونة القصائد في الديوانين، ربّما بسبب الحرب. ثمانية أعوام انقضت، وما تزال تَسفحُ الدماءَ، تمزّقُ الأجساد والأرواح، تدكُّ الأحلام، وتحرقُ البيوت والذكريات. إذاً لا جديد! الموت نهر يجري، يرافقه النزوح والهجرة، والدمار، والهلع، والضجر، والهزيمة، والعجز والعبث. فلا معنى لعنونة القصائد، وحتى لكتابة الشعر: (أما من هزيمة جديدة؟/ أقولها صباح كلّ يوم/ وأنا ماضية إلى هزائم أخرى./ ثمّ تقول: /… /صباح الخير، أيّها الهلع/ ها أنت تملأ الطرقاتِ/ وتسدّ نوافذ السماء). تعترف هنادي أنّنا نحن من سبّب الحرب: (لم تكن الحرب طارئاً/ كلّ ما حدثَ/ أنّ الحرب قشّرتْ جلودنا/ وأطلقتْ قُطعان الذئاب/ التي ربّيناها طويلاً في دمائنا/ الحربُ مرآتنا/ تحت أظافرنا/ كان يلمع كلّ هذا الخراب).
الأنثى أصل الاستقرار وسببه. هي زارعة الأرض، وهاوية الكنكنة، قادت الرجل، لإنشاء الحواضر والمدن. وهنادي على عهدها، ووفائها لجدّاتها. رغم الخراب والكوابيس، لن تغادر الوطن، لديها ما تفعله، ولديها حبّ البلد وذاكرته التي تُدمَّر: (لا شيء يغريني بالرحيل/ عليّ أن أعدو خلف رائحتهم كلّ صباح/ وأجمع وجوهَهم من قطع البزل التي تركوها في كلّ زاوية/ أؤسّس ذاكرةً للمدينة على وقع غيابهم).
في الحرب وما قبلها، تُنتهك الأشجارُ، ينجزّ العشبُ، ويموتُ الزرعُ. في أوّل التاريخ، هي من زرعت، وهو من قتل (قابيل وهابيل). وما يزال البطريركيّون يصنعون من الأشجار أسلحةً لحروبهم! وأوّل ما تقع كوارثهم، تقع على رأس المرأة ووجودها. المرأة المُتّهمة، المُذنبة والمُعاقَبَة، على الدوام: (…لسْتُ أنا/ لست أنا/ شجرة السرو الكبيرة تكاد تهوي عليّ/ أنا وحيدة/ ذهب حاملو الفؤوس إلى الحرب/ من يقنع الأشجار السابقة أنّني بريئة؟). تؤكّد هنادي سيرة دمار الأشجار والعشب في مطارح عديدة، ما يذكّر بمقولة النسويّة البئيّة، التي ترى أن المرأة والطبيعة صنوان، دمارُ الطبيعة دمارٌ للمرأة ذاتها.
للمشهديّة الحسيّة، البصريّة والسمعيّة حضور خاص لدى هنادي زرقه. تبرز منذ اختيارها لعنوانين الدواوين. ففي عنوان “الحياة هادئة في الفيترين” توحي لنا أنه فقط خلف زجاج فيترين المبيعات المعروضة، هنا فقط، لا صخب وجيع، أو حرب! وفي عنوان “رأيت غيمة شاحبة، سمعت مطراً أسود” المشهديّة مكثّفة وموجعة أيضاً، دمّرت الحرب الطبيعة! هنادي رأت وسمعت. الفعلان ماضيان. انقضى الأمر! في العنوانين، وحده اليأس من يبقى حيّاً، في الحرب!
تُسمعنا هنادي همس روحها وضجيجها وسط الخراب، والعبث. يخذلها الحبّ. وتقصيها البطريكيّة، والمتحاربون، والعجز. تجعلنا نرى تفاصيل المكان والزمان وأصناف البشر. يتبعها القارئ راغباً، بين وهاد القصيدة، إلى وديانها المخيفة، وإلى أعالي جبال الحزن. ترتّب هنادي هواجسها المختلفة بإتقان، وأحياناً، تحشدها في قصيدة واحدة، من دون إثقال أو افتعال، وبإقناع مدهش: (ينقصني أشياءُ كثيرة/ كي أكون بخير،/ أن يكفّ الكون عن الصراخ/ وطباعة الكتب مثلاً،/ أفكّر بالركاكة التي تحدث حين أنام/ تاركة العالم لأوهامه/ ربّما تخطئ الطائرات في القصف، أو لأقل سيتّفق/ المتحاربون على هدنة،/ سيستغلّون نومي في شتائم منخفضة الصوت/ أو لأتخيّل مثلاً أنّني سأستيقظ في الصباح لأقول إنّني متعبة/ فقط…/ كوني لا أعرف بِمَ أجيب حبيبي عن سؤاله الساذج: أما زلتِ/ تحبّين شرب القهوة وحيدة؟!/ حبيبي الذي لا يفهم أنّني أتشارك القهوة مع صور القتلى في/ الشوارع وعلى أعمدة الإنارة،/ حبيبي الذي يُصرّ على نعتي بالمرأة المترفة./ وأنا أكرهك، يا حبيبي/ كما أكره الأوراق/ والأقلام/ دفاتر التلوين/ أصحاب دور النشر/ كلّ ذلك/ وأريد أن يهدأ هذه الضجيج حولي/ لأكفّ عن الموت).
تُمعن هنادي في اختراق التابوهات. تذكّرنا بالإلهات القديمة، وبالخصوبة المقدّسة، تُشير إلى ذكوريّة الحروبِ، وتنبّه إلى الأنثى الراهنة المغايرة التي تنْشِدُ العاصفةَ؛ التجربة: (سأنجب طفلاً، ليس الأمر بتلك الصعوبة/ أعجن التراب بدمي،/ أنفخ عليه من روحي،/ وأطلقه./ سيكون هشّاً لا يحبّ الحروب،/ لكنّه سيحبّ كثيراً من النساء،/ سوف ينادي الموتى جميعاً: يا أمّي/ لكنّ طفلي المولود من العدم/ سوف يُنجب أطفالاً خضراً،/ عيونهم على التجربة/ وأقدامهم في العاصفة.)
المرأة/الأم، رمز الحنان والعطاء والسلام، لا تقابل القسوة بالقسوة، ولا الحرب بالحرب، هي ليليت ربّة المهد، حارسة الأطفال، تهدهدهم، وتغنّي لهم لتبعد شبح ظلام الليل/الشرّ. ليليت لم تنجب! وهنادي لم تنجب! إنّما هي غريزة الأمومة تجري في دمها، كما تجري دماء ليليت. اليوم، وقد استفحل الشرّ/الحرب، في الليل والنهار، فتقرّر هنادي أن تغنّي للحرب: (سوف أُنشد للحرب أُنشودة/ وأنا أضمّها إلى صدري كما يُضمُّ الرضيع./ سوف أهدهدها حتّى تنام/ سوف أغنّي لها مثل أرملة/ وضعت للتوّ طفلاً معوّقاً./ سوف أغنّي للحرب بصوت الناي المتكسّر:/ نامي، ياحرب،/ نامي ولا تكبري!).
هنا، تتجلّى الأنثى/المرأة بكلّ صورها، المرأة/الأمّ المدجّجة بثقافة مجتمعيّة ذكوريّة، تضطهد غير واعية بنات جنسها/ابنتها (لأن الذكور احتكروا المعرفة لقرون طويلة). هذه المرأة، تحيلنا إلى مقولة سيمون دو بوفوار في كتابها (الجنس الآخر): “لا يولد المرء امرأة، بل يصير كذلك”. صيّرت البطريركية الأنثى امرأةً، كائناً دونيّاً هشّاً وفارغاً، مكمناً للشرّ أحياناً! يجب إقصاؤه. بالمقابل، تحضر الأنثى المتحرّرة، مثل عاصفة، إنّما ما تأثير العاصفة الخلّاقة إزاء ما تفعله الحرب المدمّرة؟! تكثّف هنادي وتختزل، تواري وتكشف، تفضح المفارقات، بلغة بسيطة عذبة، وحزن شفيف، فلنتأمّل: (كنتِ تخجلين بي/ كما لو أنّني ندبة في خدّك الأيمن/ وحين تموتين،/ سيسقط اسمي من ورقة نعيك،/ كما لو أنّني مكتومة القيد:/ البنت الشاعرة التي أشرعت قلبها للمسافرين/ ونفخت في الريح،/ وصدّع صوتُها جدار العائلة./ سوف تمضين من دون أن تلحظي التشابه بين صوتينا، وأنّي ورثت صندوق عرسك الخشبيّ،/ ولسوء الحظّ والحرب،/ لم أخبّيء فيه ثياباً وفساتين/ لعروس حلمت أن أبدو على شاكلتها./ صندوق عرسك الخشبيّ/ غدا تابوتاً لعشّاقي الذين قضوا في الحرب).
أوهنت الحرب الناس، ممن لا ناقة لهم فيها أو جمل، وأعجزتهم؟! بينهم هنادي زرقه. لكنّ هنادي ما تزال تقاوم الهزيمة، بكتابة الشعر وصنع الجمال.
* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات
بواسطة الحسناء عدرا | مايو 9, 2019 | Culture, غير مصنف
تتقاسم مرام (28 عاماً) ويزن (25 عاماً) أجرة المنزل والمصروف والفراش أيضاً، كأي زوجين، إنما دون عقد زواج أو عرس وتقاليد عائلية، إذ دفعت الرغبة باكتشاف الشريك جنسياً وحياتياً قبل الارتباط رسمياً بمرام لخوض تجربة المساكنة مع يزن الذي ترك منزل عائلته لمشاطرتها هذه التجربة، إضافة إلى رغبة الشريكين بقضاء أطول وقت معاً تحت سقف واحد، بعيداً عن أغلال المؤسسة الزوجية والقيود الدينية.
عن رأيها بتجربة المساكنة تقول مرام “تتيح لي فرصة التعرف على يزن عن قرب دون تصنع، واكتشاف عاداته اليومية بدءاً من الأكل والشرب والنوم وصولاً إلى أدق التفاصيل الحميمية، فالرضا الجنسي وتقبل عادات الشريك من شأنه أن يفضي إلى زواج ناجح”. وأضافت: “تظهر المساكنة لي حقيقته التي لا يمكنني اكتشافها في الساعات القليلة التي سأقضيها معه خارج إطار المساكنة، فغالباً ما يقدم الطرف نفسه للآخر في العلاقات الأخرى بأبهى حلة وبصورة مثالية تكون منسلخة عن الحقيقة التي تبدأ بالتكشف تدريجياً بعد الزواج”.
وترفض الشابة النظرة السلبية العامة للمساكنة بوصفها علاقة عابرة لإشباع الجوع العاطفي والجنسي بين رجل وامرأة، فهي ترى أن الكثير من علاقات المساكنة يتسم بالجدية والالتزام الكلي مع الشريك “ربما أكثر مما يحققه عقد الزواج الرسمي، شريطة توفر الوعي والنضج بين الشريكين” بحسب تعبيرها. وتعتبر مرام أن المساكنة تمهد لزواج ناجح وبناء أسرة، وهي خطوة لتجنب الطلاق وتقول: “عقد الزواج لا يعني بالضرورة أن تلتزم بشريكك والإخلاص له عاطفياً وجنسياً، بل أحيانا يكون العكس، فهو يبيح للرجل الخيانة انطلاقاً من حقه بتعدد العلاقات شرط أن يعود في الليل إلى فراش الزوجية، والالتزام بمصروف المنزل وأعبائه المادية”.
ويتفق يزن مع مرام في نظرتها للمساكنة، ويصف علاقته بها بـ”المتينة، المدفوعة بالحب والاكتفاء بها عاطفياً وجنسياً، والالتزام الطوعي، وليس القسري المتجسد بورقة هزيلة تسمى الزواج”، ويضيف يزن “برأيي تمثل المساكنة منتهى الالتزام لأية علاقة حب بين شخصين يتقاسمان الحياة بكافة تفاصيلها وأعبائها المادية، وبقاؤنا معاً ناجم عن قرارنا الشخصي، ورغبة باكتشاف طباع وعادات بعضنا إلى حين اتخاذ قرار الزواج لاحقا بشكل رسمي وفي الوقت المناسب”.
وتفضل مرام أن تُقبل على هذه الخطوة عند التأكد من نجاح تجربة المساكنة، وعندما يفكر الشريكان بإنجاب طفل، عندها يصبح الزواج ضرورة لئلا يوصم بالعار، وليتمكنا من تسجيله بشكل قانوني دون مشاكل.
ورغم مناهضة العديد لظاهرة المساكنة بوصفها “فكرة غربية مستوردة تعتدي على المنظومة الاجتماعية والدينية”، يجدها آخرون ظاهرة مثيرة للتجربة تستحق القفز فوق أسوار المجتمع وكسر محرماته، أو صيغة تعايشية مؤقتة بين شخصين متحابين تقف الفروقات الطائفية حائلاً أمام زواجهما، بفعل الخضوع لقوانين العشيرة والقبيلة والملة المنتميين لها، كما أن هناك من اختارها نتيجة عجزه عن تسديد تكاليف الزواج المرهقة.
كما حدث مع رام (اسم مستعار)، الذي فضل عرض حبيبته بالمساكنة، على فكرة الزواج التي كانت بمثابة مخاطرة اجتماعية فادحة لا يمكن الإقدام عليها. يقول رام “كان من الصعب جداً التفكير بالزواج، فوضعي المادي لم يكن يسمح بتحمل نفقاته ومستلزماته أو حتى فرصة امتلاك منزل نظراً لغلاء المعيشة ومتطلبات الحياة، كما أن مستقبل البلاد كان مجهولاً لا يمكن التنبوء به، ولا يشجع على تأسيس عائلة وإنجاب أطفال، ناهيك عن ارتفاع منسوب عدم الأمان والاستقرار”، لا يخفي الشاب أن الاختلاف الطائفي كان له أثر كبير في دفع العلاقة تلقائياً للسير نحو المساكنة نظراً لانتماء الطرفين إلى طائفتين مختلفتين يجعل الزواج بينهما معركة اجتماعية صعبة.
يروي رام: “لم يكن أهلنا ليقبلوا بزواجنا أومباركته باعتبارها تنتمي للطائفة الدرزية وأنا علوي، فكلا عائلتينا تمتلك من التعصب ما يكفي لنبذنا ومقاطعتنا وربما يصل حد القتل”، وأفسح انتقال رام من حمص للعيش في دمشق له المجال لاختبار هذا النوع من التجارب، بعيداً عن أعين الأهل. ويضيف: “علاقتنا مع الجيران كانت في غاية الرسمية، فلم نواجه المشاكل ولا أية تدخلات من قبلهم، حتى أننا لم نضطر لتقديم أنفسنا لهم بصفة زوجين حديثي الزواج، فمجتمع المدينة يعد أكثر انفتاحاً مقارنة بالريف الذي يتسم بصغر مجتمعه ما يجعل العلاقات الاجتماعية مفتوحة ومكشوفة دون مراعاة للخصوصية، مما أتاح لنا الفرصة لخوض هذه التجربة دون مخاوف”.
أما فرح فقد اتخذت من المساكنة طريقاً نحو الزواج، وهي ترى أن “شخصية الشريك لا يمكن تعريتها وكشفها إلا عبر السكن معه، شرط أن لا تتجاوز مدة المساكنة أكثر من عام خوفاً من إفساد العلاقة وإصابتها بالجمود” كما حصل معها وعن تجربتها تقول: “وصلنا إلى مرحلة الإشباع من النهم العاطفي والمعرفي والفضولي والجسدي بعد خمس سنوات من المساكنة، التي تضع شريكك عارياً أمامك دون أقنعة أو مساحيق تجميل، فتشاهد عريه ومعدنه وندوبه وصفاته وأخطاءه وأسراره التي يخشى عليها من البوح، فبات كل منا يحفظ الآخر عن ظهر قلب، كما تسلل الجمود إلى العلاقة ولم يعد أمامنا سوى السير نحو الزواج كثمرة ناضجة للعلاقة”.
من جهة ثانية لم تكن المساكنة بالنسبة لزين (اسم مستعار) تتجاوز مسألة ممارسة العلاقة الجنسية، التي قد تصبح فرصة لاختبار مدى نجاح العلاقة، للتأكد من صوابية الدخول في علاقة طويلة الأمد. عن هذا يقول زين: “كنا مختلفي الطباع والعادات اليومية، لذلك لم تتوج علاقتنا بالزواج، ففي المساكنة تكتشف تفاصيل الشريك، وإذا لم يوجد انسجام يكون الانسحاب من العلاقة أقل كلفة للطرفين منه في حالة الزواج ووجود أطفال”.
ويعتقد يوسف أن الحرب تركت الباب موارباً لعلاقات المساكنة وشجعت الشباب على الدخول فيها، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي حلت بالبلاد وإنعدام فرص العمل، ويقول “لم أخض تجربة المساكنة، لكنني أؤيدها من حيث المبدأ، لاسيما أن قرار الزواج في ظروف البلد بات أمراً مكلفاً للشاب السوري، فشراء منزل في منطقة عشوائية لا يقل عن 6 ملايين ، علاوة عن تكاليف الزفاف والذهب الذي لا يقلان عن مليوني ليرة سورية”.
لكن سحر تختلف مع يوسف وترى أن المرأة هي الخاسر الأكبر من هذه العلاقة، “التي غالباً ما تكلل بالفشل، وبوصمة عار تلاحقها مدى الحياة، في ظل مجتمع تسيره العادات والأعراف الاجتماعية وعقلية ذكورية سادية” بحسب قولها. فالمساكنة برأيها تعفي الشاب من التزاماته تجاه المرأة، وتفسح له المجال إلى هجرها في الوقت الذي يحلو له، عدا عن السمعة السيئة التي ستلازمها وتحرمها من فرص الزواج.
تناقض النص القانوني
لم يتطرق القانون السوري لموضوع المساكنة بشكل مباشر، فلا تتناول نصوصه موضوع العيش المشترك بين المرأة والرجل وإقامة علاقة جنسية تحت سقف واحد دون رابط عقد الزواج. وبينما يسمح قانون العقوبات بالحرية الجنسية للرجل والمرأة العازبين وهو من ضمن الحقوق الشخصية التي يصونها الدستور، إلا أن القانون أحياناً يعتبر المساكنة جريمة يعاقب عليها تحت اسم الزنا، ويعتبرها من الجنح المخلة بآداب الأسرة. فبحسب المادة 473 من قانون العقوبات السوري، تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، ويقضى بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجاً، وإلا فالحبس من شهر إلى سنة.
ولا يوجد في القانون ما يسمى مساكنة لكن يوجد عقود زواج “خارجية” تعتبر نوعاً من أنواع المساكنة والعرف يقرها، فليس هناك أية مادة تمنع أو تعاقب المساكنة بين اثنين دون زواج شرعي، ولا يمكن اعتبارها تحت جرم الزنا إلا إذا تم الإبلاغ عنها للسلطات المختصة التي تقوم باستدعاء الطرفين ودفعهما غالباً إلى إجراء عقد زواج نظامي. ففي حال التبليغ على الشاب والفتاة من قبل الجيران والقبض عليهما وهما يمارسان الجنس، يعاقبان من قبل القانون بالحبس إذا لم توجد ورقة زواج عرفي، أما في حال وجود هذه الورقة، يثبت القاضي زواجهما آخذاً بعين الاعتبار أنها ستصبح زوجته، مع الإشارة إلى أنه في حالة القبض عليهما بسبب وجودهما في المنزل نفسه دون ممارسة الجنس لا يحق للقاضي محاسبتهما، لأنه من الممكن أن تربطهما علاقة عمل أو أي علاقة أخرى غير الجنس والحب.
وسواء مورست المساكنة بصورة سرية أو علنية، يبدو أنها بدأت بفرض نفسها في المجتمع السوري، فهل ستصبح المساكنة شكلاً قانونياً منظماً أو يتم التعامي عن أسبابها ونتائجها والاكتفاء بإدانتها باعتبارها مستوردة من الغرب؟
بواسطة Lojain AlArnji | مايو 4, 2019 | Culture, غير مصنف
لطالما اهتمت الدراسات ببحث الدور التغييري للفن في المجتمع أكثر من اهتمامها بالتطرق لمحاربة هذا الفن ذاته بمختلف السبل، وإذا ما بحثنا على محركات البحث الالكترونية عن هذا الموضوع سنجد هذه النتيجة بسهولة. لم يكن الفن يوماً إلا اشكالياً شكلاً ومضموناً، وبالتالي فالمشتغلون بالفن (الفنانون/الفنانات) لهم حيواتهم/ن الخاصة وأساليب عيشهم/ن المختلفة التي يمليها ابداعهم/ن الفني، ومن الصعب انصياع الفنان/ة لكل العادات والتقاليد والنظم والقوانين التي لا تكفل حرية الإبداع ونشر الأفكار. هذا الإشكال بين الفن والمجتمع وجد في كل زمان ومكان، فكيف الحال في البلدان العربية التي يخضع أغلبها لشرائع إسلامية صارمة لطالما حاربت الفن ومجتمعات مقيدة بما تنص هذه الشرائع. هذا الوضع يجعل هوامش التعبير التي تملكها الفنانات النسويات ضيقة خاصةً ضمن هيمنة ذكورية مجتمعية تخصهن بالنصيب الأكبر من المضايقات وتكبيل الحريات.
النساء السوريات في السينما
لم تُهمش المرأة في مضامين السينما السورية، بل كان لها وضع معقد كوضعها الإجتماعي تماماً، فهناك من المخرجين من قدمها على شكل جسد وهذا أسوأ ما تم طرحه، وهناك من أعطاها دوراً ثانوياُ إلى جانب البطل الرجل، ومنهم من قدمها بصورة وردية مزيفة في مجتمعها. والقليل من المخرجين من قدم صورة حقيقية وعميقة عن المرأة وتناول قضاياها، ومن أهمهم المخرجة أمل حنا وواحة الراهب وأسامة محمد ومحمد ملص. ولكن تبقى هذه الأعمال تمثل حالات فردية كان لها همها الجدي بالطبع، إلا أنه لم يمر في تاريخ سورية مشروع سينمائي مدروس أو متبنى من جهة منتجة لأعمال تُعنى بوضع المرأة السورية بما يتعلق بحقوقها وواقعها العام وعالمها السيسيولوجي الهام. لذا احتاجت صورة المرأة في السينما السورية لاهتمام أكبر من المخرجين والكتاب الذين بدورهم كانوا على الأغلب رجالاً ولم يستطيعوا التعبير عن واقع النساء كما يجب. وعلى الصعيد المهني، لم تكف المحاولات النسائية عن السعي لقيادة العمل السينمائي السوري (الإخراج)، إلا أنّ النسبة كانت ضئيلة جداً مقارنةً مع الرجل وأغلبهن انكفأن وانتقلن إلى العمل في التلفزيون حيث تكررت المعاناة ذاتها، مع بعض التسهيلات لأنه لا يوازي أهمية فن السينما. وفي الفترة الراهنة الحساسة لم يتحسن حال المرأة السورية في السينما، بل زاد سوءاً في الداخل السوري بسبب توجيه أغلب الأعمال السينمائية لخدمة ايديولوجيات معينة تهم النظام الحاكم، ويبقى التعويل على ما ينتجه وسينتجه المخرجين والمخرجات في الخارج أو الذين يحصلون على منح إخراجية من منظمات ومؤسسات دولية والتي للأسف يقل ويندر تداولها إعلامياً وبالتالي يبقى تأثيرها ودورها في التغيير محدوداً.
النساء السوريات في المسرح
لم يكن حال مضامين المسرح السوري بأفضل من مثيلتها في السينما لأسباب أكثر تعقيداً، فالدراسات في المنطقة العربية حول أزمة المسرح لم ولن تتوقف. ويبقى التساؤل ذاته يطارد المسرح العربي ومنه المسرح السوري دون نتيجة نهائية حتى الآن. فمن البديهي أن تعاني المضامين المطروحة في المسرح من أزمة أيضاً، فأغلب المخرجين في سورية اعتمدوا على الاقتباس والإعداد عن نصوص عالمية، وبعضهم من غيّر المصطلح لـ(دراماتورجيا) اعتباطياً دون دراسة. ويحتاج حال المرأة في سورية لنصوص تُكتب من قبل الكتّاب السوريين والسوريات أنفسهم، لذلك فإن النص المسرحي السوري وبالتالي العرض المسرحي السوري يفتقد إلى معالجة عميقة ومحلية لقضايا المرأة باستثناء بعض التجارب النادرة التي كان روادها نساء عملوا في الإخراج السينمائي كالمخرجة نائلة الأطرش ومها الصالح، اللتان حاولتا تقديم المرأة بصورة مختلفة عن المطروق والنمطي. وعلى الرغم من عدم تناول مواضيع تخص المرأة في المسرح إلا أنها اقتحمت بقوة هذا العالم كعاملة فيه، وهذا شأن له أهميته الكبيرة÷ فقد ظهرت نصوص مسرحية تتحدث عن قضايا متعددة كتبتها خريجات المعهد العالي للفنون المسرحية/قسم الدراسات المسرحية (قسم النقد المسرحي سابقاً) وما زلن، وتحتفظ مكتبة المعهد بغالبية هذه النصوص. كما أنه لا يقل عدد خريجات المعهد العالي/قسم التمثيل عن عدد الخريجين وأغلبهن يمثلن ويعملن في المسرح، ولنا أمل أن يلامسن قضايا نسوية مهمة. ورغم أن النص المسرحي والعرض المسرحي المدعوم من جهات خاصة هو الأقل ظهوراً ورواجاً إلا أنه ربما يُعنى بقضايا المرأة أكثر مما يقدمه المسرح المحلي حالياً في الداخل السوري. فعلى سبيل المثال، يطغى اليوم على المسرحيات المدعومة من مديرية المسارح والموسيقى تمثيل المرأة على أنها أم الشهداء الحزينة والمستكينة دون مساس بعوالمها المختلفة (أنثى/عاملة/مفكرة). يتم هذا التمثيل لخدمة الرؤى التي تريدها هذه المؤسسة الرسمية. ومن الاستثناءات في المشهد المسرحي السوري، حصول مسرحيتين لشابتين سوريتين (إحداهما بعنوان “كحل عربي” والأخرى بعنوان “عزلة”) على منحتين من قبل اتجاهات ثقافة مستقلة عام 2017. تغوص المسرحيتان في عمق عالم المرأة السورية اليوم. ونأمل ظهور نصوص وعروض أخرى مشابهة في المستقبل القريب.
وبالعودة إلى ما بدأنا به عن مواجهة المجتمع للفن، يحضرنا سؤال مهم، كيف يمكن أن يكون للفنانة السورية دور تغييري وهي مُحاربة على مختلف الصعد؟ فمن المعروف أنه لم يكن من السهل انخراط الإنسان السوري في الفن كمسرح وسينما، ولا يغيب عن المشهد السوري حرق مسرح القباني في أوائل الثمانينات. ودائماً ما عانت المرأة من مضايقات ونبذ وقلة تقدير عند انخراطها في الوسط الفني، وما زالت تعاني من الاستخفاف بقدراتها وتحديد أدوارها واستغلالها من قبل العقلية المتخلفة المهيمنة حتى الآن على الوسط الفني والعاملين فيه. وشكلت الفنانات سنة 2011 جزءاً من المجتمع السوري الذي انتفض ضد الديكتاتورية. وكان هم الفنانات الثائرات الاحتجاج على الآليات الفكرية التي تمنعهن من ممارسة حقوقهن والتعبير عن آرائهن. بعد 7 سنوات من هذه الثورة، يمكن الجدل إن كانت النتيجة مفائلة أو مخيبة للآمال، ولكن رغم عدم حدوث تغيير كبير في واقع السينمائيات والمسرحيات، إلا أنه يجب احترام تحديهن للمجتمع عبر الفن ونشر الأفكار التي تشجع على التمرد والثورة على كل النظم الاستبدادية والإقصائية.
* يعاد نشر هذا المقال في صالون سوريا ضمن تعاون مع شبكة الصحفيات السوريات